يوسف زيدان

15

رسالة الأعضاء

حكى هذه الواقعة في معرض حديثه عن أثر « حسد » المحيطين بالإنسان ، وكأنه يرجع سبب مرضه إلى حسد زملائه من الأطباء له ، وعدم إخلاصهم في علاجه ! واشتغل ابن النفيس في ابتداء الأمر كحالا ( طبيب عيون ) كأستاذه الدّخوار ، ويبدو أنه بلغ قدرا كبيرا من المهارة في هذا الفن ، كما يظهر من كتابين له في طب العيون ، هما : المهذّب في الكحل المجرّب ، مفتاح الشفاء في العين « 1 » . لكن ابن النفيس لم يقتصر في الطب على الكحالة ومداواة العيون ، بل درس بقية التخصصات الطبية المتاحة آنذاك . وكانت بداية ممارسته الطب بشكل عام في دمشق ، وبالتحديد في مستشفاها الكبير ( البيمارستان النوري ) وهو يحكي حكاية أخرى طريفة ، شاهدها هناك ، فيقول : « قد كان في بيمارستان دمشق شخص مقعد ، فلما آيس الأطباء من علاج حاله ، وطال مقامه في البيمارستان ، صرفوه . وبقي في بعض الأسواق يستعطي الصدقة مدة سنين ، ثم اتفق له في بعض الليالي أن شاهد أفعى تدنو منه ، فاستغاث بالناس ، فلم يكن هناك من يغيثه ، فلما قربت منه ، واشتد به الفزع ، عدا هاربا ، وتحلّل ما كان في مفاصله . . وقويت رجلاه ، واستمر على الصلاح » « 2 » . وهكذا بدأ ابن النفيس حياته العلمية والعملية بدمشق ؛ ثم جاء إلى القاهرة ، واشتغل بصناعة الطب في أكبر مستشفياتها آنذاك ، البيمارستان الناصري ، الذي أسّسه الناصر صلاح الدين . وبزغ نجم ابن النفيس في القاهرة ، كطبيب وفقيه ومحدّث ومنطقيّ ونحويّ : ففي الطب ، ارتقى حتى صار ( رئيس أطباء مصر والشام ) واشتهر حتى قيل في حقه ، إنه : لم يكن في الطب على وجه الأرض مثله ، ولا جاء بعد ابن سينا مثله ، وكان في العلاج أعظم من ابن سينا « 3 » . وفي الفقه شهد له شرحه الذي وصفه المؤرخون بأنه كان : شرحا حسنا « 4 » . وفي الحديث النبوي يشهد له كتابه : المختصر في علم

--> ( 1 ) هناك طبعة محققة من كتاب ( المهذب ) أصدرتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ، بتحقيق د / محمد ظافر الوفائى ، د . محمد رواس قلعة جى . . أما ( مفتاح الشفاء ) ، فلا توجد منه غير نسخة فريدة ( مخطوطة ) والأرجح أنه منحول . ( 2 ) شرح كليات القانون ( مخطوط برلين ) ورقة 123 ب . وهناك نسخة في الاسكوريال . ( 3 ) انظر : شذرات الذهب 5 / 402 - مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده 1 / 329 - طبقات الشافعية 5 / 129 . ( 4 ) مسالك الأبصار ، ورقة 227 .