إسم الكتاب : الاحكام ( عدد الصفحات : 132)



الاحكام في أصول الاحكام
للحافظ أبى محمد على بن حزم الأندلسي الظاهري
هذا الكتاب النفيس ، الذي لم تر العين
مثيله في علم الأصول
أحمد شاكر
قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة
أحمد شاكر
رحمه الله
الناشر
زكريا على يوسف
مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680
الجزء الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الثاني عشر
في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم
والاخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان قول من صرف شيئا
من ذلك إلى التأويل أو التراخي أو الندب أو الوقف بلا برهان ولا دليل .
قال أبو محمد : الذي يفهم من الامر ، أن الآمر أراد أن يكون ما أمر ،
وألزم المأمور ذلك الامر ، وقال بعض الحنفيين ، وبعض المالكيين ، وبعض
الشافعيين : إن أوامر القرآن والسنن ونواهيهما على الوقف حتى يقوم دليل
على حملها ، إما على وجوب في العمل أو في التحريم ، وإما على ندب ، وإما على
إباحة ، وإما على كراهة ، وذهب قوم من الطوائف التي ذكرنا ، وجميع أصحاب
الظاهر إلى القول : بأن كل ذلك على الوجوب في التحريم أو الفعل حتى يقوم
دليل على صرف شئ من ذلك إلى ندب ، أو كراهة ، أو إباحة فتصير إليه .
قال علي : وهذا هو الذي لا يجوز غيره ، ونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون
ما اعترض به المخالفون ، وبطلان شغبهم بالبراهين الصحيحة ، ثم نذكر الأدلة
على صحة ما ذهبنا إليه ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فعمدة ما موهوا به أن قالوا : لو كان لفظ الامر موضوعا للايجاب لم
يوجد أبدا إلا كذلك ، لكن لما وجدنا بلا خلاف منكم لنا أوامر معناها الندب
أو الإباحة ، ووجدنا نواهي بلا خلاف منكم لنا معناها الكراهة ، وجب أن
لا نصرف الألفاظ إلى بعض ما تحتمله من المعاني دون بعض ، إلا بدليل ، قالوا :
وألفاظ الأوامر عندنا من الألفاظ المشتركة التي لا تختص بمعنى واحد ، لكنها
بمنزلة عير ورجل ولون وعين ، فإن قولك : رجل ليس هو بأن يوقع على
العضو ، أولى منه بأن يوقع على جماعة الجراد ، وقولك : عير ليس بأن يوقع


الاحكام في أصول الاحكام للحافظ أبى محمد على بن حزم الأندلسي الظاهري هذا الكتاب النفيس ، الذي لم تر العين مثيله في علم الأصول أحمد شاكر قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله الناشر زكريا على يوسف مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680 الجزء الثالث بسم الله الرحمن الرحيم الباب الثاني عشر في الأوامر والنواهي الواردة في القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم والاخذ بظاهرها وحملها على الوجوب والفور وبطلان قول من صرف شيئا من ذلك إلى التأويل أو التراخي أو الندب أو الوقف بلا برهان ولا دليل .
قال أبو محمد : الذي يفهم من الامر ، أن الآمر أراد أن يكون ما أمر ، وألزم المأمور ذلك الامر ، وقال بعض الحنفيين ، وبعض المالكيين ، وبعض الشافعيين : إن أوامر القرآن والسنن ونواهيهما على الوقف حتى يقوم دليل على حملها ، إما على وجوب في العمل أو في التحريم ، وإما على ندب ، وإما على إباحة ، وإما على كراهة ، وذهب قوم من الطوائف التي ذكرنا ، وجميع أصحاب الظاهر إلى القول : بأن كل ذلك على الوجوب في التحريم أو الفعل حتى يقوم دليل على صرف شئ من ذلك إلى ندب ، أو كراهة ، أو إباحة فتصير إليه .
قال علي : وهذا هو الذي لا يجوز غيره ، ونحن إن شاء الله تعالى ذاكرون ما اعترض به المخالفون ، وبطلان شغبهم بالبراهين الصحيحة ، ثم نذكر الأدلة على صحة ما ذهبنا إليه ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فعمدة ما موهوا به أن قالوا : لو كان لفظ الامر موضوعا للايجاب لم يوجد أبدا إلا كذلك ، لكن لما وجدنا بلا خلاف منكم لنا أوامر معناها الندب أو الإباحة ، ووجدنا نواهي بلا خلاف منكم لنا معناها الكراهة ، وجب أن لا نصرف الألفاظ إلى بعض ما تحتمله من المعاني دون بعض ، إلا بدليل ، قالوا :
وألفاظ الأوامر عندنا من الألفاظ المشتركة التي لا تختص بمعنى واحد ، لكنها بمنزلة عير ورجل ولون وعين ، فإن قولك : رجل ليس هو بأن يوقع على العضو ، أولى منه بأن يوقع على جماعة الجراد ، وقولك : عير ليس بأن يوقع

259


على الحمار أولى من أن يوقع على العظم الذي في القدم ، وقولك : عين ليس بأن
يوقع على يمين عين النظر ، أولى من أن يوقع على عين الماء ، وقولك : لون ليس بأن
يوقع على الحمرة ، أولى من أن يوقع على البياض ، فكذلك قول القائل افعل لما
وجد يراد به الندب ، ووجد يراد به إيجاب ، لم يكن إيقاعه على الايجاب أولى
من إيقاعه على الندب إلا بدليل .
قال علي : هذا شغب فاسد ، وذلك أنا نقول وبالله تعالى التوفيق : إن لكل
مسمى من عرض أو جسم اسما يختص به ، يتبين به مما سواه من الأشياء ليقع بها
التفاهم ، وليعلم السامع المخاطب به مراد المتكلم المخاطب له ، ولو لم يكن ذلك لما
كان تفاهم أبدا ، ولبطل خطاب الله تعالى لنا ، وقد قال الله تعالى وما أرسلنا من
رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ولو لم يكن لكل معنى اسم منفرد به لما صح
البيان أبدا ، لان تخليط المعاني هو الاشكال نفسه ، فإذن الأصل ما ذكرناه
بضرورة العقل ، وبنص القرآن ، ثم وجدنا في اللغة أشياء مما ذكروا من أسماء تقع
على معان شتى ، ووجدناها أيضا أسماء يختص كل اسم منها بمسماه فقط ، وعلمنا أن
المراد باللغة إنما هو الافهام لا الاشكال ، لزمنا أن نلزم الأصل الذي هو
اختصاص كل معنى باسمه دون أن يشاركه فيه غيره ، حتى يصح عندنا أن هذا الاسم
مرتب بخلاف هذه الرتبة ، وأنه مما لا يقع به بيان فيطلب بيانه حينئذ من غيره .
قال علي : والذي شبهوا به الأوامر من الأسماء المشتركة التي ذكروا ، مثل
لون وعير ورجل تشبيه فاسد ضرورة ، وذلك أن المخاطب إذا خاطبنا بخبر ما
عن رجل أو عن لون أو أمرنا بأمر ما في ذلك فممكن أن نحمل خبره وأمره
على كل ما يقتضيه ما ذكر مثل أن يقول : لا تأكلوا عيرا فيجتنب كل ما يقع
عليه اسم عير ، وإن اختلفت أنواعه ، وكذلك قوله تعالى : انظروا إلى ثمرة إذا
أثمر كان ذلك واقعا على كل ثمر ، وإن اختلفت أنواعه ، وكذلك قول القائل :
الهواء لا لون له . فقد انتفى بذلك عنه البياض والحمرة والسواد والخضرة والصفرة ،
فالفائدة بالخطاب بهذه الأسماء قائمة ، والتفاهم ممكن ، وحملها على ما يقتضيه جائز
حسن إلا أن يقوم دليل على تخصيص بعض ما تحتها فيصار إليه .


على الحمار أولى من أن يوقع على العظم الذي في القدم ، وقولك : عين ليس بأن يوقع على يمين عين النظر ، أولى من أن يوقع على عين الماء ، وقولك : لون ليس بأن يوقع على الحمرة ، أولى من أن يوقع على البياض ، فكذلك قول القائل افعل لما وجد يراد به الندب ، ووجد يراد به إيجاب ، لم يكن إيقاعه على الايجاب أولى من إيقاعه على الندب إلا بدليل .
قال علي : هذا شغب فاسد ، وذلك أنا نقول وبالله تعالى التوفيق : إن لكل مسمى من عرض أو جسم اسما يختص به ، يتبين به مما سواه من الأشياء ليقع بها التفاهم ، وليعلم السامع المخاطب به مراد المتكلم المخاطب له ، ولو لم يكن ذلك لما كان تفاهم أبدا ، ولبطل خطاب الله تعالى لنا ، وقد قال الله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ولو لم يكن لكل معنى اسم منفرد به لما صح البيان أبدا ، لان تخليط المعاني هو الاشكال نفسه ، فإذن الأصل ما ذكرناه بضرورة العقل ، وبنص القرآن ، ثم وجدنا في اللغة أشياء مما ذكروا من أسماء تقع على معان شتى ، ووجدناها أيضا أسماء يختص كل اسم منها بمسماه فقط ، وعلمنا أن المراد باللغة إنما هو الافهام لا الاشكال ، لزمنا أن نلزم الأصل الذي هو اختصاص كل معنى باسمه دون أن يشاركه فيه غيره ، حتى يصح عندنا أن هذا الاسم مرتب بخلاف هذه الرتبة ، وأنه مما لا يقع به بيان فيطلب بيانه حينئذ من غيره .
قال علي : والذي شبهوا به الأوامر من الأسماء المشتركة التي ذكروا ، مثل لون وعير ورجل تشبيه فاسد ضرورة ، وذلك أن المخاطب إذا خاطبنا بخبر ما عن رجل أو عن لون أو أمرنا بأمر ما في ذلك فممكن أن نحمل خبره وأمره على كل ما يقتضيه ما ذكر مثل أن يقول : لا تأكلوا عيرا فيجتنب كل ما يقع عليه اسم عير ، وإن اختلفت أنواعه ، وكذلك قوله تعالى : انظروا إلى ثمرة إذا أثمر كان ذلك واقعا على كل ثمر ، وإن اختلفت أنواعه ، وكذلك قول القائل :
الهواء لا لون له . فقد انتفى بذلك عنه البياض والحمرة والسواد والخضرة والصفرة ، فالفائدة بالخطاب بهذه الأسماء قائمة ، والتفاهم ممكن ، وحملها على ما يقتضيه جائز حسن إلا أن يقوم دليل على تخصيص بعض ما تحتها فيصار إليه .

260


وهذا غير ممكن في الأوامر التي أرادوا أن يشبهوها بالأسماء التي ذكرنا ، لأنه
إذا قيل لنا : افعلوا ، وكان هذا اللفظ ممكنا أن يراد به الايجاب وممكنا
به الندب أو الإباحة ، فلا سبيل في بنية الطبيعة إلى حمله على كل الوجوه التي ذكرنا ،
إذ ممتنع بالضرورة أن يكون الشئ ملزما ولا بد ، ومباحا تركه في وقت واحد
لانسان واحد ، هذا محال لا يمكن ولا يقدر عليه ، فيبطل تشبيههم ، وصح أن الامر
لو كان كما ذكروا لكان غير مقدر على الائتمار له أبدا ، ولو كان ذلك لبطل الامر
كله ضرورة ، وإذ قد صح ورود الامر من الله عز وجل ، وصح التخاطب بالأوامر
في اللغة بين الناس ، علمنا أنه لا يجوز أن يخاطبنا تعالى بما لا سبيل إلى الائتمار له
وبالمحالات التي لا نقدر عليها ، وصح أن الامر مراد به معنى مختص بلفظه وبنيته
وليس ذلك إلا كون ما خوطب به المأمور ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : وإنما الذي ذكروا من أنهم قد وجدوا أوامر معناها الندب فصدقوا ،
والوجه في ذلك أننا قد وجدنا في اللغة ألفاظا نقلت على معهودها وعن موضوعها
في اللسان ، وعلقت على أشياء أخر ، فعل ذلك خالق اللغة وأهلها الذي رتبها
كيف شاء عز وجل ، أو فعل في ذلك بعض أهل اللغة من العرب ، أو فعل ذلك
مصطلحان فيما بينها ، كما نقل تعالى اسم الصلاة عن موضوعها في اللغة ، عن الدعاء
إلى استقبال الكعبة ، ووقوف وركوع وسجود وجلوس ، بصفات محدودة لا تتعدى ،
وكما نقل تعالى اسم الصيام عن الوقوف إلى امتناع الأكل والشرب والوطئ
في أيام معلومة ، وكما نقل اسم الكفر عن التغطية إلى أقوال محدودة ونيات معلومة ،
فإذا قد وجدنا ذلك لزمنا ، إذ قام دليل ، على أن لفظا ما قد نقل عن موضوعه
من اللغة ، ورتب في مكان آخر أن يعتقد ذلك ، وإما ما لم يقم دليل على نقله
فلا سبيل إلى إحالته عن مكانه البتة ، وقد قال بعض المفسدين للحقائق ، المتكلمين
بما لا يعقل ، ليس هذا نقلا ، إنما النقل ما لم يجز أن يبقى على ما نقل عنه .
قال علي : وهذا تحكم لا يعرفه أهل اللغة ، بل كل حال أحيلت ، فقد تنقل حكمها
عما كان عليه ، والاسم إذا وقع على معنى ما فأوقعه الله تعالى أيضا على معنى آخر ،
فقد نقله على حكم الوقوع على معنى واحد إلى حكم الوقوع على معنيين ، وأيضا


وهذا غير ممكن في الأوامر التي أرادوا أن يشبهوها بالأسماء التي ذكرنا ، لأنه إذا قيل لنا : افعلوا ، وكان هذا اللفظ ممكنا أن يراد به الايجاب وممكنا به الندب أو الإباحة ، فلا سبيل في بنية الطبيعة إلى حمله على كل الوجوه التي ذكرنا ، إذ ممتنع بالضرورة أن يكون الشئ ملزما ولا بد ، ومباحا تركه في وقت واحد لانسان واحد ، هذا محال لا يمكن ولا يقدر عليه ، فيبطل تشبيههم ، وصح أن الامر لو كان كما ذكروا لكان غير مقدر على الائتمار له أبدا ، ولو كان ذلك لبطل الامر كله ضرورة ، وإذ قد صح ورود الامر من الله عز وجل ، وصح التخاطب بالأوامر في اللغة بين الناس ، علمنا أنه لا يجوز أن يخاطبنا تعالى بما لا سبيل إلى الائتمار له وبالمحالات التي لا نقدر عليها ، وصح أن الامر مراد به معنى مختص بلفظه وبنيته وليس ذلك إلا كون ما خوطب به المأمور ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : وإنما الذي ذكروا من أنهم قد وجدوا أوامر معناها الندب فصدقوا ، والوجه في ذلك أننا قد وجدنا في اللغة ألفاظا نقلت على معهودها وعن موضوعها في اللسان ، وعلقت على أشياء أخر ، فعل ذلك خالق اللغة وأهلها الذي رتبها كيف شاء عز وجل ، أو فعل في ذلك بعض أهل اللغة من العرب ، أو فعل ذلك مصطلحان فيما بينها ، كما نقل تعالى اسم الصلاة عن موضوعها في اللغة ، عن الدعاء إلى استقبال الكعبة ، ووقوف وركوع وسجود وجلوس ، بصفات محدودة لا تتعدى ، وكما نقل تعالى اسم الصيام عن الوقوف إلى امتناع الأكل والشرب والوطئ في أيام معلومة ، وكما نقل اسم الكفر عن التغطية إلى أقوال محدودة ونيات معلومة ، فإذا قد وجدنا ذلك لزمنا ، إذ قام دليل ، على أن لفظا ما قد نقل عن موضوعه من اللغة ، ورتب في مكان آخر أن يعتقد ذلك ، وإما ما لم يقم دليل على نقله فلا سبيل إلى إحالته عن مكانه البتة ، وقد قال بعض المفسدين للحقائق ، المتكلمين بما لا يعقل ، ليس هذا نقلا ، إنما النقل ما لم يجز أن يبقى على ما نقل عنه .
قال علي : وهذا تحكم لا يعرفه أهل اللغة ، بل كل حال أحيلت ، فقد تنقل حكمها عما كان عليه ، والاسم إذا وقع على معنى ما فأوقعه الله تعالى أيضا على معنى آخر ، فقد نقله على حكم الوقوع على معنى واحد إلى حكم الوقوع على معنيين ، وأيضا

261


فلسنا نحاكرهم في لفظ النقل ، وإنما نريد أن اللفظة كانت تقع في اللغة على معنى
ما ، فأوقعت أيضا على غير ذلك .
قال علي : ثم نقول لهم ما يلزمكم إن صححتم دليلكم الذي ذكرتم ، أنكم قد وجدتم
آيات كثيرة ، وأحاديث كثيرة منسوخات لا يحل العمل بها ، أن تتوقفوا في كل
آية ، وفي كل حديث ، لاحتمال كل شئ منها في نفسه أن يكون منسوخا ، كاحتمال
كل أمر في نفسه أن يكون ندبا فإن التزمتم ذلك كفرتم ، وخرجتم عن الاسلام ،
وإن أبيت التزامه أصبتم وكنتم قد أبطلتم دليلكم في أنه لما قد وجدت أوامر معناها
الندب وجب التوقف عن جميع الأوامر حتى يصح أنها إما إيجاب أو ندب .
قال علي : وليس بين ما ألزمناهم من التوقف عن كل آية ، وحديث من أجل
وجودهم آيات منسوخة وأحاديث منسوخات ، وبين ما التزموا من التوقف عن
كل أمر من أجل وجودهم أوامر معناها الندب - فرق البتة ، بل هو ذلك بعينه
لسنا نقول : إن مثله بل نقول إن المعنى في ذلك واحد ، وبيان ذلك : أن المنسوخ
هو الذي لا يلزم أن يستعمل ، أو يجوز أن يستعمل ، والمندوب إليه
هو الذي لا يلزم فرضا أن يستعمل أيضا ، فقد اجتمعنا في سقوط وجوب الاستعمال
اجتماعا مستويا ، وإنما افترقا أن المندوب إليه مباح استعماله ، والمنسوخ ليس
مباحا استعماله في بعض الأحوال فقط ، فبطل تمويههم - وبالله تعالى التوفيق - بإقرارهم
أنه ليس من أجل وجودنا ألفاظا مصروفة عن مواضعها في اللغة ، يجوز أن
يتوقف في سائر الألفاظ خوف أن تكون مصروفة عن مواضعها ، فقد بطل
الاستدلال الذي أرادوا تحقيقه ، وبالله تعالى التوفيق
وأيضا فإن لفظة أو ولفظة إن شئت مفهوم منهما التخيير بلا خلاف
منا ومنهم ، ومن جميع أهل اللغة ، وقد سمعناه تعالى يقول فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر وسمعناه تعالى يقول : * ( قل كونوا حجارة أو حديدا ) * وجدنا الدليل
البرهاني قد قام على خروج هاتين الآيتين عن التخيير إلى معنى آخر ، فيلزم على
دليلهم الفاسد ألا يحملوا لفظة أو ولا لفظة إن شئت أبدا على التخيير ،
لأنه يقال لهم كما قالوا : لو كانت لفظتا أو وإن شئت على التخيير لكانت متى وجدت
لما تكن إلا للتخيير ، فلما وجدت لغير التخيير في عدة مواضع بطل أن تكون للتخيير .


فلسنا نحاكرهم في لفظ النقل ، وإنما نريد أن اللفظة كانت تقع في اللغة على معنى ما ، فأوقعت أيضا على غير ذلك .
قال علي : ثم نقول لهم ما يلزمكم إن صححتم دليلكم الذي ذكرتم ، أنكم قد وجدتم آيات كثيرة ، وأحاديث كثيرة منسوخات لا يحل العمل بها ، أن تتوقفوا في كل آية ، وفي كل حديث ، لاحتمال كل شئ منها في نفسه أن يكون منسوخا ، كاحتمال كل أمر في نفسه أن يكون ندبا فإن التزمتم ذلك كفرتم ، وخرجتم عن الاسلام ، وإن أبيت التزامه أصبتم وكنتم قد أبطلتم دليلكم في أنه لما قد وجدت أوامر معناها الندب وجب التوقف عن جميع الأوامر حتى يصح أنها إما إيجاب أو ندب .
قال علي : وليس بين ما ألزمناهم من التوقف عن كل آية ، وحديث من أجل وجودهم آيات منسوخة وأحاديث منسوخات ، وبين ما التزموا من التوقف عن كل أمر من أجل وجودهم أوامر معناها الندب - فرق البتة ، بل هو ذلك بعينه لسنا نقول : إن مثله بل نقول إن المعنى في ذلك واحد ، وبيان ذلك : أن المنسوخ هو الذي لا يلزم أن يستعمل ، أو يجوز أن يستعمل ، والمندوب إليه هو الذي لا يلزم فرضا أن يستعمل أيضا ، فقد اجتمعنا في سقوط وجوب الاستعمال اجتماعا مستويا ، وإنما افترقا أن المندوب إليه مباح استعماله ، والمنسوخ ليس مباحا استعماله في بعض الأحوال فقط ، فبطل تمويههم - وبالله تعالى التوفيق - بإقرارهم أنه ليس من أجل وجودنا ألفاظا مصروفة عن مواضعها في اللغة ، يجوز أن يتوقف في سائر الألفاظ خوف أن تكون مصروفة عن مواضعها ، فقد بطل الاستدلال الذي أرادوا تحقيقه ، وبالله تعالى التوفيق وأيضا فإن لفظة أو ولفظة إن شئت مفهوم منهما التخيير بلا خلاف منا ومنهم ، ومن جميع أهل اللغة ، وقد سمعناه تعالى يقول فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وسمعناه تعالى يقول : * ( قل كونوا حجارة أو حديدا ) * وجدنا الدليل البرهاني قد قام على خروج هاتين الآيتين عن التخيير إلى معنى آخر ، فيلزم على دليلهم الفاسد ألا يحملوا لفظة أو ولا لفظة إن شئت أبدا على التخيير ، لأنه يقال لهم كما قالوا : لو كانت لفظتا أو وإن شئت على التخيير لكانت متى وجدت لما تكن إلا للتخيير ، فلما وجدت لغير التخيير في عدة مواضع بطل أن تكون للتخيير .

262


قال علي : وفي هذا إبطال الكلام كله وإبطال التفاهم وفساد الحق والشرائع
كلها والعلوم كلها ، لأنه لا قول إلا وقد يوجد موضوعا في غير بنيته في اللغة ، إما
على المجاز أو الاتفاق بين المتخاطبين ، فلو وجب من أجل ذلك أن يبطل حمل
الأسماء على معانيها التي رتبت لها في اللغة لبطل كل ما ذكرنا ، وكفى فسادا بكل
قول أدى إلى إبطال الحقائق ، وبالله تعالى التوفيق
قال علي : فإن قالوا : إنا لم نوافقكم على أن لفظ الامر موضوعه في اللغة
الوجوب ، فيلزمنا ما ألزمتمونا ، وإنما قلنا : إنه ليس موضوعه في اللغة الوجوب
دون الندب ، ولا الندب دون الوجوب .
قال علي : فنقول وبالله تعالى التوفيق : قد أبطلنا في كلامنا هذا جواز وقوع لفظ
الامر على الوجوب وعلى الندب معا ، وفرقنا بين ذلك وبين وقوع الألفاظ
المشتركة مثل لون وعير على معان شتى ، وبينا أن ذلك جائز ممكن موجود ، وأن
وقوع لفظ الامر على الوجوب وعلى الندب معا محال ممتنع لا سبيل إليه ، ولا يتشكل
في العقل البتة فصح ضرورة أن لفظ الامر موضوع في أصل اللغة ، إما للوجوب
فقط - ثم نقل بدليل كما ذكرنا في بعض المواضع إلى الندب ، أو إلى غير الوجوب
من سائر المعاني التي سنبينها إن شاء الله تعالى ، وإما أنه موضوع في أصل اللغة
للندب خاصة ، أو لمعنى ما من سائر المعاني التي قد وردت بلفظ الامر ، ثم نقل إلى
الوجوب بدليل ، فهذا هو الذي يتشكل في العقل ، وأما احتمال وقوع لفظ الامر
على الندب والوجوب معا في وقت واحد ، فهذا باطل لأنه يوجب أن ورود
الامر لا حقيقة له أصلا ، ولا له معنى البتة ، وهذا أحمق من قول السوفسطائية
فهذا الذي أردنا أن نبين إحالته ، وقد صح والحمد لله .
ولا بد لكم من المصير إلى أحد الخبرين ضرورة ، إما أن تقولوا : لفظ الامر
موضوع للوجوب في اللغة ، حتى يصح دليل بنقله إلى غير الوجوب ، وهذا قولنا ،
وإما أن تقولوا : لفظ الامر موضوع لغير الوجوب في اللغة ، حتى يصح دليل
ينقله إلى الوجوب ، فإن قلتم ذلك ، سهل أمركم بقول وجيز بحول الله وقوته ، وحسبنا
أن قد قلعناكم بلطف الله عن مكان الشغب على الجهال ، وذلك أن قول القائل :
الأوامر كلها على غير الوجوب حتى يصح دليل نقلها إلى الوجوب ، دخول


قال علي : وفي هذا إبطال الكلام كله وإبطال التفاهم وفساد الحق والشرائع كلها والعلوم كلها ، لأنه لا قول إلا وقد يوجد موضوعا في غير بنيته في اللغة ، إما على المجاز أو الاتفاق بين المتخاطبين ، فلو وجب من أجل ذلك أن يبطل حمل الأسماء على معانيها التي رتبت لها في اللغة لبطل كل ما ذكرنا ، وكفى فسادا بكل قول أدى إلى إبطال الحقائق ، وبالله تعالى التوفيق قال علي : فإن قالوا : إنا لم نوافقكم على أن لفظ الامر موضوعه في اللغة الوجوب ، فيلزمنا ما ألزمتمونا ، وإنما قلنا : إنه ليس موضوعه في اللغة الوجوب دون الندب ، ولا الندب دون الوجوب .
قال علي : فنقول وبالله تعالى التوفيق : قد أبطلنا في كلامنا هذا جواز وقوع لفظ الامر على الوجوب وعلى الندب معا ، وفرقنا بين ذلك وبين وقوع الألفاظ المشتركة مثل لون وعير على معان شتى ، وبينا أن ذلك جائز ممكن موجود ، وأن وقوع لفظ الامر على الوجوب وعلى الندب معا محال ممتنع لا سبيل إليه ، ولا يتشكل في العقل البتة فصح ضرورة أن لفظ الامر موضوع في أصل اللغة ، إما للوجوب فقط - ثم نقل بدليل كما ذكرنا في بعض المواضع إلى الندب ، أو إلى غير الوجوب من سائر المعاني التي سنبينها إن شاء الله تعالى ، وإما أنه موضوع في أصل اللغة للندب خاصة ، أو لمعنى ما من سائر المعاني التي قد وردت بلفظ الامر ، ثم نقل إلى الوجوب بدليل ، فهذا هو الذي يتشكل في العقل ، وأما احتمال وقوع لفظ الامر على الندب والوجوب معا في وقت واحد ، فهذا باطل لأنه يوجب أن ورود الامر لا حقيقة له أصلا ، ولا له معنى البتة ، وهذا أحمق من قول السوفسطائية فهذا الذي أردنا أن نبين إحالته ، وقد صح والحمد لله .
ولا بد لكم من المصير إلى أحد الخبرين ضرورة ، إما أن تقولوا : لفظ الامر موضوع للوجوب في اللغة ، حتى يصح دليل بنقله إلى غير الوجوب ، وهذا قولنا ، وإما أن تقولوا : لفظ الامر موضوع لغير الوجوب في اللغة ، حتى يصح دليل ينقله إلى الوجوب ، فإن قلتم ذلك ، سهل أمركم بقول وجيز بحول الله وقوته ، وحسبنا أن قد قلعناكم بلطف الله عن مكان الشغب على الجهال ، وذلك أن قول القائل :
الأوامر كلها على غير الوجوب حتى يصح دليل نقلها إلى الوجوب ، دخول

263


في عظيمتين : إحداهما خرق الاجماع ، فما قال بهذا أحد قط ، وإنما شغب من
شغب بالموقف ، وبما قدمنا إبطاله من احتمال الامرين ، والثانية : إبطال فائدة العقل ، لأنه
يصير حينئذ قائلا : إن الموضوع في اللغة من لفظة افعل : لا تفعل إن شئت ، وهذا
خلاف فهم جميع أهل اللغات ، لان الثابت في فطرة العقل أن النهي عن الشئ غير
الامر به ، وكفى ، مع أن الاجماع على ترك هذا القول كاف عن تكلف دليل .
وبرهان ضروري : وهو أنه إن كانت لفظة افعل موضوعة لغير الايجاب إلا
بدليل يخرجها إلى الايجاب ، وكانت أيضا لفظة لا تفعل موضوعة لغير التحريم
إلا بدليل يخرجها إلى التحريم ، وكان كلتا اللفظتين تعطي : افعل إن شئت
أو لا تفعل إن شئت ، فقد صار ولا بد من المفهوم من لا تفعل هو المفهوم من افعل ،
وهذا لا يقوله ذو مسكة عقل .
قال علي : قالوا : وبأي شئ يدل على أنه على الوجوب أبنفسه أم بدليله ؟
فإن قلتم : بنفسه ففي ذلك اختلفنا ، وإن كان بدليله ، فإذا لم يدل هو فدليله
أحرى أن لا يدل .
قال علي : وهذا شغب فاسد ضعيف جدا . تعلقوا إليه من قبل مبطلي الحقائق ،
فإنهم قد سألونا بهذا السؤال نفسه فقالوا : بماذا ثبت عندكم أن الأشياء حق ؟
أبأنفسها ففيها اختلفنا ، أم بغيرها فلا شئ في العالم يوجد من غير الأشياء الموجودة ،
وليس غير الأشياء إلا لا شئ ؟ فإذا لم يدل الشئ على حقيقة نفسه فلا شئ أحرى
ألا يدل ، وتعلق أيضا بهذا السؤال مبطلو دلائل العقل فقالوا : بأي شئ علمتم
صحة ما يدل عليه العقل ؟ أبالعقل أم بغير العقل ؟ ونحو هذا من الهذيان كثير ،
وهؤلاء القوم في شعبة من طريق مبطلي الحقائق ومبطلي مدركات العقل .
ونعكس عليهم سؤالهم هذا السخيف الذي صححوه - فهو لازم لهم لا لنا - إذ لم
نصححه ونقول لهم : بأي شئ يدل الامر على أنه على الوقف ، أبنفسه أم بدليله ؟
فإن قلتم بنفسه ففي ذلك اختلفنا ، وإن كان بدليله ، فإذا لم يدل هو فدليله أحرى
ألا يدل ، فمن أحمق استدلالا ممن دليله عائد عليه ، وهادم لقوله ؟ وإنما هم قوم
لا يحققون شيئا ، إنما هم في سبيل التشغيب على الضعفاء ، وما يخدعون إلا أنفسهم .


في عظيمتين : إحداهما خرق الاجماع ، فما قال بهذا أحد قط ، وإنما شغب من شغب بالموقف ، وبما قدمنا إبطاله من احتمال الامرين ، والثانية : إبطال فائدة العقل ، لأنه يصير حينئذ قائلا : إن الموضوع في اللغة من لفظة افعل : لا تفعل إن شئت ، وهذا خلاف فهم جميع أهل اللغات ، لان الثابت في فطرة العقل أن النهي عن الشئ غير الامر به ، وكفى ، مع أن الاجماع على ترك هذا القول كاف عن تكلف دليل .
وبرهان ضروري : وهو أنه إن كانت لفظة افعل موضوعة لغير الايجاب إلا بدليل يخرجها إلى الايجاب ، وكانت أيضا لفظة لا تفعل موضوعة لغير التحريم إلا بدليل يخرجها إلى التحريم ، وكان كلتا اللفظتين تعطي : افعل إن شئت أو لا تفعل إن شئت ، فقد صار ولا بد من المفهوم من لا تفعل هو المفهوم من افعل ، وهذا لا يقوله ذو مسكة عقل .
قال علي : قالوا : وبأي شئ يدل على أنه على الوجوب أبنفسه أم بدليله ؟
فإن قلتم : بنفسه ففي ذلك اختلفنا ، وإن كان بدليله ، فإذا لم يدل هو فدليله أحرى أن لا يدل .
قال علي : وهذا شغب فاسد ضعيف جدا . تعلقوا إليه من قبل مبطلي الحقائق ، فإنهم قد سألونا بهذا السؤال نفسه فقالوا : بماذا ثبت عندكم أن الأشياء حق ؟
أبأنفسها ففيها اختلفنا ، أم بغيرها فلا شئ في العالم يوجد من غير الأشياء الموجودة ، وليس غير الأشياء إلا لا شئ ؟ فإذا لم يدل الشئ على حقيقة نفسه فلا شئ أحرى ألا يدل ، وتعلق أيضا بهذا السؤال مبطلو دلائل العقل فقالوا : بأي شئ علمتم صحة ما يدل عليه العقل ؟ أبالعقل أم بغير العقل ؟ ونحو هذا من الهذيان كثير ، وهؤلاء القوم في شعبة من طريق مبطلي الحقائق ومبطلي مدركات العقل .
ونعكس عليهم سؤالهم هذا السخيف الذي صححوه - فهو لازم لهم لا لنا - إذ لم نصححه ونقول لهم : بأي شئ يدل الامر على أنه على الوقف ، أبنفسه أم بدليله ؟
فإن قلتم بنفسه ففي ذلك اختلفنا ، وإن كان بدليله ، فإذا لم يدل هو فدليله أحرى ألا يدل ، فمن أحمق استدلالا ممن دليله عائد عليه ، وهادم لقوله ؟ وإنما هم قوم لا يحققون شيئا ، إنما هم في سبيل التشغيب على الضعفاء ، وما يخدعون إلا أنفسهم .

264


والجواب عن هذا السؤال السخيف وبالله تعالى التوفيق : أنا قد أخبرنا - فيما
خلا وفي سائر كتبنا - بأننا مضطرون إلى معرفة أن الأشياء حقائق ، وأنها
موجودة على حسب ما هي عليه ، وبأنه لا يدري أحد كيف وقع له ذلك وبينا
أن هذه المعرفة - التي اضطرنا إليها ، وخلقها الباري تعالى في أنفسنا في أول
أوقات فهمنا بعد تركيبها في الجسد ، هي أصل لتمييز الحقائق من البواطن ، وهي
عنصر لكل معرفة ، وإننا عرفنا إيجاب الأوامر ببديهة العقل وبالتمييز الموضوعين
فينا ، لنعرف بها الأشياء على ما هي عليه ، فعلمنا أن الحجر صليب ، وأن الماء
سيال في طبعه ، وإن انتقل إلى الجمود في بعض أحواله ، وأن قول القائل : فلان
أحمق ، ذم ، وأن قوله : فلان عاقل مدح ، وأن الامر عنصر من عناصر الكلام
التي هي خير ودعاء واستفهام وأمر ، فلما استقر في النفس أن إرادة الامر أن
يفعل المأمور ما يأمره به ، معنى قائم في النفوس لم يكن له بد من عبارة يقع بها
التفاهم ، وعلمنا ذلك أيضا بنصوص سنذكرها في تمام إبطال ما شغبتم به إن شاء
الله تعالى ، وبالله نتأيد وإياه نستعين .
هذا كل ما احتج به القائلون بالوقف ولا مزيد ، فقد أبطلناه بالبرهان
الضروري بتوفيق الله تعالى وتعليمه لا إله إلا هو ، إلا أن ابن المنتاب المالكي
أتى بعظيمة فلزمنا التنبيه عليها إن شاء الله تعالى وذلك أنه قال : إن من الدليل
على أن الأوامر على الوقف قول الله تعالى مخبرا عن أهل اللغة الذين هم العرب :
( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا
قال آنفا فال فلو كانت الأوامر على الوجوب ، والألفاظ على العموم ، لما
كان لسؤالهم عما قاله عليه السلام معنى إذ لو فهم الوجوب والعموم من نفس اللفظ
لكان سؤالهم فاسدا .
قال علي : لا يشبه هذا القول احتجاج مسلم ، لان الله تعالى حكى هذا
الاعتراض عن قوم منافقين كفار ، لم يرض فعلهم ولا سؤالهم ، وإنما حكى الله
عز وجل ذلك عنهم منكرا عليهم ، وقد قال تعالى أو يكفهم أنا أنزلنا عليك


والجواب عن هذا السؤال السخيف وبالله تعالى التوفيق : أنا قد أخبرنا - فيما خلا وفي سائر كتبنا - بأننا مضطرون إلى معرفة أن الأشياء حقائق ، وأنها موجودة على حسب ما هي عليه ، وبأنه لا يدري أحد كيف وقع له ذلك وبينا أن هذه المعرفة - التي اضطرنا إليها ، وخلقها الباري تعالى في أنفسنا في أول أوقات فهمنا بعد تركيبها في الجسد ، هي أصل لتمييز الحقائق من البواطن ، وهي عنصر لكل معرفة ، وإننا عرفنا إيجاب الأوامر ببديهة العقل وبالتمييز الموضوعين فينا ، لنعرف بها الأشياء على ما هي عليه ، فعلمنا أن الحجر صليب ، وأن الماء سيال في طبعه ، وإن انتقل إلى الجمود في بعض أحواله ، وأن قول القائل : فلان أحمق ، ذم ، وأن قوله : فلان عاقل مدح ، وأن الامر عنصر من عناصر الكلام التي هي خير ودعاء واستفهام وأمر ، فلما استقر في النفس أن إرادة الامر أن يفعل المأمور ما يأمره به ، معنى قائم في النفوس لم يكن له بد من عبارة يقع بها التفاهم ، وعلمنا ذلك أيضا بنصوص سنذكرها في تمام إبطال ما شغبتم به إن شاء الله تعالى ، وبالله نتأيد وإياه نستعين .
هذا كل ما احتج به القائلون بالوقف ولا مزيد ، فقد أبطلناه بالبرهان الضروري بتوفيق الله تعالى وتعليمه لا إله إلا هو ، إلا أن ابن المنتاب المالكي أتى بعظيمة فلزمنا التنبيه عليها إن شاء الله تعالى وذلك أنه قال : إن من الدليل على أن الأوامر على الوقف قول الله تعالى مخبرا عن أهل اللغة الذين هم العرب :
( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا فال فلو كانت الأوامر على الوجوب ، والألفاظ على العموم ، لما كان لسؤالهم عما قاله عليه السلام معنى إذ لو فهم الوجوب والعموم من نفس اللفظ لكان سؤالهم فاسدا .
قال علي : لا يشبه هذا القول احتجاج مسلم ، لان الله تعالى حكى هذا الاعتراض عن قوم منافقين كفار ، لم يرض فعلهم ولا سؤالهم ، وإنما حكى الله عز وجل ذلك عنهم منكرا عليهم ، وقد قال تعالى أو يكفهم أنا أنزلنا عليك

265


الكتاب يتلى عليهم فأخبر تعالى أن ظاهر القرآن وتلاوته تكفي أن ذلك
يجب قبوله على ظاهره حين وروده هذا نص الآية المذكورة ، ووصية الله تعالى
التي لا تحتمل غير ما ذكرنا ، ولا أعجب من احتجاج من يدعي أنه مسلم في
إسقاطه إيجاب طاعة الله عز وجل ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بكلام قوم كفار
منافقين مستهزئين بآيات الله عز وجل .
وما نعرف لهذا الاحتجاج مثلا في الشنعة والفظاعة ، إلا قول إسماعيل بن
إسحاق في كتابه الخمس وهو كتاب مشهور معلوم ، ولنا عليه فيه رد هتكنا
عواره فيه ، وفضحناه بحول الله وقوته ، فإن قال في الكتاب المذكور لو كان
ما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صناديد قريش - من غنائم هوازن ، إثر يوم
حنين - من نصيبه من خمس الخمس ، كما قال الشافعي ، ما قالت الأنصار في ذلك
ولا قال ذو الخويصرة ما قال .
قال علي : فمن أضل ممن يحتج بكلام ذي الخويصرة ويتخذ ذا الخويصرة وليجة
من دون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم : ويجعل إنكار كافر مشرك شر
خلق الله هجور لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حجة على المؤمنين القائلين : إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم إنما أعطى من أعطى نصيبه الذي فوض الله تعالى أمره
إليه ، لا مما جعله الله عز وجل لأقوام مسلمين معروفين ، اللهم إنا نبرأ إليك
من هذا الكلام ، ومن نصر مذهب قاد إلى الاحتجاج بإنكار ذي الخويصرة
على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقول المنافقين : ماذا قال آنفا .


الكتاب يتلى عليهم فأخبر تعالى أن ظاهر القرآن وتلاوته تكفي أن ذلك يجب قبوله على ظاهره حين وروده هذا نص الآية المذكورة ، ووصية الله تعالى التي لا تحتمل غير ما ذكرنا ، ولا أعجب من احتجاج من يدعي أنه مسلم في إسقاطه إيجاب طاعة الله عز وجل ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بكلام قوم كفار منافقين مستهزئين بآيات الله عز وجل .
وما نعرف لهذا الاحتجاج مثلا في الشنعة والفظاعة ، إلا قول إسماعيل بن إسحاق في كتابه الخمس وهو كتاب مشهور معلوم ، ولنا عليه فيه رد هتكنا عواره فيه ، وفضحناه بحول الله وقوته ، فإن قال في الكتاب المذكور لو كان ما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم صناديد قريش - من غنائم هوازن ، إثر يوم حنين - من نصيبه من خمس الخمس ، كما قال الشافعي ، ما قالت الأنصار في ذلك ولا قال ذو الخويصرة ما قال .
قال علي : فمن أضل ممن يحتج بكلام ذي الخويصرة ويتخذ ذا الخويصرة وليجة من دون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم : ويجعل إنكار كافر مشرك شر خلق الله هجور لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حجة على المؤمنين القائلين : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أعطى من أعطى نصيبه الذي فوض الله تعالى أمره إليه ، لا مما جعله الله عز وجل لأقوام مسلمين معروفين ، اللهم إنا نبرأ إليك من هذا الكلام ، ومن نصر مذهب قاد إلى الاحتجاج بإنكار ذي الخويصرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقول المنافقين : ماذا قال آنفا .

266


ونحن نقول قول إنصاف - إذ قد اقتدى ابن المنتاب بالقائلين إذ خرجوا
من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد استمعوا إليه ثم قالوا لأهل العلم
ماذا قال آنفا وتبر أنا نحن منهم ومن مثل سؤالهم واقتدينا نحن بالدين قالوا
سمعنا وأطعنا فله ما اختار ، وله إن شاء الله تعالى ما أعطى الله للذين اقتدى
بهم ، إذ قال عز وجل يعقب حكاية قولهم ما ذا قال آنفا أولئك الذين طبع
الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ونحن راجون أن يعطنا الله بمنه وطوله
ما أعطى من اقتدينا بهم في قولهم سمعنا وأطعنا إذ يقول تعالى إنما كان
قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقوله سمعنا وأطعنا
وأولئك هم المفلحون ) * ونعم فليعلم الجاهل - المعترض بأقوال المنافقين المشركين
على كلام الله تعالى ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم - أن قول الذين قالوا
للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ، لا معنى لسؤالهم هذا ، ولا يعقل سؤالهم لأنه
سؤال مجنون فاسد الدين ملعون
وشغب بعهم بقول تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وإذا قضيت الصلاة
فانتشروا في الأرض قالوا : وهذا إباحة بلا شك ، فقلنا : يجب عليكم إذا
احتججتم بهذا أن تقولوا إن جميع الأوامر على الندب ، حتى يقوم دليل على
الوجوب وهذا ليس قولهم ، وأما هاتان الآيتان فإنما خرجتا عن الوجوب إلى
الإباحة ببرهان ، أما التصيد ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حل بالطواف بالبيت وانحدر
إلى منى ولم يصطد ، فصح أنه ليس فرضا بهذا النص الآخر ، وأما : * ( فإذا قضيت
الصلاة فانتشروا ) فان عبد الله بن ربيع قال : حدثنا عمر بن عبد الملك ، حدثنا
ابن الأعرابي ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا القعنبي ، ثنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ،
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الملائكة تصلي على أحدكم
ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ، ما لم يحدث : اللهم اغفر له اللهم ارحمه .
قال أبو محمد : فندبنا إلى القعود في مصلانا بعد الصلاة ، فصح بذلك أن
الانتشار بعد الصلاة إباحة ، فمن جاءنا في شئ من الأوامر ببرهان ينقله عن
الفرض إلى الندب ، وعن التحريم إلى الكراهية ، صرنا إليه ، وأما بالدعوة
الكاذبة المحيلة للقرآن والسنن على موضوعها ، فمعاذ الله من ذلك .


ونحن نقول قول إنصاف - إذ قد اقتدى ابن المنتاب بالقائلين إذ خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد استمعوا إليه ثم قالوا لأهل العلم ماذا قال آنفا وتبر أنا نحن منهم ومن مثل سؤالهم واقتدينا نحن بالدين قالوا سمعنا وأطعنا فله ما اختار ، وله إن شاء الله تعالى ما أعطى الله للذين اقتدى بهم ، إذ قال عز وجل يعقب حكاية قولهم ما ذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ونحن راجون أن يعطنا الله بمنه وطوله ما أعطى من اقتدينا بهم في قولهم سمعنا وأطعنا إذ يقول تعالى إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقوله سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ) * ونعم فليعلم الجاهل - المعترض بأقوال المنافقين المشركين على كلام الله تعالى ، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم - أن قول الذين قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ، لا معنى لسؤالهم هذا ، ولا يعقل سؤالهم لأنه سؤال مجنون فاسد الدين ملعون وشغب بعهم بقول تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض قالوا : وهذا إباحة بلا شك ، فقلنا : يجب عليكم إذا احتججتم بهذا أن تقولوا إن جميع الأوامر على الندب ، حتى يقوم دليل على الوجوب وهذا ليس قولهم ، وأما هاتان الآيتان فإنما خرجتا عن الوجوب إلى الإباحة ببرهان ، أما التصيد ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حل بالطواف بالبيت وانحدر إلى منى ولم يصطد ، فصح أنه ليس فرضا بهذا النص الآخر ، وأما : * ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ) فان عبد الله بن ربيع قال : حدثنا عمر بن عبد الملك ، حدثنا ابن الأعرابي ، ثنا علي بن عبد العزيز ، ثنا القعنبي ، ثنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ، ما لم يحدث : اللهم اغفر له اللهم ارحمه .
قال أبو محمد : فندبنا إلى القعود في مصلانا بعد الصلاة ، فصح بذلك أن الانتشار بعد الصلاة إباحة ، فمن جاءنا في شئ من الأوامر ببرهان ينقله عن الفرض إلى الندب ، وعن التحريم إلى الكراهية ، صرنا إليه ، وأما بالدعوة الكاذبة المحيلة للقرآن والسنن على موضوعها ، فمعاذ الله من ذلك .

267


واحتج على بعضهم بالخبر الثابت من طريق أنس : أن رجلا اتهم بأم ولد
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر النبي عليه السلام علي بن أبي طالب أن يقتله
فأتاه فوجده في ركي يتبرد ، فأمره بالخروج فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر
له فتركه وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، وزاد بعض من لا يوثق
به في هذا الخبر أن عليا قال له : يا رسول الله أنفذ لأمرك كالسكة المحماة ،
أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال له : بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب
وقد ذكر هذا اللفظ أيضا في خبر بعثه عليه السلام عليا إلى خيبر ، وكلاهما
لا يصح أصلا ، بل هما زيادتا كذب ، لم يرو قط من طريق فيها خير ، ويلزم من
صححها أن يسقط من الصلاة ثلاث صلوات ، أو من كل صلاة ركعة إن رأى ذلك
أصلح ، أو ينقل صوم رمضان إلى الربيع رفقا بالناس ، إذ الشاهد يرى مالا يرى
الغائب ، وأن يزيد في الحدود والزكاة ، أو ينقص منها ، وهذا كفر صريح فبطل
التعلق بهذا اللفظ الموضوع .
وكذلك ما روي أنه عليه السلام أمر أبا بكر وعمر بقتل ذي الخويصرة فرجعا
وقال أحدهما : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدته ساجدا ، وقال الآخر : وجدته راكعا ، فهو
خبر كاذب لم يأت قط من طريق خير ، وأما أمره عليه السلام بقتل ذلك
الانسان فيخرج على أحد وجهين : إما أنه شهد عند النبي عليه السلام بذلك قوم
عدول في الظاهر ، منافقون في الباطن كاذبون بأنهم سمعوه يقر بذلك فوجب
عليه القتل لأذاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ففضح الله كذبهم ، وأما أنه تعالى
أوحى إليه بالامر بقتله ، وقد علم تعالى أنه سينسخ ذلك الامر بإظهار براءته ،
وكذب الناقل ، وكلا الامرين وجه صحيح ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فإذا قد ذكرنا كل ما شغبوا به ، فلنذكر إن شاء الله تعالى البراهين
المصححة أن الأوامر كلها على الوجوب ، والنواهي كلها على التحريم إلا ما خرج


واحتج على بعضهم بالخبر الثابت من طريق أنس : أن رجلا اتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر النبي عليه السلام علي بن أبي طالب أن يقتله فأتاه فوجده في ركي يتبرد ، فأمره بالخروج فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر له فتركه وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، وزاد بعض من لا يوثق به في هذا الخبر أن عليا قال له : يا رسول الله أنفذ لأمرك كالسكة المحماة ، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال له : بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب وقد ذكر هذا اللفظ أيضا في خبر بعثه عليه السلام عليا إلى خيبر ، وكلاهما لا يصح أصلا ، بل هما زيادتا كذب ، لم يرو قط من طريق فيها خير ، ويلزم من صححها أن يسقط من الصلاة ثلاث صلوات ، أو من كل صلاة ركعة إن رأى ذلك أصلح ، أو ينقل صوم رمضان إلى الربيع رفقا بالناس ، إذ الشاهد يرى مالا يرى الغائب ، وأن يزيد في الحدود والزكاة ، أو ينقص منها ، وهذا كفر صريح فبطل التعلق بهذا اللفظ الموضوع .
وكذلك ما روي أنه عليه السلام أمر أبا بكر وعمر بقتل ذي الخويصرة فرجعا وقال أحدهما : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدته ساجدا ، وقال الآخر : وجدته راكعا ، فهو خبر كاذب لم يأت قط من طريق خير ، وأما أمره عليه السلام بقتل ذلك الانسان فيخرج على أحد وجهين : إما أنه شهد عند النبي عليه السلام بذلك قوم عدول في الظاهر ، منافقون في الباطن كاذبون بأنهم سمعوه يقر بذلك فوجب عليه القتل لأذاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ففضح الله كذبهم ، وأما أنه تعالى أوحى إليه بالامر بقتله ، وقد علم تعالى أنه سينسخ ذلك الامر بإظهار براءته ، وكذب الناقل ، وكلا الامرين وجه صحيح ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فإذا قد ذكرنا كل ما شغبوا به ، فلنذكر إن شاء الله تعالى البراهين المصححة أن الأوامر كلها على الوجوب ، والنواهي كلها على التحريم إلا ما خرج

268

لا يتم تسجيل الدخول!