يوسف زيدان
24
رسالة الأعضاء
نظرية الإبصار في كتابه ( المهذّب في الكحل المجرب ) يقدم ابن النفيس تصوره لكيفية الإبصار ، على النحو المنهجي الذي عرضنا لخطواته فيما سبق ، وبقي أن نعرض لفحوى النظرية ، كما قدمها ابن النفيس . يبدأ ابن النفيس بنقد أشهر رأيين في كيفية الإبصار ، الرأي القائل إن الرؤية تتم بشعاع يخرج من العين ، والرأي المضادّ الذي يقول بوصول شبح المرئي إلى العين . . ويرى ابن النفيس أن الرأي الأول باطل ، أما الرأي الثاني ، فهو غير كاف لتفسير عملية الإبصار التي يتصورها ابن النفيس على النحو التالي : إن شبح المرئيات يقع في العين الروح النافذ إلى المقلة ، فينقله إلى داخل الدماغ ما يسميه ابن النفيس ( الروح المؤدي ) في زمان لا يحس ، ويتطابق الشبحان الواردان من كل مقلة ، فيكون انتهاء ذلك أمام القوة الباصرة في آن واحد ، كشبح واحد ؛ ولذلك تدرك المرائي واحدا - فيلاقي الشبح في الدماغ خيال مختزن ، وتتم الملاقاة بنوع من الحركة القسرية ، التي من خلالها يتم ( الشعور ) بالأشياء المرئية « 1 » ، فالإدراك يتم بملاقاة المدرك والمدرك ، واشتراك فعل العين مع فعل الدماغ . . فهل كان ابن النفيس مدركا لطبيعة عمل المجاري البصرية Optic Tracts داخل الدماغ ، وعملية انفعال المنطقة البصرية من المخ ؟ أغلب الظن ، أن ابن النفيس أقام هذه النظرية بنوع من التركيب الذهني الذي يسمح له بتفسير عدة أمور : ( 1 ) إن عملية الإبصار لا تحدث عند تلف جزء من المخ ، أو عدم قدرته على القيام بوظيفته ، مع سلامة العين . ( 2 ) إن الإدراك البصري لا يتم في حالة الاستغراق الذهني ، رغم وقوع شبح المبصرات على العين . ( 3 ) إن العين - كحاسة - هي وسيلة تحصيل الإدراك في معظم الأحوال ، لكن الإدراك يمكن بدونها في حالات خاصة ، كما في الأنبياء ومن يقرب منهم .
--> ( 1 ) ابن النفيس : المهذب في الكحل المجرب ، ص 86 وما بعدها .