إسم الكتاب : الاحكام ( عدد الصفحات : 192)



الاحكام في أصول الاحكام
للحافظ أبى محمد على بن حزم الأندلسي الظاهري
هذا الكتاب النفيس ، الذي لم تر العين
مثيله في علم الأصول
أحمد شاكر
قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة
أحمد شاكر
رحمه الله
الناشر
زكريا على يوسف
مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680
الجزء الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الرابع عشر
في أقل الجمع
قال علي : اختلف الناس في أقل الجمع فقالت طائفة : أقل الجمع اثنان
فصاعدا ، وهو قول جمهور أصحابنا ، وقالت طائفة : أقل الجمع ثلاثة ، وهو قول
الشافعي وبه نأخذ ، واحتج أصحابنا لقولهم بأن قالوا : الجمع في اللغة ضم شئ إلى شئ
آخر ، فلما ضم الواحد إلى الواحد كان ذلك جمعا صحيحا .
قال علي : هذا خطأ ولا حجة فيه ، لأنه يلزمهم على ذلك أن يكون الجسم ا
لواحد مخبرا عنه بالخبر عن الجمع واقعا عليه اسم الجمع لأنه جمع جزء إلى جزء
وعضو إلى عضو ، وليس المراد باسم الجمع الذي اختلفنا فيه هذا المعنى من معاني
الضم ، وإنما المقصود به ما عدا الافراد والتثنية وليس ذلك إلا ثلاثة أشخاص
متغايرة فصاعدا بلا خلاف من أهل اللغة وحفاظ ألفاظها وضباط إعرابها .
واحتجوا أيضا بأن قالوا : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : الاثنان فما
فوقهما جماعة .
قال علي : لا حجة لهم فيه ، لأنه حديث لم يصح ، حدثني أحمد بن عمر بن أنس
بن عبد الله بن حسين بن عقال ، ثنا إبراهيم بن محمد الدينوري ، ثنا محمد بن أحمد
بن الجهم ، ثنا بشير بن موسى ، ثنا يحيى بن إسحاق ، ثنا عليلة بن بدر هو الربيع بن
بدر ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: الاثنان فما فوقهما جماعة وبه إلى ابن الجهم قال : ثنا عبد الكريم
بن الهيثم ، حدثنا أبو توبة ، ثنا مسلمة بن علي ، عن يحيى بن الحارث ، عن القاسم ، عن
أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اثنان فما فوقهما جماعة .
وقال أبو محمد رحمه الله : عليلة ساقط بإجماع ، وأبوه مجهول ، ومسلمة بن علي


الاحكام في أصول الاحكام للحافظ أبى محمد على بن حزم الأندلسي الظاهري هذا الكتاب النفيس ، الذي لم تر العين مثيله في علم الأصول أحمد شاكر قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله الناشر زكريا على يوسف مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680 الجزء الرابع بسم الله الرحمن الرحيم الباب الرابع عشر في أقل الجمع قال علي : اختلف الناس في أقل الجمع فقالت طائفة : أقل الجمع اثنان فصاعدا ، وهو قول جمهور أصحابنا ، وقالت طائفة : أقل الجمع ثلاثة ، وهو قول الشافعي وبه نأخذ ، واحتج أصحابنا لقولهم بأن قالوا : الجمع في اللغة ضم شئ إلى شئ آخر ، فلما ضم الواحد إلى الواحد كان ذلك جمعا صحيحا .
قال علي : هذا خطأ ولا حجة فيه ، لأنه يلزمهم على ذلك أن يكون الجسم ا لواحد مخبرا عنه بالخبر عن الجمع واقعا عليه اسم الجمع لأنه جمع جزء إلى جزء وعضو إلى عضو ، وليس المراد باسم الجمع الذي اختلفنا فيه هذا المعنى من معاني الضم ، وإنما المقصود به ما عدا الافراد والتثنية وليس ذلك إلا ثلاثة أشخاص متغايرة فصاعدا بلا خلاف من أهل اللغة وحفاظ ألفاظها وضباط إعرابها .
واحتجوا أيضا بأن قالوا : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : الاثنان فما فوقهما جماعة .
قال علي : لا حجة لهم فيه ، لأنه حديث لم يصح ، حدثني أحمد بن عمر بن أنس بن عبد الله بن حسين بن عقال ، ثنا إبراهيم بن محمد الدينوري ، ثنا محمد بن أحمد بن الجهم ، ثنا بشير بن موسى ، ثنا يحيى بن إسحاق ، ثنا عليلة بن بدر هو الربيع بن بدر ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الاثنان فما فوقهما جماعة وبه إلى ابن الجهم قال : ثنا عبد الكريم بن الهيثم ، حدثنا أبو توبة ، ثنا مسلمة بن علي ، عن يحيى بن الحارث ، عن القاسم ، عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اثنان فما فوقهما جماعة .
وقال أبو محمد رحمه الله : عليلة ساقط بإجماع ، وأبوه مجهول ، ومسلمة بن علي

391


ضعيف بلا خلاف ، وكذلك القاسم عن أبي أمامة ، فسقط الحديثان ، وإنما المعتمد
عليه في حكم الصلاة قوله عليه السلام لمالك بن الحويرث وابن عمه : فأذنا
وأقيما وليؤمكما أكبركما وبإمامته في النافلة - صلى الله عليه وسلم - ابن عباس وحده .
واحتجوا أيضا بأن قالوا : خبر الاثنين عن أنفسهما كخبر الكثير عن
أنفسهم ولا فرق ، فيقول الاثنان : فعلنا وصنعنا ، كما يقول الجماعة سواء بسواء .
قال علي : لا حجة لهم في ذلك في إيجابهم بهذا أن يكون الخبر عن الاثنين كالخبر
عن الجماعة ، لان ذلك قياس ، والقياس فاسد ، وأيضا فإن الخبر عن الاثنين
بخلاف الخبر عن الجماعة ، فنقول عن الاثنين : فعلا ، وعن الجماعة : فعلوا ،
وأيضا فإن المرأتين تخبران عن أنفسهما ، كما يخبر الرجلان عن أنفسهما ، فتقول
المرأتان فعلنا وصنعنا ، وليس ذلك بموجب أن يخبر عنهما كما يخبر عن الرجلين
فيقال : فعلا بمنزلة فعلنا ، ولا يجوز في اللغة قياس بإجماع عن أهلها ، وإنما
هي مسموعة والضمائر مختلفة عن الغائب والحاضر ، والمخبر عن نفسه ، والتثنية
والجمع والمؤنث والمذكر ، وقد تتفق الضمائر أيضا في مواضع ، فليس اتفاقها
فيها بموجب لاتفاقها في كل موضع ، ولا اختلافها في بعض المواضع بموجب
اختلافها في كل موضع ، بل كل ذلك مأخوذ عن أهل اللغة كما سمعوه عن
العر ب ، وقد يخبر الواحد عن نفسه كما يخبر الاثنان ، وكما يخبر الجماعة فيقول :
فعلنا وصنعنا ونفعل ونصنع ، ونحن نقول وهذا عندنا ، وليس ذلك بموجب
أن يكون الواحد جمعا ، فبطل احتجاجهم بأن خبر الاثنين عن أنفسهما كخبر
الجمع ، وهو حجة في كون الاثنين جمعا .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) * وإنما
كان لهما قلبان .
قال علي : ولا حجة لهم في هذا ، لان هذا باب محفوظ في الجوارح خاصة
، وقد نقل النحويون هذا الباب وقالوا : إن كل اثنين من اثنين ، فإنه يخبر عنهما
كما يخبر عن الجمع ، كأن العرب عدت الشيئين المخبر عنهما ثم أضافتهما إلى
الشيئين اللذين هما منهما ، فصارت أربعة ، فصح الجمع ، وأنشدوا في ذلك :
ومهمهين فدفين مرتين * ظهراهما مثل ظهور الترسين


ضعيف بلا خلاف ، وكذلك القاسم عن أبي أمامة ، فسقط الحديثان ، وإنما المعتمد عليه في حكم الصلاة قوله عليه السلام لمالك بن الحويرث وابن عمه : فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وبإمامته في النافلة - صلى الله عليه وسلم - ابن عباس وحده .
واحتجوا أيضا بأن قالوا : خبر الاثنين عن أنفسهما كخبر الكثير عن أنفسهم ولا فرق ، فيقول الاثنان : فعلنا وصنعنا ، كما يقول الجماعة سواء بسواء .
قال علي : لا حجة لهم في ذلك في إيجابهم بهذا أن يكون الخبر عن الاثنين كالخبر عن الجماعة ، لان ذلك قياس ، والقياس فاسد ، وأيضا فإن الخبر عن الاثنين بخلاف الخبر عن الجماعة ، فنقول عن الاثنين : فعلا ، وعن الجماعة : فعلوا ، وأيضا فإن المرأتين تخبران عن أنفسهما ، كما يخبر الرجلان عن أنفسهما ، فتقول المرأتان فعلنا وصنعنا ، وليس ذلك بموجب أن يخبر عنهما كما يخبر عن الرجلين فيقال : فعلا بمنزلة فعلنا ، ولا يجوز في اللغة قياس بإجماع عن أهلها ، وإنما هي مسموعة والضمائر مختلفة عن الغائب والحاضر ، والمخبر عن نفسه ، والتثنية والجمع والمؤنث والمذكر ، وقد تتفق الضمائر أيضا في مواضع ، فليس اتفاقها فيها بموجب لاتفاقها في كل موضع ، ولا اختلافها في بعض المواضع بموجب اختلافها في كل موضع ، بل كل ذلك مأخوذ عن أهل اللغة كما سمعوه عن العر ب ، وقد يخبر الواحد عن نفسه كما يخبر الاثنان ، وكما يخبر الجماعة فيقول :
فعلنا وصنعنا ونفعل ونصنع ، ونحن نقول وهذا عندنا ، وليس ذلك بموجب أن يكون الواحد جمعا ، فبطل احتجاجهم بأن خبر الاثنين عن أنفسهما كخبر الجمع ، وهو حجة في كون الاثنين جمعا .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) * وإنما كان لهما قلبان .
قال علي : ولا حجة لهم في هذا ، لان هذا باب محفوظ في الجوارح خاصة ، وقد نقل النحويون هذا الباب وقالوا : إن كل اثنين من اثنين ، فإنه يخبر عنهما كما يخبر عن الجمع ، كأن العرب عدت الشيئين المخبر عنهما ثم أضافتهما إلى الشيئين اللذين هما منهما ، فصارت أربعة ، فصح الجمع ، وأنشدوا في ذلك :
ومهمهين فدفين مرتين * ظهراهما مثل ظهور الترسين

392


وهذا باب لا يتعدى فيه مسموعه من العرب فقط ، ولا يجوز أن يقاس عليه
، واحتجوا أيضا بقوله عز وجل : * ( وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت
فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ) * .
قال علي : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان الضمير في حكم العربية أن يكون راجعا
إلى أقرب مذكور إليه ، وأقرب مذكور إلى الضمير قوله تعالى : * ( غنم القوم ) *
فالقوم وداود وسليمان جماعة بلا شك فكأنه تعالى قال : وكنا لحكم القوم في
ذلك أي للحكم عليهم ، كما تقول هذا حكم أمر كذا ، أي الحكم فيه وعليه .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ
دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ) * وبين
تعالى أنهما اثنان بقوله في آخر الآية * ( لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) *
ويقول أحدهما : * ( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال
أكفلنيها وعزني في الخطاب ) * .
قال علي : لا حجة لهم فيه ، لان الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة
وقوعا مستويا ، وكذلك الزور على الزائر الواحد والاثنين والجماعة ، وكذلك
الإلب والحرب ، تقول هو إلب علي وهو حرب علي وهما حرب علي وإلب
علي ، وهم حرب علي وإلب علي ، فلا يسوغ لاحد أن يقول : المتسورين على
داود صلى الله عليه وسلم كانا اثنين دون أن يقول : بل كانوا جماعة ، وقد قال ذلك بعض
المفسرين ، وقال تعالى : * ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) * وإنما نزلت في ستة
نفر ، علي ، وحمزة ، وعبيد بن الحارث رضي الله عنهم ، وفي عتبة ، وشيبة ، والوليد
بن عتبة ، إذ تبارزوا يوم بدر ، وقد أخبر تعالى في آخر الآية بما يبين أنهم
جماعة يقول تعالى : * ( فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ) * إلى منتهى قوله
* ( يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ) * .
حدثنا عبد الله بن يوسف ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن محمد
بن عيسى ، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن مسلم بن الحجاج ، ثنا عمرو بن زرارة
ثنا هشام ، عن أبي هاشم ، عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد قال : سمعت أبا ذر يقسم
قسما : * ( هذان خصما اختصموا في ربهم ) * إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر


وهذا باب لا يتعدى فيه مسموعه من العرب فقط ، ولا يجوز أن يقاس عليه ، واحتجوا أيضا بقوله عز وجل : * ( وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ) * .
قال علي : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان الضمير في حكم العربية أن يكون راجعا إلى أقرب مذكور إليه ، وأقرب مذكور إلى الضمير قوله تعالى : * ( غنم القوم ) * فالقوم وداود وسليمان جماعة بلا شك فكأنه تعالى قال : وكنا لحكم القوم في ذلك أي للحكم عليهم ، كما تقول هذا حكم أمر كذا ، أي الحكم فيه وعليه .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ) * وبين تعالى أنهما اثنان بقوله في آخر الآية * ( لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ) * ويقول أحدهما : * ( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب ) * .
قال علي : لا حجة لهم فيه ، لان الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة وقوعا مستويا ، وكذلك الزور على الزائر الواحد والاثنين والجماعة ، وكذلك الإلب والحرب ، تقول هو إلب علي وهو حرب علي وهما حرب علي وإلب علي ، وهم حرب علي وإلب علي ، فلا يسوغ لاحد أن يقول : المتسورين على داود صلى الله عليه وسلم كانا اثنين دون أن يقول : بل كانوا جماعة ، وقد قال ذلك بعض المفسرين ، وقال تعالى : * ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) * وإنما نزلت في ستة نفر ، علي ، وحمزة ، وعبيد بن الحارث رضي الله عنهم ، وفي عتبة ، وشيبة ، والوليد بن عتبة ، إذ تبارزوا يوم بدر ، وقد أخبر تعالى في آخر الآية بما يبين أنهم جماعة يقول تعالى : * ( فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ) * إلى منتهى قوله * ( يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ) * .
حدثنا عبد الله بن يوسف ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن محمد بن عيسى ، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن مسلم بن الحجاج ، ثنا عمرو بن زرارة ثنا هشام ، عن أبي هاشم ، عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد قال : سمعت أبا ذر يقسم قسما : * ( هذان خصما اختصموا في ربهم ) * إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر

393


علي وحمزة وعبيدة رضي الله عنهم ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة .
وإذا لم يأت نص بين في أن الخصمين المختصمين إلى داود صلى الله عليه وسلم كان إذ تسورا
اثنين فقط لا ثالث لهما ، فليس لأحد أن يحتج بذلك في إبطال ما قد صح في اللغة
ولا في إثبات أمر لم يثبت بعد .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * .
قال علي : ولا حجة لهم في ذلك ، وليس كما ظنوا ، بل هذا جمع صحيح ،
لان لكل واحد من السارقين يدان ، فهي أربع أيد بيقين ، وقطع يدي السارق
جميعا واجب يدا بعد يد ، إذا سرق سرقة بعد سرقة ، بنص القرآن .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) * .
قال علي : وهذا عليهم لا لهم ، أنه لا يجوز أن تحط الام عن الثلث إلى السدس
عندنا إلا بثلاثة من الاخوة لا باثنين ، وقولنا في ذلك هو قول ابن عباس ، وهو في
اللغة بحيث لا يجهل محله إلا جاهل ، وإنما حكم من حكم برد الام إلى السدس باثنين
من الاخوة ، إما بقياس ، وإما بتقليد ، وكل ذلك فاسد فإن قيل : قد قال بذلك
عثمان ، قيل له : قد خالفه ابن عباس وأنكر عليه ذلك ، وبين عليه أن اللغة
خلاف ما يحكم به ، فلم يقدر عثمان على إنكار ذلك ، ولم نرد على أن قال : لا أقدر
أن أرد ما قد توارث به الناس .
واحتجوا بقوله تعالى حاكيا عن يعقوب عليه السلام في قوله : * ( عسى الله أن يأتيني
بهم جميعا ) * قالوا : وإنما كان يوسف وأخاه .
قال علي : هذا خطأ ، بل ما كانوا إلا ثلاثة ، يوسف وأخاه الذي حبس
من أجل الصواع الذي وجد في رحله ، والأخ الكبير الذي قال : * ( فلن أبرح
الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ارجعوا إلى أبيكم
فقولوا يأبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ) * فلما فقد يعقوب ثلاثة من
بنيه تمنى رجوعهم كلهم .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) *
والطائفة تقع على الواحد وعلى الاثنين وعلى الأكثر ، فأخبر تعالى عن الطائفتين
مرة بلفظ الجمع بقوله : * ( اقتتلوا ) * ومرة بلفظ الاثنين : * ( فأصلحوا بينهما ) *


علي وحمزة وعبيدة رضي الله عنهم ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة .
وإذا لم يأت نص بين في أن الخصمين المختصمين إلى داود صلى الله عليه وسلم كان إذ تسورا اثنين فقط لا ثالث لهما ، فليس لأحد أن يحتج بذلك في إبطال ما قد صح في اللغة ولا في إثبات أمر لم يثبت بعد .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) * .
قال علي : ولا حجة لهم في ذلك ، وليس كما ظنوا ، بل هذا جمع صحيح ، لان لكل واحد من السارقين يدان ، فهي أربع أيد بيقين ، وقطع يدي السارق جميعا واجب يدا بعد يد ، إذا سرق سرقة بعد سرقة ، بنص القرآن .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) * .
قال علي : وهذا عليهم لا لهم ، أنه لا يجوز أن تحط الام عن الثلث إلى السدس عندنا إلا بثلاثة من الاخوة لا باثنين ، وقولنا في ذلك هو قول ابن عباس ، وهو في اللغة بحيث لا يجهل محله إلا جاهل ، وإنما حكم من حكم برد الام إلى السدس باثنين من الاخوة ، إما بقياس ، وإما بتقليد ، وكل ذلك فاسد فإن قيل : قد قال بذلك عثمان ، قيل له : قد خالفه ابن عباس وأنكر عليه ذلك ، وبين عليه أن اللغة خلاف ما يحكم به ، فلم يقدر عثمان على إنكار ذلك ، ولم نرد على أن قال : لا أقدر أن أرد ما قد توارث به الناس .
واحتجوا بقوله تعالى حاكيا عن يعقوب عليه السلام في قوله : * ( عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ) * قالوا : وإنما كان يوسف وأخاه .
قال علي : هذا خطأ ، بل ما كانوا إلا ثلاثة ، يوسف وأخاه الذي حبس من أجل الصواع الذي وجد في رحله ، والأخ الكبير الذي قال : * ( فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ) * فلما فقد يعقوب ثلاثة من بنيه تمنى رجوعهم كلهم .
واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) * والطائفة تقع على الواحد وعلى الاثنين وعلى الأكثر ، فأخبر تعالى عن الطائفتين مرة بلفظ الجمع بقوله : * ( اقتتلوا ) * ومرة بلفظ الاثنين : * ( فأصلحوا بينهما ) *

394


وقال تعالى في الآية التالية لها : * ( فأصلحوا بين أخويكم ) * فأمر بالاصلاح بين الاثنين
كما أمر بالاصلاح بين الجماعة .
قال علي : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان الطائفة كما ذكروا تقع على الواحد
والاثنين والأكثر ، فإذا أخبر عنهما بلفظ الجمع ، فالمراد بهما الجمع ، والمراد
بالطائفتين في أول الآية المذكورة الكثير منهم ، ومعنى قوله تعالى : * ( فأصلحوا
بينهما ) * أي بين الجماعتين المقتتلتين ، ثم علمنا تعالى وجوب الاصلاح بين الاثنين
كوجوبه بين الكثيرين بقوله تعالى : * ( فأصلحوا بين أخويكم ) * وحمل الآية على
ما نقول هو الذي لا يجوز غيره ، لأنه عموم لكيفية الاصلاح بين الكثير والقليل
ولو كان ما ظن مخالفنا ، لما علمنا فيها الاصلاح بين الاثنين فقط وهذا خطأ .
واحتجوا بقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام : * ( كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم
مستمعون ) * ولم يقل معكما .
قال علي : وهذا لا حجة لهم فيه ، لأنهم ثلاثة بلا شك ، المرسلان وفرعون
المكلم المرسل إليه ، فالمستمعون ثلاثة بيقين .
قال علي : فإن قد بطل احتجاجهم بكل ما احتجوا به ، فلنقل في بيان صحة مذهبنا
، وبالله تعالى التوفيق .
فنقول : إن الألفاظ في اللغة إنما هي عبارات عن المعاني ، ولا خلاف بين
القرب في أن الاثنين لهما صيغة في الاخبار عنهما ، غير الصيغة التي للثلاثة فصاعدا
، وإن للثلاثة فصاعدا - إلى ما لا نهاية له من العدد - صيغة غير صيغة الخبر عن
الاثنين ، وهي صيغة الجمع ، ولا خلا ف بين أحد من أهل اللسان في أنه لا يجوز
أن يقال قام الزيدون ، وأنت تريد اثنين . ولا جاءني الهندات ، وأنت تريد اثنتين
، وضمير الغائب موضوع بلا خلاف بين أحد من أهل اللسان في موضع اسم الغائب
ومبدل منه ، فلا يجوز أن يبدل ضمير الجماعة إلا من الجماعة ، ولا ضمير الاثنين
إلا من الاثنين ، ولو كان ذلك لوقع الاشكال وارتفع البيان ، وكذلك المخاطبات
لا يجوز البتة أن نقول لاثنين : قمتم وقعدتم ، وإنما يقال : قمتما وقعدتما : ولا يقال
لاثنين : قمتن ، ولا يقال للنساء : قمتما ، وإنما قال : قمتن ، فصح ما قلنا بحكم ظاهر
اللغة التي بها نزل القرآن وبها تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلى مفهومها نرجع


وقال تعالى في الآية التالية لها : * ( فأصلحوا بين أخويكم ) * فأمر بالاصلاح بين الاثنين كما أمر بالاصلاح بين الجماعة .
قال علي : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان الطائفة كما ذكروا تقع على الواحد والاثنين والأكثر ، فإذا أخبر عنهما بلفظ الجمع ، فالمراد بهما الجمع ، والمراد بالطائفتين في أول الآية المذكورة الكثير منهم ، ومعنى قوله تعالى : * ( فأصلحوا بينهما ) * أي بين الجماعتين المقتتلتين ، ثم علمنا تعالى وجوب الاصلاح بين الاثنين كوجوبه بين الكثيرين بقوله تعالى : * ( فأصلحوا بين أخويكم ) * وحمل الآية على ما نقول هو الذي لا يجوز غيره ، لأنه عموم لكيفية الاصلاح بين الكثير والقليل ولو كان ما ظن مخالفنا ، لما علمنا فيها الاصلاح بين الاثنين فقط وهذا خطأ .
واحتجوا بقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام : * ( كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون ) * ولم يقل معكما .
قال علي : وهذا لا حجة لهم فيه ، لأنهم ثلاثة بلا شك ، المرسلان وفرعون المكلم المرسل إليه ، فالمستمعون ثلاثة بيقين .
قال علي : فإن قد بطل احتجاجهم بكل ما احتجوا به ، فلنقل في بيان صحة مذهبنا ، وبالله تعالى التوفيق .
فنقول : إن الألفاظ في اللغة إنما هي عبارات عن المعاني ، ولا خلاف بين القرب في أن الاثنين لهما صيغة في الاخبار عنهما ، غير الصيغة التي للثلاثة فصاعدا ، وإن للثلاثة فصاعدا - إلى ما لا نهاية له من العدد - صيغة غير صيغة الخبر عن الاثنين ، وهي صيغة الجمع ، ولا خلا ف بين أحد من أهل اللسان في أنه لا يجوز أن يقال قام الزيدون ، وأنت تريد اثنين . ولا جاءني الهندات ، وأنت تريد اثنتين ، وضمير الغائب موضوع بلا خلاف بين أحد من أهل اللسان في موضع اسم الغائب ومبدل منه ، فلا يجوز أن يبدل ضمير الجماعة إلا من الجماعة ، ولا ضمير الاثنين إلا من الاثنين ، ولو كان ذلك لوقع الاشكال وارتفع البيان ، وكذلك المخاطبات لا يجوز البتة أن نقول لاثنين : قمتم وقعدتم ، وإنما يقال : قمتما وقعدتما : ولا يقال لاثنين : قمتن ، ولا يقال للنساء : قمتما ، وإنما قال : قمتن ، فصح ما قلنا بحكم ظاهر اللغة التي بها نزل القرآن وبها تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلى مفهومها نرجع

395



في أحكام الديانة ، إلا ما نقلنا عنه نص جلي وبالله تعالى التوفيق ، وهذا
ما لا يجوز خلافه ، والله الموفق للصواب .
فصل من الخطاب الوارد بلفظ الجمع
قال علي : وإذا ورد لفظ بصورة جمع وقدر على استيعابه ، فلا بد من استيعابه
ضرورة ، وإلا فقد صحت المعصية وخلاف الامر ، فإن لم يقدر على ذلك ولم يكن
إلى استيعابه سبيل ، فللناس قولان : أحدهما ، أنه واجب أن يؤدي من ذلك
ما أمكن ، وما انتهى إليه الوسع ، ولا يسقط عنه إلا ما عجز عنه أو ما قام نص
أو إجماع بسقوطه ، وبهذا نأخذ ، وقالت طائفة : لا يلزم من ذلك إلا أقل ما يقع
عليه اسم ذلك الجمع ، وهو ثلاثة فصاعدا ، وما زاد على ذلك فليس فرضا .
قال علي : والحجة للقول الأول هي حجتنا على القائلين بالخصوص أو الوقف
وقد لزم عموم ذلك الجمع بيقين ، فلا يسقط بشك ولا بدعوى ، فأما ما عجز عنه
فساقط ، وأما ما لم يعجز عنه فباق على وجوب الطاعة له ، ويبين ذلك قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم .
قال علي : فمن ذلك قول الله عز وجل : * ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) * الآية
وقوله تعالى * ( الوصية للوالدين والأقربين ) * فنقول إن الامام القادر على استيعاب
جميع مساكين المسلمين وفقرائهم وغازيتهم وسائر الأصناف المسماة ، ففر ض عليه
استيعابهم ، وأما من عجز عن ذلك فمن دونه ، فقد أجمعت الأمة بلا خلاف على أن
له أن يقتصر على بعض دون بعض ، ودل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لزينب امرأة عبد الله
بن مسعود إذ سألته أيجزي عني أن أتصدق على زوجي وولدي منه من الصدقة
فقال عليه السلام : نعم .
قال علي : فبهذه النصوص صرنا إلى هذا الحكم ، والاستيعاب والعموم معناهما
واحد ، وهذا كله من باب استعمال الظاهر ، والوجوب ، وقد رام قوم أن يفرقوا
بين الاستيعاب والعموم ، وهذا خطأ ولا يقدرون على ذلك أبدا ، وقال هؤلاء
القوم : العموم لبعض ما يقع عليه الاسم عموم ذلك الجزء الذي عم به .
قال علي : فيقال لهم : وكذلك الاستيعاب لبعض ما يقع عليه الاسم استيعاب
لذلك الجزء الذي استوعب به ولا فرق .


في أحكام الديانة ، إلا ما نقلنا عنه نص جلي وبالله تعالى التوفيق ، وهذا ما لا يجوز خلافه ، والله الموفق للصواب .
فصل من الخطاب الوارد بلفظ الجمع قال علي : وإذا ورد لفظ بصورة جمع وقدر على استيعابه ، فلا بد من استيعابه ضرورة ، وإلا فقد صحت المعصية وخلاف الامر ، فإن لم يقدر على ذلك ولم يكن إلى استيعابه سبيل ، فللناس قولان : أحدهما ، أنه واجب أن يؤدي من ذلك ما أمكن ، وما انتهى إليه الوسع ، ولا يسقط عنه إلا ما عجز عنه أو ما قام نص أو إجماع بسقوطه ، وبهذا نأخذ ، وقالت طائفة : لا يلزم من ذلك إلا أقل ما يقع عليه اسم ذلك الجمع ، وهو ثلاثة فصاعدا ، وما زاد على ذلك فليس فرضا .
قال علي : والحجة للقول الأول هي حجتنا على القائلين بالخصوص أو الوقف وقد لزم عموم ذلك الجمع بيقين ، فلا يسقط بشك ولا بدعوى ، فأما ما عجز عنه فساقط ، وأما ما لم يعجز عنه فباق على وجوب الطاعة له ، ويبين ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم .
قال علي : فمن ذلك قول الله عز وجل : * ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) * الآية وقوله تعالى * ( الوصية للوالدين والأقربين ) * فنقول إن الامام القادر على استيعاب جميع مساكين المسلمين وفقرائهم وغازيتهم وسائر الأصناف المسماة ، ففر ض عليه استيعابهم ، وأما من عجز عن ذلك فمن دونه ، فقد أجمعت الأمة بلا خلاف على أن له أن يقتصر على بعض دون بعض ، ودل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لزينب امرأة عبد الله بن مسعود إذ سألته أيجزي عني أن أتصدق على زوجي وولدي منه من الصدقة فقال عليه السلام : نعم .
قال علي : فبهذه النصوص صرنا إلى هذا الحكم ، والاستيعاب والعموم معناهما واحد ، وهذا كله من باب استعمال الظاهر ، والوجوب ، وقد رام قوم أن يفرقوا بين الاستيعاب والعموم ، وهذا خطأ ولا يقدرون على ذلك أبدا ، وقال هؤلاء القوم : العموم لبعض ما يقع عليه الاسم عموم ذلك الجزء الذي عم به .
قال علي : فيقال لهم : وكذلك الاستيعاب لبعض ما يقع عليه الاسم استيعاب لذلك الجزء الذي استوعب به ولا فرق .

396



قال علي : والجمع بلفظ المعرفة والنكرة سواء في اقتضاء الاستيعاب ،
كقوله تعالى : * ( وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) * فهذا عموم لكل
قوم لا يؤمنون ، وهو بلفظ النكرة كما ترى ، وقد ظن قوم أن الجمع إذا جاء
بلفظ النكرة فإنه لا يوجب العموم ، فقالوا : قولك جاء رجال لا يفهم منه
العموم ، كما يفهم من قولك جاء الرجال .
قال علي : وهذا ظن فاسد لا دليل عليه ، وإنما هو ألفه لما وقع في أنفسهم
في عادات سواء استعملوها في تخاطبهم ، وبخلاف معهود اللغة في الحقيقة ، وقد
أبطلنا ذلك بالآية التي ذكرنا آنفا ، وبالله تعالى التوفيق .
الباب الخامس عشر في الاستثناء
قال علي : قد بينا في باب الاخبار وفي باب العموم والخصوص كيفية
الاستثناء ، ونحن الآن متكلمون - إن شاء الله عز وجل بتأييده لنا - في ماهية
الاستثناء وأنواعه ، فنقول وبالله تعالى التوفيق .
إن الاستثناء هو تخصيص بعض الشئ من جملته ، أو إخراج شئ ما مما
أدخلت فيه شئ آخر ، إلا أن النحويين اعتادوا أن يسموا بالاستثناء ما كان
من ذلك بلفظ : حاشا ، وخلا ، وإلا ، وما لم يكن ، وما عدا ، وما سوى ،
وأن يجعلوا ما كان خبرا من خبر كقولك : اقتل القوم ودع زيدا ، مسمى
باسم التخصيص لا استثناء ، وهما في الحقيقة سواء على ما قدمنا .
قال علي : واختلفوا في نحو من أنحاء الاستثناء ، فقالت طائفة : لا يجوز
أن يستثنى الشئ من غير جنسه أو نوعه المخبر عنه ، وقالت طائفة : جائز أن
يستثنى الشئ من غير جنس أو المخبر عنه ، وبكلا هذين القولين قالت
طوائف من أصحابنا الظاهرين ، ومن إخواننا القياسيين .
قال علي : ونحن نقول : إن استثناء الشئ من غير جنسه ونوعه المخبر عنه جائز ،
واسمه في العربية عند النحويين الاستثناء المنقطع ، وهو حينئذ ابتداء خبر آخر
كقائل قال : أتاني المسلمون إلا اليهود ، فهذا جائز كأنه قال : إلا اليهود فإنهم لم يأتوني ،


قال علي : والجمع بلفظ المعرفة والنكرة سواء في اقتضاء الاستيعاب ، كقوله تعالى : * ( وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) * فهذا عموم لكل قوم لا يؤمنون ، وهو بلفظ النكرة كما ترى ، وقد ظن قوم أن الجمع إذا جاء بلفظ النكرة فإنه لا يوجب العموم ، فقالوا : قولك جاء رجال لا يفهم منه العموم ، كما يفهم من قولك جاء الرجال .
قال علي : وهذا ظن فاسد لا دليل عليه ، وإنما هو ألفه لما وقع في أنفسهم في عادات سواء استعملوها في تخاطبهم ، وبخلاف معهود اللغة في الحقيقة ، وقد أبطلنا ذلك بالآية التي ذكرنا آنفا ، وبالله تعالى التوفيق .
الباب الخامس عشر في الاستثناء قال علي : قد بينا في باب الاخبار وفي باب العموم والخصوص كيفية الاستثناء ، ونحن الآن متكلمون - إن شاء الله عز وجل بتأييده لنا - في ماهية الاستثناء وأنواعه ، فنقول وبالله تعالى التوفيق .
إن الاستثناء هو تخصيص بعض الشئ من جملته ، أو إخراج شئ ما مما أدخلت فيه شئ آخر ، إلا أن النحويين اعتادوا أن يسموا بالاستثناء ما كان من ذلك بلفظ : حاشا ، وخلا ، وإلا ، وما لم يكن ، وما عدا ، وما سوى ، وأن يجعلوا ما كان خبرا من خبر كقولك : اقتل القوم ودع زيدا ، مسمى باسم التخصيص لا استثناء ، وهما في الحقيقة سواء على ما قدمنا .
قال علي : واختلفوا في نحو من أنحاء الاستثناء ، فقالت طائفة : لا يجوز أن يستثنى الشئ من غير جنسه أو نوعه المخبر عنه ، وقالت طائفة : جائز أن يستثنى الشئ من غير جنس أو المخبر عنه ، وبكلا هذين القولين قالت طوائف من أصحابنا الظاهرين ، ومن إخواننا القياسيين .
قال علي : ونحن نقول : إن استثناء الشئ من غير جنسه ونوعه المخبر عنه جائز ، واسمه في العربية عند النحويين الاستثناء المنقطع ، وهو حينئذ ابتداء خبر آخر كقائل قال : أتاني المسلمون إلا اليهود ، فهذا جائز كأنه قال : إلا اليهود فإنهم لم يأتوني ،

397


وهذا لا ينكره نحوي ولا لغوي أصلا ، إذا كان على الوجه الذي ذكرناه .
قال علي : والبرهان القاطع في ذلك قوله تعالى : * ( فسجد الملائكة كلهم
أجمعون إلا إبليس ) * ، وقال تعالى : * ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا
إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) * فلم يدع تعالى للشك ههنا مجالا
إلا بينه ، وأخبر أن إبليس كان من الجن ، وقد حمل التهور قوما راموا نصر
مذهبهم ههنا فقالوا : إن الملائكة يسمون جنا لاجتنانهم .
قال علي : وهذا قول فاحش من وجوه ، أحدها وأوضحها قول الله عز وجل
إذ سأل الملائكة : * ( أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ) * فقالت الملائكة : * ( سبحانك
أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ) * ففرق تعالى بين الملائكة والجن
فرقا كما ترى ، والوجه الثاني إخباره عليه السلام : إن الملائكة خلقت من نور
والجن خلقت من نار ، ففرق بين النوعين فرقا من خالفه كفر .
حدثنا عبد الله بن يوسف ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن
أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، عن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق
عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم
مما وصف لكم .
والثالث إجماع الأمة على أن من سمى جبريل أو ميكائيل جنيا فقد كفر ،
فقد ظهر بطلان هذا القول الفاسد ، وكان أقصى ما احتج له القائلون به أن
قالوا : الاجتنان هو الاستتار ، ومن ذلك يسمى المجن مجنا ، والجنة جنة ،
فالملائكة والجن مستترون عنا فهم جن .
قال علي : وهذا هذيان لبعض أهل اللغة ، وفي كل قوم جنون ، فلو أن عاكسا
عكس عليهم فقال : ما اشتقا الاجتنان الذي هو الاستتار إلا من الجن ، بماذا كانوا
ينفصلون ؟ وأيضا فيقال لهم حتى لو صح قولكم : إن الجن اشتقوا من الاجتنان
فمن أي شئ اشتق الاجتنان ؟ فإن جروا هكذا إلى غير غاية ، وهذا يوجب
أشياء موجودات لا أوائل لها ، ولا نهاية لعددها ، وهذا محال ممتنع ، وموافقة
أهل الكفر ، وإن قالوا : ليس للفظ الذي اشتق منه اشتقاق ، قيل لهم : فما الذي


وهذا لا ينكره نحوي ولا لغوي أصلا ، إذا كان على الوجه الذي ذكرناه .
قال علي : والبرهان القاطع في ذلك قوله تعالى : * ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) * ، وقال تعالى : * ( وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) * فلم يدع تعالى للشك ههنا مجالا إلا بينه ، وأخبر أن إبليس كان من الجن ، وقد حمل التهور قوما راموا نصر مذهبهم ههنا فقالوا : إن الملائكة يسمون جنا لاجتنانهم .
قال علي : وهذا قول فاحش من وجوه ، أحدها وأوضحها قول الله عز وجل إذ سأل الملائكة : * ( أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ) * فقالت الملائكة : * ( سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ) * ففرق تعالى بين الملائكة والجن فرقا كما ترى ، والوجه الثاني إخباره عليه السلام : إن الملائكة خلقت من نور والجن خلقت من نار ، ففرق بين النوعين فرقا من خالفه كفر .
حدثنا عبد الله بن يوسف ، عن أحمد بن فتح ، عن عبد الوهاب بن عيسى ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن علي ، عن مسلم بن الحجاج ، عن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم .
والثالث إجماع الأمة على أن من سمى جبريل أو ميكائيل جنيا فقد كفر ، فقد ظهر بطلان هذا القول الفاسد ، وكان أقصى ما احتج له القائلون به أن قالوا : الاجتنان هو الاستتار ، ومن ذلك يسمى المجن مجنا ، والجنة جنة ، فالملائكة والجن مستترون عنا فهم جن .
قال علي : وهذا هذيان لبعض أهل اللغة ، وفي كل قوم جنون ، فلو أن عاكسا عكس عليهم فقال : ما اشتقا الاجتنان الذي هو الاستتار إلا من الجن ، بماذا كانوا ينفصلون ؟ وأيضا فيقال لهم حتى لو صح قولكم : إن الجن اشتقوا من الاجتنان فمن أي شئ اشتق الاجتنان ؟ فإن جروا هكذا إلى غير غاية ، وهذا يوجب أشياء موجودات لا أوائل لها ، ولا نهاية لعددها ، وهذا محال ممتنع ، وموافقة أهل الكفر ، وإن قالوا : ليس للفظ الذي اشتق منه اشتقاق ، قيل لهم : فما الذي

398


جعل تلك اللفظة بأن تكون مبتدأة أولى من هذه الثانية .
وقد سقط في هذا كبار النحويين منهم أبو جعفر النحاس : فإنه ألف كتابا
في اشتقاق أسماء الله عز وجل - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وهذا يلزمهم
القول بحدوث أسماء الله عز وجل ، لان كل شئ مشتق فهو مأخوذ مما اشتق منه
وكل مأخوذ فقد كان قبل أن يوجد غير مأخوذ ، فقد كانت الأسماء على أصلهم
غير موجودة ، والكلام ههنا يطول ويتشعب ، ويخرجنا عن غرض كتابنا ، وأسماء
الله عز وجل إنما هي أسماء أعلام كقولك زيد وعمرو ، والمراد بها الله تعالى
الذي لم يزل وحده لا شريك له ولا يزال خالق كل شئ لا إله إلا هو رب
العرش العظيم ، وأما الأصوات المسموعة المعبر بها فمخلوقة لم تكن ثم كانت .


جعل تلك اللفظة بأن تكون مبتدأة أولى من هذه الثانية .
وقد سقط في هذا كبار النحويين منهم أبو جعفر النحاس : فإنه ألف كتابا في اشتقاق أسماء الله عز وجل - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وهذا يلزمهم القول بحدوث أسماء الله عز وجل ، لان كل شئ مشتق فهو مأخوذ مما اشتق منه وكل مأخوذ فقد كان قبل أن يوجد غير مأخوذ ، فقد كانت الأسماء على أصلهم غير موجودة ، والكلام ههنا يطول ويتشعب ، ويخرجنا عن غرض كتابنا ، وأسماء الله عز وجل إنما هي أسماء أعلام كقولك زيد وعمرو ، والمراد بها الله تعالى الذي لم يزل وحده لا شريك له ولا يزال خالق كل شئ لا إله إلا هو رب العرش العظيم ، وأما الأصوات المسموعة المعبر بها فمخلوقة لم تكن ثم كانت .

399


ومنهم أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي ، فإنه قال في نوادره : * ( العشقة
نبت يخضر ثم يصفر ثم يهيج ومنه سمي العاشق عاشقا ) * أو ما علم هذا الرجل
أن كل نبت في الأرض فهذه صفته ، فهلا يسمى العاشق باقلا مشتقا من البقل
الذي يخضر ، ثم يصفر ، ثم يهيج ، فإن ركب هذا الطريق اتسع له جدا ، وأخرجه
ذلك إلى بعض خرق من أدركناه من أهل الجنون ، وأدخله في باب المضاحك
والمطايب والمجون .
والذي نعتقد ونقول ونقطع على صحته ، أن الاشتقاق كله باطل حاشا أسماء
الفاعلين من أفعالهم فقط ، وأسماء الموصوفين المأخوذة من صفاتهم الجسمانية
والنفسانية ، وهذا أيضا لا ندري هل أخذت الأسماء من الصفات ، أو أخذت
الصفات من الأسماء ؟ إلا أننا نوقن أن أحدهما أخذ من صاحبه ، مثل ضارب
من الضرب ، ومثل آكل من الاكل ، ومثل أبيض من البياض وغضبان من
الغضب ، وما أشبه ذلك .
وأما سائر الأسماء الواقعة على الأجناس والأنواع كلها ، فلا اشتقاق لها أصلا
وليس بعضها قبل بعض ، بل كلها معا ، وقد كنت أجري في هذا مع شيخنا أبي عبده
حسان بن مالك رحمه الله ، وكان أذكر من لقينا للغة مع شدة عنايته بها ، وثقته
وتحريه في نقلها ، فكان يقول لي : قد قال بهذا الذي تذهب إليه كثير من أهل اللغة
قديم وسماه لي ، وشككت الآن في اسمه لبعد العهد وأظن أنه نفطويه .
وكيف يسوغ لذي عقل أن يسمي الملائكة جنا ، وهو يسمع قول الله عز وجل
* ( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) * وما علمنا مسلما يقول : إن أحدا من
الملائكة يدخل جهنم ، وقد قال تعالى : * ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله
الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة
والناس ) * أفتراه تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يستعيذ من شر الملائكة ؟ هذا ما لا يظنه
ذو عقل ، وقد اعترض على بعض من كلمني في هذا المعنى بقوله تعالى : * ( وجعلوا بينه
وبين الجنة نسبا ) * وقال : إنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الرحمن .
قال علي : وهذا ليس بشئ ، لأنه قد روي عن ابن عباس أن قريشا كانت
تقول : سروات الجن هم بنات الرحمن ، فإنما عنى تعالى الجن على الحقيقة في هذا


ومنهم أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي ، فإنه قال في نوادره : * ( العشقة نبت يخضر ثم يصفر ثم يهيج ومنه سمي العاشق عاشقا ) * أو ما علم هذا الرجل أن كل نبت في الأرض فهذه صفته ، فهلا يسمى العاشق باقلا مشتقا من البقل الذي يخضر ، ثم يصفر ، ثم يهيج ، فإن ركب هذا الطريق اتسع له جدا ، وأخرجه ذلك إلى بعض خرق من أدركناه من أهل الجنون ، وأدخله في باب المضاحك والمطايب والمجون .
والذي نعتقد ونقول ونقطع على صحته ، أن الاشتقاق كله باطل حاشا أسماء الفاعلين من أفعالهم فقط ، وأسماء الموصوفين المأخوذة من صفاتهم الجسمانية والنفسانية ، وهذا أيضا لا ندري هل أخذت الأسماء من الصفات ، أو أخذت الصفات من الأسماء ؟ إلا أننا نوقن أن أحدهما أخذ من صاحبه ، مثل ضارب من الضرب ، ومثل آكل من الاكل ، ومثل أبيض من البياض وغضبان من الغضب ، وما أشبه ذلك .
وأما سائر الأسماء الواقعة على الأجناس والأنواع كلها ، فلا اشتقاق لها أصلا وليس بعضها قبل بعض ، بل كلها معا ، وقد كنت أجري في هذا مع شيخنا أبي عبده حسان بن مالك رحمه الله ، وكان أذكر من لقينا للغة مع شدة عنايته بها ، وثقته وتحريه في نقلها ، فكان يقول لي : قد قال بهذا الذي تذهب إليه كثير من أهل اللغة قديم وسماه لي ، وشككت الآن في اسمه لبعد العهد وأظن أنه نفطويه .
وكيف يسوغ لذي عقل أن يسمي الملائكة جنا ، وهو يسمع قول الله عز وجل * ( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) * وما علمنا مسلما يقول : إن أحدا من الملائكة يدخل جهنم ، وقد قال تعالى : * ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ) * أفتراه تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يستعيذ من شر الملائكة ؟ هذا ما لا يظنه ذو عقل ، وقد اعترض على بعض من كلمني في هذا المعنى بقوله تعالى : * ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) * وقال : إنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الرحمن .
قال علي : وهذا ليس بشئ ، لأنه قد روي عن ابن عباس أن قريشا كانت تقول : سروات الجن هم بنات الرحمن ، فإنما عنى تعالى الجن على الحقيقة في هذا

400

لا يتم تسجيل الدخول!