إسم الكتاب : الاحكام ( عدد الصفحات : 161)



الاحكام في أصول الاحكام
للحافظ أبى محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري
هذا الكتاب النفيس ، الذي لم تر العين
مثيله في علم الأصول
أحمد شاكر
الجزء السابع
قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة
أحمد شاكر
رحمه الله
الناشر
زكريا على يوسف
مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680
الجزء السابع
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الباب السابع والثلاثون
في دليل الخطاب
قال أبو محمد : هذا مكان عظيم فيه خطأ كثير من الناس وفحش جدا ، واضطربوا
فيه اضطرابا شديدا ، وذلك أن طائفة قالت : إذا ورد نص من الله تعالى أو من
رسوله صلى الله عليه وسلم معلقا بصفة ما أو بزمان ما أو بعدد ما ، فإن ما عدا تلك الصفة ،
وما عدا ذلك الزمان . وما عدا ذلك العدد ، فواجب أن يحكم فيه بخلاف الحكم في
هذا المنصوص ، وتعليق الحكم بالأحوال المذكورة دليل على أن ما عداها مخالف
لها ، وقالت طائفة أخرى ، وهم جمهور أصحاب الظاهريين وطوائف من الشافعيين
منهم أبو العباس بن سريج وطوائف من المالكيين ، إن الخطاب إذا ورد
كما ذكرنا لم يدل على أن ما عداه بخلافه ، بل كان موقوفا على دليل .
قال أبو محمد : هذا القول هو الذي لا يجوز غيره ، وتمام ذلك في قول أصحابنا
الظاهريين ، أن كل خطاب وكل قضية فإنما تعطيك ما فيها ، ولا تعطيك حكما
في غيرها ، لا أن ما عداها موافق لها ، ولا أنه مخالف لها ، لكن كل ما عداها
موقوف على دليله .
وتحير في هذا بعض أصحاب القياس من الحنفيين والشافعيين والمالكيين ،
كأبي الحسين القطان الشافعي ، وأبي الفرج القاضي المالكي ، لما رأوا عظيم تناقضهم
في هذا الباب فقالوا :
دليل الخطاب على مراتب ، فمنه ما يفهم منه أن ما عدا القضية التي خوطبنا بها
فحكمها كحكم هذه التي خوطبنا . ومنه ما لا يفهم منه أن ما عدا القضية التي
خوطبنا بها فحكمها بخلاف حكم هذه التي خوطبنا . ومنه ما لا يفهم أن ما عدا


الاحكام في أصول الاحكام للحافظ أبى محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري هذا الكتاب النفيس ، الذي لم تر العين مثيله في علم الأصول أحمد شاكر الجزء السابع قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله الناشر زكريا على يوسف مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680 الجزء السابع بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الباب السابع والثلاثون في دليل الخطاب قال أبو محمد : هذا مكان عظيم فيه خطأ كثير من الناس وفحش جدا ، واضطربوا فيه اضطرابا شديدا ، وذلك أن طائفة قالت : إذا ورد نص من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه وسلم معلقا بصفة ما أو بزمان ما أو بعدد ما ، فإن ما عدا تلك الصفة ، وما عدا ذلك الزمان . وما عدا ذلك العدد ، فواجب أن يحكم فيه بخلاف الحكم في هذا المنصوص ، وتعليق الحكم بالأحوال المذكورة دليل على أن ما عداها مخالف لها ، وقالت طائفة أخرى ، وهم جمهور أصحاب الظاهريين وطوائف من الشافعيين منهم أبو العباس بن سريج وطوائف من المالكيين ، إن الخطاب إذا ورد كما ذكرنا لم يدل على أن ما عداه بخلافه ، بل كان موقوفا على دليل .
قال أبو محمد : هذا القول هو الذي لا يجوز غيره ، وتمام ذلك في قول أصحابنا الظاهريين ، أن كل خطاب وكل قضية فإنما تعطيك ما فيها ، ولا تعطيك حكما في غيرها ، لا أن ما عداها موافق لها ، ولا أنه مخالف لها ، لكن كل ما عداها موقوف على دليله .
وتحير في هذا بعض أصحاب القياس من الحنفيين والشافعيين والمالكيين ، كأبي الحسين القطان الشافعي ، وأبي الفرج القاضي المالكي ، لما رأوا عظيم تناقضهم في هذا الباب فقالوا :
دليل الخطاب على مراتب ، فمنه ما يفهم منه أن ما عدا القضية التي خوطبنا بها فحكمها كحكم هذه التي خوطبنا . ومنه ما لا يفهم منه أن ما عدا القضية التي خوطبنا بها فحكمها بخلاف حكم هذه التي خوطبنا . ومنه ما لا يفهم أن ما عدا

887


القضية التي خوطبنا بها موافق لحكم هذه التي خوطبنا بها ولا مخالف .
ومثلوا القسم الأول بقوله تعالى : * ( ولا تقل لهما أف ) * قالوا : ففهمنا أن غير
* ( أف ) * بمنزلة إف وبآيات كثيرة سنذكرها في باب القياس من هذا الكتاب
إن شاء الله تعالى ، لان ذلك المكان أمكن بذكرها .
ومثلوا القسم الثاني بأمثلة اضطربوا فيها ، فقال الشافعيون والحنفيون : من
ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة قالوا : فدل
ذلك على أن ما عدا السائمة لا زكاة فيها وأنها ليست بمنزلة السائمة وأدخل المالكيون
هذا الحديث في القسم الأول وقالوا : بل ما دل إلا أن غير السائمة بمنزلة
السائمة ، وقال الألوان : هذا بمنزلة من قال إذا دخل زيد الدار فأعطه درهما
فيعلم أن هذا شرط فيه ، وإنه إن دخل أعطى درهما وإن لم يدخل لم يعط شيئا .
ومثل المالكيون هذا القسم الآخر بقوله تعالى : * ( والخيل والبغال والحمير
لتركبوها وزينة ) * قالوا : فدل ذكر الركوب والزينة على أن ما عداهما ممنوع
كالأكل ونحوه .
قال أبو محمد : فأما هؤلاء المتحيرون الذين ذكرنا آخرا ، يعني الذين قالوا :
إن الخطاب قد يدل في مواضع على أن ما عداه بخلافه ، ويدل في مواضع أخر على
أن ما عداه ليس بخلافه ، فإنهم لعبوا في هذا المكان بالخطاب كما يلعب بالمخراق ،
فمرة حكموا لغير المنصوص بأن المنصوص يدل على أن حكمه كحكمه ، ومرة حكموا
بأن المنصوص يدل على أن حكمه ليس كحكمه ، فليت شعري كيف يمكن أن
يكون خطابان يردان بالحكم في اسمين ، فيفهم من أحدهم أن غير الذي ذكر مثل
الذي ذكر ، ويفهم من الآخر أن غير الذي ذكر بخلاف الذي ذكر ؟ وهذا ضد
ما فهم من الأول ، وتالله ما خلق الله تعالى عقلا يقوم فيه هذا إلا عقل من
غالط نفسه فتوهم ما لا يصح بدعوى لا يعجز عن مثلها أحد بلا دليل ، وكل من
لم يبال بما قال يقدر أن يدعي أنه فهم من هذا اللفظ غير ما يعطي ذلك اللفظ .
قال أبو محمد : وأما أكياسهم فإنهم سموا القسم الأول قياسا وسموا الثاني دليل
الخطاب ، فقد رأوا إذ فرقوا بين معنى واحد باسمين أنهم قد سلموا بذلك من
التناقض ، وهم من التورط فيه بمنزلة من سمى كل ذلك دليل الخطاب ولا فرق .


القضية التي خوطبنا بها موافق لحكم هذه التي خوطبنا بها ولا مخالف .
ومثلوا القسم الأول بقوله تعالى : * ( ولا تقل لهما أف ) * قالوا : ففهمنا أن غير * ( أف ) * بمنزلة إف وبآيات كثيرة سنذكرها في باب القياس من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ، لان ذلك المكان أمكن بذكرها .
ومثلوا القسم الثاني بأمثلة اضطربوا فيها ، فقال الشافعيون والحنفيون : من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : في سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة قالوا : فدل ذلك على أن ما عدا السائمة لا زكاة فيها وأنها ليست بمنزلة السائمة وأدخل المالكيون هذا الحديث في القسم الأول وقالوا : بل ما دل إلا أن غير السائمة بمنزلة السائمة ، وقال الألوان : هذا بمنزلة من قال إذا دخل زيد الدار فأعطه درهما فيعلم أن هذا شرط فيه ، وإنه إن دخل أعطى درهما وإن لم يدخل لم يعط شيئا .
ومثل المالكيون هذا القسم الآخر بقوله تعالى : * ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) * قالوا : فدل ذكر الركوب والزينة على أن ما عداهما ممنوع كالأكل ونحوه .
قال أبو محمد : فأما هؤلاء المتحيرون الذين ذكرنا آخرا ، يعني الذين قالوا :
إن الخطاب قد يدل في مواضع على أن ما عداه بخلافه ، ويدل في مواضع أخر على أن ما عداه ليس بخلافه ، فإنهم لعبوا في هذا المكان بالخطاب كما يلعب بالمخراق ، فمرة حكموا لغير المنصوص بأن المنصوص يدل على أن حكمه كحكمه ، ومرة حكموا بأن المنصوص يدل على أن حكمه ليس كحكمه ، فليت شعري كيف يمكن أن يكون خطابان يردان بالحكم في اسمين ، فيفهم من أحدهم أن غير الذي ذكر مثل الذي ذكر ، ويفهم من الآخر أن غير الذي ذكر بخلاف الذي ذكر ؟ وهذا ضد ما فهم من الأول ، وتالله ما خلق الله تعالى عقلا يقوم فيه هذا إلا عقل من غالط نفسه فتوهم ما لا يصح بدعوى لا يعجز عن مثلها أحد بلا دليل ، وكل من لم يبال بما قال يقدر أن يدعي أنه فهم من هذا اللفظ غير ما يعطي ذلك اللفظ .
قال أبو محمد : وأما أكياسهم فإنهم سموا القسم الأول قياسا وسموا الثاني دليل الخطاب ، فقد رأوا إذ فرقوا بين معنى واحد باسمين أنهم قد سلموا بذلك من التناقض ، وهم من التورط فيه بمنزلة من سمى كل ذلك دليل الخطاب ولا فرق .

888


ونحن نسألهم من كلامهم فنقول لهم : ما الفرق بينكم إذ قالت طائفة منكم : إن
ذكر السائمة يدل على أن غير السائمة بخلاف السائمة ، وقالت طائفة أخرى ،
بل ذكر السائمة إلا على أن غير السائمة موافق لحكم السائمة ؟ ما الفرق
بينكم وبين من عكس عليكم قولكم إن قول الله تعالى : * ( ومن أهل الكتاب من إن
تأمنه بقنطار يؤده إليك ) * . . . إن ذكر القنطار يدل على أن ما عدا القنطار مثل
القنطار ، فقال : بل ما يدل ذكر القنطار إلا على أن ما عدا القنطار بخلاف القنطار
فقد يفزع الخائن من خيانته إذا كانت كثيرة ، وقد يحتقر اليسير فلا يخونه ، فهلا
جعلتم القنطار ههنا حدا للكثير كما جعلت طوائف منكم ذكره صلى الله عليه وسلم المائتي
درهم في وجوب الزكاة فيها دليلا على أن العشرين دينارا كثير ، فلا يحلف عند
المنبر أحد في أقل منها ، وأن ما دونها قليل فلا يحلف فيها إلا في مجلس الحاكم ؟
وجعلت طوائف أخر منكم ذكره صلى الله عليه وسلم ربع الدينار في قطع السارق دليلا
على أن ربع الدينار كثير وأن ما عداه قليل ، فلا يستباح فرج بأقل منه ، ولا
يحلف عند المنبر في أقل منه ، وجعلت طوائف أخر ما رووا من ذكره صلى الله عليه وسلم
عشرة دراهم في قطع السارق دليلا على أن العشرة دراهم كثيرة ، وإن ما دونها
قليل ، فلا يستباح فرج بأقل منها ، حتى جعلوا ذلك حدا فيما يسقط مما بين
قيمة العبد ودية الحر .
قال أبو محمد : ومما ادعوا فيه أنهم فهموا منه أن المسكوت عنه بخلاف حكم
المنصوص عليه قوله تعالى : * ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن
حملهن ) * قالوا : فهذا يدل على أن غير الحامل بخلاف الحامل .
قال أبو محمد : هذا خطأ ، لان المطلقة لا تخلو من أن يكون طلاقها رجعيا
أو غير رجعي ، فإن كان رجعيا فلها النفقة إذا كانت ممسوسة ، كانت حاملا أو كانت
غير حامل ، باتفاق من جميعنا ، وإن كان غير رجعي ، فلا نفقة لها بنص السنة سواء
كانت حاملا أو غير حامل ، وإنما جاء النص المذكور في الطلاق الرجعي وبنص
الآيات في قوله تعالى في الآية التي ابتدأ فيها في هذه السورة بتعليم الطلاق . ثم
عطف سائر الآيات عليها : * ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن
بمعروف ) * وهذا لا يكون إلا في رجعي ، وأمسك تعالى عن ذكر غير الحامل في


ونحن نسألهم من كلامهم فنقول لهم : ما الفرق بينكم إذ قالت طائفة منكم : إن ذكر السائمة يدل على أن غير السائمة بخلاف السائمة ، وقالت طائفة أخرى ، بل ذكر السائمة إلا على أن غير السائمة موافق لحكم السائمة ؟ ما الفرق بينكم وبين من عكس عليكم قولكم إن قول الله تعالى : * ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) * . . . إن ذكر القنطار يدل على أن ما عدا القنطار مثل القنطار ، فقال : بل ما يدل ذكر القنطار إلا على أن ما عدا القنطار بخلاف القنطار فقد يفزع الخائن من خيانته إذا كانت كثيرة ، وقد يحتقر اليسير فلا يخونه ، فهلا جعلتم القنطار ههنا حدا للكثير كما جعلت طوائف منكم ذكره صلى الله عليه وسلم المائتي درهم في وجوب الزكاة فيها دليلا على أن العشرين دينارا كثير ، فلا يحلف عند المنبر أحد في أقل منها ، وأن ما دونها قليل فلا يحلف فيها إلا في مجلس الحاكم ؟
وجعلت طوائف أخر منكم ذكره صلى الله عليه وسلم ربع الدينار في قطع السارق دليلا على أن ربع الدينار كثير وأن ما عداه قليل ، فلا يستباح فرج بأقل منه ، ولا يحلف عند المنبر في أقل منه ، وجعلت طوائف أخر ما رووا من ذكره صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم في قطع السارق دليلا على أن العشرة دراهم كثيرة ، وإن ما دونها قليل ، فلا يستباح فرج بأقل منها ، حتى جعلوا ذلك حدا فيما يسقط مما بين قيمة العبد ودية الحر .
قال أبو محمد : ومما ادعوا فيه أنهم فهموا منه أن المسكوت عنه بخلاف حكم المنصوص عليه قوله تعالى : * ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ) * قالوا : فهذا يدل على أن غير الحامل بخلاف الحامل .
قال أبو محمد : هذا خطأ ، لان المطلقة لا تخلو من أن يكون طلاقها رجعيا أو غير رجعي ، فإن كان رجعيا فلها النفقة إذا كانت ممسوسة ، كانت حاملا أو كانت غير حامل ، باتفاق من جميعنا ، وإن كان غير رجعي ، فلا نفقة لها بنص السنة سواء كانت حاملا أو غير حامل ، وإنما جاء النص المذكور في الطلاق الرجعي وبنص الآيات في قوله تعالى في الآية التي ابتدأ فيها في هذه السورة بتعليم الطلاق . ثم عطف سائر الآيات عليها : * ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ) * وهذا لا يكون إلا في رجعي ، وأمسك تعالى عن ذكر غير الحامل في

889


هذه السورة ، فبينت السنة أن التي هي موطوءة وليست حاملا بمنزلة الحامل ولا
فرق ، ولا يحل لاحد أن يقول : لم سكت عن ذكر غير الحامل ههنا ؟ فإن قال
ذلك مقدم ، قيل له : سكت عن ذلك كما سكت فيها عن ذكر الخلع وعن ذكر
المتوفى عنها زوجها وعن الفسخ وغير ذلك .
فإن قالوا : قد ذكر الله تعالى ذلك في آيات أخر قيل : وكذلك أيضا قد ذكر
وجوب النفقة لغير الحامل بسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومن أراد أن يجد جميع الأحكام
كلها في آية واحدة فهو عديم عقل متعلل في إفساد الشريعة ، ويأبى الله
إلا أن يتم نوره .
وادعوا أن جماعة من أهل اللغة منهم المبرد وثعلب قالوا بذلك .
قال أبو محمد : أما إدخال هذا الباب في اللغة فتمويه ضعيف وإيهام ساقط ، لان
اللغة إنما يحتاج فيها إلى أربابها في معرفة الحروف المجموعة التي تقوم منها الكلمات ،
وأن يخبرونا على ماذا تركبت من المسميات فقط . وأما معرفة هل يدخل في حكم
الخبر عن الاسم ما قد أقروا لنا أنه ليس يقع عليه ذلك الاسم أو لا يدخل في حكمه ،
فليس هذا في قوة علم اللغة ولا من شروطها ، إنما يظن هذا من اختلطت عليه
العلوم ولم تبلغ قوته أن يفرق بينها . وهذا أمر موجود في طبائع العرب والعجم ،
وحتى لو صح ذلك عن ثعلب وعن المبرد وعن الأصمعي وخلف معهم - لكان
قولهم مع قول جميع أهل اللغة أولهم عن آخرهم بلا خلاف منهم ، بل قول
أهل كل لغة للناس من عرب وعجم إن اسم حجر لا يفهم منه فرس ، وإن اسم
جمل لا يفهم منه كلب . وإن من قال : ركبت اليوم سفينة أنه لا يفهم منه
أنه ركب أيضا حمارا ، أو أنه لم يركبه ، وأن من قال أكلت خبزا أنه لا يفهم
منه أكل لحما مع الخبز أم لم يأكله ؟ ولكان في شهادة العقول كلها باتفاقها على
صحة ما ذكرنا كغاية في إبطال قول من قال بخلاف ذلك كائنا من كان ومبين
صدق من قال إنما عدا الخبر المخبر به موقوف على دليله .
قال أبو محمد : واعترض بعضهم بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله
في الاستغفار لمن مات من المنافقين : لأزيدن على السبعين فقال هذا القائل :
في هذا دليل على أن ما عدا السبعين يغفر لهم به ولا بد .


هذه السورة ، فبينت السنة أن التي هي موطوءة وليست حاملا بمنزلة الحامل ولا فرق ، ولا يحل لاحد أن يقول : لم سكت عن ذكر غير الحامل ههنا ؟ فإن قال ذلك مقدم ، قيل له : سكت عن ذلك كما سكت فيها عن ذكر الخلع وعن ذكر المتوفى عنها زوجها وعن الفسخ وغير ذلك .
فإن قالوا : قد ذكر الله تعالى ذلك في آيات أخر قيل : وكذلك أيضا قد ذكر وجوب النفقة لغير الحامل بسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومن أراد أن يجد جميع الأحكام كلها في آية واحدة فهو عديم عقل متعلل في إفساد الشريعة ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره .
وادعوا أن جماعة من أهل اللغة منهم المبرد وثعلب قالوا بذلك .
قال أبو محمد : أما إدخال هذا الباب في اللغة فتمويه ضعيف وإيهام ساقط ، لان اللغة إنما يحتاج فيها إلى أربابها في معرفة الحروف المجموعة التي تقوم منها الكلمات ، وأن يخبرونا على ماذا تركبت من المسميات فقط . وأما معرفة هل يدخل في حكم الخبر عن الاسم ما قد أقروا لنا أنه ليس يقع عليه ذلك الاسم أو لا يدخل في حكمه ، فليس هذا في قوة علم اللغة ولا من شروطها ، إنما يظن هذا من اختلطت عليه العلوم ولم تبلغ قوته أن يفرق بينها . وهذا أمر موجود في طبائع العرب والعجم ، وحتى لو صح ذلك عن ثعلب وعن المبرد وعن الأصمعي وخلف معهم - لكان قولهم مع قول جميع أهل اللغة أولهم عن آخرهم بلا خلاف منهم ، بل قول أهل كل لغة للناس من عرب وعجم إن اسم حجر لا يفهم منه فرس ، وإن اسم جمل لا يفهم منه كلب . وإن من قال : ركبت اليوم سفينة أنه لا يفهم منه أنه ركب أيضا حمارا ، أو أنه لم يركبه ، وأن من قال أكلت خبزا أنه لا يفهم منه أكل لحما مع الخبز أم لم يأكله ؟ ولكان في شهادة العقول كلها باتفاقها على صحة ما ذكرنا كغاية في إبطال قول من قال بخلاف ذلك كائنا من كان ومبين صدق من قال إنما عدا الخبر المخبر به موقوف على دليله .
قال أبو محمد : واعترض بعضهم بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله في الاستغفار لمن مات من المنافقين : لأزيدن على السبعين فقال هذا القائل :
في هذا دليل على أن ما عدا السبعين يغفر لهم به ولا بد .

890


قال أبو محمد : وهذا خطأ من وجهين : أحدهما أن ذلك دعوى بلا دليل ،
ولو قطع صلى الله عليه وسلم بذلك لكان حقا ، ولكنه لم يقطع على ذلك ، وأنه لما يئس من
المغفرة لهم بالسبعين رجا بالزيادة ، وهذا الحديث من أعظم حجة عليهم في دعواهم
التي نسوا أنفسهم فيها فقالوا : إن ما عدا القنطار في قوله تعالى : * ( وآتيتم إحداهن
قنطارا ) * ، وما عدا آلاف من قوله تعالى : فلا تقل لهما أف ) * بمنزلة القنطار وآلاف
فهلا قالوا : إن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين ، كما قالوا : إن ما عدا القنطار بمنزلة القنطار
أو هلا قالوا : إن ما عدا القنطار بخلاف القنطار . كما قالوا : إن ما عدا السبعين
بخلاف السبعين ، بل قد أكذب الله تعالى قولهم بإنزاله : * ( سواء عليهم أستغفرت
لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ) * وبنهيه تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم
جملة ، فبين تعالى بهذه الآية العامة أن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين .
ولا يظن جاهل أننا بهذا القول يلزمنا أن ما عدا المنصوص عليه له حكم
المنصوص ، ومعاذ الله من ذلك ، ولو ظننا ذلك كما ظنوا لكنا مخالفين لرسول
الله صلى الله عليه وسلم إذ رجا أن يكون ما عدا السبعين بخلاف السبعين ، فإننا لم نقل إن
بذكر السبعين وجب أن يكون ما عدا السبعين موافقا للسبعين ولا مخالفا لها ، بل
قلنا : ممكن أن يكون ما عدا السبعين موافقا للسبعين في ألا يغفر لهم ، وممكن أن
يكون بخلاف السبعين في أن يغفر لهم . وإنما ننتظر في ذلك ما يرد في البيان ،
كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فرق ، ثم ينزل الله تعالى ما شاء إما بموافقة لما قد
ذكر وإما بمخالفة له ، وكان الأصل إباحة الاستغفار جملة بقوله عز وجل :
* ( وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ) * والصلاة ههنا الدعاء بلا خلاف ، والاستغفار
دعاء ، وهو نوع من أنواع الدعاء ، فلما نص على خروج السبعين من جملة الدعاء
لهم ، كان ما بقي على ظاهر الإباحة المتقدمة ، حتى نهى عن الاستغفار لهم جملة ،
وعن الصلاة عليهم البتة .
وقد جاء نص الحديث هكذا كما قلنا من أخباره صلى الله عليه وسلم أنه مخير في ذلك
فأخذ بظاهر اللفظ ، حدثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب
ابن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم ، نا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا


قال أبو محمد : وهذا خطأ من وجهين : أحدهما أن ذلك دعوى بلا دليل ، ولو قطع صلى الله عليه وسلم بذلك لكان حقا ، ولكنه لم يقطع على ذلك ، وأنه لما يئس من المغفرة لهم بالسبعين رجا بالزيادة ، وهذا الحديث من أعظم حجة عليهم في دعواهم التي نسوا أنفسهم فيها فقالوا : إن ما عدا القنطار في قوله تعالى : * ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) * ، وما عدا آلاف من قوله تعالى : فلا تقل لهما أف ) * بمنزلة القنطار وآلاف فهلا قالوا : إن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين ، كما قالوا : إن ما عدا القنطار بمنزلة القنطار أو هلا قالوا : إن ما عدا القنطار بخلاف القنطار . كما قالوا : إن ما عدا السبعين بخلاف السبعين ، بل قد أكذب الله تعالى قولهم بإنزاله : * ( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم ) * وبنهيه تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم جملة ، فبين تعالى بهذه الآية العامة أن ما عدا السبعين بمنزلة السبعين .
ولا يظن جاهل أننا بهذا القول يلزمنا أن ما عدا المنصوص عليه له حكم المنصوص ، ومعاذ الله من ذلك ، ولو ظننا ذلك كما ظنوا لكنا مخالفين لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رجا أن يكون ما عدا السبعين بخلاف السبعين ، فإننا لم نقل إن بذكر السبعين وجب أن يكون ما عدا السبعين موافقا للسبعين ولا مخالفا لها ، بل قلنا : ممكن أن يكون ما عدا السبعين موافقا للسبعين في ألا يغفر لهم ، وممكن أن يكون بخلاف السبعين في أن يغفر لهم . وإنما ننتظر في ذلك ما يرد في البيان ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فرق ، ثم ينزل الله تعالى ما شاء إما بموافقة لما قد ذكر وإما بمخالفة له ، وكان الأصل إباحة الاستغفار جملة بقوله عز وجل :
* ( وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم ) * والصلاة ههنا الدعاء بلا خلاف ، والاستغفار دعاء ، وهو نوع من أنواع الدعاء ، فلما نص على خروج السبعين من جملة الدعاء لهم ، كان ما بقي على ظاهر الإباحة المتقدمة ، حتى نهى عن الاستغفار لهم جملة ، وعن الصلاة عليهم البتة .
وقد جاء نص الحديث هكذا كما قلنا من أخباره صلى الله عليه وسلم أنه مخير في ذلك فأخذ بظاهر اللفظ ، حدثناه عبد الله بن يوسف عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب ابن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم ، نا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا

891


أبو أسامة ، نا عبيد الله بن عمير ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال حين اعترضه عمر في الصلاة على عبد الله بن أبي : إنما خيرني الله فقال :
* ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) * ،
وسأزيد على السبعين فأخذ صلى الله عليه وسلم بظاهر اللفظ في التخيير ، والأصل
المتقدم في إباحة الاستغفار ، حتى نهى عن ذلك جملة .
وقال بعضهم : ما عدا الاسم المذكور فبخلاف المذكور إلا أن تقترن إليه
دلالة . قال أبو محمد : فنقول له : ما الفرق بينك وبين من عارضك من أهل
مذهبك ؟ أراد أن ينصر القياس نفسه ، كما أردت أنت أن تنصر دليل
الخطاب فنسيت نفسك ، فقال لك : ما عدا الاسم المذكور فهو داخل في حكم
المذكور ما لم تقترن إليه دلالة .
قال أبو محمد : وهكذا يعرض للحمل المائل المرتب على غير اعتدال ، وبخلاف
القوام إذا أراد صاحبه أن يعدل أحد شقيه مال عليه الآخر ، ثم يقال لهم جميعا :
ما هذه الدلالة المقترنة التي يشير كل واحد منكما إليها ؟ أهي كهانة منكم ، أم هي
طبيعية توجب ضرورة ، فهم ما ذكر كل واحد منكما على تضادكما ؟ ، أم هي نص واحد
فهم لا يدعون كهانة ، فلم يبق إلا أن يقولوا هي ضرورة توجب فهم كل ما لم يذكر
أو أن يقولوا هو نص يبين حكم ما لم يذكره في هذا النص الآخر ، فأي ذلك قالوا
فقد وافقونا في قولنا : إنه لا يدل شئ مذكور على شئ لم يذكر ، وإن الذي
لم يذكر في هذا النص فإنما ننتظر فيه نصا آخر ، إلا أن توجب ضرورة ما أن
نعرف حكمه كما أوجبت ضرورة الحس في قوله تعالى : * ( فامشوا في مناكبها وكلوا
من رزقه ) * إننا لا نقدر أن نمشي في الهواء ولا في السماء ولا أن نأكل من غير رزقه .
واحتج بعضهم في قول أبي عبيد في قوله صلى الله عليه وسلم : لان يمتلئ جوف
أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا وأنكر أبو عبيد قول من
قال : إن ذلك إنما هي في الشعر الذي هجي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيد :
لو كان ذلك لكان قد أباح القليل من الشعر الذي هجي به رسول الله صلى الله عليه وسلم
وذلك لا يحل .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، بل هو على خلاف ما ظنوا ، وهو أن


أبو أسامة ، نا عبيد الله بن عمير ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين اعترضه عمر في الصلاة على عبد الله بن أبي : إنما خيرني الله فقال :
* ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) * ، وسأزيد على السبعين فأخذ صلى الله عليه وسلم بظاهر اللفظ في التخيير ، والأصل المتقدم في إباحة الاستغفار ، حتى نهى عن ذلك جملة .
وقال بعضهم : ما عدا الاسم المذكور فبخلاف المذكور إلا أن تقترن إليه دلالة . قال أبو محمد : فنقول له : ما الفرق بينك وبين من عارضك من أهل مذهبك ؟ أراد أن ينصر القياس نفسه ، كما أردت أنت أن تنصر دليل الخطاب فنسيت نفسك ، فقال لك : ما عدا الاسم المذكور فهو داخل في حكم المذكور ما لم تقترن إليه دلالة .
قال أبو محمد : وهكذا يعرض للحمل المائل المرتب على غير اعتدال ، وبخلاف القوام إذا أراد صاحبه أن يعدل أحد شقيه مال عليه الآخر ، ثم يقال لهم جميعا :
ما هذه الدلالة المقترنة التي يشير كل واحد منكما إليها ؟ أهي كهانة منكم ، أم هي طبيعية توجب ضرورة ، فهم ما ذكر كل واحد منكما على تضادكما ؟ ، أم هي نص واحد فهم لا يدعون كهانة ، فلم يبق إلا أن يقولوا هي ضرورة توجب فهم كل ما لم يذكر أو أن يقولوا هو نص يبين حكم ما لم يذكره في هذا النص الآخر ، فأي ذلك قالوا فقد وافقونا في قولنا : إنه لا يدل شئ مذكور على شئ لم يذكر ، وإن الذي لم يذكر في هذا النص فإنما ننتظر فيه نصا آخر ، إلا أن توجب ضرورة ما أن نعرف حكمه كما أوجبت ضرورة الحس في قوله تعالى : * ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) * إننا لا نقدر أن نمشي في الهواء ولا في السماء ولا أن نأكل من غير رزقه .
واحتج بعضهم في قول أبي عبيد في قوله صلى الله عليه وسلم : لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا وأنكر أبو عبيد قول من قال : إن ذلك إنما هي في الشعر الذي هجي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيد :
لو كان ذلك لكان قد أباح القليل من الشعر الذي هجي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لا يحل .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، بل هو على خلاف ما ظنوا ، وهو أن

892


الأصل أن رواية الشعر حلال باستنشاد النبي صلى الله عليه وسلم للاشعار وسماعه إياها .
وأما رواية ما هجي به صلى الله عليه وسلم فحرام سماعه وقراءته وكتابته وحفظه بقول
الله تعالى : * ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده
أبدا ) * وبقوله تعالى آمرا بتعزيره وتوقيره في غير ما آية . فلما جاء النهي عن امتلاء
الجوف من الشعر كان ذلك مخرجا لكثير منه من جمله كله المباح ، وبقي ما دون
الامتلاء مما سوى هجو النبي صلى الله عليه وسلم على الإباحة ، وحد الامتلاء هو ألا يكون
للانسان علم إلا الشعر فقط ، وحد ما دون الامتلاء أن يعلم المرء ما يلزمه
ويروي مع ذلك من الشعر ما شاء .
واحتجوا أيضا بقول أبي عبيد فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : لي الواجد يحل
عرضه وعقوبته أن ذلك مخرج لغير الواحد عن إحلال العرض والعقوبة .
قال أبو محمد : وليس هذا كما ظنوا ، ولكن لما أخبر صلى الله عليه وسلم أن أعراضنا
علينا حرام ، وأن المسلم أخو المسلم لا يسلمه لا يظلمه . كان كل أحد حرام
العرض والعقوبة ، فلما جاء النص بتغيير المنكر باليد وكان لي الواجد منكرا
لأنه منهي عنه ، كان ذلك مدخلا لعقوبته في جملة تغيير المنكر المأمور به ، ومخرجا
له مما حرم من أعراض الناس جملة وعقوباتهم ، هذا الذي لا يفهم ذو لب
سواه ، ولا ينفقه غيره ، واحتجوا بأن الشافعي أحد أئمة أهل اللغة وقد قال :
إن ذكره صلى الله عليه وسلم السائمة دليل على أن ما عدا السائمة بخلاف السائمة .
قال أبو محمد : أما إمامة الشافعي رحمه الله في اللغة والدين فنحن معترفون بذلك ،
ولكنه رضي الله عنه بشر يخطئ ويصيب ، وليت شعري أين كان الشافعي رحمه
الله عن هذا الاستدلال ، إذ قال جل ذكره في رقبة القتل أن تكون مؤمنة دليل
على أن المسكوت عنه من دين الرقبة في الظهار ، بمنزلة المنصوص في رقبة القتل أن
تكون أيضا مؤمنة ؟ وليت شعري أي فرق بين ذكره تعالى الايمان فرقبة
القتل وذكره صلى الله عليه وسلم السائمة في حديث أنس . فبقول قائل : رقبة الظهار التي
سكت عن ذكر دينها بمنزلة رقبة القتل التي ذكر دينها ، وأما غير السائمة من الغنم ،
وإن كان السوم لم يذكر في حديث ابن عمر ، فبخلاف السائمة ، وما الفرق
بين من عكس الحكم ؟ فقال : بل غير السائمة بمنزلة السائمة كما قال المالكيون .


الأصل أن رواية الشعر حلال باستنشاد النبي صلى الله عليه وسلم للاشعار وسماعه إياها .
وأما رواية ما هجي به صلى الله عليه وسلم فحرام سماعه وقراءته وكتابته وحفظه بقول الله تعالى : * ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ) * وبقوله تعالى آمرا بتعزيره وتوقيره في غير ما آية . فلما جاء النهي عن امتلاء الجوف من الشعر كان ذلك مخرجا لكثير منه من جمله كله المباح ، وبقي ما دون الامتلاء مما سوى هجو النبي صلى الله عليه وسلم على الإباحة ، وحد الامتلاء هو ألا يكون للانسان علم إلا الشعر فقط ، وحد ما دون الامتلاء أن يعلم المرء ما يلزمه ويروي مع ذلك من الشعر ما شاء .
واحتجوا أيضا بقول أبي عبيد فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته أن ذلك مخرج لغير الواحد عن إحلال العرض والعقوبة .
قال أبو محمد : وليس هذا كما ظنوا ، ولكن لما أخبر صلى الله عليه وسلم أن أعراضنا علينا حرام ، وأن المسلم أخو المسلم لا يسلمه لا يظلمه . كان كل أحد حرام العرض والعقوبة ، فلما جاء النص بتغيير المنكر باليد وكان لي الواجد منكرا لأنه منهي عنه ، كان ذلك مدخلا لعقوبته في جملة تغيير المنكر المأمور به ، ومخرجا له مما حرم من أعراض الناس جملة وعقوباتهم ، هذا الذي لا يفهم ذو لب سواه ، ولا ينفقه غيره ، واحتجوا بأن الشافعي أحد أئمة أهل اللغة وقد قال :
إن ذكره صلى الله عليه وسلم السائمة دليل على أن ما عدا السائمة بخلاف السائمة .
قال أبو محمد : أما إمامة الشافعي رحمه الله في اللغة والدين فنحن معترفون بذلك ، ولكنه رضي الله عنه بشر يخطئ ويصيب ، وليت شعري أين كان الشافعي رحمه الله عن هذا الاستدلال ، إذ قال جل ذكره في رقبة القتل أن تكون مؤمنة دليل على أن المسكوت عنه من دين الرقبة في الظهار ، بمنزلة المنصوص في رقبة القتل أن تكون أيضا مؤمنة ؟ وليت شعري أي فرق بين ذكره تعالى الايمان فرقبة القتل وذكره صلى الله عليه وسلم السائمة في حديث أنس . فبقول قائل : رقبة الظهار التي سكت عن ذكر دينها بمنزلة رقبة القتل التي ذكر دينها ، وأما غير السائمة من الغنم ، وإن كان السوم لم يذكر في حديث ابن عمر ، فبخلاف السائمة ، وما الفرق بين من عكس الحكم ؟ فقال : بل غير السائمة بمنزلة السائمة كما قال المالكيون .

893


وأما الرقبة المسكوت عن دينها فبخلاف الرقبة المنصوص على دينها ، فتجزئ
في الظهار كافرة كما قال الحنفيون ؟ وفي هذا كفاية .
وأما نحن فنقول : لو لم يرد في السائمة إلا حديث أنس لما أوجبنا زكاة في
غير السائمة ، لان الأصل أن لا زكاة على أحد إلا أن يوجبها نص ، فلو لم يأت
نص إلا في السائمة لما وجبت زكاة إلا فيها ، لكن لما ورد حديث ابن عمر
بإيجاب زكاة كل أربعين من الغنم ، كان حديث السائمة بعض الحديث الذي
فيه ذكر الغنم جملة ، فأوجبنا الزكاة في الغنم سائمة كانت أو غير سائمة ، ولما نص
تعالى في القتل على رقبة مؤمنة قلنا : لا يجزئ في القتل إلا مؤمنة ، كما أمر الله
تعالى ، ولما لم يذكر الايمان في رقبة الظهار ، قلنا : يجزي الظهار أي رقبة
كانت كما قال تعالى سواء كانت كافرة أو مؤمنة ، إلا أن المؤمنة أحب إلينا
لقوله تعالى : * ( ولعبد مؤمن خير من مشرك ) * ، * ( ولامة مؤمنة خير من مشركة ) *
إلا أن الكافرة تجزئ لعموم ذكره تعالى الرقبة فقط .
واحتجوا أيضا بإجماع المسلمين على أن ما عدا المنصوص عليه من عدد
الزوجات أن يكون أربعا حرام .
قال أبو محمد : وليس هذا من الوجه الذي ظنوا ، ولكنه لما أمر تعالى بحفظ
الفروج جملة حرم النساء البتة إلا ما استثنى منهن فقط ، أيضا فإن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قد فسخ نكاح الزائدة على أربع ، فكفى حكمه صلى الله عليه وسلم من كل دليل
سواه ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا بقوله تعالى : * ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) * .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لأنه تعالى قد أباح لهن النكاح بالنص
فقال عز وجل : * ( فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ) * .
قال أبو محمد : والنكاح المباح من المعروف .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) * .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه . لان الام إن أرادت أن ترضعه أقل من
حولين أو أكثر من حولين فذلك مباح لها ، ما لم يكن في الفطام قبل الحولين ضرر


وأما الرقبة المسكوت عن دينها فبخلاف الرقبة المنصوص على دينها ، فتجزئ في الظهار كافرة كما قال الحنفيون ؟ وفي هذا كفاية .
وأما نحن فنقول : لو لم يرد في السائمة إلا حديث أنس لما أوجبنا زكاة في غير السائمة ، لان الأصل أن لا زكاة على أحد إلا أن يوجبها نص ، فلو لم يأت نص إلا في السائمة لما وجبت زكاة إلا فيها ، لكن لما ورد حديث ابن عمر بإيجاب زكاة كل أربعين من الغنم ، كان حديث السائمة بعض الحديث الذي فيه ذكر الغنم جملة ، فأوجبنا الزكاة في الغنم سائمة كانت أو غير سائمة ، ولما نص تعالى في القتل على رقبة مؤمنة قلنا : لا يجزئ في القتل إلا مؤمنة ، كما أمر الله تعالى ، ولما لم يذكر الايمان في رقبة الظهار ، قلنا : يجزي الظهار أي رقبة كانت كما قال تعالى سواء كانت كافرة أو مؤمنة ، إلا أن المؤمنة أحب إلينا لقوله تعالى : * ( ولعبد مؤمن خير من مشرك ) * ، * ( ولامة مؤمنة خير من مشركة ) * إلا أن الكافرة تجزئ لعموم ذكره تعالى الرقبة فقط .
واحتجوا أيضا بإجماع المسلمين على أن ما عدا المنصوص عليه من عدد الزوجات أن يكون أربعا حرام .
قال أبو محمد : وليس هذا من الوجه الذي ظنوا ، ولكنه لما أمر تعالى بحفظ الفروج جملة حرم النساء البتة إلا ما استثنى منهن فقط ، أيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فسخ نكاح الزائدة على أربع ، فكفى حكمه صلى الله عليه وسلم من كل دليل سواه ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا بقوله تعالى : * ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) * .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لأنه تعالى قد أباح لهن النكاح بالنص فقال عز وجل : * ( فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ) * .
قال أبو محمد : والنكاح المباح من المعروف .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ) * .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه . لان الام إن أرادت أن ترضعه أقل من حولين أو أكثر من حولين فذلك مباح لها ، ما لم يكن في الفطام قبل الحولين ضرر

894


على الرضيع . وكنا نقول إنه لا يحرم إلا ما كان في الحولين من الرضاع ، لان
الأصل أن الرضاع لا يحرم شيئا ، فلما حرم تعالى نكاح النساء بالرضاع ووجدناه
تعالى قد جعل حكم الرضاع الذي أمر به حولين وما زاد عن الحولين فليس مأمورا ،
به ولكنه مباح ، وجب أن يكون الرضاع المحرم هو الرضاع المأمور به لا ما سواه ،
إلا أن يقوم دليل على ما سواه من نص أو إجماع فيصار إليه . ولكن المصير
إلى قول الله تعالى : * ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) * وحمل
ذلك على عمومه . وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أخبر أن سالما وهو رجل ذو
لحية تحرم عليه التي أرضعته لا يجوز مخالفة شئ من ذلك وبالله تعالى التوفيق .
هذا على أن أكثر القائلين بدليل الخطاب المذكور قد جعلوا ما زاد على
الحولين ، بشهر ، وقال بعضهم : بستة أشهر ، وقال بعضهم : بسنة كاملة ،
بمنزلة الحولين ، وحرموا بكل ذلك ، تناقضا لما أصلوه ، وهدما لما أسسوه ،
وبيانا منهم أن حكمهم بذلك من عند غير الله تعالى .
واحتجوا فقالوا : قد أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم ، فمحال أن
يذكر الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم لفظة إلا لفائدة ، وقد ذكر عليه
السلام السائمة ، فلو لم يكن لها فائدة لما ذكرها .
قال أبو محمد : وهذا سؤال أهل الالحاد ، وهو مع ذلك غث وتمويه شديد ،
ونحن مقرون أن الله تعالى لم يذكر لفظه إلا لفائدة ، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم
ولكنا نخالفهم في ماهية تلك الفائدة ، فنحن نقول : إن الفائدة في كل لفظة
هي الانقياد لمعناها والحكم بموجبها ، والاجر الجزيل في الاقرار بأنها من
عند الله عز وجل ، وألا نسأل لأي شئ قبل هذا ؟ وألا نقول لم لم يقل
تعالى كذا ؟ وأن لا نتعدى حدود ما أمرنا الله به فنضيف إلى ما ذكر ما لم يذكره ،
أو نحكم فيما لم يسم من أجل ما سمي بخلاف أو وفاق ، وألا تخرج مما أمرنا
به شيئا بآرائنا بل نقول : إن هذه كلها أقوال فاسدة واعتراضات كل جاهل
زائغ عظيم الجرأة ، فلا فائدة أعظم مما أدى إلى الجنة وأنقذ من النار . وأما هم
فهم أعرف بالفوائد التي يبطلونها من غير ما ذكرنا .
وقالوا : قد كان يغني ذكر الغنم جملة عن ذكر السائمة .


على الرضيع . وكنا نقول إنه لا يحرم إلا ما كان في الحولين من الرضاع ، لان الأصل أن الرضاع لا يحرم شيئا ، فلما حرم تعالى نكاح النساء بالرضاع ووجدناه تعالى قد جعل حكم الرضاع الذي أمر به حولين وما زاد عن الحولين فليس مأمورا ، به ولكنه مباح ، وجب أن يكون الرضاع المحرم هو الرضاع المأمور به لا ما سواه ، إلا أن يقوم دليل على ما سواه من نص أو إجماع فيصار إليه . ولكن المصير إلى قول الله تعالى : * ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) * وحمل ذلك على عمومه . وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أخبر أن سالما وهو رجل ذو لحية تحرم عليه التي أرضعته لا يجوز مخالفة شئ من ذلك وبالله تعالى التوفيق .
هذا على أن أكثر القائلين بدليل الخطاب المذكور قد جعلوا ما زاد على الحولين ، بشهر ، وقال بعضهم : بستة أشهر ، وقال بعضهم : بسنة كاملة ، بمنزلة الحولين ، وحرموا بكل ذلك ، تناقضا لما أصلوه ، وهدما لما أسسوه ، وبيانا منهم أن حكمهم بذلك من عند غير الله تعالى .
واحتجوا فقالوا : قد أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم ، فمحال أن يذكر الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم لفظة إلا لفائدة ، وقد ذكر عليه السلام السائمة ، فلو لم يكن لها فائدة لما ذكرها .
قال أبو محمد : وهذا سؤال أهل الالحاد ، وهو مع ذلك غث وتمويه شديد ، ونحن مقرون أن الله تعالى لم يذكر لفظه إلا لفائدة ، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ولكنا نخالفهم في ماهية تلك الفائدة ، فنحن نقول : إن الفائدة في كل لفظة هي الانقياد لمعناها والحكم بموجبها ، والاجر الجزيل في الاقرار بأنها من عند الله عز وجل ، وألا نسأل لأي شئ قبل هذا ؟ وألا نقول لم لم يقل تعالى كذا ؟ وأن لا نتعدى حدود ما أمرنا الله به فنضيف إلى ما ذكر ما لم يذكره ، أو نحكم فيما لم يسم من أجل ما سمي بخلاف أو وفاق ، وألا تخرج مما أمرنا به شيئا بآرائنا بل نقول : إن هذه كلها أقوال فاسدة واعتراضات كل جاهل زائغ عظيم الجرأة ، فلا فائدة أعظم مما أدى إلى الجنة وأنقذ من النار . وأما هم فهم أعرف بالفوائد التي يبطلونها من غير ما ذكرنا .
وقالوا : قد كان يغني ذكر الغنم جملة عن ذكر السائمة .

895


قال أبو محمد : فيقال لهم : هذا تعليم منكم لربكم عز وجل ، كيف ينزل وحيه
ولنبيه صلى الله عليه وسلم كيف يبلغ عن ربه تعالى ، فمن أضل ممن ينزل نفسه في هذه المنزلة
ويقال لهم : ما الفرق على مذهبكم الفاسد بين ذكره تعالى في الاستغفار سبعين
مرة ، ومراده تعالى بلا خوف منا ومنكم أن ما فوق السبعين بمنزلة السبعين بما بين
في الآية الأخرى ، وبين ذكره صلى الله عليه وسلم السائمة ومراده أيضا مع السائمة غير السائمة
بما بين في حديث آخر ؟ وهلا اكتفى بذكر النهي عن الاستغفار جملة عن السبعين مرة ؟ .
ويقال لهم في سؤالهم : فما معنى ذكر السائمة ، وقد كان يغني ذكر الغنم جملة ؟ :
ما معنى ذكره تعالى جبريل وميكائيل بعد ذكره الملائكة في قوله تعالى : * ( من كان
عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) * وقد كان يغني ذكر الملائكة
جملة ؟ وما معنى قوله تعالى : * ( إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) * أترى إسماعيل
لم يكن حليما أواها ؟ وما معنى قوله تعالى في إسماعيل : * ( إنه كان صادق الوعد ) *
أترى إبراهيم وموسى وعيسى لم يكن وعدهم صادقا ؟ .
ويقال لهم : قد وجدنا الله تعالى يأتي في القرآن ، وهو المعجز نظمه ، بذكر
قصة من خبر أو شريعة أو موعظة ، فيذكر من كل ذلك بعض جملته في مكان ،
ثم يذكر تعالى ذلك الخبر بعينه ، وتلك الشريعة بعينها ، وتلك الموعظة بعينها في مكان
آخر بأتم مما ذكرها به في غير ذلك الموضع ، ولا يعترض في هذا إلا طاعن على
خالقه عز وجل ، لان الذي ذكرنا موجود في أكثر من مائة موضع في القرآن ،
في قصة موسى ونوح وإبراهيم وآدم ، وصفة الجنة والنار ، وأمر الصلاة والحج
والصدقة والجهاد وغير ذلك . وقد كان صلى الله عليه وسلم يكرر الكلام إذا تكلم به ثلاثا ،
ولا فرق بين تكرار جميعه ، وبين تكرار بعضه ، فكرر صلى الله عليه وسلم ذكر الغنم
السائمة في مكان ، وذكر في مكان آخر الغنم جملة ، كما كرر قوله تعالى : * ( ثم
اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ) * . وكما كرر تعالى ذكر موسى عليه السلام في
القرآن في مائة وثلاثين موضعا ، وإبراهيم عليه السلام في أربع وستين موضعا ،
ولم يذكر إدريس واليسع وإلياس وذا الكفل إلا في موضعين من القرآن فقط ،
وكما كرر تعالى : * ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) * أكثر من آية ) في سورة واحدة إحدى وثلاثين مرة
فهل لاحد أن يعترض فيقول هلا بلغها أكثر ؟ أو هلا اقتصر على عدد منها أقل ؟


قال أبو محمد : فيقال لهم : هذا تعليم منكم لربكم عز وجل ، كيف ينزل وحيه ولنبيه صلى الله عليه وسلم كيف يبلغ عن ربه تعالى ، فمن أضل ممن ينزل نفسه في هذه المنزلة ويقال لهم : ما الفرق على مذهبكم الفاسد بين ذكره تعالى في الاستغفار سبعين مرة ، ومراده تعالى بلا خوف منا ومنكم أن ما فوق السبعين بمنزلة السبعين بما بين في الآية الأخرى ، وبين ذكره صلى الله عليه وسلم السائمة ومراده أيضا مع السائمة غير السائمة بما بين في حديث آخر ؟ وهلا اكتفى بذكر النهي عن الاستغفار جملة عن السبعين مرة ؟ .
ويقال لهم في سؤالهم : فما معنى ذكر السائمة ، وقد كان يغني ذكر الغنم جملة ؟ :
ما معنى ذكره تعالى جبريل وميكائيل بعد ذكره الملائكة في قوله تعالى : * ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) * وقد كان يغني ذكر الملائكة جملة ؟ وما معنى قوله تعالى : * ( إن إبراهيم لحليم أواه منيب ) * أترى إسماعيل لم يكن حليما أواها ؟ وما معنى قوله تعالى في إسماعيل : * ( إنه كان صادق الوعد ) * أترى إبراهيم وموسى وعيسى لم يكن وعدهم صادقا ؟ .
ويقال لهم : قد وجدنا الله تعالى يأتي في القرآن ، وهو المعجز نظمه ، بذكر قصة من خبر أو شريعة أو موعظة ، فيذكر من كل ذلك بعض جملته في مكان ، ثم يذكر تعالى ذلك الخبر بعينه ، وتلك الشريعة بعينها ، وتلك الموعظة بعينها في مكان آخر بأتم مما ذكرها به في غير ذلك الموضع ، ولا يعترض في هذا إلا طاعن على خالقه عز وجل ، لان الذي ذكرنا موجود في أكثر من مائة موضع في القرآن ، في قصة موسى ونوح وإبراهيم وآدم ، وصفة الجنة والنار ، وأمر الصلاة والحج والصدقة والجهاد وغير ذلك . وقد كان صلى الله عليه وسلم يكرر الكلام إذا تكلم به ثلاثا ، ولا فرق بين تكرار جميعه ، وبين تكرار بعضه ، فكرر صلى الله عليه وسلم ذكر الغنم السائمة في مكان ، وذكر في مكان آخر الغنم جملة ، كما كرر قوله تعالى : * ( ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ) * . وكما كرر تعالى ذكر موسى عليه السلام في القرآن في مائة وثلاثين موضعا ، وإبراهيم عليه السلام في أربع وستين موضعا ، ولم يذكر إدريس واليسع وإلياس وذا الكفل إلا في موضعين من القرآن فقط ، وكما كرر تعالى : * ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) * أكثر من آية ) في سورة واحدة إحدى وثلاثين مرة فهل لاحد أن يعترض فيقول هلا بلغها أكثر ؟ أو هلا اقتصر على عدد منها أقل ؟

896

لا يتم تسجيل الدخول!