يوسف زيدان
78
رسالة الأعضاء
ولما وجب أن يكون هذا المنفذ بعيدا ، لم يمكن أن يكون في أحد « 1 » جهتي البدن ؛ إذ بعد الجهتين عن القلب قليل جدّا ، ولا من قدام وخلف كذلك ، ولا يمكن أن يكون في أسافل البدن ؛ إذ سنبين أن تلك الجهة يجب أن تكون ممر الفضلات ، فكان الهواء النافذ إلى القلب والروح ، يخالط جداراتها ويتكيف برائحتها . . فوجب أن يكون هذا المنفذ في أعلى « 2 » البدن ، وذلك هو الأنف . فوجب أن يكون للهواء الوارد ، منفذ متصل بالأنف إلى قرب القلب ، وأن يكون مستحصفا « 3 » ، لئلا يتفرق منه الهواء النافذ ، وذلك : قصبة الرئة . ويجب أن يكون هناك خزانة يتحفظ فيها الهواء الوارد ؛ ليتعدّل وينفذ منها إلى القلب بقدر الكفاية في ترويحاته المتتابعة « 4 » ؛ إن انقطع الوارد ، لامتناع من الاستنشاق عند استعمال غذاء ، أو اشتغال بكلام أو كراهة بذلك الهواء - كالقرب من الجيف - أو لفساده كما عند الحصول على هواء عفن . ويجب أن تكون هذه الخزانة متخلخلة ؛ ليتفرق الهواء في جرمها ، فيكون فعلها فيها أتمّ وأقوى . ويجب أن تكون بالقرب من القلب ، وهذا هو : الرئة . ثم الهواء ليس يمكن أن يكون بطبعه ينفذ إلى القلب ؛ إذ قد بينّا في كتب أخرى ، أن الهواء بطبعه الحركة إلى جهة فوق ، فوجب أن يكون هناك ما يقسره على النزول إلى القلب ، فوجب أن تكون الأجسام المحيطة بالقلب ، بحيث « 5 » تنبسط حتى يتسع الفضاء المحيط به ، فيجذب الهواء بالضرورة لاضطرار الخلاء ، وأن يكون لها أن تنقبض ليخرج الهواء الذي قد تسخّن وبطلت فائدته بعصرها له ، وليخرج بعد ما يخلو « 6 » من جوهر الروح ، لئلا يضرها ويكدرها بمخالطته . ولا شك أن حركة الانقباض مضادة لحركة الانبساط ، والحركات المتضادة لا يمكن أن تصدر إلّا عن إرادة . فيجب أن تكون هذه الحركة إرادية . فاحتيج ضرورة
--> ( 1 ) هكذا في الأصل ، والصواب ( إحدى ) . ( 2 ) في الأصل : أعلا . ( 3 ) الحصيف في اللغة ، المحكم الذي لا خلل فيه ، يقال « ثوب حصيف » إذا كان محكم النسج ، والمستحصف : الضيق الشديد ( لسان العرب 1 / 654 ) . ( 4 ) العبارة مقروءة بصعوبة في الأصل . ( 5 ) في الأصل : أن . ( 6 ) غير واضحة في الأصل .