إسم الكتاب : الطبقات الكبرى ( عدد الصفحات : 506)


الطبقات الكبرى


الطبقات الكبرى

1



2


الطبقات الكبرى
لابن سعد
المجلد الأول
السيرة الشريفة النبوية
دار صادر
بيروت


الطبقات الكبرى لابن سعد المجلد الأول السيرة الشريفة النبوية دار صادر بيروت

3



4



محمد بن سعد
وكتاب الطبقات
ترجم له ابن النديم في الفهرست : 199 ( ط . فلوجل ) ، وابن أبي حاتم في
الجرح والتعديل رقم : 1433 ، والخطيب في تاريخ بغداد 5 : 321 ، وابن خلكان
في وفيات الأعيان رقم : 617 ( ط . محيي الدين عبد الحميد ) والصفدي في الوافي
3 : 88 ( رقم 1009 ) ، والذهبي في تذكرة الحفاظ ، وابن حجر في تهذيب
التهذيب ، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة ( وفيات 230 ) والجزري في طبقات
القراء ( 1 : 142 ) . ووردت عنه إشارات في كتاب بغداد لابن طيفور ، ومعجم
الأدباء لياقوت ، والاعلان بالتوبيخ للسخاوي . وألف عنه أتولث ott loth رسالة عام
1869 ثم درس طريقته في الطبقات في مقال له نشر بمجلة zdmg ص 593 - 614
العدد 23 ، وكتب سخاو sachau تحليلا لكتابه في مقدمة الجزء الثالث من الطبقات ،
وتحدث عنه هور وفنز horovitz بين كتاب المغازي الأولى ص 126 - 132 ( ترجمة
حسين نصار ) . ويستطيع القارئ أن يراجع ما كتب عنه في دائرة المعارف الاسلامية
وفي تاريخ بروكلمان ( الأصل 1 : 136 والتكملة 1 : 208 ) .
ومع كل ذلك ، فان المعلومات التي نحتاجها لنرسم منها هيكلا لسيرته
قليلة يسيرة لا تفي بشئ من هذا ، لان محمد بن سعيد بن منيع البصري
الزهري المكنى بأبي عبد الله ، يمثل شخصية الرواية الذي لم يسمح لذاته
وعلاقاته وأحواله بأن ترتسم على ما يرويه ، أو أن تتدخل فيه ، وإنه لمن


محمد بن سعد وكتاب الطبقات ترجم له ابن النديم في الفهرست : 199 ( ط . فلوجل ) ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل رقم : 1433 ، والخطيب في تاريخ بغداد 5 : 321 ، وابن خلكان في وفيات الأعيان رقم : 617 ( ط . محيي الدين عبد الحميد ) والصفدي في الوافي 3 : 88 ( رقم 1009 ) ، والذهبي في تذكرة الحفاظ ، وابن حجر في تهذيب التهذيب ، وابن تغري بردي في النجوم الزاهرة ( وفيات 230 ) والجزري في طبقات القراء ( 1 : 142 ) . ووردت عنه إشارات في كتاب بغداد لابن طيفور ، ومعجم الأدباء لياقوت ، والاعلان بالتوبيخ للسخاوي . وألف عنه أتولث ott loth رسالة عام 1869 ثم درس طريقته في الطبقات في مقال له نشر بمجلة zdmg ص 593 - 614 العدد 23 ، وكتب سخاو sachau تحليلا لكتابه في مقدمة الجزء الثالث من الطبقات ، وتحدث عنه هور وفنز horovitz بين كتاب المغازي الأولى ص 126 - 132 ( ترجمة حسين نصار ) . ويستطيع القارئ أن يراجع ما كتب عنه في دائرة المعارف الاسلامية وفي تاريخ بروكلمان ( الأصل 1 : 136 والتكملة 1 : 208 ) .
ومع كل ذلك ، فان المعلومات التي نحتاجها لنرسم منها هيكلا لسيرته قليلة يسيرة لا تفي بشئ من هذا ، لان محمد بن سعيد بن منيع البصري الزهري المكنى بأبي عبد الله ، يمثل شخصية الرواية الذي لم يسمح لذاته وعلاقاته وأحواله بأن ترتسم على ما يرويه ، أو أن تتدخل فيه ، وإنه لمن

5


المفارقات أن ترى الشخص الذي حفظ لنا الصفات الخلقية والخلقية
وأدق المظاهر أحيانا عن حياة الأشخاص ، لا يجد من يكتب عنه ترجمة
موضحة .
فكل ما لدينا عنه أنه ولد سنة 168 ه‍ . بالبصرة ، فنسب إليها ، وارتحل
إلى بغداد وأقام فيها ملازما لأستاذه الواقدي يكتب له ، حتى عرف باسم
" كاتب الواقدي " . وكانت له رحلة إلى المدينة والكوفة ، ولا ريب في
أن رحلته إلى المدينة تمت قبل سنة 200 ه‍ ، فهو يذكر أنه لقي فيها بعض
الشيوخ عام 189 كما أن أكثر الذين روى عنهم من أهلها أدركتهم المنية
قبل مطلع القرن الثالث . وقد كان أحد أجداده مولى لبني هاشم ، ولكن
ابن سعد نفسه كان قد تحلل من عهدة الولاء ، وفي نسبته أنه زهري ، وهي
نسبة غريبة بعدما صرحت الروايات بولاء أهله لبني هاشم .
وفي أثناء حله وترحاله ، كان شغله الشاغل هو لقاء الشيوخ وكتابة
الحديث وجمع الكتب ، ولذلك اتصل بأعلام عصره من المحدثين فروى
عنهم وقيد مروياته ، وأفاد منها في تصنيف كتبه حتى وصف بأنه كان
كثير العلم ، كثير الحديث والرواية ، كثير الكتب . وهذا الخبر قد يدل على
أن نشاطه لم يقف به عند تأليف الطبقات ، وعلى سعة باعه في نواح علمية
كثيرة فان المصادر لم تذكر له من المؤلفات إلا كتابين آخرين - عدا
الطبقات الكبير - وهما كتاب الطبقات الصغير ، وهو مستخرج من المؤلف
الأول ، وكتاب أخبار النبي - وهو الكتاب الوحيد الذي ذكره ابن النديم -
وربما لم يكن شيئا سوى الجزأين الأولين من الطبقات الكبير ، أي أن الكتب
الثلاثة في حقيقتها كتاب واحد ، وتسكت المصادر عما سوى ذلك من
مؤلفات .
ونستطيع أن نقول إن محمد بن سعد كان على اتصال بأكبر رجال
الحديث في عصره ، سواء أكانوا شيوخا أم تلامذة . ومن يطلع على الطبقات


المفارقات أن ترى الشخص الذي حفظ لنا الصفات الخلقية والخلقية وأدق المظاهر أحيانا عن حياة الأشخاص ، لا يجد من يكتب عنه ترجمة موضحة .
فكل ما لدينا عنه أنه ولد سنة 168 ه‍ . بالبصرة ، فنسب إليها ، وارتحل إلى بغداد وأقام فيها ملازما لأستاذه الواقدي يكتب له ، حتى عرف باسم " كاتب الواقدي " . وكانت له رحلة إلى المدينة والكوفة ، ولا ريب في أن رحلته إلى المدينة تمت قبل سنة 200 ه‍ ، فهو يذكر أنه لقي فيها بعض الشيوخ عام 189 كما أن أكثر الذين روى عنهم من أهلها أدركتهم المنية قبل مطلع القرن الثالث . وقد كان أحد أجداده مولى لبني هاشم ، ولكن ابن سعد نفسه كان قد تحلل من عهدة الولاء ، وفي نسبته أنه زهري ، وهي نسبة غريبة بعدما صرحت الروايات بولاء أهله لبني هاشم .
وفي أثناء حله وترحاله ، كان شغله الشاغل هو لقاء الشيوخ وكتابة الحديث وجمع الكتب ، ولذلك اتصل بأعلام عصره من المحدثين فروى عنهم وقيد مروياته ، وأفاد منها في تصنيف كتبه حتى وصف بأنه كان كثير العلم ، كثير الحديث والرواية ، كثير الكتب . وهذا الخبر قد يدل على أن نشاطه لم يقف به عند تأليف الطبقات ، وعلى سعة باعه في نواح علمية كثيرة فان المصادر لم تذكر له من المؤلفات إلا كتابين آخرين - عدا الطبقات الكبير - وهما كتاب الطبقات الصغير ، وهو مستخرج من المؤلف الأول ، وكتاب أخبار النبي - وهو الكتاب الوحيد الذي ذكره ابن النديم - وربما لم يكن شيئا سوى الجزأين الأولين من الطبقات الكبير ، أي أن الكتب الثلاثة في حقيقتها كتاب واحد ، وتسكت المصادر عما سوى ذلك من مؤلفات .
ونستطيع أن نقول إن محمد بن سعد كان على اتصال بأكبر رجال الحديث في عصره ، سواء أكانوا شيوخا أم تلامذة . ومن يطلع على الطبقات

6


يجد له شيوخا كثيرين منهم سفيان بن عيينة وأبو الوليد الطيالسي ومحمد بن
سعدان الضرير ووكيع بن الجراح وسليمان بن حرب وهشيم والفضل بن
دكين والوليد بن مسلم ومعن بن عيسى وعشرات غيرهم ، ولو راجع القارئ
تراجم هؤلاء الشيوخ في كتب الرجال ، لوجد معظمهم ممن لا يشك في
عدالته . وهذا ما يجعلنا نعتقد أن المادة التي نقلها ابن سعد قد وجهت بالنقد
الضمني لأنه تحرى قبل نقلها أن تكون في الأكثر مأخوذة عن العدول الثقات .
وهذا الموقف هو الذي كسب لابن سعد تقدير معاصريه ومن بعدهم ،
فكلهم تقريبا وثقه وأثنى عليه حتى قال فيه الخطيب : " محمد بن سعد عندنا
من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته " .
وقال ابن خلكان : " كان صدوقا ثقة " وقال ابن حجر : " أحد الحفاظ
الكبار الثقات المتبحرين " ووصفوه بالفضل والفهم والنبل ، وفضلوه على
أستاذه الواقدي فقال السخاوي " ثقة مع أن أستاذه ضعيف " . وقد تستوقفنا
هنا ثلاث روايات تتصل بعدالته :
أولاها : أن ابن فهم - تلميذه - كان مرة عند مصعب الزبيري فمر
بهم يحيى بن معين قال له مصعب : يا أبا زكريا ، حدثنا محمد بن سعد الكتاب بكذا وكذا ، فقال له يحيى : كذب . وقد اعتذر عنه الخطيب بأن
تلك الأحاديث التي أنكرها يحيى ربما كانت من المناكير التي يرويها الواقدي ،
أي أنه ألقى اللوم على أستاذه أيضا . ومن أجل هذه القصة فيما يبدو قال ابن
تغري بردي : وثقه جميع الحفاظ ما عدا يحيى بن معين .
الثانية : أن ابن أبي حاتم سأل أباه عنه فقال له : " يصدق " 1
- ولم يستعمل نعتا قويا في توثيقه - وزاد قائلا : رأيته جاء إلى القواريري
وسأله عن أحاديث فحدثه .


يجد له شيوخا كثيرين منهم سفيان بن عيينة وأبو الوليد الطيالسي ومحمد بن سعدان الضرير ووكيع بن الجراح وسليمان بن حرب وهشيم والفضل بن دكين والوليد بن مسلم ومعن بن عيسى وعشرات غيرهم ، ولو راجع القارئ تراجم هؤلاء الشيوخ في كتب الرجال ، لوجد معظمهم ممن لا يشك في عدالته . وهذا ما يجعلنا نعتقد أن المادة التي نقلها ابن سعد قد وجهت بالنقد الضمني لأنه تحرى قبل نقلها أن تكون في الأكثر مأخوذة عن العدول الثقات .
وهذا الموقف هو الذي كسب لابن سعد تقدير معاصريه ومن بعدهم ، فكلهم تقريبا وثقه وأثنى عليه حتى قال فيه الخطيب : " محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته " .
وقال ابن خلكان : " كان صدوقا ثقة " وقال ابن حجر : " أحد الحفاظ الكبار الثقات المتبحرين " ووصفوه بالفضل والفهم والنبل ، وفضلوه على أستاذه الواقدي فقال السخاوي " ثقة مع أن أستاذه ضعيف " . وقد تستوقفنا هنا ثلاث روايات تتصل بعدالته :
أولاها : أن ابن فهم - تلميذه - كان مرة عند مصعب الزبيري فمر بهم يحيى بن معين قال له مصعب : يا أبا زكريا ، حدثنا محمد بن سعد الكتاب بكذا وكذا ، فقال له يحيى : كذب . وقد اعتذر عنه الخطيب بأن تلك الأحاديث التي أنكرها يحيى ربما كانت من المناكير التي يرويها الواقدي ، أي أنه ألقى اللوم على أستاذه أيضا . ومن أجل هذه القصة فيما يبدو قال ابن تغري بردي : وثقه جميع الحفاظ ما عدا يحيى بن معين .
الثانية : أن ابن أبي حاتم سأل أباه عنه فقال له : " يصدق " 1 - ولم يستعمل نعتا قويا في توثيقه - وزاد قائلا : رأيته جاء إلى القواريري وسأله عن أحاديث فحدثه .

--------------------------------------------------------------------------

1 - أصبحت هذه اللفظة في مصدر متأخر " صدوق " انظر ابن الجزري 1 : 143 .

1 - أصبحت هذه اللفظة في مصدر متأخر " صدوق " انظر ابن الجزري 1 : 143 .

7


الثالثة : ما ذكره ابن طيفور 1 من أن المأمون كتب إلى إسحاق بن
إبراهيم في إشخاص سبعة من الفقهاء - بينهم محمد بن سعد كاتب الواقدي -
فأشخصوا إليه ، فسألهم وامتحنهم عن خلق القرآن فأجابوا جميعا : إن القرآن
مخلوق . فهذه الرواية إن صحت تدل أولا على ما كان يتمتع به ابن سعد
من شهرة وتقدم في بغداد ، ولكنها قد تشير ثانيا إلى شئ من عدم الرضى عنه
بين فئة من أهل الحديث : ومع ذلك فقد نرى بينه وبين أحمد بن حنبل الذي
وقف أصلب موقف في فتنة خلق القرآن علاقة قوية إذ كان أحمد يوجه
في كل جمعة برجل إلى ابن سعد يأخذ منه جزأين من حديث الواقدي فينظر
فيهما إلى الجمعة الأخرى ثم يردهما ويأخذ غيرهما .
أما تلامذته فهم كثيرون أيضا ، ومنهم أحمد بن عبيد وابن أبي الدنيا
والبلاذري والحارث بن أبي أسامة والحسين بن فهم وغيرهم .
وتكاد المصادر تجمع على أن ابن سعد توفي يوم الأحد لأربع خلون
من جمادى الآخرة سنة 230 ه‍ ، بمدينة بغداد ودفن في مقبرة باب الشام
وهو يومئذ ابن اثنتين وستين سنة . وهذا الخبر منقول عن الحسين بن فهم
أحد تلامذته الأدنين ، وأحد اثنين رويا كتاب الطبقات . ولكن ابن أبي
حاتم يذكر أنه توفي سنة ست وثلاثين ( يعني ومائتين ) وقال الصفدي في
الوافي انه توفي سنة 222 على خلاف في ذلك . ويبدو أن رواية ابن فهم هي
الصحيحة ، فأما رواية الصفدي في الوافي فواضحة الخطأ لان ابن سعد يؤرخ
لأناس توفوا سنة 228 و 229 ه‍ 2 وليس هناك ما يدل على أن ذلك مما زاده
الرواة الذين نقلوا الكتاب . أما رواية ابن أبي حاتم فقد كتبت بالأرقام لا
بالحروف وهي في شكلها الذي كتبت به لا تسلم من الخطأ .


الثالثة : ما ذكره ابن طيفور 1 من أن المأمون كتب إلى إسحاق بن إبراهيم في إشخاص سبعة من الفقهاء - بينهم محمد بن سعد كاتب الواقدي - فأشخصوا إليه ، فسألهم وامتحنهم عن خلق القرآن فأجابوا جميعا : إن القرآن مخلوق . فهذه الرواية إن صحت تدل أولا على ما كان يتمتع به ابن سعد من شهرة وتقدم في بغداد ، ولكنها قد تشير ثانيا إلى شئ من عدم الرضى عنه بين فئة من أهل الحديث : ومع ذلك فقد نرى بينه وبين أحمد بن حنبل الذي وقف أصلب موقف في فتنة خلق القرآن علاقة قوية إذ كان أحمد يوجه في كل جمعة برجل إلى ابن سعد يأخذ منه جزأين من حديث الواقدي فينظر فيهما إلى الجمعة الأخرى ثم يردهما ويأخذ غيرهما .
أما تلامذته فهم كثيرون أيضا ، ومنهم أحمد بن عبيد وابن أبي الدنيا والبلاذري والحارث بن أبي أسامة والحسين بن فهم وغيرهم .
وتكاد المصادر تجمع على أن ابن سعد توفي يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة 230 ه‍ ، بمدينة بغداد ودفن في مقبرة باب الشام وهو يومئذ ابن اثنتين وستين سنة . وهذا الخبر منقول عن الحسين بن فهم أحد تلامذته الأدنين ، وأحد اثنين رويا كتاب الطبقات . ولكن ابن أبي حاتم يذكر أنه توفي سنة ست وثلاثين ( يعني ومائتين ) وقال الصفدي في الوافي انه توفي سنة 222 على خلاف في ذلك . ويبدو أن رواية ابن فهم هي الصحيحة ، فأما رواية الصفدي في الوافي فواضحة الخطأ لان ابن سعد يؤرخ لأناس توفوا سنة 228 و 229 ه‍ 2 وليس هناك ما يدل على أن ذلك مما زاده الرواة الذين نقلوا الكتاب . أما رواية ابن أبي حاتم فقد كتبت بالأرقام لا بالحروف وهي في شكلها الذي كتبت به لا تسلم من الخطأ .

--------------------------------------------------------------------------

1 - جاء هذا الخبر على نحو أكمل في النجوم الزاهرة 2 : 219 .
2 - انظر الطبقات 5 : 326 .

1 - جاء هذا الخبر على نحو أكمل في النجوم الزاهرة 2 : 219 . 2 - انظر الطبقات 5 : 326 .

8


ولم تقتصر ثقافة ابن سعد على الحديث والاخبار والسير بل إنه كتب
الغريب والفقه ، وربما دلت صلته بالنحويين واللغويين مثل أبي زيد الأنصاري 1
على استكماله للنواحي اللغوية والنحوية ، على نحو واسع . أما صلته بمحمد
ابن سعدان الضرير وهو من مشهوري القراء فتدل على اهتمامه بالقراءات ،
وقد صرح ابن الجزري بأن ابن سعد روى الحروف عن محمد بن عمر
الواقدي ثم رواها عنه الحارث بن أبي سلمة ، وكان توفره على كتابة تراجم
الرجال سببا في اطلاعه الواسع على علم الأنساب ، ويبدو من الطبقات أنه أحكم
هذا الفرع إحكاما جيدا بحيث تمكن فيه من المناقشة والترجيح ، وعمدته
في ذلك رواية أستاذه الواقدي ، ورواية ابن إسحاق ، ورواية ابن عمارة
الأنصاري في نسب الأنصار ، ورواية هشام بن محمد بن السائب الكلبي ،
وعن هذا الأخير روى ابن سعد كتابه " جمهرة الأنساب " 2 .
و " الطبقات " معرض لنواح كثيرة من ثقافته ، وهو عمل ضخم
أراده أن يكون في خمسة عشر مجلدا ، ليخدم به السنة أو علم الحديث ،
فتحدث فيه عن الرسول والصحابة والتابعين إلى عصره ، مقتفيا خطى أستاذه
الواقدي الذي ألف أيضا كتاب " الطبقات " ، ويبدو أن عمل ابن سعد شمل
رواية الواقدي نفسه في السيرة والتراجم مضافا إليها روايات أخذها عن
غير الواقدي في السيرة والتراجم أيضا ، فإذا كتابه صورة أكمل وأوسع
لأنه يمثل نشاط المحدثين والأخباريين والنسابين في عصره وفيما قبله . غير
أو الواقدي يغلب على من عداه في توجيه كثير من المادة ، وإن كنا نجد فصولا
استجدها ابن سعد ، فلم يرد فيها ذكر للواقدي إطلاقا ( مثل " ذكر كنية
رسول الله ، صلى الله عليه وسلم " 1 / 1 : 66 ، ومثل " ذكر ما كان


ولم تقتصر ثقافة ابن سعد على الحديث والاخبار والسير بل إنه كتب الغريب والفقه ، وربما دلت صلته بالنحويين واللغويين مثل أبي زيد الأنصاري 1 على استكماله للنواحي اللغوية والنحوية ، على نحو واسع . أما صلته بمحمد ابن سعدان الضرير وهو من مشهوري القراء فتدل على اهتمامه بالقراءات ، وقد صرح ابن الجزري بأن ابن سعد روى الحروف عن محمد بن عمر الواقدي ثم رواها عنه الحارث بن أبي سلمة ، وكان توفره على كتابة تراجم الرجال سببا في اطلاعه الواسع على علم الأنساب ، ويبدو من الطبقات أنه أحكم هذا الفرع إحكاما جيدا بحيث تمكن فيه من المناقشة والترجيح ، وعمدته في ذلك رواية أستاذه الواقدي ، ورواية ابن إسحاق ، ورواية ابن عمارة الأنصاري في نسب الأنصار ، ورواية هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، وعن هذا الأخير روى ابن سعد كتابه " جمهرة الأنساب " 2 .
و " الطبقات " معرض لنواح كثيرة من ثقافته ، وهو عمل ضخم أراده أن يكون في خمسة عشر مجلدا ، ليخدم به السنة أو علم الحديث ، فتحدث فيه عن الرسول والصحابة والتابعين إلى عصره ، مقتفيا خطى أستاذه الواقدي الذي ألف أيضا كتاب " الطبقات " ، ويبدو أن عمل ابن سعد شمل رواية الواقدي نفسه في السيرة والتراجم مضافا إليها روايات أخذها عن غير الواقدي في السيرة والتراجم أيضا ، فإذا كتابه صورة أكمل وأوسع لأنه يمثل نشاط المحدثين والأخباريين والنسابين في عصره وفيما قبله . غير أو الواقدي يغلب على من عداه في توجيه كثير من المادة ، وإن كنا نجد فصولا استجدها ابن سعد ، فلم يرد فيها ذكر للواقدي إطلاقا ( مثل " ذكر كنية رسول الله ، صلى الله عليه وسلم " 1 / 1 : 66 ، ومثل " ذكر ما كان

--------------------------------------------------------------------------

1 - انباه الرواة 2 : 30 - 31
2 - ياقوت 7 : 250 ( ط . مرجوليوث ) .

1 - انباه الرواة 2 : 30 - 31 2 - ياقوت 7 : 250 ( ط . مرجوليوث ) .

9


رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يعوذ به ويعوذه به جبريل " 2 / 1 : 14 )
وقد كان الواقدي قليل الاهتمام بأمر التاريخ الجاهلي ، ولذلك نجد أن رواية
هشام بن محمد بن السائب الكلبي قد غلبت على الفصول المتصلة بتاريخ الأنبياء
وبالأنساب القديمة ، على وجه الاجمال ، غير أن الفصول التي لم يذكر
فيها الواقدي قليلة ، وأهم الفصول إنما هي من اجتهاده وتحريره ، حتى
ليصدق قول ابن النديم على ابن سعد " ألف كتبه من تصنيفات الواقدي " .
وفي حديثه عن الوفود التي وفدت على الرسول تجد رواية الواقدي تسير جنبا
إلى جنب - في أكثر الأحيان - مع رواية هشام بن الكلبي . بل لم يقتصر
ابن سعد على الإفادة من " طبقات " الواقدي وإنما استقى معلومات من
كتبه الأخرى مثل كتاب " أزواج النبي ، صلى الله عليه وسلم " ، وكتاب
" وفاة النبي ، صلى الله عليه وسلم " ، وكتاب " أخبار مكة " ، وكتاب
" السيرة " ، وكتاب " طعم النبي " ، وأفاد بخاصة من كتاب " المغازي " ،
فقد دخل هذا الكتاب كله ضمن طبقات ابن سعد . غير أنه لم يكتف به في
هذا الموضوع فأضاف إليه المعلومات التي رواها عن ثلاثة من الرواة تتصل
رواية الأول منهم ( وهو رويم بن يزيد المقرئ ) بمغازي ابن إسحاق ،
وتتصل رواية الثاني بأبي معشر أحد الذين كتبوا في المغازي ، أما الثالث
وهو إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني فتتصل روايته بمغازي موسى
ابن عقبة . وهكذا يجيء هذا الفصل ممثلا لأربعة كتب في المغازي ( عدا
روايات أخرى ) . ولابد لنا من أن نتذكر أن اثنين من هؤلاء الثلاثة وهما
موسى بن عقبة وابن إسحاق كانا من تلامذة الزهري ، وأن إحدى روايات
الواقدي تتصل بالزهري ، كما أن الواقدي نفسه اعتمد كثيرا على مغازي
موسى بن عقبة ومغازي ابن إسحاق ، دون أن يشير إليهما كثيرا . وفي
هذا ما يدل على اختلاط الروايات واتفاقها في منبع واحد . أما أبو معشر
فقد اعتمد عليه الواقدي أيضا وكان موثقا في السيرة والمغازي بصيرا بهما ،


رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يعوذ به ويعوذه به جبريل " 2 / 1 : 14 ) وقد كان الواقدي قليل الاهتمام بأمر التاريخ الجاهلي ، ولذلك نجد أن رواية هشام بن محمد بن السائب الكلبي قد غلبت على الفصول المتصلة بتاريخ الأنبياء وبالأنساب القديمة ، على وجه الاجمال ، غير أن الفصول التي لم يذكر فيها الواقدي قليلة ، وأهم الفصول إنما هي من اجتهاده وتحريره ، حتى ليصدق قول ابن النديم على ابن سعد " ألف كتبه من تصنيفات الواقدي " .
وفي حديثه عن الوفود التي وفدت على الرسول تجد رواية الواقدي تسير جنبا إلى جنب - في أكثر الأحيان - مع رواية هشام بن الكلبي . بل لم يقتصر ابن سعد على الإفادة من " طبقات " الواقدي وإنما استقى معلومات من كتبه الأخرى مثل كتاب " أزواج النبي ، صلى الله عليه وسلم " ، وكتاب " وفاة النبي ، صلى الله عليه وسلم " ، وكتاب " أخبار مكة " ، وكتاب " السيرة " ، وكتاب " طعم النبي " ، وأفاد بخاصة من كتاب " المغازي " ، فقد دخل هذا الكتاب كله ضمن طبقات ابن سعد . غير أنه لم يكتف به في هذا الموضوع فأضاف إليه المعلومات التي رواها عن ثلاثة من الرواة تتصل رواية الأول منهم ( وهو رويم بن يزيد المقرئ ) بمغازي ابن إسحاق ، وتتصل رواية الثاني بأبي معشر أحد الذين كتبوا في المغازي ، أما الثالث وهو إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني فتتصل روايته بمغازي موسى ابن عقبة . وهكذا يجيء هذا الفصل ممثلا لأربعة كتب في المغازي ( عدا روايات أخرى ) . ولابد لنا من أن نتذكر أن اثنين من هؤلاء الثلاثة وهما موسى بن عقبة وابن إسحاق كانا من تلامذة الزهري ، وأن إحدى روايات الواقدي تتصل بالزهري ، كما أن الواقدي نفسه اعتمد كثيرا على مغازي موسى بن عقبة ومغازي ابن إسحاق ، دون أن يشير إليهما كثيرا . وفي هذا ما يدل على اختلاط الروايات واتفاقها في منبع واحد . أما أبو معشر فقد اعتمد عليه الواقدي أيضا وكان موثقا في السيرة والمغازي بصيرا بهما ،

10

لا يتم تسجيل الدخول!