إسم الكتاب : أصول السرخسي ( عدد الصفحات : 353)


أصول السرخسي
للامام الفقيه الأصولي النظار أبى بكر محمد بن أحمد
بن أبي سهل السرخسي المتوفى سنة 490
من الهجرة النبوية رضي الله عنه
الجزء الثاني
حقق أصوله
أبو الوفاء الأفغاني
رئيس اللجنة العلمية لاحياء المعارف النعمانية
عنيت بنشره لجنة احياء المعارف النعمانية
بحيدر آباد الدكن بالهند
دار الكتاب العلمية
بيروت لبنان


أصول السرخسي للامام الفقيه الأصولي النظار أبى بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي المتوفى سنة 490 من الهجرة النبوية رضي الله عنه الجزء الثاني حقق أصوله أبو الوفاء الأفغاني رئيس اللجنة العلمية لاحياء المعارف النعمانية عنيت بنشره لجنة احياء المعارف النعمانية بحيدر آباد الدكن بالهند دار الكتاب العلمية بيروت لبنان

1


الطبعة الأولى
1414 ه‍ . - 1993 م .


الطبعة الأولى 1414 ه‍ . - 1993 م .

2


< فهرس الموضوعات >
فصل في الخبر يلحقه التكذيب من جهة الراوي أو من جهة غيره
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
أما ما يلحقه من جهة الراوي فأربعة أقسام : إنكاره الرواية ، مخالفته للحديث أن يظهر منه تعيين شئ مما هو من محتملات الخبر ، تركه العمل بالحديث
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
أما الوجه الأول
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
المحاورة التي جرت بين أبى يوسف ومحمد في الرواية عن أبى حنيفة في ثلاث مسائل من الجامع الصغير
< / فهرس الموضوعات >
بسم الله الرحمن الرحيم
فصل : في الخبر يلحقه التكذيب
من جهة الراوي أو من جهة غيره
أما ما يلحقه من جهة الراوي فأربعة أقسام : أحدها أن ينكر الرواية أصلا ،
والثاني أن يظهر منه مخالفة للحديث قولا أو عملا قبل الرواية أو بعدها ، أو لم يعلم
التاريخ ، والثالث أن يظهر منه تعيين شئ مما هو من محتملات الخبر تأويلا أو تخصيصا ،
والرابع أن يترك العمل بالحديث أصلا .
فأما الوجه الأول فقد اختلف فيه أهل الحديث من السلف فقال بعضهم : بإنكار
الراوي يخرج الحديث من أن يكون حجة . وقال بعضهم : لا يخرج ( من أن يكون
حجة ) وبيان هذا فيما رواه ربيعة عن سهيل بن أبي صالح من حديث القضاء بالشاهد
واليمين ، ثم قيل لسهيل : إن ربيعة يروي عنك هذا الحديث فلم يذكره وجعل يروي
ويقول حدثني ربيعة عني وهو ثقة . وقد عمل الشافعي بالحديث مع إنكار الراوي
ولم يعمل به علماؤنا رحمهم الله . وذكر سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن
عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام قال : أيما امرأة نكحت بغير إذن
وليها فنكاحها باطل الحديث ، ثم روى أن ابن جريج سأل الزهري عن هذا الحديث
فلم يعرفه ، ثم عمل به محمد والشافعي مع إنكار الراوي ، ولم يعمل به أبو حنيفة
وأبو يوسف لانكار الراوي إياه ، وقالوا ينبغي أن يكون هذا الفصل على الاختلاف
بين علمائنا رحمهم الله بهذه الصفة ، واستدلوا عليه بما لو ادعى رجل عند قاض أنه
قضى له بحق على هذا الخصم ولم يعرف القاضي قضاءه فأقام المدعي شاهدين على قضائه
بهذه الصفة ، فإن على قول أبي يوسف لا يقبل القاضي هذه البينة ولا ينفذ قضاءه بها
وعلى قول محمد يقبلها وينفذ قضاءه ، فإذا ثبت هذا الخلاف بينهما في قضاء ينكره
القاضي فكذلك في حديث ينكره الراوي الأصل . وعلى هذا ما يحكي من المحاورة التي
جرت بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في الرواية عن أبي حنيفة في ثلاث مسائل من


< فهرس الموضوعات > فصل في الخبر يلحقه التكذيب من جهة الراوي أو من جهة غيره < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > أما ما يلحقه من جهة الراوي فأربعة أقسام : إنكاره الرواية ، مخالفته للحديث أن يظهر منه تعيين شئ مما هو من محتملات الخبر ، تركه العمل بالحديث < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > أما الوجه الأول < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > المحاورة التي جرت بين أبى يوسف ومحمد في الرواية عن أبى حنيفة في ثلاث مسائل من الجامع الصغير < / فهرس الموضوعات > بسم الله الرحمن الرحيم فصل : في الخبر يلحقه التكذيب من جهة الراوي أو من جهة غيره أما ما يلحقه من جهة الراوي فأربعة أقسام : أحدها أن ينكر الرواية أصلا ، والثاني أن يظهر منه مخالفة للحديث قولا أو عملا قبل الرواية أو بعدها ، أو لم يعلم التاريخ ، والثالث أن يظهر منه تعيين شئ مما هو من محتملات الخبر تأويلا أو تخصيصا ، والرابع أن يترك العمل بالحديث أصلا .
فأما الوجه الأول فقد اختلف فيه أهل الحديث من السلف فقال بعضهم : بإنكار الراوي يخرج الحديث من أن يكون حجة . وقال بعضهم : لا يخرج ( من أن يكون حجة ) وبيان هذا فيما رواه ربيعة عن سهيل بن أبي صالح من حديث القضاء بالشاهد واليمين ، ثم قيل لسهيل : إن ربيعة يروي عنك هذا الحديث فلم يذكره وجعل يروي ويقول حدثني ربيعة عني وهو ثقة . وقد عمل الشافعي بالحديث مع إنكار الراوي ولم يعمل به علماؤنا رحمهم الله . وذكر سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام قال : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث ، ثم روى أن ابن جريج سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه ، ثم عمل به محمد والشافعي مع إنكار الراوي ، ولم يعمل به أبو حنيفة وأبو يوسف لانكار الراوي إياه ، وقالوا ينبغي أن يكون هذا الفصل على الاختلاف بين علمائنا رحمهم الله بهذه الصفة ، واستدلوا عليه بما لو ادعى رجل عند قاض أنه قضى له بحق على هذا الخصم ولم يعرف القاضي قضاءه فأقام المدعي شاهدين على قضائه بهذه الصفة ، فإن على قول أبي يوسف لا يقبل القاضي هذه البينة ولا ينفذ قضاءه بها وعلى قول محمد يقبلها وينفذ قضاءه ، فإذا ثبت هذا الخلاف بينهما في قضاء ينكره القاضي فكذلك في حديث ينكره الراوي الأصل . وعلى هذا ما يحكي من المحاورة التي جرت بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في الرواية عن أبي حنيفة في ثلاث مسائل من

3


الجامع الصغير ، وقد بيناها في شرح الجامع الصغير ، فإن محمدا ثبت على ما رواه عن
أبي يوسف عنه بعد إنكار أبي يوسف ، وأبو يوسف لم يعتمد رواية محمد عنه حين
لم يتذكر . وزعم بعض مشايخنا أن على قياس قول علمائنا ينبغي أن لا يبطل الخبر
بإنكار راوي الأصل إلا على قول زفر رحمه الله ، وردوا هذا إلى قول زوج المعتدة
أخبرتني أن عدتها قد انقضت وهي تنكر فإن على قول زفر لا يبقى الخبر معمولا به بعد
إنكارها ، وعندنا يبقى معمولا به إلا في حقها ، والأول أصح ، فإن جواز نكاح
الأخت والأربع له هنا عندنا باعتبار ظهور انقضاء العدة في حقه ( بقوله ) لكونه
أمينا في الاخبار عن أمر بينه وبين ربه لا لاتصال الخبر بها ، ولهذا لو قال انقضت
عدتها ولم يضف الخبر إليها كان الحكم كذلك في الصحيح من الجواب . فأما الفريق
الأول فقد احتجوا بحديث ذي اليدين رضي الله عنه ، فإن النبي عليه السلام لما
قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما : ( أحق ما يقول ذو اليدين ؟ ) فقالا نعم ، فقام
فأتم صلاته وقبل خبرهما عنه وإن لم يذكره ، وعمر قبل خبر أنس بن مالك عنه في أمان
الهرمزان بقوله له أتكلم كلام حي وإن لم يذكر ذلك ، ولان النسيان غالب على الانسان
فقد يحفظ الانسان شيئا ويرويه لغيره ثم ينسى بعد مدة فلا يتذكره أصلا ، والراوي
عنه عدل ثقة فبه يترجح جانب الصدق في خبره ثم لا يبطل ذلك بنسيانه . وهذا
بخلاف الشهادة على الشهادة فإن شاهد الأصل إذا أنكره لم يكن للقاضي أن يقضي
بشهادته ، لان الفرعي هناك ليس بشاهد على الحق ليقضي بشهادته ، وإنما هو ثابت
في نقل شهادة الأصلي ، ولهذا لو قال أشهد على فلان لا يكون صحيحا ما لم يقل أشهدني
على شهادته وأمرني بالأداء فأنا أشهد على شهادته ، ثم القضاء يكون بشهادة الأصلي
ومع إنكار لا تثبت شهادته في مجلس القضاء ، فأما هنا الفرعي إنما يروي الحديث باعتبار
سماع صحيح له من الأصلي ولا يبطل ذلك بإنكار الأصلي بناء على نسيانه . وأما الفريق
الثاني استدلوا بحديث عمار رضي الله عنه حين قال لعمر : أما تذكر إذ كنا في الإبل
فأجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله ( ص ) عن ذلك فقال :
أما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض فتمسح بهما وجهك وذراعيك فلم


الجامع الصغير ، وقد بيناها في شرح الجامع الصغير ، فإن محمدا ثبت على ما رواه عن أبي يوسف عنه بعد إنكار أبي يوسف ، وأبو يوسف لم يعتمد رواية محمد عنه حين لم يتذكر . وزعم بعض مشايخنا أن على قياس قول علمائنا ينبغي أن لا يبطل الخبر بإنكار راوي الأصل إلا على قول زفر رحمه الله ، وردوا هذا إلى قول زوج المعتدة أخبرتني أن عدتها قد انقضت وهي تنكر فإن على قول زفر لا يبقى الخبر معمولا به بعد إنكارها ، وعندنا يبقى معمولا به إلا في حقها ، والأول أصح ، فإن جواز نكاح الأخت والأربع له هنا عندنا باعتبار ظهور انقضاء العدة في حقه ( بقوله ) لكونه أمينا في الاخبار عن أمر بينه وبين ربه لا لاتصال الخبر بها ، ولهذا لو قال انقضت عدتها ولم يضف الخبر إليها كان الحكم كذلك في الصحيح من الجواب . فأما الفريق الأول فقد احتجوا بحديث ذي اليدين رضي الله عنه ، فإن النبي عليه السلام لما قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما : ( أحق ما يقول ذو اليدين ؟ ) فقالا نعم ، فقام فأتم صلاته وقبل خبرهما عنه وإن لم يذكره ، وعمر قبل خبر أنس بن مالك عنه في أمان الهرمزان بقوله له أتكلم كلام حي وإن لم يذكر ذلك ، ولان النسيان غالب على الانسان فقد يحفظ الانسان شيئا ويرويه لغيره ثم ينسى بعد مدة فلا يتذكره أصلا ، والراوي عنه عدل ثقة فبه يترجح جانب الصدق في خبره ثم لا يبطل ذلك بنسيانه . وهذا بخلاف الشهادة على الشهادة فإن شاهد الأصل إذا أنكره لم يكن للقاضي أن يقضي بشهادته ، لان الفرعي هناك ليس بشاهد على الحق ليقضي بشهادته ، وإنما هو ثابت في نقل شهادة الأصلي ، ولهذا لو قال أشهد على فلان لا يكون صحيحا ما لم يقل أشهدني على شهادته وأمرني بالأداء فأنا أشهد على شهادته ، ثم القضاء يكون بشهادة الأصلي ومع إنكار لا تثبت شهادته في مجلس القضاء ، فأما هنا الفرعي إنما يروي الحديث باعتبار سماع صحيح له من الأصلي ولا يبطل ذلك بإنكار الأصلي بناء على نسيانه . وأما الفريق الثاني استدلوا بحديث عمار رضي الله عنه حين قال لعمر : أما تذكر إذ كنا في الإبل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله ( ص ) عن ذلك فقال :
أما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض فتمسح بهما وجهك وذراعيك فلم

4


< فهرس الموضوعات >
النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن التقرير على الخطأ
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
أما الوجه الثاني وهو ما إذا ظهر منه المخالفة قولا أو عملا
< / فهرس الموضوعات >
يرفع عمر رضي الله عنه رأسه ولم يعتمد روايته مع أنه كان عدلا ثقة ، لأنه روى عنه
ولم يتذكر هو ما رواه فكان لا يرى التيمم للجنب بعد ذلك ، ولان باعتبار تكذيب
العادة يخرج الحديث من أن يكون حجة موجبة للعمل كما قررنا فيما سبق ، وتكذيب
الراوي أدل على الوهن من تكذيب العادة ، وهذا لان الخبر إنما يكون معمولا به
إذا اتصل برسول الله عليه السلام ، وقد انقطع هذا الاتصال بإنكار راوي الأصل ، لان
إنكاره حجة في حقه فتنتفي به روايته الحديث أو يصير هو مناقضا بإنكاره ومع التناقض
لا تثبت روايته وبدون روايته لا يثبت الاتصال فلا يكون حجة كما في الشهادة على الشهادة ،
وكما يتوهم نسيان راوي الأصل يتوهم غلط راوي الفرع ، فقد يسمع الانسان حديثا فيحفظه
ولا يحفظ من سمع منه فيظن أنه سمعه من فلان وإنما سمعه من غيره ، فأدنى الدرجات
فيه أن يقع التعارض فيما هو متوهم فلا يثبت الاتصال من جهته ولا من جهة غيره
لأنه مجهول وبالمجهول لا يثبت الاتصال . وأما حديث ذي اليدين فإنما يحمل على أن
النبي عليه السلام تذكر ذلك عند خبرهما وهذا هو الظاهر ، فإنه كان معصوما
عن التقرير على الخطأ ، وحديث عمر محتمل لذلك أيضا فربما تذكر حين شهد به غيره
فلهذا عمل به ، أو تذكر غفلة من نفسه وشغل القلب بشئ في ذلك الوقت ، وقد
يكون هذا للمرء بحيث يوجد شئ منه ثم لا يذكره ، فأخذه بالاحتياط وجعله
آمنا من هذا الوجه . ونحن لا نمنع من مثل هذا الاحتياط ، وإنما ندعي أنه
لا يبقى موجبا للعمل مع إنكار راوي الأصل ، وكما أن راوي الفرع عدل ثقة
فراوي الأصل كذلك وذلك يرجح جانب الصدق في إنكاره أيضا فتتحقق المعارضة
من هذا الوجه ، وأدنى ما فيه أن يتعارض قولاه في الرواية والانكار فيبقى الامر على
ما كان قبل روايته .
وأما الوجه الثاني وهو ما إذا ظهر منه المخالفة قولا أو عملا ، فإن كان ذلك بتاريخ
قبل الرواية فإنه لا يقدح في الخبر ويحمل على أنه كان ذلك مذهبه قبل أن يسمع
الحديث فلما سمع الحديث رجع إليه ، وكذلك إن لم يعلم التاريخ لان الحمل على أحسن
الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه ، وهو أن يكون ذلك منه قبل أن يبلغه الحديث


< فهرس الموضوعات > النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن التقرير على الخطأ < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > أما الوجه الثاني وهو ما إذا ظهر منه المخالفة قولا أو عملا < / فهرس الموضوعات > يرفع عمر رضي الله عنه رأسه ولم يعتمد روايته مع أنه كان عدلا ثقة ، لأنه روى عنه ولم يتذكر هو ما رواه فكان لا يرى التيمم للجنب بعد ذلك ، ولان باعتبار تكذيب العادة يخرج الحديث من أن يكون حجة موجبة للعمل كما قررنا فيما سبق ، وتكذيب الراوي أدل على الوهن من تكذيب العادة ، وهذا لان الخبر إنما يكون معمولا به إذا اتصل برسول الله عليه السلام ، وقد انقطع هذا الاتصال بإنكار راوي الأصل ، لان إنكاره حجة في حقه فتنتفي به روايته الحديث أو يصير هو مناقضا بإنكاره ومع التناقض لا تثبت روايته وبدون روايته لا يثبت الاتصال فلا يكون حجة كما في الشهادة على الشهادة ، وكما يتوهم نسيان راوي الأصل يتوهم غلط راوي الفرع ، فقد يسمع الانسان حديثا فيحفظه ولا يحفظ من سمع منه فيظن أنه سمعه من فلان وإنما سمعه من غيره ، فأدنى الدرجات فيه أن يقع التعارض فيما هو متوهم فلا يثبت الاتصال من جهته ولا من جهة غيره لأنه مجهول وبالمجهول لا يثبت الاتصال . وأما حديث ذي اليدين فإنما يحمل على أن النبي عليه السلام تذكر ذلك عند خبرهما وهذا هو الظاهر ، فإنه كان معصوما عن التقرير على الخطأ ، وحديث عمر محتمل لذلك أيضا فربما تذكر حين شهد به غيره فلهذا عمل به ، أو تذكر غفلة من نفسه وشغل القلب بشئ في ذلك الوقت ، وقد يكون هذا للمرء بحيث يوجد شئ منه ثم لا يذكره ، فأخذه بالاحتياط وجعله آمنا من هذا الوجه . ونحن لا نمنع من مثل هذا الاحتياط ، وإنما ندعي أنه لا يبقى موجبا للعمل مع إنكار راوي الأصل ، وكما أن راوي الفرع عدل ثقة فراوي الأصل كذلك وذلك يرجح جانب الصدق في إنكاره أيضا فتتحقق المعارضة من هذا الوجه ، وأدنى ما فيه أن يتعارض قولاه في الرواية والانكار فيبقى الامر على ما كان قبل روايته .
وأما الوجه الثاني وهو ما إذا ظهر منه المخالفة قولا أو عملا ، فإن كان ذلك بتاريخ قبل الرواية فإنه لا يقدح في الخبر ويحمل على أنه كان ذلك مذهبه قبل أن يسمع الحديث فلما سمع الحديث رجع إليه ، وكذلك إن لم يعلم التاريخ لان الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه ، وهو أن يكون ذلك منه قبل أن يبلغه الحديث

5



ثم رجع إلى الحديث . وأما إذا علم ذلك منه بتاريخ بعد الحديث فإن الحديث يخرج به
من أن يكون حجة لان فتواه بخلاف الحديث أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع
وأنه الأصل للحديث ، فإن الحالات لا تخلو إما إن كانت الرواية تقولا منه لا عن سماع
فيكون واجب الرد ، أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث على وجه قلة المبالاة
والتهاون بالحديث فيصير به فاسقا لا تقبل روايته أصلا ، أو يكون ذلك منه عن غفلة
ونسيان وشهادة المغفل لا تكون حجة فكذلك خبره ، أو يكون ذلك منه على أنه علم
انتساخ حكم الحديث ، وهذا أحسن الوجوه فيجب الحمل عليه تحسينا للظن بروايته وعمله ،
فإنه روى على طريق إبقاء الاسناد وعلم أنه منسوخ فأفتى بخلافه ، أو عمل بالناسخ
دون المنسوخ ، وكما يتوهم أن يكون فتواه أو عمله بناء على غفلة أو نسيان يتوهم
أن تكون روايته بناء على غلط وقع له وباعتبار التعارض بينهما ينقطع الاتصال . وبيان
هذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال : يغسل الاناء
من ولوغ الكلب سبعا ثم صح من فتواه أنه يطهر بالغسل ثلاثا فحملنا على أنه كان
علم انتساخ هذا الحكم ، أو علم بدلالة الحال أن مراد رسول الله عليه السلام الندب
فيما وراء الثلاثة . وقال عمر رضي الله عنه : متعتان كانتا على عهد رسول الله عليه
السلام وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ، ومتعة الحج . فإنما يحمل
هذا على علمه بالانتساخ ، ولهذا قال ابن سيرين هم الذين رووا الرخصة في المتعة
وهم الذين نهوا عنها ، وليس في رأيهم ما يرغب عنه ولا في نصيحتهم ما يوجب التهمة .
وأما في العمل فبيان هذا في حديث عائشة رضي الله عنها : ( أيما امرأة نكحت
بغير إذن وليها ) ثم صح أنها زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله
عنهما ، فبعملها بخلاف الحديث يتبين النسخ ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي
عليه السلام كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الرجوع ، ثم قد صح
عن مجاهد قال : صحبت ابن عمر سنين وكان لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الافتتاح
فيثبت بعمله بخلاف الحديث نسخ الحكم .
وأما الوجه الثالث وهو تعيينه بعض محتملات الحديث فإن ذلك لا يمنع كون
الحديث معمولا به على ظاهره من قبل أنه إنما فعل ذلك بتأويل وتأويله لا يكون


ثم رجع إلى الحديث . وأما إذا علم ذلك منه بتاريخ بعد الحديث فإن الحديث يخرج به من أن يكون حجة لان فتواه بخلاف الحديث أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع وأنه الأصل للحديث ، فإن الحالات لا تخلو إما إن كانت الرواية تقولا منه لا عن سماع فيكون واجب الرد ، أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث على وجه قلة المبالاة والتهاون بالحديث فيصير به فاسقا لا تقبل روايته أصلا ، أو يكون ذلك منه عن غفلة ونسيان وشهادة المغفل لا تكون حجة فكذلك خبره ، أو يكون ذلك منه على أنه علم انتساخ حكم الحديث ، وهذا أحسن الوجوه فيجب الحمل عليه تحسينا للظن بروايته وعمله ، فإنه روى على طريق إبقاء الاسناد وعلم أنه منسوخ فأفتى بخلافه ، أو عمل بالناسخ دون المنسوخ ، وكما يتوهم أن يكون فتواه أو عمله بناء على غفلة أو نسيان يتوهم أن تكون روايته بناء على غلط وقع له وباعتبار التعارض بينهما ينقطع الاتصال . وبيان هذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال : يغسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا ثم صح من فتواه أنه يطهر بالغسل ثلاثا فحملنا على أنه كان علم انتساخ هذا الحكم ، أو علم بدلالة الحال أن مراد رسول الله عليه السلام الندب فيما وراء الثلاثة . وقال عمر رضي الله عنه : متعتان كانتا على عهد رسول الله عليه السلام وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ، ومتعة الحج . فإنما يحمل هذا على علمه بالانتساخ ، ولهذا قال ابن سيرين هم الذين رووا الرخصة في المتعة وهم الذين نهوا عنها ، وليس في رأيهم ما يرغب عنه ولا في نصيحتهم ما يوجب التهمة .
وأما في العمل فبيان هذا في حديث عائشة رضي الله عنها : ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ) ثم صح أنها زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما ، فبعملها بخلاف الحديث يتبين النسخ ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الرجوع ، ثم قد صح عن مجاهد قال : صحبت ابن عمر سنين وكان لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الافتتاح فيثبت بعمله بخلاف الحديث نسخ الحكم .
وأما الوجه الثالث وهو تعيينه بعض محتملات الحديث فإن ذلك لا يمنع كون الحديث معمولا به على ظاهره من قبل أنه إنما فعل ذلك بتأويل وتأويله لا يكون

6


< فهرس الموضوعات >
ترك العمل بخلاف الحديث حرام كما أن العمل بخلافه حرام
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
أما ما يكون من جهة غير الراوي فهو قسمان أحدهما أن يكون من جهة الصحابة والثاني ما يكون من جهة أئمة الحديث
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
فأما ما يكون من جهة الصحابة فهو نوعان أحدهما أن يعمل بخلاف الحديث بعض الأئمة من الصحابة وهو ممن يعلم أنه لا يخفى عليه
< / فهرس الموضوعات >
حجة على غيره ، وإنما الحجة الحديث ، وبتأويله لا يتغير ظاهر الحديث فيبقى معمولا به
على ظاهره ، وهو وغيره في التأويل والتخصيص سواء . وبيان هذا في حديث ابن عمر
رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا وهذا
يحتمل التفرق بالأقوال ويحتمل التفرق بالأبدان ثم حمله ابن عمر على التفرق بالأبدان
حتى روى عنه أنه كان إذا أوجب البيع مشى هنيهة ، ولم نأخذ بتأويله لان الحديث
في احتمال كل واحد من الامرين كالمشترك فتعيين أحد المحتملين فيه يكون تأويلا
لا تصرفا في الحديث . وكذلك قال الشافعي رحمه الله في حديث ابن عباس رضي الله
عنهما أن النبي عليه السلام قال : من بدل دينه فاقتلوه ثم قد ظهر من فتوى
ابن عباس أن المرتدة لا تقتل فقال : هذا تخصيص لحق الحديث من الراوي وذلك
بمنزلة التأويل لا يكون حجة على غيره ، فأنا آخذ بظاهر الحديث وأوجب القتل
على المرتدة . وأما ترك العمل بالحديث أصلا فهو بمنزلة العمل بخلاف الحديث حتى
يخرج به من أن يكون حجة ، لان ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله
( ص ) حرام كما أن العمل بخلافه حرام ، ومن هذا النوع ترك ابن عمر
العمل بحديث رفع اليدين عند الركوع كما بينا .
وأما ما يكون من جهة غير الراوي فهو قسمان : أحدهما ما يكون من جهة
الصحابة ، والثاني ما يكون من جهة أئمة الحديث . فأما ما يكون من الصحابة فهو
نوعان على ما ذكره عيسى بن أبان رحمه الله : أحدهما أن يعمل بخلاف الحديث بعض
الأئمة من الصحابة وهو ممن يعلم أنه لا يخفى عليه مثل ذلك الحديث ، فيخرج الحديث
به من أن يكون حجة ، لأنه لما انقطع توهم أنه لم يبلغه ولا يظن به مخالفة حديث
صحيح عن رسول الله ( ص ) سواء رواه هو أو غيره ، فأحسن الوجوه فيه
أنه علم انتساخه أو أن ذلك الحكم لم يكن حتما فيجب حمله على هذا . وبيانه فيما روى
البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة
ثم صح عن الخلفاء أنهم أبوا الجمع بين الجلد والرجم بعد علمنا أنه لم يخف عليهم الحديث
لشهرته ، فعرفنا به انتساخ هذا الحكم ، وكذلك صح عن عمر رضي الله عنه قوله :
والله لا أنفي أحدا أبدا . وقول علي رضي الله عنه : كفى بالنفي فتنة ، مع علمنا أنه
لم يخف عليهما الحديث ، فاستدللنا به على انتساخ حكم الجمع بين الجلد والتغريب .


< فهرس الموضوعات > ترك العمل بخلاف الحديث حرام كما أن العمل بخلافه حرام < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > أما ما يكون من جهة غير الراوي فهو قسمان أحدهما أن يكون من جهة الصحابة والثاني ما يكون من جهة أئمة الحديث < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > فأما ما يكون من جهة الصحابة فهو نوعان أحدهما أن يعمل بخلاف الحديث بعض الأئمة من الصحابة وهو ممن يعلم أنه لا يخفى عليه < / فهرس الموضوعات > حجة على غيره ، وإنما الحجة الحديث ، وبتأويله لا يتغير ظاهر الحديث فيبقى معمولا به على ظاهره ، وهو وغيره في التأويل والتخصيص سواء . وبيان هذا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا وهذا يحتمل التفرق بالأقوال ويحتمل التفرق بالأبدان ثم حمله ابن عمر على التفرق بالأبدان حتى روى عنه أنه كان إذا أوجب البيع مشى هنيهة ، ولم نأخذ بتأويله لان الحديث في احتمال كل واحد من الامرين كالمشترك فتعيين أحد المحتملين فيه يكون تأويلا لا تصرفا في الحديث . وكذلك قال الشافعي رحمه الله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال : من بدل دينه فاقتلوه ثم قد ظهر من فتوى ابن عباس أن المرتدة لا تقتل فقال : هذا تخصيص لحق الحديث من الراوي وذلك بمنزلة التأويل لا يكون حجة على غيره ، فأنا آخذ بظاهر الحديث وأوجب القتل على المرتدة . وأما ترك العمل بالحديث أصلا فهو بمنزلة العمل بخلاف الحديث حتى يخرج به من أن يكون حجة ، لان ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله ( ص ) حرام كما أن العمل بخلافه حرام ، ومن هذا النوع ترك ابن عمر العمل بحديث رفع اليدين عند الركوع كما بينا .
وأما ما يكون من جهة غير الراوي فهو قسمان : أحدهما ما يكون من جهة الصحابة ، والثاني ما يكون من جهة أئمة الحديث . فأما ما يكون من الصحابة فهو نوعان على ما ذكره عيسى بن أبان رحمه الله : أحدهما أن يعمل بخلاف الحديث بعض الأئمة من الصحابة وهو ممن يعلم أنه لا يخفى عليه مثل ذلك الحديث ، فيخرج الحديث به من أن يكون حجة ، لأنه لما انقطع توهم أنه لم يبلغه ولا يظن به مخالفة حديث صحيح عن رسول الله ( ص ) سواء رواه هو أو غيره ، فأحسن الوجوه فيه أنه علم انتساخه أو أن ذلك الحكم لم يكن حتما فيجب حمله على هذا . وبيانه فيما روى البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ثم صح عن الخلفاء أنهم أبوا الجمع بين الجلد والرجم بعد علمنا أنه لم يخف عليهم الحديث لشهرته ، فعرفنا به انتساخ هذا الحكم ، وكذلك صح عن عمر رضي الله عنه قوله :
والله لا أنفي أحدا أبدا . وقول علي رضي الله عنه : كفى بالنفي فتنة ، مع علمنا أنه لم يخف عليهما الحديث ، فاستدللنا به على انتساخ حكم الجمع بين الجلد والتغريب .

7


< فهرس الموضوعات >
وجه عدم قسمة سيدنا عمر السوار بين الغانمين مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر بين الغانمين
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
وجه تطبيق ابن مسعود في الصلاة مع ورود حديث الاخذ بالركب
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يترك العمل به باعتبار عمل ممن هو دونه بخلافه
< / فهرس الموضوعات >
وكذلك ما يروى أن عمر رضي الله عنه حين فتح السواد من بها على أهلها وأبى
أن يقسمها بين الغانمين مع علمنا أنه لم يخف عليه قسمة رسول الله عليه السلام خيبر
بين أصحابه حين افتتحها ، فاستدللنا به على أنه علم أن ذلك لم يكن حكما حتما من
رسول الله عليه السلام على وجه لا يجوز غيره في الغنائم .
فإن قيل : أليس أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يطبق في الصلاة بعد ما ثبت
انتساخه بحديث مشهور فيه أمر بالأخذ بالركب ، ثم خفي عليه ذلك حتى لم يجعل
عمله دليلا ، على أن الحديث الذي فيه أمر بالأخذ بالركب منسوخ أو أن الاخذ
بالركب لا يكون عينا في الصلاة ؟ قلنا : ما خفي على ابن مسعود حديث الامر بالأخذ
بالركب ، وإنما وقع عنده أنه على سبيل الرخصة فكان تلحقهم المشقة في التطبيق
مع طول الركوع لانهم كانوا يخافون السقوط على الأرض ، فأمروا بالأخذ بالركب
تيسيرا عليهم لا تعيينا عليهم ، فلأجل هذا التأويل لم يترك العمل بظاهر الحديث
الذي فيه أمر بالأخذ بالركب . والوجه الثاني أن يظهر منه العمل بخلاف الحديث
وهو ممن يجوز أن يخفى عليه ذلك الحديث ، فلا يخرج الحديث من أن يكون حجة
بعمله بخلافه . وبيان هذا فيما روي أن النبي عليه السلام رخص للحائض في أن تترك
طواف الصدر ، ثم صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها تقيم حتى تطهر فتطوف ،
ولا تترك بهذا العمل بالحديث الذي فيه رخصة لجواز أن يكون ذلك خفي عليه .
وكذلك ما يروى عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان لا يوجب إعادة
الوضوء على من قهقه في الصلاة ، ولا يترك به العمل بالحديث الموجب للوضوء
من القهقهة في الصلاة لجواز أن يكون ذلك خفي عليه . وكذلك قول ابن عمر :
لا يحج أحد عن أحد ، لا يمنع العمل بالحديث الوارد في الاحجاج عن الشيخ
الكبير لجواز أن يكون ذلك خفي عليه ، وهذا لان الحديث معمول به إذا صح
عن رسول الله ( ص ) فلا يترك العمل به باعتبار عمل ممن هو دونه
بخلافه ، وإنما تحمل فتواه بخلاف الحديث على أحسن الوجهين وهو أنه إنما أفتى به
برأيه ، لأنه خفي عليه النص ولو بلغه لرجع إليه فعلى من يبلغه الحديث بطريق
صحيح أن يأخذ به .


< فهرس الموضوعات > وجه عدم قسمة سيدنا عمر السوار بين الغانمين مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر بين الغانمين < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > وجه تطبيق ابن مسعود في الصلاة مع ورود حديث الاخذ بالركب < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يترك العمل به باعتبار عمل ممن هو دونه بخلافه < / فهرس الموضوعات > وكذلك ما يروى أن عمر رضي الله عنه حين فتح السواد من بها على أهلها وأبى أن يقسمها بين الغانمين مع علمنا أنه لم يخف عليه قسمة رسول الله عليه السلام خيبر بين أصحابه حين افتتحها ، فاستدللنا به على أنه علم أن ذلك لم يكن حكما حتما من رسول الله عليه السلام على وجه لا يجوز غيره في الغنائم .
فإن قيل : أليس أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يطبق في الصلاة بعد ما ثبت انتساخه بحديث مشهور فيه أمر بالأخذ بالركب ، ثم خفي عليه ذلك حتى لم يجعل عمله دليلا ، على أن الحديث الذي فيه أمر بالأخذ بالركب منسوخ أو أن الاخذ بالركب لا يكون عينا في الصلاة ؟ قلنا : ما خفي على ابن مسعود حديث الامر بالأخذ بالركب ، وإنما وقع عنده أنه على سبيل الرخصة فكان تلحقهم المشقة في التطبيق مع طول الركوع لانهم كانوا يخافون السقوط على الأرض ، فأمروا بالأخذ بالركب تيسيرا عليهم لا تعيينا عليهم ، فلأجل هذا التأويل لم يترك العمل بظاهر الحديث الذي فيه أمر بالأخذ بالركب . والوجه الثاني أن يظهر منه العمل بخلاف الحديث وهو ممن يجوز أن يخفى عليه ذلك الحديث ، فلا يخرج الحديث من أن يكون حجة بعمله بخلافه . وبيان هذا فيما روي أن النبي عليه السلام رخص للحائض في أن تترك طواف الصدر ، ثم صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها تقيم حتى تطهر فتطوف ، ولا تترك بهذا العمل بالحديث الذي فيه رخصة لجواز أن يكون ذلك خفي عليه .
وكذلك ما يروى عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان لا يوجب إعادة الوضوء على من قهقه في الصلاة ، ولا يترك به العمل بالحديث الموجب للوضوء من القهقهة في الصلاة لجواز أن يكون ذلك خفي عليه . وكذلك قول ابن عمر :
لا يحج أحد عن أحد ، لا يمنع العمل بالحديث الوارد في الاحجاج عن الشيخ الكبير لجواز أن يكون ذلك خفي عليه ، وهذا لان الحديث معمول به إذا صح عن رسول الله ( ص ) فلا يترك العمل به باعتبار عمل ممن هو دونه بخلافه ، وإنما تحمل فتواه بخلاف الحديث على أحسن الوجهين وهو أنه إنما أفتى به برأيه ، لأنه خفي عليه النص ولو بلغه لرجع إليه فعلى من يبلغه الحديث بطريق صحيح أن يأخذ به .

8


< فهرس الموضوعات >
والوجه الثاني أن يظهر منه العمل بخلاف الحديث وهو ممن يجوز أن يخفى ذلك الحديث
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
وأما ما يكون من أئمة الحديث فهو الطعن في الرواة ، وهذا نوعان مبهم ومفسر والمفسر نوعان
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
فأما الطعن المبهم فهو عند الفقهاء لا يكون جرحا
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
طعن بعض المتعنتين في أبى حنيفة أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد فكان يروى من ذلك والجواب عنه
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
الطعن بالتدليس
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
الطعن بالتلبيس على من يكفي عن الراوي ولا يذكر اسمه ونسبه
< / فهرس الموضوعات >
وأما ما يكون من أئمة الحديث فهو الطعن في الرواة ، وذلك نوعان : مبهم ،
ومفسر . ثم المفسر نوعان : ما لا يصلح أن يكون طعنا ، وما يصلح أن يكون . والذي
يصلح نوعان : مجتهد فيه ، أو متفق عليه . والمتفق عليه نوعان : أن يكون ممن هو
مشهور بالنصيحة والاتقان ، أو ممن هو معروف بالتعصب والعداوة . فأما الطعن
المبهم فهو عند الفقهاء لا يكون جرحا ، لان العدالة باعتبار ظاهر الدين ثابت لكل
مسلم خصوصا من كان من القرون الثلاثة ، فلا يترك ذلك بطعن مبهم ، ألا ترى أن
الشهادة أضيق من رواية الخبر في هذا . ثم الطعن المبهم من المدعى عليه لا يكون جرحا
فكذلك من المزكي ، ولا يمتنع العمل بالشهادة لأجل الطعن المبهم ، فلان لا يخرج
الحديث بالطعن المبهم من أن يكون حجة أولى . وهذا للعادة الظاهرة أن الانسان
إذا لحقه من غير ما يسوءه فإنه يعجز عن إمساك لسانه في ذلك الوقت حتى يطعن فيه
طعنا مبهما إلا من عصمه الله تعالى ، ثم إذا طلب منه تفسير ذلك لا يكون له أصل .
والمفسر الذي لا يصلح أن يكون طعنا لا يوجب الجرح أيضا ، وذلك مثل طعن بعض
المتعنتين في أبي حنيفة أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد فكان يروي من ذلك .
وهذا إن صح فهو لا يصلح طعنا بل هو دليل الاتقان فقد كان هو لا يستجيز الرواية
إلا عن حفظ ، والانسان لا يقوى اعتماده على جميع ما يحفظه ، ففعل ذلك ليقابل حفظه
بكتب أستاذه فيزداد به معنى الاتقان . وكذلك الطعن بالتدليس على من يقول
حدثني فلان عن فلان ولا يقول قال حدثني فلان فإن هذا لا يصلح أن يكون طعنا ،
لان هذا يوهم الارسال ، وإذا كان حقيقة الارسال دليل زيادة الاتقان على ما بينا
فما يوهم الارسال كيف يكون طعنا .
ومنه الطعن بالتلبيس على من يكنى عن الراوي ولا يذكر اسمه ولا نسبه ، نحو
رواية سفيان الثوري بقوله حدثنا أبو سعيد من غير بيان يعلم به أن هذا ثقة أو غير ثقة ،
ونحو رواية محمد بقوله أخبرنا الثقة من غير تفسير ، فإن هذا محمول على أحسن الوجوه
وهو صيانة الراوي من أن يطعن فيه ( بعض ) من لا يبالي وصيانة السامع من أن


< فهرس الموضوعات > والوجه الثاني أن يظهر منه العمل بخلاف الحديث وهو ممن يجوز أن يخفى ذلك الحديث < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > وأما ما يكون من أئمة الحديث فهو الطعن في الرواة ، وهذا نوعان مبهم ومفسر والمفسر نوعان < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > فأما الطعن المبهم فهو عند الفقهاء لا يكون جرحا < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > طعن بعض المتعنتين في أبى حنيفة أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد فكان يروى من ذلك والجواب عنه < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > الطعن بالتدليس < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > الطعن بالتلبيس على من يكفي عن الراوي ولا يذكر اسمه ونسبه < / فهرس الموضوعات > وأما ما يكون من أئمة الحديث فهو الطعن في الرواة ، وذلك نوعان : مبهم ، ومفسر . ثم المفسر نوعان : ما لا يصلح أن يكون طعنا ، وما يصلح أن يكون . والذي يصلح نوعان : مجتهد فيه ، أو متفق عليه . والمتفق عليه نوعان : أن يكون ممن هو مشهور بالنصيحة والاتقان ، أو ممن هو معروف بالتعصب والعداوة . فأما الطعن المبهم فهو عند الفقهاء لا يكون جرحا ، لان العدالة باعتبار ظاهر الدين ثابت لكل مسلم خصوصا من كان من القرون الثلاثة ، فلا يترك ذلك بطعن مبهم ، ألا ترى أن الشهادة أضيق من رواية الخبر في هذا . ثم الطعن المبهم من المدعى عليه لا يكون جرحا فكذلك من المزكي ، ولا يمتنع العمل بالشهادة لأجل الطعن المبهم ، فلان لا يخرج الحديث بالطعن المبهم من أن يكون حجة أولى . وهذا للعادة الظاهرة أن الانسان إذا لحقه من غير ما يسوءه فإنه يعجز عن إمساك لسانه في ذلك الوقت حتى يطعن فيه طعنا مبهما إلا من عصمه الله تعالى ، ثم إذا طلب منه تفسير ذلك لا يكون له أصل .
والمفسر الذي لا يصلح أن يكون طعنا لا يوجب الجرح أيضا ، وذلك مثل طعن بعض المتعنتين في أبي حنيفة أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد فكان يروي من ذلك .
وهذا إن صح فهو لا يصلح طعنا بل هو دليل الاتقان فقد كان هو لا يستجيز الرواية إلا عن حفظ ، والانسان لا يقوى اعتماده على جميع ما يحفظه ، ففعل ذلك ليقابل حفظه بكتب أستاذه فيزداد به معنى الاتقان . وكذلك الطعن بالتدليس على من يقول حدثني فلان عن فلان ولا يقول قال حدثني فلان فإن هذا لا يصلح أن يكون طعنا ، لان هذا يوهم الارسال ، وإذا كان حقيقة الارسال دليل زيادة الاتقان على ما بينا فما يوهم الارسال كيف يكون طعنا .
ومنه الطعن بالتلبيس على من يكنى عن الراوي ولا يذكر اسمه ولا نسبه ، نحو رواية سفيان الثوري بقوله حدثنا أبو سعيد من غير بيان يعلم به أن هذا ثقة أو غير ثقة ، ونحو رواية محمد بقوله أخبرنا الثقة من غير تفسير ، فإن هذا محمول على أحسن الوجوه وهو صيانة الراوي من أن يطعن فيه ( بعض ) من لا يبالي وصيانة السامع من أن

9


< فهرس الموضوعات >
منها طعن بعض الجهال في محمد بن الحسن بأنه سأل ابن المبارك أن يروى له فأبى
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
ومن ذلك الطعن بركض الدواب
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
ومن ذلك الطعن بكثرة المزاح
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
ومن ذل الطعن بحداثة سن الراوي
< / فهرس الموضوعات >
يبتلى بالطعن في أحد من غير حجة ، على أن من يكون مطعونا في بعض رواياته بسبب
لا يوجب عموم الطعن فيه فذلك لا يمنع قبول روايته والعمل به فيما سوى ذلك نحو
الكلبي وأمثاله . ثم سفيان الثوري ممن لا يخفى حاله في الفقه والعدالة ولا يظن به
إلا أحسن الوجوه . وكذلك محمد بن الحسن فتحمل الكناية منهما عن الراوي على
أنهما قصدا صيانته ، وكيف يجعل ذلك طعنا والقول بأنه ثقة شهادة بالعدالة له ؟ .
ومن ذلك أيضا طعن بعض الجهال في محمد بن الحسن بأنه سأل عبد الله بن المبارك
رحمه الله أن يروي له أحاديث ليسمعها منه فأبى فلما قيل له في ذلك فقال : لا تعجبني
أخلاقه . فإن هذا إن صح لم يصلح أن يكون طعنا لان أخلاق الفقهاء لا توافق أخلاق
الزهاد في كل وجع ، فهم بمحل القدوة والزهاد بمحل العزلة ، وقد يحسن في مقام العزلة
ما يقبح في مقام القدوة أو على عكس ذلك ، فكيف يصلح أن يكون هذا طعنا لو صح
مع أنه غير صحيح ، فقد روي عن ابن المبارك أنه قال لا بد أن يكون في كل زمان من يحيي
به الله للناس دينهم ودنياهم . فقيل له : من بهذه الصفة في هذا الزمان ؟ فقال : محمد
بن الحسن . فهذا يتبين أنه لا أصل لذلك الطعن .
ومن ذلك الطعن بركض الدواب ، فإن ذلك من عمل الجهاد ، لان السباق على
الأفراس والاقدام مشروع ليتقوى به المرء على الجهاد ، فما يكون من جنسه مشروع
لا يصلح أن يكون طعنا .
ومن ذلك الطعن بكثرة المزاح فإن ذلك مباح شرعا إذا لم يتكلم بما ليس بحق ،
على ما روي أن النبي عليه السلام كان يمازح ولا يقول إلا حقا . ولكن هذا بشرط
أن لا يكون متخبطا مجازفا يعتاد القصد إلى رفع الحجة والتلبيس به ، ألا ترى إلى
ما روي أن عليا رضي الله عنه كان به دعابة . وقد ذكر ذلك عمر حين ذكر اسمه
في الشورى ولم يذكره على وجه الطعن ، فعرفنا أن عينه لا يكون طعنا .
ومن ذلك الطعن بحداثة سن الراوي ، فإن كثيرا من الصحابة كانوا يروون في
حداثة سنهم ، منهم ابن عباس وابن عمر ، ولكن هذا بشرط الاتقان عند التحمل


< فهرس الموضوعات > منها طعن بعض الجهال في محمد بن الحسن بأنه سأل ابن المبارك أن يروى له فأبى < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > ومن ذلك الطعن بركض الدواب < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > ومن ذلك الطعن بكثرة المزاح < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > ومن ذل الطعن بحداثة سن الراوي < / فهرس الموضوعات > يبتلى بالطعن في أحد من غير حجة ، على أن من يكون مطعونا في بعض رواياته بسبب لا يوجب عموم الطعن فيه فذلك لا يمنع قبول روايته والعمل به فيما سوى ذلك نحو الكلبي وأمثاله . ثم سفيان الثوري ممن لا يخفى حاله في الفقه والعدالة ولا يظن به إلا أحسن الوجوه . وكذلك محمد بن الحسن فتحمل الكناية منهما عن الراوي على أنهما قصدا صيانته ، وكيف يجعل ذلك طعنا والقول بأنه ثقة شهادة بالعدالة له ؟ .
ومن ذلك أيضا طعن بعض الجهال في محمد بن الحسن بأنه سأل عبد الله بن المبارك رحمه الله أن يروي له أحاديث ليسمعها منه فأبى فلما قيل له في ذلك فقال : لا تعجبني أخلاقه . فإن هذا إن صح لم يصلح أن يكون طعنا لان أخلاق الفقهاء لا توافق أخلاق الزهاد في كل وجع ، فهم بمحل القدوة والزهاد بمحل العزلة ، وقد يحسن في مقام العزلة ما يقبح في مقام القدوة أو على عكس ذلك ، فكيف يصلح أن يكون هذا طعنا لو صح مع أنه غير صحيح ، فقد روي عن ابن المبارك أنه قال لا بد أن يكون في كل زمان من يحيي به الله للناس دينهم ودنياهم . فقيل له : من بهذه الصفة في هذا الزمان ؟ فقال : محمد بن الحسن . فهذا يتبين أنه لا أصل لذلك الطعن .
ومن ذلك الطعن بركض الدواب ، فإن ذلك من عمل الجهاد ، لان السباق على الأفراس والاقدام مشروع ليتقوى به المرء على الجهاد ، فما يكون من جنسه مشروع لا يصلح أن يكون طعنا .
ومن ذلك الطعن بكثرة المزاح فإن ذلك مباح شرعا إذا لم يتكلم بما ليس بحق ، على ما روي أن النبي عليه السلام كان يمازح ولا يقول إلا حقا . ولكن هذا بشرط أن لا يكون متخبطا مجازفا يعتاد القصد إلى رفع الحجة والتلبيس به ، ألا ترى إلى ما روي أن عليا رضي الله عنه كان به دعابة . وقد ذكر ذلك عمر حين ذكر اسمه في الشورى ولم يذكره على وجه الطعن ، فعرفنا أن عينه لا يكون طعنا .
ومن ذلك الطعن بحداثة سن الراوي ، فإن كثيرا من الصحابة كانوا يروون في حداثة سنهم ، منهم ابن عباس وابن عمر ، ولكن هذا بشرط الاتقان عند التحمل

10

لا يتم تسجيل الدخول!