إسم الكتاب : الاحكام ( عدد الصفحات : 122)



الاحكام في أصول الاحكام
للحافظ أبى محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري
هذا الكتاب النفيس ، الذي لم تر العين
مثيله في علم الأصول
أحمد شاكر
الجزء الثامن
قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة
أحمد شاكر
رحمه الله
الناشر
زكريا على يوسف
مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680
الجزء الثامن
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
فصل
وهذا حين نأخذ في إبطال القياس بالبراهين الضرورية إن شاء .
قال أبو محمد : ويقال للقائلين بالقياس : أليس قد بعث الله عز وجل محمدا
صلى الله عليه وسلم رسولا إلى الإنس والجن ، فأول ما دعاهم إليه فقول لا إله إلا الله
ورفض كل معبود دون الله تعالى ، ومن وثن وغيره ، وأنه رسول الله فقط
لم يكن في الدين شريعة غير هذا أصلا ، لا إيجاب حكم ، ولا تحريم شئ ؟ . فمن
قولهم وقول كل مسلم وكافر : نعم ، هذا أمر لا شك فيه عند أحد ، فإذ هذا
لا خلاف فيه ولا شك فيه ، ولا ينكره أحد ، فقد كان الدين والاسلام
لا تحريم فيه ، ولا إيجاب ، ثم أنزل الله تعالى الشرائع ، فما أمر به فهو واجب ،
وما نهى عنه فهو حرام ، وما لم يأمر به ولا نهى عنه فهو مباح مطلق ، حلال كما كان ،
هذا أمر معروف ضرورة بفطرة العقول من كل أحد ففي ماذا يحتاج إلى القياس
أو إلى الرأي ؟ . أليس من أقر بما ذكرنا ثم أوجب ما لا نص بإيجابه ، أو حرم
ما لا نص بالنهي عنه ، قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله تعالى ؟ وقال ما لا يحل
القول به ؟ وهذا برهان لائح واضح وكاف لا معترض فيه .
ثم يقال لهم أيضا وبالله تعالى التوفيق : فماذا يحتاج إلى القياس ؟ أفيما نص
عليه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ أم فيما لم ينص عليه ؟ فإن قالوا : فيما نص عليه ،
فارقوا الاجماع ، وقاربوا الخروج عن الاسلام ، لأنه لم يقل بهذا أحد ، وهو مع
ذلك قول لا يمكن أحد أن يقوله ، لأنه لا قياس إلا على أصل يرد ذلك الفرع إليه ،
ولا أصل إلا نص أو إجماع ، فصح على قولهم أن القياس إنما هو مردود إلى النص .
وإن قالوا : فيما لم ينص عليه ، فقلنا وبالله تعالى التوفيق : قال الله تعالى :
* ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) * وقال تعالى : * ( ما فرطنا في الكتاب


الاحكام في أصول الاحكام للحافظ أبى محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري هذا الكتاب النفيس ، الذي لم تر العين مثيله في علم الأصول أحمد شاكر الجزء الثامن قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله الناشر زكريا على يوسف مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680 الجزء الثامن بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم فصل وهذا حين نأخذ في إبطال القياس بالبراهين الضرورية إن شاء .
قال أبو محمد : ويقال للقائلين بالقياس : أليس قد بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى الإنس والجن ، فأول ما دعاهم إليه فقول لا إله إلا الله ورفض كل معبود دون الله تعالى ، ومن وثن وغيره ، وأنه رسول الله فقط لم يكن في الدين شريعة غير هذا أصلا ، لا إيجاب حكم ، ولا تحريم شئ ؟ . فمن قولهم وقول كل مسلم وكافر : نعم ، هذا أمر لا شك فيه عند أحد ، فإذ هذا لا خلاف فيه ولا شك فيه ، ولا ينكره أحد ، فقد كان الدين والاسلام لا تحريم فيه ، ولا إيجاب ، ثم أنزل الله تعالى الشرائع ، فما أمر به فهو واجب ، وما نهى عنه فهو حرام ، وما لم يأمر به ولا نهى عنه فهو مباح مطلق ، حلال كما كان ، هذا أمر معروف ضرورة بفطرة العقول من كل أحد ففي ماذا يحتاج إلى القياس أو إلى الرأي ؟ . أليس من أقر بما ذكرنا ثم أوجب ما لا نص بإيجابه ، أو حرم ما لا نص بالنهي عنه ، قد شرع في الدين ما لم يأذن به الله تعالى ؟ وقال ما لا يحل القول به ؟ وهذا برهان لائح واضح وكاف لا معترض فيه .
ثم يقال لهم أيضا وبالله تعالى التوفيق : فماذا يحتاج إلى القياس ؟ أفيما نص عليه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ أم فيما لم ينص عليه ؟ فإن قالوا : فيما نص عليه ، فارقوا الاجماع ، وقاربوا الخروج عن الاسلام ، لأنه لم يقل بهذا أحد ، وهو مع ذلك قول لا يمكن أحد أن يقوله ، لأنه لا قياس إلا على أصل يرد ذلك الفرع إليه ، ولا أصل إلا نص أو إجماع ، فصح على قولهم أن القياس إنما هو مردود إلى النص .
وإن قالوا : فيما لم ينص عليه ، فقلنا وبالله تعالى التوفيق : قال الله تعالى :
* ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) * وقال تعالى : * ( ما فرطنا في الكتاب

1049


من شئ ) * وقال تعالى : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * وقال صلى الله عليه وسلم في حجة
الوداع : اللهم هل بلغت ؟ قالوا : نعم . قال : اللهم اشهد . . . .
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ، ثنا أحمد بن عون الله ، ثنا قاسم بن أصبغ ، ثنا الخشني ،
ثنا محمد بن المثنى ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن مرة
الهمداني قال : قال عبد الله بن مسعود : من أراد العلم فليثر القرآن ، فإن فيه علم
الأولين والآخرين ، هكذا رويناه عن مسروق والزهري ، أنه ليس شئ اختلف
فيه إلا وهو في القرآن ، فصح بنص القرآن أنه لا شئ من الدين وجميع أحكامه
إلا وقد نص عليه ، فلا حاجة بأحد إلى القياس .
فإن قالوا : إنما نقيس النوازل ، من الفروع على الأصول .
قال أبو محمد : وهذا ، لأنه ليس في الدين إلا واجب أو حرام أو مباح ،
ولا سبيل إلى قسم رابع البتة ، فأي هذه أصل ، وأي هذه فرع فبطل قولهم ،
وصح أن أحكام الدين كلها أصول لا فرع فيها ، وكلها منصوص عليه ، فلما اختلف
الناس قط إلا في الأصول ، كالوضوء والصلاة والزكاة والحج ، والحرام من
البيوع والحلال منها ، وعقود النكاح والطلاق وما أشبه ذلك .
فإن قالوا : لسنا ننكر أن الله تعالى لم يفرط في الكتاب من شئ ، ولا أن
النبي صلى الله عليه وسلم بين ، ولكن النص والبيان ينقسم قسمين : أحدهما نص على الشئ
باسمه ، والثاني نص عليها بالدلالة ، وهذا هو الذي نسميه قياسا ، وهو التنبيه
على علة الحكم ، فحيثما وجدت تلك العلة حكم بها . قالوا : وهذا هو الاختصار
وجوامع الكلم التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قيل لهم : وبالله تعالى التوفيق : هذا هو الباطل ، لان الذي تذكرون دعوى
بلا دليل ، وتلك الدلالة تخلو من أن تكون موضوعة في اللغة ، التي بها خوطبنا
وبها نزل القرآن ، لذلك المعنى بعينه . فهذا غير قولكم ، وهذا هو القسم الأول
من النص على الشئ باسمه ، فلا تموهوا فتجعلوا النص قسمين ، أو تكون تلك
الدلالة غير موضوعة في اللغة ، التي بها خوطبنا وبها نزل القرآن ، لذلك المعنى ،
فإن كانت كذلك فهذا هو التلبيس والتخليط الذي تنزه الله تعالى ، ونزه رسوله
صلى الله عليه وسلم عنه ، ولا يحل لاحد أن ينسب هذا إلى الله تعالى ، ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم .


من شئ ) * وقال تعالى : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * وقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : اللهم هل بلغت ؟ قالوا : نعم . قال : اللهم اشهد . . . .
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ، ثنا أحمد بن عون الله ، ثنا قاسم بن أصبغ ، ثنا الخشني ، ثنا محمد بن المثنى ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن مرة الهمداني قال : قال عبد الله بن مسعود : من أراد العلم فليثر القرآن ، فإن فيه علم الأولين والآخرين ، هكذا رويناه عن مسروق والزهري ، أنه ليس شئ اختلف فيه إلا وهو في القرآن ، فصح بنص القرآن أنه لا شئ من الدين وجميع أحكامه إلا وقد نص عليه ، فلا حاجة بأحد إلى القياس .
فإن قالوا : إنما نقيس النوازل ، من الفروع على الأصول .
قال أبو محمد : وهذا ، لأنه ليس في الدين إلا واجب أو حرام أو مباح ، ولا سبيل إلى قسم رابع البتة ، فأي هذه أصل ، وأي هذه فرع فبطل قولهم ، وصح أن أحكام الدين كلها أصول لا فرع فيها ، وكلها منصوص عليه ، فلما اختلف الناس قط إلا في الأصول ، كالوضوء والصلاة والزكاة والحج ، والحرام من البيوع والحلال منها ، وعقود النكاح والطلاق وما أشبه ذلك .
فإن قالوا : لسنا ننكر أن الله تعالى لم يفرط في الكتاب من شئ ، ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين ، ولكن النص والبيان ينقسم قسمين : أحدهما نص على الشئ باسمه ، والثاني نص عليها بالدلالة ، وهذا هو الذي نسميه قياسا ، وهو التنبيه على علة الحكم ، فحيثما وجدت تلك العلة حكم بها . قالوا : وهذا هو الاختصار وجوامع الكلم التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قيل لهم : وبالله تعالى التوفيق : هذا هو الباطل ، لان الذي تذكرون دعوى بلا دليل ، وتلك الدلالة تخلو من أن تكون موضوعة في اللغة ، التي بها خوطبنا وبها نزل القرآن ، لذلك المعنى بعينه . فهذا غير قولكم ، وهذا هو القسم الأول من النص على الشئ باسمه ، فلا تموهوا فتجعلوا النص قسمين ، أو تكون تلك الدلالة غير موضوعة في اللغة ، التي بها خوطبنا وبها نزل القرآن ، لذلك المعنى ، فإن كانت كذلك فهذا هو التلبيس والتخليط الذي تنزه الله تعالى ، ونزه رسوله صلى الله عليه وسلم عنه ، ولا يحل لاحد أن ينسب هذا إلى الله تعالى ، ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم .

1050


وهذا برهان ضروري ، ولا محيد عنه ، بين لا إشكال فيه على من له أقل
فهم ، وليس هذا طريق اختصار ، ولا تنبيه ولا بيان ، ولكنه خبط وإشكال
وإفساد وتدليس .
ولا تنبيه ولا بيان فيمن يريد أن يعلمنا حكم الصداق ، فلا يذكر صداقا ويدلنا
على ذلك بما نقطع فيه اليد ، أيريد الاكل فيذكر الوطئ ، أو يريد الجوز فيذكر
الملح ، أو يريد المخطئ فيذكر المتعمد ، وهذا تكليف ما لا يطاق ، وإلزام لعلم الغيب
والكهانة ، وإيجاب للحكم بالظن الكاذب ، تعالى الله عن ذلك وتنزه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه .
وإنما الاختصار وجوامع الكلم والتنبيه أن يأتي إلى المعنى الذي يعبر عنه
بألفاظ كثيرة فيبينه بألفاظ مختصرة جامعة يسيرة ، لا يشذ عنها شئ من المراد بها
البتة ، ولا تقتضي من غير المراد بها شيئا أصلا ، فهذا هو حقيقة الاختصار
والبيان والتنبيه . وذلك مثل قول الله تعالى : * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل
ما اعتدى عليكم ) * فدخل تحت هذا اللفظ ما لو تقصى لملئت منه أسفار عظيمة ، من
ذكر قطع الأعضاء عضوا عضوا ، وكسرها عضوا عضوا ، والجراحات جرحا
جرحا ، والضرب هيئة هيئة ، وذكر أحد الأحوال وسائر ما يقتضيه هذا المعنى
من تولي المجني عليه للاقتصاص ، ونفاذ أمره في ذلك .
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : جرح العجماء جبار وسائر كلامه صلى الله عليه وسلم .
وأما من إسقاط معاني أرادها ، فلم يذكرها بالاسم الموضوع لها في اللغة التي
بها خوطبنا ، وطمع أن يدل عليها باسم غير موضوع لها في اللغة : ، فهذا
فعل الشيطان المريد إفساد الدين والتخليط على المسلمين ، لا فعل رب العالمين ،
وخاتم النبيين . وبالله تعالى نستعين .
فإن قالوا : لسنا نقول : إنه تنزل نازلة لا توجد في القرآن والسنة ، لكنا
نقول إنه يوجد حكم بعض النوازل نصا وبعضها بالدليل .
قيل لهم ، وبالله تعالى التوفيق : إن هذا حق ، ولكن إذا كان هذا الدليل الذي
تذكرون لا يحتمل إلا وجها واحدا . فهذا قولنا لا قولكم ، وأما إن كان ذلك
الدليل يحتمل وجهين فصاعدا فهذا ينقسم على قسمين : إما أن يكون هنالك نص
آخر بين مراد الله تعالى من ذينك الوجهين فصاعدا بيانا جليا أو إجماع كذلك ،


وهذا برهان ضروري ، ولا محيد عنه ، بين لا إشكال فيه على من له أقل فهم ، وليس هذا طريق اختصار ، ولا تنبيه ولا بيان ، ولكنه خبط وإشكال وإفساد وتدليس .
ولا تنبيه ولا بيان فيمن يريد أن يعلمنا حكم الصداق ، فلا يذكر صداقا ويدلنا على ذلك بما نقطع فيه اليد ، أيريد الاكل فيذكر الوطئ ، أو يريد الجوز فيذكر الملح ، أو يريد المخطئ فيذكر المتعمد ، وهذا تكليف ما لا يطاق ، وإلزام لعلم الغيب والكهانة ، وإيجاب للحكم بالظن الكاذب ، تعالى الله عن ذلك وتنزه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه .
وإنما الاختصار وجوامع الكلم والتنبيه أن يأتي إلى المعنى الذي يعبر عنه بألفاظ كثيرة فيبينه بألفاظ مختصرة جامعة يسيرة ، لا يشذ عنها شئ من المراد بها البتة ، ولا تقتضي من غير المراد بها شيئا أصلا ، فهذا هو حقيقة الاختصار والبيان والتنبيه . وذلك مثل قول الله تعالى : * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * فدخل تحت هذا اللفظ ما لو تقصى لملئت منه أسفار عظيمة ، من ذكر قطع الأعضاء عضوا عضوا ، وكسرها عضوا عضوا ، والجراحات جرحا جرحا ، والضرب هيئة هيئة ، وذكر أحد الأحوال وسائر ما يقتضيه هذا المعنى من تولي المجني عليه للاقتصاص ، ونفاذ أمره في ذلك .
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : جرح العجماء جبار وسائر كلامه صلى الله عليه وسلم .
وأما من إسقاط معاني أرادها ، فلم يذكرها بالاسم الموضوع لها في اللغة التي بها خوطبنا ، وطمع أن يدل عليها باسم غير موضوع لها في اللغة : ، فهذا فعل الشيطان المريد إفساد الدين والتخليط على المسلمين ، لا فعل رب العالمين ، وخاتم النبيين . وبالله تعالى نستعين .
فإن قالوا : لسنا نقول : إنه تنزل نازلة لا توجد في القرآن والسنة ، لكنا نقول إنه يوجد حكم بعض النوازل نصا وبعضها بالدليل .
قيل لهم ، وبالله تعالى التوفيق : إن هذا حق ، ولكن إذا كان هذا الدليل الذي تذكرون لا يحتمل إلا وجها واحدا . فهذا قولنا لا قولكم ، وأما إن كان ذلك الدليل يحتمل وجهين فصاعدا فهذا ينقسم على قسمين : إما أن يكون هنالك نص آخر بين مراد الله تعالى من ذينك الوجهين فصاعدا بيانا جليا أو إجماع كذلك ،

1051


فهذا هو قولنا ، والنص بعينه لم نزل عنه ، وإما ألا يكون هنالك نص آخر
ولا إجماع يبين بأحدهما مراد الله عز وجل من ذلك - فهذا إشكال وتلبيس ،
تعالى الله عن ذلك ، ولا يحل لاحد أن ينسب هذا إلى شئ من دين الله تعالى ،
الذي قد بينه غاية البيان رسوله صلى الله عليه وسلم .
فإن قالوا : إن التشابه بين الأدلة هو أحد الأدلة على مراد الله تعالى .
قيل لهم : هذه دعوى تحتاج إلى دليل يصححها ، وما كان هكذا فهو باطل
بإجماع ، ولا سبيل إلى وجود نص ولا إجماع يصحح هذه الدعوى ، ولا فرق
بينها وبين من جعل قول إنسان من العلماء بعينه دليلا على مراد الله تعالى في تلك
المسألة ، وكل هذا باطل وافتراء على الله تعالى .
وأيضا فإنهم في التشابه الموجب للحكم مختلفون ، فبعضهم يجعل صفة ما علة
لذلك الحكم ، وبعضهم يمنع من ذلك ويأتي بعلة أخرى ، وهذا كله تحكم بلا دليل .
وقد صحح بعضهم العلة بطردها في معلولاتها ، وهذا تخليط تام ، لان الطرد إنما
يصح بعد صحة العلة ، لان الطرد إنما هو فرع يوجبه صحة العلة ، وإلا فهو باطل
ومن المحال ألا يصح الأصل إلا بصحة الفروع .
وأيضا فإنهم إذا اختلفوا في طرد تلك العلة ، فليس من طردها ليصححها بأولى
ممن لم يطردها ليبطلها وطرد غيرها ، وهذا كله تحكم في الدين لا يجوز ،
وذلك نحو طرد الشافعي علة الاكل في الربا ، ومنع أبي حنيفة ومالك من ذلك ،
وطرد أبي حنيفة علة الوزن والكيل ، ومنع مالك والشافعي من ذلك ، وطرد
مالك علة الادخار والاكل ، ومنع أبي حنيفة والشافعي من ذلك .
فإن قالوا : فأرونا جمع النوازل منصوصا عليها .
قلنا لو عجزنا عن ذلك لما كان عجزنا حجة على الله تعالى ، ولا على رسوله
صلى الله عليه وسلم إذ لم ندع لكم - الواحد فالواحد منه - الإحاطة بجميع
السنن ، لكن حسبنا أننا نقطع بأن الله تعالى بين لنا كل ما يقع من أحكام الدين
إلى يوم القيامة ، فكيف ونحن نأتيكم بنص واحد فيه كل نازلة وقعت أو تقع
إلى يوم القيامة ، وهو الخبر الصحيح الذي ذكرناه قبل بإسناده وهو قوله صلى الله عليه وسلم :
دعوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على


فهذا هو قولنا ، والنص بعينه لم نزل عنه ، وإما ألا يكون هنالك نص آخر ولا إجماع يبين بأحدهما مراد الله عز وجل من ذلك - فهذا إشكال وتلبيس ، تعالى الله عن ذلك ، ولا يحل لاحد أن ينسب هذا إلى شئ من دين الله تعالى ، الذي قد بينه غاية البيان رسوله صلى الله عليه وسلم .
فإن قالوا : إن التشابه بين الأدلة هو أحد الأدلة على مراد الله تعالى .
قيل لهم : هذه دعوى تحتاج إلى دليل يصححها ، وما كان هكذا فهو باطل بإجماع ، ولا سبيل إلى وجود نص ولا إجماع يصحح هذه الدعوى ، ولا فرق بينها وبين من جعل قول إنسان من العلماء بعينه دليلا على مراد الله تعالى في تلك المسألة ، وكل هذا باطل وافتراء على الله تعالى .
وأيضا فإنهم في التشابه الموجب للحكم مختلفون ، فبعضهم يجعل صفة ما علة لذلك الحكم ، وبعضهم يمنع من ذلك ويأتي بعلة أخرى ، وهذا كله تحكم بلا دليل .
وقد صحح بعضهم العلة بطردها في معلولاتها ، وهذا تخليط تام ، لان الطرد إنما يصح بعد صحة العلة ، لان الطرد إنما هو فرع يوجبه صحة العلة ، وإلا فهو باطل ومن المحال ألا يصح الأصل إلا بصحة الفروع .
وأيضا فإنهم إذا اختلفوا في طرد تلك العلة ، فليس من طردها ليصححها بأولى ممن لم يطردها ليبطلها وطرد غيرها ، وهذا كله تحكم في الدين لا يجوز ، وذلك نحو طرد الشافعي علة الاكل في الربا ، ومنع أبي حنيفة ومالك من ذلك ، وطرد أبي حنيفة علة الوزن والكيل ، ومنع مالك والشافعي من ذلك ، وطرد مالك علة الادخار والاكل ، ومنع أبي حنيفة والشافعي من ذلك .
فإن قالوا : فأرونا جمع النوازل منصوصا عليها .
قلنا لو عجزنا عن ذلك لما كان عجزنا حجة على الله تعالى ، ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم إذ لم ندع لكم - الواحد فالواحد منه - الإحاطة بجميع السنن ، لكن حسبنا أننا نقطع بأن الله تعالى بين لنا كل ما يقع من أحكام الدين إلى يوم القيامة ، فكيف ونحن نأتيكم بنص واحد فيه كل نازلة وقعت أو تقع إلى يوم القيامة ، وهو الخبر الصحيح الذي ذكرناه قبل بإسناده وهو قوله صلى الله عليه وسلم :
دعوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على

1052


أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه
فصح نصا أن ما لم يقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم فليس واجبا ، لأنه لم يأمر به ، وليس حراما
لأنه لم ينه عنه ، فبقي ضرورة أنه مباح ، فمن ادعى أنه حرام مكلف أن يأتي فيه
بنهي من النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن جاء سمعنا وأطعنا ، وإلا فقوله باطل ، ومن ادعى
فيه إيجابا كلف أن يأتي فيه بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم فإن جاء به سمعنا وأطعنا ، وإن
لم يأت به فقوله باطل ، وصح بهذا النص أن كل ما أمر به صلى الله عليه وسلم فهو فرض
علينا إلا ما لم نستطع من ذلك ، وأن كل ما نهانا عنه فحرام حاشا ما بينه صلى الله عليه وسلم
أنه مكروه أو ندب فقط ، فلم يبق في الدين حكم إلا وهو ههنا منصوص جملة .
ثم نعكس عليهم هذا السؤال وهذا القول فنقول لهم : أنتم تقولون : لا نازلة
إلا ولها نظير في القرآن أو السنة ، فنحن نعكس السؤال عن تلك النوازل
التي تريدون سؤالنا عنها ، من دينار وقع في محبرة وسائر تلك الحماقات ، فأرونا
نظائرها في القرآن والسنة ، وأنتم تقرون أنه لا نصوص فيها ، فخبرونا كيف
تصنعون فيها أتحكمون فيها بقولكم ؟ فهذا دينكم لا دين الله ففي هذا ما فيه ،
فظهر فساد كل سؤال لهم والحمد لله رب العالمين كثيرا .
وقال من سلف من أصحابنا رحمهم الله : يقال لمن قال بالقياس قد أجمعتم -
أنتم وجميع المسلمين بلا خلاف من أحد منهم ، على أن الاحكام كلها في الديانة
جائز أن تؤخذ نصا ، واتفقوا كلهم - بلا خلاف من واحد منهم لا من القائلين
بالقياس ولا من غيرهم ، على أن أحكام الديانة كلها لا يجوز أن تؤخذ قياسا ،
ولا بد عندهم من نص يقاس عليه ، فيقال لأصحاب القياس ، عندكم
حقا فمن ههنا بدؤوا به فقيسوا ما اختلفنا فيه من المسائل التي جوزتم القياس
فيها ، ومنعنا نحن منها ، على ما اتفقنا عليه من المسائل التي أقررتم أنها لا يجوز
أن تؤخذ قياسا ، فإن لم تفعلوا فقد تركتم القياس ، وإن فعلتم تركتم القياس ،
ولسنا نقول إن هذا العمل صحيح عندنا ولكن صحيح على أصولكم ولا أبطل
من قول نقض بعضه بعضا .


أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه فصح نصا أن ما لم يقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم فليس واجبا ، لأنه لم يأمر به ، وليس حراما لأنه لم ينه عنه ، فبقي ضرورة أنه مباح ، فمن ادعى أنه حرام مكلف أن يأتي فيه بنهي من النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن جاء سمعنا وأطعنا ، وإلا فقوله باطل ، ومن ادعى فيه إيجابا كلف أن يأتي فيه بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم فإن جاء به سمعنا وأطعنا ، وإن لم يأت به فقوله باطل ، وصح بهذا النص أن كل ما أمر به صلى الله عليه وسلم فهو فرض علينا إلا ما لم نستطع من ذلك ، وأن كل ما نهانا عنه فحرام حاشا ما بينه صلى الله عليه وسلم أنه مكروه أو ندب فقط ، فلم يبق في الدين حكم إلا وهو ههنا منصوص جملة .
ثم نعكس عليهم هذا السؤال وهذا القول فنقول لهم : أنتم تقولون : لا نازلة إلا ولها نظير في القرآن أو السنة ، فنحن نعكس السؤال عن تلك النوازل التي تريدون سؤالنا عنها ، من دينار وقع في محبرة وسائر تلك الحماقات ، فأرونا نظائرها في القرآن والسنة ، وأنتم تقرون أنه لا نصوص فيها ، فخبرونا كيف تصنعون فيها أتحكمون فيها بقولكم ؟ فهذا دينكم لا دين الله ففي هذا ما فيه ، فظهر فساد كل سؤال لهم والحمد لله رب العالمين كثيرا .
وقال من سلف من أصحابنا رحمهم الله : يقال لمن قال بالقياس قد أجمعتم - أنتم وجميع المسلمين بلا خلاف من أحد منهم ، على أن الاحكام كلها في الديانة جائز أن تؤخذ نصا ، واتفقوا كلهم - بلا خلاف من واحد منهم لا من القائلين بالقياس ولا من غيرهم ، على أن أحكام الديانة كلها لا يجوز أن تؤخذ قياسا ، ولا بد عندهم من نص يقاس عليه ، فيقال لأصحاب القياس ، عندكم حقا فمن ههنا بدؤوا به فقيسوا ما اختلفنا فيه من المسائل التي جوزتم القياس فيها ، ومنعنا نحن منها ، على ما اتفقنا عليه من المسائل التي أقررتم أنها لا يجوز أن تؤخذ قياسا ، فإن لم تفعلوا فقد تركتم القياس ، وإن فعلتم تركتم القياس ، ولسنا نقول إن هذا العمل صحيح عندنا ولكن صحيح على أصولكم ولا أبطل من قول نقض بعضه بعضا .

1053


ويقال لهم وجدنا مسائل كثيرة قد أجمعتم وأنتم وجميع الأمة على ترك القياس
فيها ، كقاتل تاب قبل أن يقدر عليه وندم ، فلا يسقط عنه القصاص عند أحد ،
ولم تقيسوا ذلك على محارب تاب قبل أن يقدر عليه ، فالحد في الحرابة عنه ساقط ،
وكذلك اتفقوا على ألا يقاس الغاصب على السارق ، وكلاهما أخذ مالا محرما
عمدا ، أو كترك قياس تعويض الاطعام من الصيام في قتل الخطأ على تعويضه من
الصيام في الظهار ، ومثل هذا كثير جدا ، بل هو أكثر مما قاسوا فيه ، فلو كان القياس
حقا ما جاز الاجماع على تركه ، كما لا يجوز الاجماع على ترك الحق الذي هو القرآن ،
أو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم مما صح عنه ، فإنه لم يجمع قط على ترك شئ منه إلا لنص
آخر ناسخ له فقط ، وهذا يوجب بطلان القياس ضرورة .
ويقال لهم أخبرونا عن القياس ، أيخلو عندكم أن يحكم للشئ الذي لا نص
فيه ولا إجماع بمثل الحكم الذي فيه نص أو إجماع ، إما لعلة فيهما معا ، هي في
المحكوم فيه علامة الحكم ، وإما لنوع من الشبه بينهما ، وإما مطارفة لا لعلة ولا
لشبه ولا سبيل إلى قسم رابع أصلا ؟ فإن قالوا : مطارفة لا لعلة ولا لشبه
كفونا مؤنتهم ، وصار قائل هذا ضحكة ومهزأة ، ولم يكن أيضا أولى بما يحكم به من
غيره ، يحكم في ذلك الامر بحكم آخر ، وهذا ما لا يقوله أحد منهم .
فإن قالوا : بل لنوع من الشبه ، قيل لهم : وما دليلكم على أن ذلك النوع من
الشبه يجب به ذلك الحكم ، ولا سبيل إلى وجود ذلك الدليل ، وتعارضون أيضا
بشبه آخر يوجب حكما آخر ، وهذا أبدا .
فإن قالوا : بل لعلة جامعة بين الحكمين ، سألناهم : ما الدليل على أن الذي تجعلونه
علة الحكم هي علة الحقيقة ؟ فإن ادعوا نصا فالحكم حينئذ للنص ، ونحن
لا ننكر هذا إذا وجدناه . فإن قالوا : غير النص قلنا : هذا الباطل والدعوى
التي لا برهان على صحتها وما كان هكذا فهو ساقط بنص القرآن ، وبحكم الاجماع
والعقول ، وإن قالوا : طرد حكم العلة دليل على صحتها ، قيل لهم : طردكم أنتم ،
أو طرد أهل الاسلام .
فإن قالوا : طرد أهل الاسلام ، قيل : هذا إجماع لا خلاف فيه ، ولسنا نخالفكم
في صحة الاجماع إذا وجد يقينا ، وإن قالوا : بل طردنا نحن قيل لهم : ما طردكم


ويقال لهم وجدنا مسائل كثيرة قد أجمعتم وأنتم وجميع الأمة على ترك القياس فيها ، كقاتل تاب قبل أن يقدر عليه وندم ، فلا يسقط عنه القصاص عند أحد ، ولم تقيسوا ذلك على محارب تاب قبل أن يقدر عليه ، فالحد في الحرابة عنه ساقط ، وكذلك اتفقوا على ألا يقاس الغاصب على السارق ، وكلاهما أخذ مالا محرما عمدا ، أو كترك قياس تعويض الاطعام من الصيام في قتل الخطأ على تعويضه من الصيام في الظهار ، ومثل هذا كثير جدا ، بل هو أكثر مما قاسوا فيه ، فلو كان القياس حقا ما جاز الاجماع على تركه ، كما لا يجوز الاجماع على ترك الحق الذي هو القرآن ، أو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم مما صح عنه ، فإنه لم يجمع قط على ترك شئ منه إلا لنص آخر ناسخ له فقط ، وهذا يوجب بطلان القياس ضرورة .
ويقال لهم أخبرونا عن القياس ، أيخلو عندكم أن يحكم للشئ الذي لا نص فيه ولا إجماع بمثل الحكم الذي فيه نص أو إجماع ، إما لعلة فيهما معا ، هي في المحكوم فيه علامة الحكم ، وإما لنوع من الشبه بينهما ، وإما مطارفة لا لعلة ولا لشبه ولا سبيل إلى قسم رابع أصلا ؟ فإن قالوا : مطارفة لا لعلة ولا لشبه كفونا مؤنتهم ، وصار قائل هذا ضحكة ومهزأة ، ولم يكن أيضا أولى بما يحكم به من غيره ، يحكم في ذلك الامر بحكم آخر ، وهذا ما لا يقوله أحد منهم .
فإن قالوا : بل لنوع من الشبه ، قيل لهم : وما دليلكم على أن ذلك النوع من الشبه يجب به ذلك الحكم ، ولا سبيل إلى وجود ذلك الدليل ، وتعارضون أيضا بشبه آخر يوجب حكما آخر ، وهذا أبدا .
فإن قالوا : بل لعلة جامعة بين الحكمين ، سألناهم : ما الدليل على أن الذي تجعلونه علة الحكم هي علة الحقيقة ؟ فإن ادعوا نصا فالحكم حينئذ للنص ، ونحن لا ننكر هذا إذا وجدناه . فإن قالوا : غير النص قلنا : هذا الباطل والدعوى التي لا برهان على صحتها وما كان هكذا فهو ساقط بنص القرآن ، وبحكم الاجماع والعقول ، وإن قالوا : طرد حكم العلة دليل على صحتها ، قيل لهم : طردكم أنتم ، أو طرد أهل الاسلام .
فإن قالوا : طرد أهل الاسلام ، قيل : هذا إجماع لا خلاف فيه ، ولسنا نخالفكم في صحة الاجماع إذا وجد يقينا ، وإن قالوا : بل طردنا نحن قيل لهم : ما طردكم

1054


أنتم حجة على أحد ، فهاتوا برهانكم على صحة دعواكم إن كنتم صادقين ، وهذا
ما لا مخلص منه أصلا . والحمد الله رب العالمين .
قال أبو محمد وقال جاءت نصوص بإبطال القياس .
فمن ذلك قول الله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) *
وقال تعالى : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك
كان عنه مسؤولا ) * وقال تعالى : * ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) * وقال تعالى : * ( وما
كان ربك نسيا ) * وهذه نصوص مبطلة للقياس ، وللقول في الدين بغير نص ،
لان القياس على ما بينا قفو لما لا علم لهم به ، وتقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم
واستدراك على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يذكراه .
فإن قال أهل القياس : فلعل إنكاركم للقياس قول بغير علم ، وقفو لما لا علم
لكم به ، وتقدم بين يدي الله ورسوله .
قيل لهم ، وبالله تعالى التوفيق : نحن نريكم إنكارنا للقياس أنه قول بعلم وبنص
وبيقين ، وذلك أن الله عز وجل قال : * ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون
شيئا ) * فصح يقينا لا شك فيه أن الناس خرجوا إلى الدنيا لا يعلمون شيئا أصلا
بنص كلام الله عز وجل . وقال تعالى : * ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم
آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) * فصح يقينا
أن الله أرسل محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم إلينا ليعلمنا ما لم نعلم . فصح ضرورة أن ما علمنا
الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور الدين فهو الحق ، وما لم يعلمنا منها فهو الباطل ،
وحرام القول به وقال تعالى يعني به إبليس اللعين : * ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء
وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) * وقال تعالى : * ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر
منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا
وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) * .
فصح بنص القرآن أننا خرجنا إلى الدنيا لا نعلم شيئا ثم حرم علينا القول على
الله تعالى بما لا نعلم ، وأخبرنا تعالى أن إبليس يأمرنا بأن نقول على الله ما لا نعلم ،
فقد صح بهذه النصوص ، ضرورة أن القول بقياس وبغير القياس ، كمن أثبت
العنقاء والغول والكيميا وكقول الروافض في الامام ، وكقول من قال بالالهام


أنتم حجة على أحد ، فهاتوا برهانكم على صحة دعواكم إن كنتم صادقين ، وهذا ما لا مخلص منه أصلا . والحمد الله رب العالمين .
قال أبو محمد وقال جاءت نصوص بإبطال القياس .
فمن ذلك قول الله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) * وقال تعالى : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) * وقال تعالى : * ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) * وقال تعالى : * ( وما كان ربك نسيا ) * وهذه نصوص مبطلة للقياس ، وللقول في الدين بغير نص ، لان القياس على ما بينا قفو لما لا علم لهم به ، وتقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واستدراك على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يذكراه .
فإن قال أهل القياس : فلعل إنكاركم للقياس قول بغير علم ، وقفو لما لا علم لكم به ، وتقدم بين يدي الله ورسوله .
قيل لهم ، وبالله تعالى التوفيق : نحن نريكم إنكارنا للقياس أنه قول بعلم وبنص وبيقين ، وذلك أن الله عز وجل قال : * ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) * فصح يقينا لا شك فيه أن الناس خرجوا إلى الدنيا لا يعلمون شيئا أصلا بنص كلام الله عز وجل . وقال تعالى : * ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) * فصح يقينا أن الله أرسل محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم إلينا ليعلمنا ما لم نعلم . فصح ضرورة أن ما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور الدين فهو الحق ، وما لم يعلمنا منها فهو الباطل ، وحرام القول به وقال تعالى يعني به إبليس اللعين : * ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) * وقال تعالى : * ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) * .
فصح بنص القرآن أننا خرجنا إلى الدنيا لا نعلم شيئا ثم حرم علينا القول على الله تعالى بما لا نعلم ، وأخبرنا تعالى أن إبليس يأمرنا بأن نقول على الله ما لا نعلم ، فقد صح بهذه النصوص ، ضرورة أن القول بقياس وبغير القياس ، كمن أثبت العنقاء والغول والكيميا وكقول الروافض في الامام ، وكقول من قال بالالهام

1055


وكل هذا ، فالقول به على الله تعالى في الدين حرام . مقرون بالشرك أمر من أمر
إبليس . إلا ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فهو الحق الذي نقوله على الله تعالى .
ولا يحل لنا أن نقول عليه غيره ، فإذ لم يأمرنا عليه السلام بالقياس فهو
حرام من أمر الشيطان بلا شك ، وقد بينا فيما خلا ، كل ما شغبوا مما أرادوا التمويه
به فيه بالحديث فحرم القول بالقياس البتة .
وبهذا بطل كل قول بلا برهان على صحته ، حتى لو لم يقيم برهان بإبطاله ، فلو لم
يكن لنا برهان على إبطال القياس لكان عدم البرهان على إثباته برهانا في إبطاله ،
لان الفرض علينا ألا نوجب في الدين شيئا إلا ببرهان ، وإذ ذلك كذلك
فالفرض علينا أن نبطل كل قول قيل في الدين ، حتى يقوم برهان بصحته ، وهذا
برهان ضروري لا محيد عنه ، وبالله تعالى التوفيق .
وقد اعترض بعضهم في قول الله تعالى * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * بما روي
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخميس قبل موته صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام : ائتوني
بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا من بعدي وبما روي عن عائشة رضي الله
عنها قولها : لم يكن الوحي قط أكثر منه قبيل موت النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا :
هذه أشياء زائدة على ما كان حين قوله تعالى في حجة الوداع : * ( اليوم أكملت
لكم دينكم ) * .
واعترض آخرون من أهل الجهل على الحديث المذكور بالآية المذكورة ،
وصوبوا فعل عمر وقوله في ذلك اليوم .
قال أبو محمد : وهذان الاعتراضان من هاتين الطائفتين لا يشبهان اعتراض
المسلمين ، وإنما يشبهان اعتراض أهل الكفر والالحاد ، وبعيد عندنا أن يعترض
بهما مسلم صحيح الباطن ، لان الطائفة الأولى مكذبة لله عز وجل في قوله إنه أكمل
ديننا ، مدعية أنه كانت هنالك أشياء لم تكمل ، والطائفة الثانية مجهلة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم مدعية عليه الكذب في أمر الكتاب الذي أراد أن يكتبه ، أو
التخطيط في كلامه ، وأن قول عمر أصوب من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلا
هذين القولين كفر مجرد .
وكل هذه النصوص حق لا تعارض بين شئ منها بوجه من الوجوه ، لان


وكل هذا ، فالقول به على الله تعالى في الدين حرام . مقرون بالشرك أمر من أمر إبليس . إلا ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فهو الحق الذي نقوله على الله تعالى .
ولا يحل لنا أن نقول عليه غيره ، فإذ لم يأمرنا عليه السلام بالقياس فهو حرام من أمر الشيطان بلا شك ، وقد بينا فيما خلا ، كل ما شغبوا مما أرادوا التمويه به فيه بالحديث فحرم القول بالقياس البتة .
وبهذا بطل كل قول بلا برهان على صحته ، حتى لو لم يقيم برهان بإبطاله ، فلو لم يكن لنا برهان على إبطال القياس لكان عدم البرهان على إثباته برهانا في إبطاله ، لان الفرض علينا ألا نوجب في الدين شيئا إلا ببرهان ، وإذ ذلك كذلك فالفرض علينا أن نبطل كل قول قيل في الدين ، حتى يقوم برهان بصحته ، وهذا برهان ضروري لا محيد عنه ، وبالله تعالى التوفيق .
وقد اعترض بعضهم في قول الله تعالى * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخميس قبل موته صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا من بعدي وبما روي عن عائشة رضي الله عنها قولها : لم يكن الوحي قط أكثر منه قبيل موت النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا :
هذه أشياء زائدة على ما كان حين قوله تعالى في حجة الوداع : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * .
واعترض آخرون من أهل الجهل على الحديث المذكور بالآية المذكورة ، وصوبوا فعل عمر وقوله في ذلك اليوم .
قال أبو محمد : وهذان الاعتراضان من هاتين الطائفتين لا يشبهان اعتراض المسلمين ، وإنما يشبهان اعتراض أهل الكفر والالحاد ، وبعيد عندنا أن يعترض بهما مسلم صحيح الباطن ، لان الطائفة الأولى مكذبة لله عز وجل في قوله إنه أكمل ديننا ، مدعية أنه كانت هنالك أشياء لم تكمل ، والطائفة الثانية مجهلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدعية عليه الكذب في أمر الكتاب الذي أراد أن يكتبه ، أو التخطيط في كلامه ، وأن قول عمر أصوب من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلا هذين القولين كفر مجرد .
وكل هذه النصوص حق لا تعارض بين شئ منها بوجه من الوجوه ، لان

1056


الآية المذكورة نزلت يوم عرفة في حجة الوداع قبل موته صلى الله عليه وسلم بثلاثة
أشهر ، وحتى لو نزلت بعد ذلك شرائع لما كان نزولها معارضا للآية المذكورة ،
لان الدين في كل وقت تام كامل ، ولله تعالى أن يمحو من الدين ما يشاء ، وأن
يزيد فيه ، وأن يثبت وليس ذلك لغيره ، بل قد صح أمر النبي صلى الله عليه وسلم قبيل موته
بساعة بإخراج الكفار من جزيرة العرب ، وألا يبقى فيها دينان ، ولمن يكن
هذا الشرع ورد قبل ذلك . ولو ورد لما أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما غرضنا
من هذه الآية أن الله تعالى تولى إكمال الدين ، وما أكمله الله تعالى فليس لأحد
أن يزيد فيه رأيا ولا قياسا لم يزدهما الله تعالى في الدين ، وهذا بين .
وبالله تعالى التوفيق .
وأما أمر الكتاب الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبه يوم الخميس قبل
وفاته صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام ، فإنما كان في النص على أبي بكر رضي الله عنه ،
ولقد وهل عمر وكل من ساعده على ذلك ، وكان ذلك القول منهم خطأ عظيما ،
ولكنهم الخير أرادوا ، فهم معذورون مأجورون ، وإن كانوا قد عوقبوا على
ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بالخروج عنه ، وإنكاره عليهم التنازع بحضرته .
ولقد ولد الامتناع من ذلك الكتاب من فرقة الأنصار يوم السقيفة ما كاد
يكون فيه بوار الاسلام ، لولا أن الله تداركنا بمنه ، وولد من اختلاف الشيعة
وخروج طوائف منهم عن الاسلام ، أمرا يشجي نفوس أهل الاسلام ،
فلو كتب ذلك الكتاب لانقطع الاختلاف في الإمامة ، ولما ضل أحد فيها ،
لكن يقضي الله أمرا كان مفعولا . وقد أبى ربك إلا ما ترى .
وهذه زلة عالم ، نعني قول عمر رضي الله عنه يومئذ ، قد حذرنا من مثلها ،
وعلى كل حال فنحن نثبت ونقطع ونوقن ، ونشهد بشهادة الله تعالى ، ونبرأ من
كل من لم يشهد ، بأن الذي أراد صلى الله عليه وسلم أن يمله في ذلك اليوم ، في الكتاب
الذي أراد أن يكتبه ، لو كان شرعا زائدا من تحريم شئ لم يتقدم تحريمه ، أو
تحليل شئ تقدم تحريمه ، أو إيجاب شئ لم يتقدم إيجابه ، أو إسقاط إيجاب شئ
تقدم إيجابه ، لما ترك صلى الله عليه وسلم بيانه ولا كتابه لقول عمر ، ولا لقول أحد


الآية المذكورة نزلت يوم عرفة في حجة الوداع قبل موته صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر ، وحتى لو نزلت بعد ذلك شرائع لما كان نزولها معارضا للآية المذكورة ، لان الدين في كل وقت تام كامل ، ولله تعالى أن يمحو من الدين ما يشاء ، وأن يزيد فيه ، وأن يثبت وليس ذلك لغيره ، بل قد صح أمر النبي صلى الله عليه وسلم قبيل موته بساعة بإخراج الكفار من جزيرة العرب ، وألا يبقى فيها دينان ، ولمن يكن هذا الشرع ورد قبل ذلك . ولو ورد لما أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما غرضنا من هذه الآية أن الله تعالى تولى إكمال الدين ، وما أكمله الله تعالى فليس لأحد أن يزيد فيه رأيا ولا قياسا لم يزدهما الله تعالى في الدين ، وهذا بين .
وبالله تعالى التوفيق .
وأما أمر الكتاب الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبه يوم الخميس قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بأربعة أيام ، فإنما كان في النص على أبي بكر رضي الله عنه ، ولقد وهل عمر وكل من ساعده على ذلك ، وكان ذلك القول منهم خطأ عظيما ، ولكنهم الخير أرادوا ، فهم معذورون مأجورون ، وإن كانوا قد عوقبوا على ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بالخروج عنه ، وإنكاره عليهم التنازع بحضرته .
ولقد ولد الامتناع من ذلك الكتاب من فرقة الأنصار يوم السقيفة ما كاد يكون فيه بوار الاسلام ، لولا أن الله تداركنا بمنه ، وولد من اختلاف الشيعة وخروج طوائف منهم عن الاسلام ، أمرا يشجي نفوس أهل الاسلام ، فلو كتب ذلك الكتاب لانقطع الاختلاف في الإمامة ، ولما ضل أحد فيها ، لكن يقضي الله أمرا كان مفعولا . وقد أبى ربك إلا ما ترى .
وهذه زلة عالم ، نعني قول عمر رضي الله عنه يومئذ ، قد حذرنا من مثلها ، وعلى كل حال فنحن نثبت ونقطع ونوقن ، ونشهد بشهادة الله تعالى ، ونبرأ من كل من لم يشهد ، بأن الذي أراد صلى الله عليه وسلم أن يمله في ذلك اليوم ، في الكتاب الذي أراد أن يكتبه ، لو كان شرعا زائدا من تحريم شئ لم يتقدم تحريمه ، أو تحليل شئ تقدم تحريمه ، أو إيجاب شئ لم يتقدم إيجابه ، أو إسقاط إيجاب شئ تقدم إيجابه ، لما ترك صلى الله عليه وسلم بيانه ولا كتابه لقول عمر ، ولا لقول أحد

1057


من الناس . فصح ضرورة أنه فيما قد علم بوحي الله تعالى إليه أنه سيتم من ولاية
أبي بكر ، وذلك بين قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة الذي قد ذكرنا
قبل : ويأبى الله والمؤمنون وروي أيضا والنبيون إلا أبا بكر فوضح
البرهان بصحة قولنا يقينا . والحمد لله كثيرا .
وأما تتابع الوحي فإنما كان بلا شك تأكيدا في التزام ما نزل من القرآن
قبل ذلك . ومثل ما روي من : * ( إذا جاء نصر الله والفتح ئ ورأيت الناس يدخلون
في دين الله أفواجا ) * ونزول : * ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس
ما كسبت وهم لا يظلمون ) * وآية الكلالة التي قد تقدم حكمها . فصح أنه
لا تعارض بين شئ من هذه النصوص . والحمد لله رب العالمين .
فإن قالوا : فأرونا كل نازلة تنزل على ما تقولون في نص القرآن والسنة .
قلنا لهم : نعم ، وبالله تعالى التوفيق ، وهذا واجب علينا وأول ذلك : أن
نقرر ما الديانة ؟ وهي أن نقول :
إن أحكام الشريعة كلها - أولها عن آخرها - تنقسم ثلاثة أقسام لا رابع لها :
وهي فرض لا بد من اعتقاده ، والعمل به مع ذلك ، وحرام لا بد من اجتنابه قولا
وعقدا وعملا ، وحلال مباح فعله ومباح تركه . وأما المكروه والمندب إليه
فداخلان تحت المباح على ما بينا قبل ، لان المكروه لا يأثم فاعله ، ولو أثم لكان
حراما ، ولكن يؤجر فاعله . والمندوب إليه لا يأثم تاركه ، ولو أثم لكان
فرضا ، ولكن يؤجر فاعله .
فهذه أقسام الشريعة بإجماع من كل مسلم ، وبضرورة وجود العقل في القسمة
الصحيحة ، إلى ورود السمع بها ، فإذ لا شك في هذا ، فقد قال الله عز وجل :
* ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) * وقال تعالى : * ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم
إلا ما اضطررتم إليه ) * فصح بهاتين الآيتين أن كل شئ في الأرض ، وكمل عمل
فمباح حلال ، إلا ما فصل الله تعالى لنا تحريمه اسمه نصا عليه في القرآن ، وكلام النبي
صلى الله عليه وسلم المبلغ عن ربه عز وجل والمبين لما أنزل عليه . وفي إجماع الأمة كلها المنصوص
على اتباعه في القرآن ، وهو راجع إلى النص على ما بينا قبل ، فإن وجدنا شيئا
حرمه النص بالنهي عنه أو الاجماع باسمه حرمناه ، وإن لم نجد شيئا منصوصا على


من الناس . فصح ضرورة أنه فيما قد علم بوحي الله تعالى إليه أنه سيتم من ولاية أبي بكر ، وذلك بين قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة الذي قد ذكرنا قبل : ويأبى الله والمؤمنون وروي أيضا والنبيون إلا أبا بكر فوضح البرهان بصحة قولنا يقينا . والحمد لله كثيرا .
وأما تتابع الوحي فإنما كان بلا شك تأكيدا في التزام ما نزل من القرآن قبل ذلك . ومثل ما روي من : * ( إذا جاء نصر الله والفتح ئ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ) * ونزول : * ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) * وآية الكلالة التي قد تقدم حكمها . فصح أنه لا تعارض بين شئ من هذه النصوص . والحمد لله رب العالمين .
فإن قالوا : فأرونا كل نازلة تنزل على ما تقولون في نص القرآن والسنة .
قلنا لهم : نعم ، وبالله تعالى التوفيق ، وهذا واجب علينا وأول ذلك : أن نقرر ما الديانة ؟ وهي أن نقول :
إن أحكام الشريعة كلها - أولها عن آخرها - تنقسم ثلاثة أقسام لا رابع لها :
وهي فرض لا بد من اعتقاده ، والعمل به مع ذلك ، وحرام لا بد من اجتنابه قولا وعقدا وعملا ، وحلال مباح فعله ومباح تركه . وأما المكروه والمندب إليه فداخلان تحت المباح على ما بينا قبل ، لان المكروه لا يأثم فاعله ، ولو أثم لكان حراما ، ولكن يؤجر فاعله . والمندوب إليه لا يأثم تاركه ، ولو أثم لكان فرضا ، ولكن يؤجر فاعله .
فهذه أقسام الشريعة بإجماع من كل مسلم ، وبضرورة وجود العقل في القسمة الصحيحة ، إلى ورود السمع بها ، فإذ لا شك في هذا ، فقد قال الله عز وجل :
* ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) * وقال تعالى : * ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ) * فصح بهاتين الآيتين أن كل شئ في الأرض ، وكمل عمل فمباح حلال ، إلا ما فصل الله تعالى لنا تحريمه اسمه نصا عليه في القرآن ، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم المبلغ عن ربه عز وجل والمبين لما أنزل عليه . وفي إجماع الأمة كلها المنصوص على اتباعه في القرآن ، وهو راجع إلى النص على ما بينا قبل ، فإن وجدنا شيئا حرمه النص بالنهي عنه أو الاجماع باسمه حرمناه ، وإن لم نجد شيئا منصوصا على

1058

لا يتم تسجيل الدخول!