يوسف زيدان

128

رسالة الأعضاء

وأما الأغشية ، فهي أجسام منتسجة من ليف عصبيّ ورباطيّ ، يغشى أعضاء أخرى ، وذلك لمنافع : أحدها : لتحفظ شكل بعض تلك الأعضاء . وثانيها : ليكون للأحشاء حس في ظاهرها . وثالثها : ليتعلق بها ما يجاورها من الأعضاء بواسطة هذا الليف . وأما الشعر ، فتكونه من بخار دخاني ، تحلّلت مائيته من خلط البخار ، فانعقدت الدخانية الصرفة . وإنما يتمّ تكونه إذا كان للدم متانة ؛ ليكون المتبخر عنه قليل المائية ، وتكون المسام معتدلة ، فلا تكون متسعة جدّا فيتحلّل منها الدخان ولا يجتمع ، ولا ضيقة جدّا ، فلا يكون « 1 » لما يخرج منها من الدخان ، حجم يوجب تماسك الأجزاء ليكون شعرا . . فإذا كانت المسام متوسطة ، لم يتحلّل منها - لغلظه - واحتبس فيها ، فينبني على هيئتها . فإذا ورد دخان آخر من ورائه ، اتصل به ودفعه ، فخرج شعرا . وتشترك جميع أنواع الشعر في منفعة : وهي تنقية العضو المتولّد فيه . وتختلف بعد ذلك ، فبعضها يقتصر على هذه المنفعة ، كالشعر الذي على الساق والساعد والصدر والمعدة ، والذي على الإبطين والعانة ؛ وبعضها يجمع إلى هذه المنفعة ، الزينة فقط ، وذلك كشعر « 2 » اللحية ؛ وبعضها يجمع إليها ، مع منفعة الزينة ، الوقاية ، وذلك كشعر الرأس والحاجبين والجفنين ؛ وبعضها يجمع إليها الوقاية فقط ، وذلك كشعر الأنف والأذن . وتفلفل شعور السودان ، لقوة حرارة بلادهم ، فيحترق الشعر ويتجعد بإفراط . وسبب طول شعر رؤوس أهل الهند ، رطوبة تعين على تبخر الأجسام الأرضية . والبلاد الحارة يكون شعر رأس أهلها أسود ، والباردة يكون شعرهم أصهب وأشقر ، كالصقالبة « 3 » وكثرة الشعر على أبدان الأكراد ليبوسة مزاجهم ، بسبب أنهم جبليّون . والسبب في نعومة أبدان الترك ، قلّة الشعر عليها لضيق « 4 » مسامهم لقوة البرد عندهم . والسبب في نعومة أبدان السودان ، قلة الشعر عليها لاتساع مسامهم لفرط الحرارة عندهم ، وللحرارة الملينة للجلد ، فتتسلل الرطوبة إليه .

--> ( 1 ) مطموسة في الأصل . ( 2 ) في الأصل : هو كشعر . ( 3 ) الصقالبة ، جماعة حمر الألوان صهب الشعور ، يتاخمون الخزر وبعض جبال الرّوم ( لسان العرب 2 / 459 ) . ( 4 ) مطموسة تماما في الأصل .