إسم الكتاب : الاحكام ( عدد الصفحات : 142)



الجزء السادس
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
الباب الرابع والثلاثون
في الاحتياط وقطع الذرائع والمشتبه
قال أبو محمد : علي بن أحمد رحمه الله : ذهب قوم إلى تحريم أشياء من طريق
الاحتياط ، وخوف أن يتذرع منها إلى الحرام البحت . واحتجوا في ذلك بما حدثناه
عبد الله بن يوسف ، ثنا أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب ، ثنا أحمد بن محمد ، ثنا أحمد بن
علي ، ثنا مسلم بن الحجاج ، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني ، ثنا أبي ، نا زكريا ،
عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير قال : سمعته يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه : إن الحلال بين وإن الحرام بين
وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه
وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن
يرتع فيه ، وإن لكل مالك حمى وإن حمى الله محارمه وذكر باقي الحديث .
قال أبو محمد : هذا الحديث روي بألفاظ كما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله
ابن خالد ، ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ، ثنا الفربري ، ثنا البخاري ، ثنا محمد بن كثير ،
أنا سفيان ، عن أبي فروة ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير قال النبي صلى الله عليه وسلم : الحلال
بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة ، فمن ترك ما شبه عليه في الاثم كان لما
استبان أترك ، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الاثم أوشك أن يواقع ما استبان
والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه .
حدثنا عبد الله بن ربيع ، ثنا محمد بن معاوية ، ثنا أحمد بن شعيب ، ثنا محمد بن
عبد الاعلى ، ثنا خالد بن الحارث ، ثنا ابن عون الشعبي قال : سمعت النعمان بن بشير


الجزء السادس بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم الباب الرابع والثلاثون في الاحتياط وقطع الذرائع والمشتبه قال أبو محمد : علي بن أحمد رحمه الله : ذهب قوم إلى تحريم أشياء من طريق الاحتياط ، وخوف أن يتذرع منها إلى الحرام البحت . واحتجوا في ذلك بما حدثناه عبد الله بن يوسف ، ثنا أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب ، ثنا أحمد بن محمد ، ثنا أحمد بن علي ، ثنا مسلم بن الحجاج ، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني ، ثنا أبي ، نا زكريا ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير قال : سمعته يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه : إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، وإن لكل مالك حمى وإن حمى الله محارمه وذكر باقي الحديث .
قال أبو محمد : هذا الحديث روي بألفاظ كما حدثناه عبد الرحمن بن عبد الله ابن خالد ، ثنا إبراهيم بن أحمد البلخي ، ثنا الفربري ، ثنا البخاري ، ثنا محمد بن كثير ، أنا سفيان ، عن أبي فروة ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير قال النبي صلى الله عليه وسلم : الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة ، فمن ترك ما شبه عليه في الاثم كان لما استبان أترك ، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الاثم أوشك أن يواقع ما استبان والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه .
حدثنا عبد الله بن ربيع ، ثنا محمد بن معاوية ، ثنا أحمد بن شعيب ، ثنا محمد بن عبد الاعلى ، ثنا خالد بن الحارث ، ثنا ابن عون الشعبي قال : سمعت النعمان بن بشير

745


يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الحلال بين وإن الحرام بين وإن
بين ذلك أمورا مشتبهات ، وسأضرب لكم في ذلك مثلا ، إن الله عز وجل ذكره
حمى ، وإن حمى الله ما حرم ، وإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يرع فيه
وإنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر . قال أبو محمد : هذا هو أبو فروة
الأكبر ، وأما أبو فروة الأصغر فهو مسلم بن سالم الجهني وكلاهما كوفي ثقة .
فهذا حض منه صلى الله عليه وسلم على الورع ، ونص جلي على أن ما حول الحمى ليست
من الحمى ، وأن تلك المشتبهات ليست بيقين من الحرام ، وإذا لم تكن مما فصل
من الحرام فهي على حكم الحلال بقول تعالى : * ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) *
فما لم يفصل فهو حلال بقوله تعالى : * ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) *
وبقوله صلى الله عليه وسلم : أعظم الناس جرما في الاسلام من سأل عن شئ لم يحرمه فحرم
من أجل مسألته . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رويناه آنفا من طريق
أبي فروة عن الشعبي ، أن هذا إنما هو مستحب للمرء خاصة فيما أشكل عليه وأن
حكم من استبان له الامر بخلاف ذلك .
وكذلك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روينا آنفا من طريق
ابن عون عن الشعبي بيانا جليا أن المخوف على من واقع الشبهات إنما هو أن
يجسر بعدها على الحرام ، فصح بهذا البيان صحة ظاهره ، أن معنى رواية زكريا
عن الشعبي التي يقول فيها : وقع في الحرام أنه إنما هو على معنى آخر وهو كل
فعل أدى إلى أن يكون فاعله متيقنا أنه راكب حرام في حالته تلك ، وذلك نحو
ماءين كل واحد منها مشكوك في طهارته ، متيقن نجاسة أحدهما بغير عينه ، فإذا
توضأ بهما جميعا كنا موقنين بأنه إن صلى صلى وهو حامل نجاسة ، وهذا ما لا يحل ،
وكذلك القول في ثوبين أحدهما نجس بيقين لا يعرف بعينه ، وسائر ألفاظ من
ذكرنا على ما لا يتيقن فيه تحريم ولا تحليل . وأما ما يوقن تحليله فلا يزيله الشك
عن ذلك ، ولا معنى لقول من قال هذا على المقاربة كما قال الله تعالى : * ( فإذا
بلغن أجلهن إذ لا خلاف في أن معنى هذا ليس في انقضاء العدة ، لكن إذا
بلغ أجل العدة من الطلاق . وهذا هو الذي لا يجوز غيره ، إذ لا يجوز صرف
الآية عن ظاهرها بالدعوى .


يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الحلال بين وإن الحرام بين وإن بين ذلك أمورا مشتبهات ، وسأضرب لكم في ذلك مثلا ، إن الله عز وجل ذكره حمى ، وإن حمى الله ما حرم ، وإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يرع فيه وإنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر . قال أبو محمد : هذا هو أبو فروة الأكبر ، وأما أبو فروة الأصغر فهو مسلم بن سالم الجهني وكلاهما كوفي ثقة .
فهذا حض منه صلى الله عليه وسلم على الورع ، ونص جلي على أن ما حول الحمى ليست من الحمى ، وأن تلك المشتبهات ليست بيقين من الحرام ، وإذا لم تكن مما فصل من الحرام فهي على حكم الحلال بقول تعالى : * ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) * فما لم يفصل فهو حلال بقوله تعالى : * ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) * وبقوله صلى الله عليه وسلم : أعظم الناس جرما في الاسلام من سأل عن شئ لم يحرمه فحرم من أجل مسألته . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رويناه آنفا من طريق أبي فروة عن الشعبي ، أن هذا إنما هو مستحب للمرء خاصة فيما أشكل عليه وأن حكم من استبان له الامر بخلاف ذلك .
وكذلك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روينا آنفا من طريق ابن عون عن الشعبي بيانا جليا أن المخوف على من واقع الشبهات إنما هو أن يجسر بعدها على الحرام ، فصح بهذا البيان صحة ظاهره ، أن معنى رواية زكريا عن الشعبي التي يقول فيها : وقع في الحرام أنه إنما هو على معنى آخر وهو كل فعل أدى إلى أن يكون فاعله متيقنا أنه راكب حرام في حالته تلك ، وذلك نحو ماءين كل واحد منها مشكوك في طهارته ، متيقن نجاسة أحدهما بغير عينه ، فإذا توضأ بهما جميعا كنا موقنين بأنه إن صلى صلى وهو حامل نجاسة ، وهذا ما لا يحل ، وكذلك القول في ثوبين أحدهما نجس بيقين لا يعرف بعينه ، وسائر ألفاظ من ذكرنا على ما لا يتيقن فيه تحريم ولا تحليل . وأما ما يوقن تحليله فلا يزيله الشك عن ذلك ، ولا معنى لقول من قال هذا على المقاربة كما قال الله تعالى : * ( فإذا بلغن أجلهن إذ لا خلاف في أن معنى هذا ليس في انقضاء العدة ، لكن إذا بلغ أجل العدة من الطلاق . وهذا هو الذي لا يجوز غيره ، إذ لا يجوز صرف الآية عن ظاهرها بالدعوى .

746


ومن روى في حديث النعمان الذي ذكرنا لفظه أوشك فهو زائد على
ما رواه زكريا فزيادة العدل مقبولة ، فكيف وقد زاد هذه اللفظة ومعناها من
هو أجل من زكريا ومثله ، وهما ابن عون وأبو فروة ، وبهذا تتألف الأحاديث
وطرقها ، ويصح استعمال جميع أقوال الرواة ، وبالله تعالى التوفيق .
فإن تعلقوا بما حدثناه صاحبنا أحمد بن عمر بن أنس العذري قال : أنا أحمد بن علي
الكسائي بمكة ، أنا أبو الفضل العباس بن محمد بن نصر الرافقي ، ثنا هلال بن العلاء
الرقي ، ثنا إبراهيم بن سعيد ، ثنا أبو النضر ، ثنا أبو عقيل ، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي ،
عن ربيعة بن يزيد ، وعطية بن قيس كلاهما ، عن عطية السعدي ، وكانت له
صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع
ما لا بأس به حذرا لما به بأس . فالقول في هذا الحديث كالقول في حديث
النعمان سواء بسواء ، وإنما هو حض لا إيجاب . وقد علمنا أن من لم يجتنب المتشابه
وهو الذي لا بأس به ، فليس من أهل الورع ، وأهل الورع هم المتقون ، لان
المتقين جمع متق ، والمتقي الخائف ، ومن خاف مواقعة الحرام فهو الخائف حقا .
ولعمري إن أولى الناس ألا يحتج بهذا الحديث من يرى قول الله تعالى :
* ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) * ليس فرضا ، بل قالوا : المتعة ليست
بواجبة ، فقد صرحوا بأن كون المرء من المتقين ليس عليه بواجب ، لا سيما وفي هذا
الحديث معنى الحض لا الايجاب ، وفي الآية التي تلونا لفظ معنى الفرض بقوله
تعالى : * ( حقا على المتقين ) * وكل مسلم لفظ بالتوحيد اتقى النار فهو متق ، إلا أن لفظ
المتقين لا يطلق إلا على المستكملين لدرجة الخوف . كما أن من صلح في فعلة واحدة
من أفعاله فهو صالح ، ومن فعل فضلا فهو به فاضل ، إلا أنه بلا خلاف لا يطلق على
المرء اسم صالح وفاضل إلا بعد أن يبلغ الغاية التي تمكنه من الطاعات والورع .
ومعاذ الله أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام المذكور إلا على هذا الوجه -
هذا إن صح عنه لأنه لو كان ظن خصومنا في هذا الحديث حقا لكان
نصه عليه السلام على ترك ما لا بأس به أعظم الحكم بأنه من أعظم الناس ، لان


ومن روى في حديث النعمان الذي ذكرنا لفظه أوشك فهو زائد على ما رواه زكريا فزيادة العدل مقبولة ، فكيف وقد زاد هذه اللفظة ومعناها من هو أجل من زكريا ومثله ، وهما ابن عون وأبو فروة ، وبهذا تتألف الأحاديث وطرقها ، ويصح استعمال جميع أقوال الرواة ، وبالله تعالى التوفيق .
فإن تعلقوا بما حدثناه صاحبنا أحمد بن عمر بن أنس العذري قال : أنا أحمد بن علي الكسائي بمكة ، أنا أبو الفضل العباس بن محمد بن نصر الرافقي ، ثنا هلال بن العلاء الرقي ، ثنا إبراهيم بن سعيد ، ثنا أبو النضر ، ثنا أبو عقيل ، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي ، عن ربيعة بن يزيد ، وعطية بن قيس كلاهما ، عن عطية السعدي ، وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس . فالقول في هذا الحديث كالقول في حديث النعمان سواء بسواء ، وإنما هو حض لا إيجاب . وقد علمنا أن من لم يجتنب المتشابه وهو الذي لا بأس به ، فليس من أهل الورع ، وأهل الورع هم المتقون ، لان المتقين جمع متق ، والمتقي الخائف ، ومن خاف مواقعة الحرام فهو الخائف حقا .
ولعمري إن أولى الناس ألا يحتج بهذا الحديث من يرى قول الله تعالى :
* ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) * ليس فرضا ، بل قالوا : المتعة ليست بواجبة ، فقد صرحوا بأن كون المرء من المتقين ليس عليه بواجب ، لا سيما وفي هذا الحديث معنى الحض لا الايجاب ، وفي الآية التي تلونا لفظ معنى الفرض بقوله تعالى : * ( حقا على المتقين ) * وكل مسلم لفظ بالتوحيد اتقى النار فهو متق ، إلا أن لفظ المتقين لا يطلق إلا على المستكملين لدرجة الخوف . كما أن من صلح في فعلة واحدة من أفعاله فهو صالح ، ومن فعل فضلا فهو به فاضل ، إلا أنه بلا خلاف لا يطلق على المرء اسم صالح وفاضل إلا بعد أن يبلغ الغاية التي تمكنه من الطاعات والورع .
ومعاذ الله أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام المذكور إلا على هذا الوجه - هذا إن صح عنه لأنه لو كان ظن خصومنا في هذا الحديث حقا لكان نصه عليه السلام على ترك ما لا بأس به أعظم الحكم بأنه من أعظم الناس ، لان

747


ما لا بأس به هو المباح فعله ، فكان على هذا الظن الفاسد يكون المباح محظورا ،
وهذا فاسد لا يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يقوله إلا جاهل أو كافر ، لأنه ينسب إلى
النبي صلى الله عليه وسلم إباحة الشئ للناس ، ونهيهم عنه في وقت واحد ، وهذا محال لا يقدر
عليه أحد قال الله تعالى : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * وليس استباحة الشئ
وإيجاب الامتناع منه في وقت واحد في وسع أحد ، فالله تعالى قد أكذب
من ظن هذا الظن .
وصح أن معنى هذا الحديث - لو صح - إنما هو على الحض لا على الايحاب .
فلو كان المشتبه حراما ، وفرضا تركه ، لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه ، ولكنه
عليه السلام لم يفعل ذلك ، لكنه حض على تركه وخاف على مواقعه أن يقدم
على الحرام ، ونظر ذلك صلى الله عليه وسلم بالراتع حول الحمى ، فالحمى هو الحرام ،
وما حول الحمى ليس من الحمى ، والمشتبهات ليس من الحرام ، وما لم يكن حراما
فهو حلال وهذا في غاية البيان ، وهذا هو الورع الذي يحمد فاعله ويؤجر
ولا يذم تاركه ولا يأثم ، ما لم يواقع الحرام البين .
وأما حديث عطية السعدي الذي ذكرنا آنفا ، فلا يظن أن فيه حجة لمن قال
بالاحتياط وقطع الذرائع ، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين فيه الشئ
الذي ليس به بأس ، الذي لا يكون العبد من المتقين إلا بأن يدعه ، فلو كان
هذا الحديث صحيحا وعلى ظاهره لوجب به أن يجتنب كل حلال في الأرض ،
لان كل حلال فلا بأس به . ولا يحص في ذلك الحديث أي الأشياء التي لا بأس
بها لا يكون العبد من المتقين لا بأن يدعها ، فظهر وهي تلك الرواية وفيه
أبو عقيل وليس بالمحتج به ، وصح أنه لو صح لكان على الورع فقط .
فإن تعلقوا بما حدثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب بن
عيسى ، ثنا أحمد بن محمد ، ثنا أحمد بن علي ، ثنا مسلم بن الحجاج ، ثنا محمد بن حاتم بن ميمون ،
ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن


ما لا بأس به هو المباح فعله ، فكان على هذا الظن الفاسد يكون المباح محظورا ، وهذا فاسد لا يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يقوله إلا جاهل أو كافر ، لأنه ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إباحة الشئ للناس ، ونهيهم عنه في وقت واحد ، وهذا محال لا يقدر عليه أحد قال الله تعالى : * ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) * وليس استباحة الشئ وإيجاب الامتناع منه في وقت واحد في وسع أحد ، فالله تعالى قد أكذب من ظن هذا الظن .
وصح أن معنى هذا الحديث - لو صح - إنما هو على الحض لا على الايحاب .
فلو كان المشتبه حراما ، وفرضا تركه ، لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه ، ولكنه عليه السلام لم يفعل ذلك ، لكنه حض على تركه وخاف على مواقعه أن يقدم على الحرام ، ونظر ذلك صلى الله عليه وسلم بالراتع حول الحمى ، فالحمى هو الحرام ، وما حول الحمى ليس من الحمى ، والمشتبهات ليس من الحرام ، وما لم يكن حراما فهو حلال وهذا في غاية البيان ، وهذا هو الورع الذي يحمد فاعله ويؤجر ولا يذم تاركه ولا يأثم ، ما لم يواقع الحرام البين .
وأما حديث عطية السعدي الذي ذكرنا آنفا ، فلا يظن أن فيه حجة لمن قال بالاحتياط وقطع الذرائع ، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين فيه الشئ الذي ليس به بأس ، الذي لا يكون العبد من المتقين إلا بأن يدعه ، فلو كان هذا الحديث صحيحا وعلى ظاهره لوجب به أن يجتنب كل حلال في الأرض ، لان كل حلال فلا بأس به . ولا يحص في ذلك الحديث أي الأشياء التي لا بأس بها لا يكون العبد من المتقين لا بأن يدعها ، فظهر وهي تلك الرواية وفيه أبو عقيل وليس بالمحتج به ، وصح أنه لو صح لكان على الورع فقط .
فإن تعلقوا بما حدثنا عبد الله بن يوسف ، ثنا أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب بن عيسى ، ثنا أحمد بن محمد ، ثنا أحمد بن علي ، ثنا مسلم بن الحجاج ، ثنا محمد بن حاتم بن ميمون ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن

748


أبيه ، عن النواس بن سمعان الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن البر
والاثم قال : البر حسن الخلق والاثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه
الناس . وبما حدثناه أحمد بن محمد الجسوري ، ثنا أحمد بن الفضل الدينوري ، ثنا
محمد بن جرير الطبري ، حدثني محمد بن عوف الطائي ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا أبي ، ثنا
ضمضم ، عن شريح بن عبيد قال : زعم أيوب بن مكرز أن غلاما من الأزد قال له
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتاه يسأله عن الحرام والحلال ، فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم : إن الحلال ما اطمأنت إليه النفس وإن الاثم ما حاك في صدرك
وكرهته أفتاك الناس ما أفتوك . فالأول فيه معاوية بن صالح بالقوي ،
وفي الثاني مجهولون وهو منقطع أيضا ، ومعاذ الله أن يكون الحرام والحلال
على ما وقع في النفس ، والنفوس تختلف أهواؤها ، والدين واحد لا اختلاف فيه ،
قال الله تعالى : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) * .
ومن حرم المشتبه وأفتى بذلك وحكم به على الناس فقد زاد في الدين ما لم يأذن
به الله تعالى ، وخالف النبي صلى الله عليه وسلم واستدرك على ربه تعالى بعقله أشياء من الشريعة .
ويكفي من هذا كله إجماع الأمة كلها نقلا عصرا عن عصر أن من كان في عصره
عليه السلام وبحضرته في المدينة إذا أراد شراء شئ مما يؤكل ، أو ما يلبس ، أو يوطأ ،
أو يركب ، أو يستخدم ، أو يتملك أي شئ كان ، أنه كان يدخل سوق المسلمين
أو يلقى مسلما يبيع شيئا ويبتاعه منه ، فله ابتياعه ما لم يعلمه حراما بعينه ، أو ما لم يغلب
الحرام عليه غلبة يخفي معها الحلال ولا شك أن في السوق مغصوبا ومسروقا
ومأخوذا بغير حق ، وكل ذلك قد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى هلم جرا ،
فما منع النبي صلى الله عليه وسلم من شئ من ذلك ، وهذا هو المشتبه نفسه ، وقوله صلى الله عليه وسلم
إذ سأله أصحابه رضي الله عنهم فقالوا : إن أعرابا حديثي عهد بالكفر يأتوننا


أبيه ، عن النواس بن سمعان الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن البر والاثم قال : البر حسن الخلق والاثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس . وبما حدثناه أحمد بن محمد الجسوري ، ثنا أحمد بن الفضل الدينوري ، ثنا محمد بن جرير الطبري ، حدثني محمد بن عوف الطائي ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا أبي ، ثنا ضمضم ، عن شريح بن عبيد قال : زعم أيوب بن مكرز أن غلاما من الأزد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتاه يسأله عن الحرام والحلال ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحلال ما اطمأنت إليه النفس وإن الاثم ما حاك في صدرك وكرهته أفتاك الناس ما أفتوك . فالأول فيه معاوية بن صالح بالقوي ، وفي الثاني مجهولون وهو منقطع أيضا ، ومعاذ الله أن يكون الحرام والحلال على ما وقع في النفس ، والنفوس تختلف أهواؤها ، والدين واحد لا اختلاف فيه ، قال الله تعالى : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) * .
ومن حرم المشتبه وأفتى بذلك وحكم به على الناس فقد زاد في الدين ما لم يأذن به الله تعالى ، وخالف النبي صلى الله عليه وسلم واستدرك على ربه تعالى بعقله أشياء من الشريعة .
ويكفي من هذا كله إجماع الأمة كلها نقلا عصرا عن عصر أن من كان في عصره عليه السلام وبحضرته في المدينة إذا أراد شراء شئ مما يؤكل ، أو ما يلبس ، أو يوطأ ، أو يركب ، أو يستخدم ، أو يتملك أي شئ كان ، أنه كان يدخل سوق المسلمين أو يلقى مسلما يبيع شيئا ويبتاعه منه ، فله ابتياعه ما لم يعلمه حراما بعينه ، أو ما لم يغلب الحرام عليه غلبة يخفي معها الحلال ولا شك أن في السوق مغصوبا ومسروقا ومأخوذا بغير حق ، وكل ذلك قد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى هلم جرا ، فما منع النبي صلى الله عليه وسلم من شئ من ذلك ، وهذا هو المشتبه نفسه ، وقوله صلى الله عليه وسلم إذ سأله أصحابه رضي الله عنهم فقالوا : إن أعرابا حديثي عهد بالكفر يأتوننا

749


بذبائح لا ندري أسموا الله تعالى عليها أم لا ؟ ، فقال عليه الصلاة والسلام : سموا الله وكلوا
أو كلاما هذا معناه ، يرفع الاشكال جملة في هذا الباب .
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر في من أطعمه أخوه شيئا أن يأكل ، ولا يسأل ، فنحن
نحض الناس على الورع كما حضهم النبي صلى الله عليه وسلم ونندبهم إليه ، ونشير عليه باجتناب
ما حاك في النفس ، ولا نقضي بذلك على أحد ولا نفتيه به فتيا إلزام ، كما لم يقض
بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد .
وقد احتج بعضهم في هذا بقول الله تعالى : * ( لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ) *
قالوا : فنهوا عن لفظة * ( راعنا ) * لتذرعهم بها إلى سب النبي صلى الله عليه وسلم .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان الحديث الصحيح قد جاء بأنهم كانوا
يقولون : راعنا من الرعونة ، وليس هذا مسندا ، وإنما هو قول لصاحب ولم يقل الله
تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم : إنكم إنما نهيتم عن قول راعنا لتذرعكم بذلك إلى
قول راعنا ، وإذا لم يأت بذلك نص عن الله تعالى ، ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم
في قول أحد دونه .
وقد قال بعض الصحابة في الحمر ، إنما حرمت لأنها كانت حمولة الناس ، وقال
بعضهم : إنما حرمت لأنها كانت تأكل القذر ، وكلا القولين غير صواب ، لان
الدجاج تأكل من القذر ما لا تأكل الحمير ، ولم يحرم قط صلى الله عليه وسلم الدجاج
والناس كانوا أفقر إلى الخيل للجهاد منهم إلى الحمير ، وقد أباح صلى الله عليه وسلم أكل
الخيل في حين تحريمه الحمير ، فبطل كلا القولين . وهكذا من قال : إن الله تعالى إنما
نهى عن قول : * ( وقولوا ) * لئلا يتذرعوا بها إلى قول راعنا ، فلا حجة في قوله ، لأنه
أخبر عما عنده ، ولم يسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الآية حجة عليهم لا لهم ،
لأنهم إذ نهوا عن راعنا ، وأمروا بأن يقولوا * ( واسمعوا ) * ، ومعنى اللفظين واحد ،
فقد صح بلا شك أنه لا يحل تعدي ظواهر الأوامر بوجه من الوجوه ، وهذه
حجة قوية في إبطال القول بالقياس وبالعلل ، وبالله تعالى التوفيق .
وأيضا فإنما أمر الله تعالى في نص القرآن بأن لا يقولوا : * ( وقولوا ) * وأن يقولوا
* ( انظرنا ) * المؤمنين الفضلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعظمين له ، الذي لم يعنوا
بقول : * ( راعنا ) * قط الرعونة ، وأما المنافقون الذين كانوا يقولون : * ( راعنا ) * يعنون من


بذبائح لا ندري أسموا الله تعالى عليها أم لا ؟ ، فقال عليه الصلاة والسلام : سموا الله وكلوا أو كلاما هذا معناه ، يرفع الاشكال جملة في هذا الباب .
وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر في من أطعمه أخوه شيئا أن يأكل ، ولا يسأل ، فنحن نحض الناس على الورع كما حضهم النبي صلى الله عليه وسلم ونندبهم إليه ، ونشير عليه باجتناب ما حاك في النفس ، ولا نقضي بذلك على أحد ولا نفتيه به فتيا إلزام ، كما لم يقض بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد .
وقد احتج بعضهم في هذا بقول الله تعالى : * ( لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ) * قالوا : فنهوا عن لفظة * ( راعنا ) * لتذرعهم بها إلى سب النبي صلى الله عليه وسلم .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان الحديث الصحيح قد جاء بأنهم كانوا يقولون : راعنا من الرعونة ، وليس هذا مسندا ، وإنما هو قول لصاحب ولم يقل الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم : إنكم إنما نهيتم عن قول راعنا لتذرعكم بذلك إلى قول راعنا ، وإذا لم يأت بذلك نص عن الله تعالى ، ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم في قول أحد دونه .
وقد قال بعض الصحابة في الحمر ، إنما حرمت لأنها كانت حمولة الناس ، وقال بعضهم : إنما حرمت لأنها كانت تأكل القذر ، وكلا القولين غير صواب ، لان الدجاج تأكل من القذر ما لا تأكل الحمير ، ولم يحرم قط صلى الله عليه وسلم الدجاج والناس كانوا أفقر إلى الخيل للجهاد منهم إلى الحمير ، وقد أباح صلى الله عليه وسلم أكل الخيل في حين تحريمه الحمير ، فبطل كلا القولين . وهكذا من قال : إن الله تعالى إنما نهى عن قول : * ( وقولوا ) * لئلا يتذرعوا بها إلى قول راعنا ، فلا حجة في قوله ، لأنه أخبر عما عنده ، ولم يسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الآية حجة عليهم لا لهم ، لأنهم إذ نهوا عن راعنا ، وأمروا بأن يقولوا * ( واسمعوا ) * ، ومعنى اللفظين واحد ، فقد صح بلا شك أنه لا يحل تعدي ظواهر الأوامر بوجه من الوجوه ، وهذه حجة قوية في إبطال القول بالقياس وبالعلل ، وبالله تعالى التوفيق .
وأيضا فإنما أمر الله تعالى في نص القرآن بأن لا يقولوا : * ( وقولوا ) * وأن يقولوا * ( انظرنا ) * المؤمنين الفضلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعظمين له ، الذي لم يعنوا بقول : * ( راعنا ) * قط الرعونة ، وأما المنافقون الذين كانوا يقولون : * ( راعنا ) * يعنون من

750


الرعونة ، فما كانوا يلتفتون إلى أمر الله تعالى ، ولا يؤمنون به ، فظهر يقين فساد
قولهم وتمويههم بهذه الآية .
وقالوا : إنما منعنا من نكح في العدة ودخل بها أن ينكحها في الأبد ، لأنه استعجل
نكاحها قبل أوانه ، قالوا : وكذلك حرمنا القاتل الميراث لأنه استعجله قبل أوانه .
قال على : وهذه علة مفتقرة إلى ما يصححها ، لأنها دعوى فاسدة ويقال لهم :
ومن أين لكم أن من استعجل شيئا قبل أوانه حرم عليه في الأبد ؟ ثم لم يلبثوا أن
تناقضوا أسخف تناقض فقالوا : من تزوج امرأة ذات زوج فدخل بها ، فأتى زوجها
لم تحرم عليه في الأبد ، بل له نكاحها إن طلقها زوجها أو مات عنها . وهو قد
استعجله قبل أوانه ، ويلزمهم أن من سرق مالا لغيره أن يحرم عليه في ملكه في الأبد ،
لأنه استعجله قبل وقته ، وأن من قتل آخر أو تحرم عليه أمته في الأبد ، لأنه
استعجل تحللها قبل أوانه ، ويلزمهم أيضا ألا يرث ولاء موالي من قتل ، لأنه
استعجل استحقاقه قبل أوانه ، وأن من قتل لا يدخل في حبس معقب عليه بعد
موت مقتوله ، وألا يرث من انتقل التعصيب له إليه بعد موت مقتوله ، وهذا
كثير جدا . فإن قالوا : قد يمكن أن يموت هو قبل مقتوله ، قلنا : وقد يموت
هو قبل موت مقتوله باعتباط ونحو ذلك ولا فرق .
وأصحاب مالك يلزمون الطلاق ثلاثا من يشك أطلق ثلاثا أم أقل ، ويفرقون
بين من طلق إحدى امرأتيه ، ثم لم يدر أيتهما المطلقة وبينهما معا ، فيطلقون كلتا
امرأتيه ويحرمون حلالا كثيرا خوف مواقعة الحرام ، وفي هذا عبرة لمن اعتبر ،
ليت شعري كما تشفقون في الاستباحة من مواقعة الحرام أما تشفقون في قطعهم
بالتحريم وبالتفريق من مواقعة الحرام في تحريمهم ما لم يحرمه الله تعالى ؟ وقد علم
كل ذي دين أن تحريم المرء ما لم يصح تحريمه عنده حرام عليه ، فقد وقعوا في
نفس ما خافوا بلا شك ، ومن العجيب أن خوف الحرام أن يقع فيه غيرهم -
ولعله لا يقع فيه - قد أوقعهم يقينا في مواقعتهم يقين الحرام ، لأنهم حرموا
ما لم يحرمه الله تعالى ، ومحرم الحلال كمحلل الحرام ولا فرق .
والعجب كل العجب أنهم يحتاطون بزعمهم على هذا الذي جهل أي امرأتيه
طلق خوف أن يواقع التي طلق وهو لا يعلمها ، فيكون قد أوقع حراما لا يعلمه


الرعونة ، فما كانوا يلتفتون إلى أمر الله تعالى ، ولا يؤمنون به ، فظهر يقين فساد قولهم وتمويههم بهذه الآية .
وقالوا : إنما منعنا من نكح في العدة ودخل بها أن ينكحها في الأبد ، لأنه استعجل نكاحها قبل أوانه ، قالوا : وكذلك حرمنا القاتل الميراث لأنه استعجله قبل أوانه .
قال على : وهذه علة مفتقرة إلى ما يصححها ، لأنها دعوى فاسدة ويقال لهم :
ومن أين لكم أن من استعجل شيئا قبل أوانه حرم عليه في الأبد ؟ ثم لم يلبثوا أن تناقضوا أسخف تناقض فقالوا : من تزوج امرأة ذات زوج فدخل بها ، فأتى زوجها لم تحرم عليه في الأبد ، بل له نكاحها إن طلقها زوجها أو مات عنها . وهو قد استعجله قبل أوانه ، ويلزمهم أن من سرق مالا لغيره أن يحرم عليه في ملكه في الأبد ، لأنه استعجله قبل وقته ، وأن من قتل آخر أو تحرم عليه أمته في الأبد ، لأنه استعجل تحللها قبل أوانه ، ويلزمهم أيضا ألا يرث ولاء موالي من قتل ، لأنه استعجل استحقاقه قبل أوانه ، وأن من قتل لا يدخل في حبس معقب عليه بعد موت مقتوله ، وألا يرث من انتقل التعصيب له إليه بعد موت مقتوله ، وهذا كثير جدا . فإن قالوا : قد يمكن أن يموت هو قبل مقتوله ، قلنا : وقد يموت هو قبل موت مقتوله باعتباط ونحو ذلك ولا فرق .
وأصحاب مالك يلزمون الطلاق ثلاثا من يشك أطلق ثلاثا أم أقل ، ويفرقون بين من طلق إحدى امرأتيه ، ثم لم يدر أيتهما المطلقة وبينهما معا ، فيطلقون كلتا امرأتيه ويحرمون حلالا كثيرا خوف مواقعة الحرام ، وفي هذا عبرة لمن اعتبر ، ليت شعري كما تشفقون في الاستباحة من مواقعة الحرام أما تشفقون في قطعهم بالتحريم وبالتفريق من مواقعة الحرام في تحريمهم ما لم يحرمه الله تعالى ؟ وقد علم كل ذي دين أن تحريم المرء ما لم يصح تحريمه عنده حرام عليه ، فقد وقعوا في نفس ما خافوا بلا شك ، ومن العجيب أن خوف الحرام أن يقع فيه غيرهم - ولعله لا يقع فيه - قد أوقعهم يقينا في مواقعتهم يقين الحرام ، لأنهم حرموا ما لم يحرمه الله تعالى ، ومحرم الحلال كمحلل الحرام ولا فرق .
والعجب كل العجب أنهم يحتاطون بزعمهم على هذا الذي جهل أي امرأتيه طلق خوف أن يواقع التي طلق وهو لا يعلمها ، فيكون قد أوقع حراما لا يعلمه

751


بعينه ، ولا يتقون الله تعالى فيحتاطون على أنفسهم التي أمروا بالاحتياط عليها
وقال لهم ربهم تعالى : * ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) * فيحرمون
عليه الثانية التي هي امرأته بلا شك ، ولم يطلقها قط فيخرجونها عن ملكه بغير
إذن من الله تعالى ، ويبيحون فرجها لمن لا شك في أنه حرام عليه من سائر من
يتزوجها من الناس ، وهي غير مطلقة ولا منفسخة ولا متوفى عنها ، فيقعون في
أعظم مما صانوا عنه غيرهم ، لان الشاك في الطلاق لو واقع ذلك الحرام لكان
غير آثم ، لأنه لا يعلمه حراما بعينه ، وهم يبيحون شيئا لا شك في أنه حرام
غير مباح ، وقد كان الأولى بهم ألا يقدموا على إباحة المرأتين اللتين لم يطلق
إحداهما بلا شك للأجنبيين ، فصاروا محلين للفروج المحرمة بيقين .
وأيضا فإنهم حكموا بالطلاق على امرأة لم تطلق من أجل غيرها طلقت
والله تعالى يقول : * ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ) *
ولا يحل لاحد أن يحتاط في الدين فيحرم ما لم يحرم الله تعالى ، لأنه يكون حينئذ
مفتريا في الدين ، والله تعالى أحوط علينا من بعضنا على بعض ، فالفرض علينا
أن لا نحرم إلا ما حرم الله تعالى ، ونص على اسمه وصفته بتحريمه ، وفرض
علينا أن نبيح ما وراء ذلك بنصه تعالى على إباحة ما في الأرض لنا ، إلا ما نص
على تحريمه ، وألا نزيد في الدين شيئا لم يأذن به الله تعالى ، فمن فعل غير هذا
فقد عصى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وأتى بأعظم الكبائر .
ثم عطفوا فأسقطوا الاحتياط وتعمدوا إلى إسقاط الواجب في رجل شهد
عليه أربعة عدول ، بأنه أعتق خادمه هذه منذ عام كامل ، وهو منكر لذلك ، وهو
مقر بوطئها ، فيحكمون بشهادتهم ، حين أدائها ، ولا يحدونه على وطئ حرة بلا
إنكاح ، فهذا غاية الاقدام على المحرمات فأين الاحتياط ؟ والعجب أنهم يكذبون
الشهود إذ لم يحكموا بنص شهادتهم ، ولم يشهد القوم بأنها حررت الآن ، وإنما
شهدوا أنها حررت منذ عام . وكانوا غيبا إلى اليوم ، وفي هذا من السقوط والاقدام
غير قليل ، ويقال لمن جعل الاحتياط أصلا يحرم به ما لم يصح بالنص تحريمه أنه
يلزمك أن يحرم كل مشتبه يباع في السوق مما يمكن أن يكون حراما أو حلالا ،


بعينه ، ولا يتقون الله تعالى فيحتاطون على أنفسهم التي أمروا بالاحتياط عليها وقال لهم ربهم تعالى : * ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) * فيحرمون عليه الثانية التي هي امرأته بلا شك ، ولم يطلقها قط فيخرجونها عن ملكه بغير إذن من الله تعالى ، ويبيحون فرجها لمن لا شك في أنه حرام عليه من سائر من يتزوجها من الناس ، وهي غير مطلقة ولا منفسخة ولا متوفى عنها ، فيقعون في أعظم مما صانوا عنه غيرهم ، لان الشاك في الطلاق لو واقع ذلك الحرام لكان غير آثم ، لأنه لا يعلمه حراما بعينه ، وهم يبيحون شيئا لا شك في أنه حرام غير مباح ، وقد كان الأولى بهم ألا يقدموا على إباحة المرأتين اللتين لم يطلق إحداهما بلا شك للأجنبيين ، فصاروا محلين للفروج المحرمة بيقين .
وأيضا فإنهم حكموا بالطلاق على امرأة لم تطلق من أجل غيرها طلقت والله تعالى يقول : * ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ولا يحل لاحد أن يحتاط في الدين فيحرم ما لم يحرم الله تعالى ، لأنه يكون حينئذ مفتريا في الدين ، والله تعالى أحوط علينا من بعضنا على بعض ، فالفرض علينا أن لا نحرم إلا ما حرم الله تعالى ، ونص على اسمه وصفته بتحريمه ، وفرض علينا أن نبيح ما وراء ذلك بنصه تعالى على إباحة ما في الأرض لنا ، إلا ما نص على تحريمه ، وألا نزيد في الدين شيئا لم يأذن به الله تعالى ، فمن فعل غير هذا فقد عصى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وأتى بأعظم الكبائر .
ثم عطفوا فأسقطوا الاحتياط وتعمدوا إلى إسقاط الواجب في رجل شهد عليه أربعة عدول ، بأنه أعتق خادمه هذه منذ عام كامل ، وهو منكر لذلك ، وهو مقر بوطئها ، فيحكمون بشهادتهم ، حين أدائها ، ولا يحدونه على وطئ حرة بلا إنكاح ، فهذا غاية الاقدام على المحرمات فأين الاحتياط ؟ والعجب أنهم يكذبون الشهود إذ لم يحكموا بنص شهادتهم ، ولم يشهد القوم بأنها حررت الآن ، وإنما شهدوا أنها حررت منذ عام . وكانوا غيبا إلى اليوم ، وفي هذا من السقوط والاقدام غير قليل ، ويقال لمن جعل الاحتياط أصلا يحرم به ما لم يصح بالنص تحريمه أنه يلزمك أن يحرم كل مشتبه يباع في السوق مما يمكن أن يكون حراما أو حلالا ،

752


ولا توقن بأنه حلال ولا بأنه حرام ، ويلزمك أن تحرم معاملة من في ماله حرام
وحلال ، وهم لا يقولون بشئ من ذلك ، وهذا نقض لأصولهم في الحكم
بالاحتياط ، ورفع الذريعة والتهمة ، وقد تناقضوا في هذه المواضع .
وقال بعضهم محتجا لأصولهم في الحكم بالاحتياط : إن الحرام يدخل بأرق
سبب كتحريم الله تعالى نكاح ما نكح الآباء ، فحرم ذلك بالعقد ، وإن لم يكن
وطئ قالوا : وأما التحليل فلا يدخل إلا بأقوى الأسباب ، كتحليل المطلقة
لزوجها ثلاثا تحل له بعقد زوج آخر حتى يطأ .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، وإنما اتبعنا في كلا الموضعين النصين
الواردين فيهما ، وقولهم إن التحريم يدخل بأرق سبب والتحليل لا يدخل
إلا بأغلظ سبب ، قول فاسد لا دليل عليه ، لأنه لم يأت به نص ولا اتفق على صحته ،
ونحن نوجدهم تحريما لا يدخل بأغلظ سبب ، وهو أن الله تعالى
حرم الربيبة التي دخل المرء بأمها ، وكانت في حجره فالربيبة لا تحرم إلا بما
نص الله على تحريمها به ، ووجدناها باتفاق منا ومنهم لا تحرم بالعقد على أمها فقط .
ووجدنا التحليل في الايمان المغلظة المعظمة باسم الله تعالى يدخل بإطعام عشرة
مساكين ، أو بالاستثناء الذي هو كلمات يسيرة لا مؤونة فيها ، فإن قالوا : إنما وجب
هذان الحكمان بالنص ، قلنا لهم : وكذلك تحريم ما نكح الآباء وتحليل المطلقة
ثلاثة بوطئ زوج آخر ، إنما وجبا بالنص لا بما ادعيتم من رقة سبب وغلظة .
ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم على نفسه ما أحل الله تعالى له ، فلم يحرم عليه
بذلك . ولا أغلظ من تحريم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يدخل التحريم بذلك ، إذ لم يكن
نزل بذلك عليه نص ، وتحلل من تلك اليمين بكفارة ، فدخل التحليل بأرق سبب
وأهونه ، فبطل ما ادعوا من ذلك .
وأيضا فإن حجتهم بأن المطلقة لا تحل لزوجها الأول إلا بأغلظ سبب
ثم أباحوها . بالوطء دون الانزال ، فقد نقضوا أصولهم في ذلك ، وأدخلوا
التحليل بسبب رقيق ، لان الحسن البصري وهو أحد الأئمة يقول : لا تحل
للأول إلا بأن يطأها الثاني ، وينزل وإلا فلا ، وجعل الانزال تمام ذوق
العسيلة ، وهم لا يقولون بذلك .


ولا توقن بأنه حلال ولا بأنه حرام ، ويلزمك أن تحرم معاملة من في ماله حرام وحلال ، وهم لا يقولون بشئ من ذلك ، وهذا نقض لأصولهم في الحكم بالاحتياط ، ورفع الذريعة والتهمة ، وقد تناقضوا في هذه المواضع .
وقال بعضهم محتجا لأصولهم في الحكم بالاحتياط : إن الحرام يدخل بأرق سبب كتحريم الله تعالى نكاح ما نكح الآباء ، فحرم ذلك بالعقد ، وإن لم يكن وطئ قالوا : وأما التحليل فلا يدخل إلا بأقوى الأسباب ، كتحليل المطلقة لزوجها ثلاثا تحل له بعقد زوج آخر حتى يطأ .
قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، وإنما اتبعنا في كلا الموضعين النصين الواردين فيهما ، وقولهم إن التحريم يدخل بأرق سبب والتحليل لا يدخل إلا بأغلظ سبب ، قول فاسد لا دليل عليه ، لأنه لم يأت به نص ولا اتفق على صحته ، ونحن نوجدهم تحريما لا يدخل بأغلظ سبب ، وهو أن الله تعالى حرم الربيبة التي دخل المرء بأمها ، وكانت في حجره فالربيبة لا تحرم إلا بما نص الله على تحريمها به ، ووجدناها باتفاق منا ومنهم لا تحرم بالعقد على أمها فقط .
ووجدنا التحليل في الايمان المغلظة المعظمة باسم الله تعالى يدخل بإطعام عشرة مساكين ، أو بالاستثناء الذي هو كلمات يسيرة لا مؤونة فيها ، فإن قالوا : إنما وجب هذان الحكمان بالنص ، قلنا لهم : وكذلك تحريم ما نكح الآباء وتحليل المطلقة ثلاثة بوطئ زوج آخر ، إنما وجبا بالنص لا بما ادعيتم من رقة سبب وغلظة .
ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم على نفسه ما أحل الله تعالى له ، فلم يحرم عليه بذلك . ولا أغلظ من تحريم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يدخل التحريم بذلك ، إذ لم يكن نزل بذلك عليه نص ، وتحلل من تلك اليمين بكفارة ، فدخل التحليل بأرق سبب وأهونه ، فبطل ما ادعوا من ذلك .
وأيضا فإن حجتهم بأن المطلقة لا تحل لزوجها الأول إلا بأغلظ سبب ثم أباحوها . بالوطء دون الانزال ، فقد نقضوا أصولهم في ذلك ، وأدخلوا التحليل بسبب رقيق ، لان الحسن البصري وهو أحد الأئمة يقول : لا تحل للأول إلا بأن يطأها الثاني ، وينزل وإلا فلا ، وجعل الانزال تمام ذوق العسيلة ، وهم لا يقولون بذلك .

753


وأيضا فإنهم يبيحون للمرء نكاح من زنى بها أبوه ، ولا يحرمون عليه امرأته
إن زنى بحريمتها ، فهنا لا يدخلون التحريم بأرق سبب ، بل بأغلظ سبب ، وهو
المتفق عليه في وطئ الحلال ، ويبيحون قتل المقر بالزنى مرة واحدة ، فيدخلون
التحليل على الدم الحرام الذي هو أغلظ الحرمات بأرق سبب ، وغيرهم لا يبيح
دمه إلا بإقرار أربع مرات يثبت عليها ولا يرجع عنها أصلا ، وكل هذا تناقض
منهم وهدم لما أصلوه من أن التحريم يدخل بأرق الأسباب ، ولا يدخل
التحليل إلا بأغلظ الأسباب .
ومما يبطل قولهم غاية الابطال قول الله تعالى : * ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم
الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ) * وقوله تعالى : * ( قل أرأيتم
ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله
تفترون ) * . فصح بهاتين الآيتين أن كل من حلل أو حرم ما لم يأت بإذن من الله تعالى
في تحريمه أو تحليله فقد افترى على الله كذبا ، ونحن على يقين من أن الله تعالى قد
أحل لنا كل ما خلق في الأرض ، إلا ما فصل لنا تحريمه بالنص لقوله تعالى : * ( خلق
لكم ما في الأرض جميعا ) * ولقوله تعالى ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) فبطل
بهذين النصين الجليين أن يحرم أحد شيئا باحتياط أو خوف تذرع .
وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من توهم أنه أحدث ألا يلتفت إلى ذلك ،
وأن يتمادى في صلاته ، وعلى حكم طهارته ، هذا في الصلاة التي هي أوكد
الشرائع ، حتى يسمع صوتا أو يشم رائحة ، فلو كان الحكم الاحتياط حقا
لكانت الصلاة أولى ما احتيط لها ، ولكن الله تعالى لم يجعل لغير اليقين حكما
فوجب بما ذكرنا أن كل ما تيقن تحريمه فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر
من نص أو إجماع ، وكل ما تيقن تحليله فلا سبيل أن ينتقل إلى التحريم إلا بيقين
آخر من نص أو إجماع ، وبطل الحكم باحتياط . وصح أن لا حكم إلا لليقين
وحده ، والاحتياط كله هو ألا يحرم المرء شيئا إلا ما حرم الله تعالى ،
ولا يحل شيئا إلا ما أحل الله تعالى ، وبطل بهذا أن تطلق امرأة على زوجها إذ
شك أطلقها أم لا ، لأنها زوجة بيقين فلا تحرم عليه إلا بيقين آخر من نص
أو إجماع ، وبالله تعالى التوفيق .


وأيضا فإنهم يبيحون للمرء نكاح من زنى بها أبوه ، ولا يحرمون عليه امرأته إن زنى بحريمتها ، فهنا لا يدخلون التحريم بأرق سبب ، بل بأغلظ سبب ، وهو المتفق عليه في وطئ الحلال ، ويبيحون قتل المقر بالزنى مرة واحدة ، فيدخلون التحليل على الدم الحرام الذي هو أغلظ الحرمات بأرق سبب ، وغيرهم لا يبيح دمه إلا بإقرار أربع مرات يثبت عليها ولا يرجع عنها أصلا ، وكل هذا تناقض منهم وهدم لما أصلوه من أن التحريم يدخل بأرق الأسباب ، ولا يدخل التحليل إلا بأغلظ الأسباب .
ومما يبطل قولهم غاية الابطال قول الله تعالى : * ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ) * وقوله تعالى : * ( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ) * . فصح بهاتين الآيتين أن كل من حلل أو حرم ما لم يأت بإذن من الله تعالى في تحريمه أو تحليله فقد افترى على الله كذبا ، ونحن على يقين من أن الله تعالى قد أحل لنا كل ما خلق في الأرض ، إلا ما فصل لنا تحريمه بالنص لقوله تعالى : * ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) * ولقوله تعالى ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) فبطل بهذين النصين الجليين أن يحرم أحد شيئا باحتياط أو خوف تذرع .
وأيضا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من توهم أنه أحدث ألا يلتفت إلى ذلك ، وأن يتمادى في صلاته ، وعلى حكم طهارته ، هذا في الصلاة التي هي أوكد الشرائع ، حتى يسمع صوتا أو يشم رائحة ، فلو كان الحكم الاحتياط حقا لكانت الصلاة أولى ما احتيط لها ، ولكن الله تعالى لم يجعل لغير اليقين حكما فوجب بما ذكرنا أن كل ما تيقن تحريمه فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر من نص أو إجماع ، وكل ما تيقن تحليله فلا سبيل أن ينتقل إلى التحريم إلا بيقين آخر من نص أو إجماع ، وبطل الحكم باحتياط . وصح أن لا حكم إلا لليقين وحده ، والاحتياط كله هو ألا يحرم المرء شيئا إلا ما حرم الله تعالى ، ولا يحل شيئا إلا ما أحل الله تعالى ، وبطل بهذا أن تطلق امرأة على زوجها إذ شك أطلقها أم لا ، لأنها زوجة بيقين فلا تحرم عليه إلا بيقين آخر من نص أو إجماع ، وبالله تعالى التوفيق .

754

لا يتم تسجيل الدخول!