إسم الكتاب : الاحكام ( عدد الصفحات : 134)


الاحكام في أصول الاحكام
للحافظ أبى محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري
هذا الكتاب النفيس ، الذي لم تر العين
مثيله في علم الأصول
أحمد شاكر
الجزء الأول
قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة
أحمد شاكر
رحمه الله
الناشر
زكريا علي يوسف
مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680


الاحكام في أصول الاحكام للحافظ أبى محمد علي بن حزم الأندلسي الظاهري هذا الكتاب النفيس ، الذي لم تر العين مثيله في علم الأصول أحمد شاكر الجزء الأول قوبلت على نسخة أشرف على طبعها الأستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله الناشر زكريا علي يوسف مطبعة العاصمة بالقاهرة - ت 23680

1



2



وعد . . ووعد
ظهرت الطبعة الأول من هذا الكتاب القيم سنة 1345 ه‍ بإشراف
المرحوم الشيخ أحمد شاكر في ثمانية أجزاء صغيرة حسب تجزئة المؤلف .
وقد وعدوا القراء بكتابة ترجمة وافية للمؤلف ، وفهارس تحليلية
للكتاب ، ولكت يبدو أن الظروف لم تساعد على إنجاز هذا الوعد .
أما هذه الطبعة فستكون إن شاء الله في مجلدين ، كل مجلد 4 أجزاء
في غلاف واحد ، وسنحاول بعون الله أن نقوم ببعض ما فات القراء
في الطبعة الأولى من الترجمة والفهرس التفصيلي ، وما لا يدرك كله لا يترك
كله ، وسيكون ذلك ختام الكتاب إن شاء الله
وقد نفدت الطبعة الأولى من سنين كثيرة ، وارتفع ثمنها إلى عشرة
أمثال ، ولما صح عزمنا على نشر بحثنا طويلا عن نسخة منها للمقالة
عليها عند الطبع ، وساعدنا في البحث كثير من إخواننا ، فلم نعثر لها على
أثر ، ولما علم بذلك فضيلة الأستاذ الشيخ عبد المحيي علي محفوظ تفضل
علينا بنسخة الخاصة فشكر الله له


وعد . . ووعد ظهرت الطبعة الأول من هذا الكتاب القيم سنة 1345 ه‍ بإشراف المرحوم الشيخ أحمد شاكر في ثمانية أجزاء صغيرة حسب تجزئة المؤلف .
وقد وعدوا القراء بكتابة ترجمة وافية للمؤلف ، وفهارس تحليلية للكتاب ، ولكت يبدو أن الظروف لم تساعد على إنجاز هذا الوعد .
أما هذه الطبعة فستكون إن شاء الله في مجلدين ، كل مجلد 4 أجزاء في غلاف واحد ، وسنحاول بعون الله أن نقوم ببعض ما فات القراء في الطبعة الأولى من الترجمة والفهرس التفصيلي ، وما لا يدرك كله لا يترك كله ، وسيكون ذلك ختام الكتاب إن شاء الله وقد نفدت الطبعة الأولى من سنين كثيرة ، وارتفع ثمنها إلى عشرة أمثال ، ولما صح عزمنا على نشر بحثنا طويلا عن نسخة منها للمقالة عليها عند الطبع ، وساعدنا في البحث كثير من إخواننا ، فلم نعثر لها على أثر ، ولما علم بذلك فضيلة الأستاذ الشيخ عبد المحيي علي محفوظ تفضل علينا بنسخة الخاصة فشكر الله له

3



بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة الناشر
مما أحفظه عن السيد رشيد رضا رحمه الله أنه كان يقول : لو وفق الله الطبع
المغنى في الفقه أو المحلى لابن حزم على ما فيه من شدة على الأئمة فإني أموت
وأنا مطمئن على الفقه الاسلامي
حفظت ذلك عن صاحب المنار منذ أكثر من ثلاثين سنة ، ومن يومها وأنا
أقدر ابن حزم وأحترمه وأحبه وأتمنى أن أنشر له بعض آثاره القيمة التي تضئ
للمسلم طريقه في دينه ودنياه ، وتجعله يسير بالنقد والشدة - أحيانا - لمن سبقه من الفقهاء
والأئمة إذا وجدهم عد علموا بأحاديث لم تصح عنده ، أو عملوا بآراء تخالف ما صح
عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولعل مرد ذلك النقد وتلك الشدة إلى ما لاحظه ابن حزم رحمه الله من إقبال
على التقليد لهؤلاء الفقهاء والأئمة ، وإدبار عن طب الهدى من كتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم فأراد رحمه الله أن يخفف الناس من هذا الاقبال ،
ومن هذا الادبار ، وأن يكسب للكتاب والسنة فريقا من الأنصار يعلنون
صوتهما إقامة لحجة الله على خلقه .
ولا نتصور أبدا أن ابن حزم كان لا يحترم هؤلاء الأئمة أو لا يحبهم ، أو
ينكر عليهم فضلهم في علماء الاسلام ، فما من أحد من هؤلاء الأئمة إلا كان
ينهى عن تقليده ويدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وقد يكون مرد تلك الشدة في ابن حزم هو نشأته وبيئته وبيته ومنصبه ، فقد
تولى هو الوزارة كما تولاها والده وهذا الجو له تأثيره في النفس ، الا ترى إلى
موسى عليه السلام وقد تربى في بيت فرعون - كيف كان شديد البطش قوى
البأس ، وهو من أنبياء الله المرسلين ؟
وسيأتي تفصيل ذلك في ترجمة المؤلف في آخر الكتاب إن شاء الله .
زكريا على يوسف


بسم الله الرحمن الرحيم كلمة الناشر مما أحفظه عن السيد رشيد رضا رحمه الله أنه كان يقول : لو وفق الله الطبع المغنى في الفقه أو المحلى لابن حزم على ما فيه من شدة على الأئمة فإني أموت وأنا مطمئن على الفقه الاسلامي حفظت ذلك عن صاحب المنار منذ أكثر من ثلاثين سنة ، ومن يومها وأنا أقدر ابن حزم وأحترمه وأحبه وأتمنى أن أنشر له بعض آثاره القيمة التي تضئ للمسلم طريقه في دينه ودنياه ، وتجعله يسير بالنقد والشدة - أحيانا - لمن سبقه من الفقهاء والأئمة إذا وجدهم عد علموا بأحاديث لم تصح عنده ، أو عملوا بآراء تخالف ما صح عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولعل مرد ذلك النقد وتلك الشدة إلى ما لاحظه ابن حزم رحمه الله من إقبال على التقليد لهؤلاء الفقهاء والأئمة ، وإدبار عن طب الهدى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فأراد رحمه الله أن يخفف الناس من هذا الاقبال ، ومن هذا الادبار ، وأن يكسب للكتاب والسنة فريقا من الأنصار يعلنون صوتهما إقامة لحجة الله على خلقه .
ولا نتصور أبدا أن ابن حزم كان لا يحترم هؤلاء الأئمة أو لا يحبهم ، أو ينكر عليهم فضلهم في علماء الاسلام ، فما من أحد من هؤلاء الأئمة إلا كان ينهى عن تقليده ويدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
وقد يكون مرد تلك الشدة في ابن حزم هو نشأته وبيئته وبيته ومنصبه ، فقد تولى هو الوزارة كما تولاها والده وهذا الجو له تأثيره في النفس ، الا ترى إلى موسى عليه السلام وقد تربى في بيت فرعون - كيف كان شديد البطش قوى البأس ، وهو من أنبياء الله المرسلين ؟
وسيأتي تفصيل ذلك في ترجمة المؤلف في آخر الكتاب إن شاء الله .
زكريا على يوسف

4



بسم الله الرحمن الرحيم
قال الفقيه الإمام أبو محمد ، على بن أحمد ، رحمة الله عليه ورضوانه :
الحمد لله الذي أمتن علينا بنعم عامة وخاصة ، فعم النوع الآدمي بأن أرسل إليهم
مقدمة المؤلف قال الفقيه الإمام أبو محمد ، علي بن أحمد ، رحمة الله عليه ورضوانه :
الحمد لله الذي أمتن علينا بنعم عامة وخاصة ، فعم النوع الآدمي بأن أرسل إليهم
رسلا مبشرين ومنذرين ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة ، وخص
من شاء منهم بأن وفقه للحق وهداه له ، ويسره لفهمه ، وسدده لاختياره ، وسهل
عليه سبيله ، وخذل منهم من شاء ، فطبع على قلبه ، ووعر عليه طريق الحق ، ووفق
قوما في سبيل ما ، ومنعهم التوفيق في سبيل أخرى ، كما قال عز وجل : ( من يشأ لله
يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم . ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) دون
أن يجبر مريد حق على إرادته ، أو يقسر قاصد باطل على قصده ، أو يحول بين
أحد وبين ما دعاه تعالى إليه ، أو ندبه إليه ، لكن كما قال عز وجل : * ( حبب إليكم
الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم
الراشدون ، فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ) * وكما قال تعالى : ( أفمن زين له
سوء عمله فرآه حسنا ) وقال تعالى ( وكذلك زينا لكل أمة عملهم ) وكما قال النبيان
الفاضلان صلى الله عليهما إبراهيم ويوسف إذ يقول إبراهيم * ( لئن لم يهدني ربي
لأكونن من القوم الضالين ) * ويقول يوسف * ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب
إليهن وأكن من الجاهلين ) * وصلى الله على محمد عبده ورسوله إلى جميع الجن والإنس
بالدين القيم بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا .
وبعد : فإن الله عز وجل ركب في النفس الانسانية قوة مختلفة ، فمنها عدل
يزين لها الانصاف ، ويحبب إليها موافقة الحق . قال تعالى : * ( إن الله يأمر بالعدل
والاحسان ) * وقال تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله
ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) * ومنها غضب وشهوة يزينان لها الجور
ويعميانها عن طريق الرشد ، قال تعالى : * ( وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم
فحسبه جهنم ) * وقال تعالى : * ( كل حزب بما لديهم فرحون ) * فالفاضل يسر لمعرفته
بمقدار ما منحه الله تعالى ، والجاهل يسر لما لا يدري حقيقة وجهه ولما فيه وباله


بسم الله الرحمن الرحيم قال الفقيه الإمام أبو محمد ، على بن أحمد ، رحمة الله عليه ورضوانه :
الحمد لله الذي أمتن علينا بنعم عامة وخاصة ، فعم النوع الآدمي بأن أرسل إليهم مقدمة المؤلف قال الفقيه الإمام أبو محمد ، علي بن أحمد ، رحمة الله عليه ورضوانه :
الحمد لله الذي أمتن علينا بنعم عامة وخاصة ، فعم النوع الآدمي بأن أرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة ، وخص من شاء منهم بأن وفقه للحق وهداه له ، ويسره لفهمه ، وسدده لاختياره ، وسهل عليه سبيله ، وخذل منهم من شاء ، فطبع على قلبه ، ووعر عليه طريق الحق ، ووفق قوما في سبيل ما ، ومنعهم التوفيق في سبيل أخرى ، كما قال عز وجل : ( من يشأ لله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم . ولا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) دون أن يجبر مريد حق على إرادته ، أو يقسر قاصد باطل على قصده ، أو يحول بين أحد وبين ما دعاه تعالى إليه ، أو ندبه إليه ، لكن كما قال عز وجل : * ( حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ، فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم ) * وكما قال تعالى : ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ) وقال تعالى ( وكذلك زينا لكل أمة عملهم ) وكما قال النبيان الفاضلان صلى الله عليهما إبراهيم ويوسف إذ يقول إبراهيم * ( لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ) * ويقول يوسف * ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) * وصلى الله على محمد عبده ورسوله إلى جميع الجن والإنس بالدين القيم بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا .
وبعد : فإن الله عز وجل ركب في النفس الانسانية قوة مختلفة ، فمنها عدل يزين لها الانصاف ، ويحبب إليها موافقة الحق . قال تعالى : * ( إن الله يأمر بالعدل والاحسان ) * وقال تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) * ومنها غضب وشهوة يزينان لها الجور ويعميانها عن طريق الرشد ، قال تعالى : * ( وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ) * وقال تعالى : * ( كل حزب بما لديهم فرحون ) * فالفاضل يسر لمعرفته بمقدار ما منحه الله تعالى ، والجاهل يسر لما لا يدري حقيقة وجهه ولما فيه وباله

5



في أخراه وهلاكه في معاده .
ومنها فهم يليح لها الحق من قريب ، وينير لها في ظلمات المشكلات فترى به
الصواب ظاهرا جليا . ومنها جهل يطمس عليها الطرق ، ويساوي عندها بين السبل ،
فتبقى النفس في حيرة تتردد ، وفي ريب تتلدد ، ويهجم بها على أحد الطرق المجانبة
للحق المنكبة عن الصواب تهورا وإقداما أو جبنا أو إحجاما ، أو إلفا وسوء
اختيار ، قال تعالى : * ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) * وقال تعالى :
* ( انما يخشى الله من عباده العلماء ) * .
ومنها قوة التمييز التي سماها الأوائل المنطق ، فجعل لها خالقها بهذه القوة سبيلا
إلى فهم خطابه عز وجل ، وإلى معرفة الأشياء ما هي عليه ، وإلى إمكان التفهم
الذي به ترتقي درجة الفهم ويتخلص من ظلمة الجهل ، فيها تكون معرفة الحق
من الباطل . قال تعالى : ( فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه
أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) .
ومنها قوة العقل التي تعين النفس المميزة على نصر العدل ، وعلى إيثار ما دلت
عليه صحة الفهم ، وعلى اعتقاد ذلك علما ، وعلى إظهار باللسان وحركات الجسم فعلا ،
وبهذه القوة التي هي العقل تتأيد النفس الموفقة لطاعته على كراهية الحود عن الحق ،
وعلى رفض ما قاد إليه الجهل والشهوة ، والغضب المولد للعصبية ، وحمية الجاهلية ،
فمن اتبع ما أناره له العقل الصحيح نجا وفاز ، ومن عاج عنه هلك وربما أهلك
قال تعالى : * ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) *
. قال أبو محمد علي : أراد بذلك العقل ، وأما المضغة المسماة قلبا فهي لكل أحد
متذكر ، وغير متذكر ، ولكن لما لم ينتفع غير العاقل بقلبه صار كمن لا قلب له ،
قال تعالى ، شاهدا لما قلنا : * ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها )
وقال بعض السلف الصالح : ترى الرجل لبيبا داهيا فطنا ولا عقل له فالعاقل من
أطاع الله عز وجل .
قال أبو محمد علي : هذه كلمة جامعة كافية ، لان طاعة الله عز وجل ، هي جماع


في أخراه وهلاكه في معاده .
ومنها فهم يليح لها الحق من قريب ، وينير لها في ظلمات المشكلات فترى به الصواب ظاهرا جليا . ومنها جهل يطمس عليها الطرق ، ويساوي عندها بين السبل ، فتبقى النفس في حيرة تتردد ، وفي ريب تتلدد ، ويهجم بها على أحد الطرق المجانبة للحق المنكبة عن الصواب تهورا وإقداما أو جبنا أو إحجاما ، أو إلفا وسوء اختيار ، قال تعالى : * ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) * وقال تعالى :
* ( انما يخشى الله من عباده العلماء ) * .
ومنها قوة التمييز التي سماها الأوائل المنطق ، فجعل لها خالقها بهذه القوة سبيلا إلى فهم خطابه عز وجل ، وإلى معرفة الأشياء ما هي عليه ، وإلى إمكان التفهم الذي به ترتقي درجة الفهم ويتخلص من ظلمة الجهل ، فيها تكون معرفة الحق من الباطل . قال تعالى : ( فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) .
ومنها قوة العقل التي تعين النفس المميزة على نصر العدل ، وعلى إيثار ما دلت عليه صحة الفهم ، وعلى اعتقاد ذلك علما ، وعلى إظهار باللسان وحركات الجسم فعلا ، وبهذه القوة التي هي العقل تتأيد النفس الموفقة لطاعته على كراهية الحود عن الحق ، وعلى رفض ما قاد إليه الجهل والشهوة ، والغضب المولد للعصبية ، وحمية الجاهلية ، فمن اتبع ما أناره له العقل الصحيح نجا وفاز ، ومن عاج عنه هلك وربما أهلك قال تعالى : * ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) * . قال أبو محمد علي : أراد بذلك العقل ، وأما المضغة المسماة قلبا فهي لكل أحد متذكر ، وغير متذكر ، ولكن لما لم ينتفع غير العاقل بقلبه صار كمن لا قلب له ، قال تعالى ، شاهدا لما قلنا : * ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) وقال بعض السلف الصالح : ترى الرجل لبيبا داهيا فطنا ولا عقل له فالعاقل من أطاع الله عز وجل .
قال أبو محمد علي : هذه كلمة جامعة كافية ، لان طاعة الله عز وجل ، هي جماع

6



الفضائل واجتناب الرذائل ، وهي السيرة الفاضلة على الحقيقة التي تخيرها لنا واهب
النعم ، لا إله إلا هو ، فلا فضيلة إلا اتباع ما أمر الله عز وجل به ، أو حض عليه ،
ولا رذيلة إلا ارتكاب ما نهى الله تعالى عنه أو نزه منه ، وأما الكيس في أمور
الدنيا لا يبالي المرء ما وفق في استجلاب حظه فيها ، من علو صوت ، أو عرض
جاه ، أو نمو مال ، أو نيل لذة من طاعة أو معصية ، فليس ذلك عقلا ، بل هو سخف
وحمق ونقص شديد وسوء اختيار ، وقائد إلى الهلاك في دار الخلود .
وقد شهد ربنا تعالى أن متاع الدنيا غرور ، وقد علمنا أن تارك الحق ومتبع
الغرور سخيف الاختيار ، ضعيف العقل ، فاسد التمييز وبرهان ذلك أن كل تمييز
في إنسان بان به عن البهائم ، فهو يشهد أن اختيار الشئ القليل في عدده ، الضعيف
في منفعته ، المشوب بالآلام والمكاره ، الفاني بسرعة ، على الكثير في عدده
العظيم في منفعته ، الخالص من الكدر والمضار ، الخالد أبدا ، حمق شديد وعدم
للعقل البتة . ولو أن امرأ خير في دنياه بين سكناه مائة عام في قصر أنيق ، واسع
ذي بساتين وأنهار ورياض وأشجار ، ونواوير وأزهار ، وخدم وعبيد وأمن فاش
وملك ظاهر ، ومال عريض ، إلا أن في طريقه إلى ذلك مشي يوم كامل في طريق
فيها بعض الحزونة لا كلها ، وبين أن يمشي ذلك اليوم في طريق فيها مروج حسنة ،
وفي خلالها مهالك ومخاوف وظلال طيبة ، وفي أثنائها أهوال ومتالف ، ثم يفضي
عند تمام ذلك اليوم إلى دار ضيقة ، ومجلس ضنك ذي نكد وشقاء وخوف وفقر
وإقلال ، فيسكنها مائة عام ، فاختار هذه الدار الحرجة لسرور يوم ممزوج بشوائب
البلاء ، يلقاه في طريقه نحوها لكان عند كل من سمع خبره ذا آفة شديدة
في تمييزه ، وفاسد العقل جدا ، ظاهر الحمق ردئ الاختيار ، مذموما مدحورا ملوما .
وهذه حال من آثر عاجل دنياه على آجل أخراه . فكيف بمن اختار فانيا عن
قريب على ما لا يتناهى أبدا . اللهم إلا أن يكون شاكا في منقلبه ، متحيرا
في مصيره ، فتلك أسوأ بل هي التي لا شوى لها ، نعوذ بالله من الخذلان ،
ونسأله التوفيق والعصمة بمنه آمين .


الفضائل واجتناب الرذائل ، وهي السيرة الفاضلة على الحقيقة التي تخيرها لنا واهب النعم ، لا إله إلا هو ، فلا فضيلة إلا اتباع ما أمر الله عز وجل به ، أو حض عليه ، ولا رذيلة إلا ارتكاب ما نهى الله تعالى عنه أو نزه منه ، وأما الكيس في أمور الدنيا لا يبالي المرء ما وفق في استجلاب حظه فيها ، من علو صوت ، أو عرض جاه ، أو نمو مال ، أو نيل لذة من طاعة أو معصية ، فليس ذلك عقلا ، بل هو سخف وحمق ونقص شديد وسوء اختيار ، وقائد إلى الهلاك في دار الخلود .
وقد شهد ربنا تعالى أن متاع الدنيا غرور ، وقد علمنا أن تارك الحق ومتبع الغرور سخيف الاختيار ، ضعيف العقل ، فاسد التمييز وبرهان ذلك أن كل تمييز في إنسان بان به عن البهائم ، فهو يشهد أن اختيار الشئ القليل في عدده ، الضعيف في منفعته ، المشوب بالآلام والمكاره ، الفاني بسرعة ، على الكثير في عدده العظيم في منفعته ، الخالص من الكدر والمضار ، الخالد أبدا ، حمق شديد وعدم للعقل البتة . ولو أن امرأ خير في دنياه بين سكناه مائة عام في قصر أنيق ، واسع ذي بساتين وأنهار ورياض وأشجار ، ونواوير وأزهار ، وخدم وعبيد وأمن فاش وملك ظاهر ، ومال عريض ، إلا أن في طريقه إلى ذلك مشي يوم كامل في طريق فيها بعض الحزونة لا كلها ، وبين أن يمشي ذلك اليوم في طريق فيها مروج حسنة ، وفي خلالها مهالك ومخاوف وظلال طيبة ، وفي أثنائها أهوال ومتالف ، ثم يفضي عند تمام ذلك اليوم إلى دار ضيقة ، ومجلس ضنك ذي نكد وشقاء وخوف وفقر وإقلال ، فيسكنها مائة عام ، فاختار هذه الدار الحرجة لسرور يوم ممزوج بشوائب البلاء ، يلقاه في طريقه نحوها لكان عند كل من سمع خبره ذا آفة شديدة في تمييزه ، وفاسد العقل جدا ، ظاهر الحمق ردئ الاختيار ، مذموما مدحورا ملوما .
وهذه حال من آثر عاجل دنياه على آجل أخراه . فكيف بمن اختار فانيا عن قريب على ما لا يتناهى أبدا . اللهم إلا أن يكون شاكا في منقلبه ، متحيرا في مصيره ، فتلك أسوأ بل هي التي لا شوى لها ، نعوذ بالله من الخذلان ، ونسأله التوفيق والعصمة بمنه آمين .

7


وكل ما قلنا فلم نقله جزافا ، بل لم نقل كلمة في ذلك كله إلا مما قاله الله تعالى
شاهدا بصحته ، وميزه العقل ، عالما بحقيقته ، والحمد لله رب العالمين . وإن الله
عز وجل ابتلى الأمم السالفة بأنبياء ابتعثهم إلى قومهم خاصة ، فمؤمن وكافر ، فريق
في الجنة وفريق في السعير . ثم إنه تعالى بعث نبيه المختار ، وعبده المنتخب من
جميع ولد آدم ، محمدا صلى الله عليه وسلم الهاشمي المكي ، إلى جميع خلقه من
الجن والإنس ، فنسخ بملته جميع الملل ، وختم به الرسل ، وخصه بهذه الكرامة
وسوده على جميع أنبيائه ، واتخذ صفيا ونجيا وخليلا ورسولا فلا نبي
بعده ، ولا شريعة بعد شريعته إلى انقضاء الدنيا .
وإذ قد تيقنا أن الدنيا ليست دار قرار ، ولكنها دار ابتلاء واختبار ومجاز إلى
دار الخلود ، وصح بذلك أنه لا فائدة في الدنيا وفي الكون فيها إلا العلم بما امر به
عز وجل وتعليمه أهل الجهل والعمل بموجب ذلك ، وإن ما عدا هذا مما يتنافس
فيه الناس من بعد الصوت ، غرور ، وأن كل ما تشره إليه النفوس الجاهلة
من غرض خسيس ، خطأ ، إلا ما قصد به إظهار العدل وقمع الزور ، والحكم
بأمر الله تعالى وبأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإحياء سنن الحق ،
وإماتة طوالع الجور .
وإن ما تميل إليه النفوس الخسيسة من اللذات بمناظر مألوفة متغيرة عما
قليل ، وأصوات مستحسنة ، متقضية بهبوب الرياح ، ومشام مستطرفة ، منحلة
بعيد ساعات ، ومذاوق مستعذبة ، مستحلية في أقرب مدة أقبح استحالة ، وملابس
معجبة ، متبدلة في أيسر زمان تبدلا موحشا ، باطلا .
وإن كل ما يشغل به أهل فساد التمييز من كسب المال المنتقل عما قريب
فضول ، إلا ما أقام القوت وأمسك الرمق ، وأنفق في وجوه البر الموصلة إلى
الفوز في دار البقاء ، كان أفضل ما عاناه المرء العاقل بيان ما يرجو به هدى أهل
نوعه ، وإنقاذهم من حيرة الشك وظلمة الباطل ، وإخراجهم إلى بيان الحق ونور


وكل ما قلنا فلم نقله جزافا ، بل لم نقل كلمة في ذلك كله إلا مما قاله الله تعالى شاهدا بصحته ، وميزه العقل ، عالما بحقيقته ، والحمد لله رب العالمين . وإن الله عز وجل ابتلى الأمم السالفة بأنبياء ابتعثهم إلى قومهم خاصة ، فمؤمن وكافر ، فريق في الجنة وفريق في السعير . ثم إنه تعالى بعث نبيه المختار ، وعبده المنتخب من جميع ولد آدم ، محمدا صلى الله عليه وسلم الهاشمي المكي ، إلى جميع خلقه من الجن والإنس ، فنسخ بملته جميع الملل ، وختم به الرسل ، وخصه بهذه الكرامة وسوده على جميع أنبيائه ، واتخذ صفيا ونجيا وخليلا ورسولا فلا نبي بعده ، ولا شريعة بعد شريعته إلى انقضاء الدنيا .
وإذ قد تيقنا أن الدنيا ليست دار قرار ، ولكنها دار ابتلاء واختبار ومجاز إلى دار الخلود ، وصح بذلك أنه لا فائدة في الدنيا وفي الكون فيها إلا العلم بما امر به عز وجل وتعليمه أهل الجهل والعمل بموجب ذلك ، وإن ما عدا هذا مما يتنافس فيه الناس من بعد الصوت ، غرور ، وأن كل ما تشره إليه النفوس الجاهلة من غرض خسيس ، خطأ ، إلا ما قصد به إظهار العدل وقمع الزور ، والحكم بأمر الله تعالى وبأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإحياء سنن الحق ، وإماتة طوالع الجور .
وإن ما تميل إليه النفوس الخسيسة من اللذات بمناظر مألوفة متغيرة عما قليل ، وأصوات مستحسنة ، متقضية بهبوب الرياح ، ومشام مستطرفة ، منحلة بعيد ساعات ، ومذاوق مستعذبة ، مستحلية في أقرب مدة أقبح استحالة ، وملابس معجبة ، متبدلة في أيسر زمان تبدلا موحشا ، باطلا .
وإن كل ما يشغل به أهل فساد التمييز من كسب المال المنتقل عما قريب فضول ، إلا ما أقام القوت وأمسك الرمق ، وأنفق في وجوه البر الموصلة إلى الفوز في دار البقاء ، كان أفضل ما عاناه المرء العاقل بيان ما يرجو به هدى أهل نوعه ، وإنقاذهم من حيرة الشك وظلمة الباطل ، وإخراجهم إلى بيان الحق ونور

8


اليقين . فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من هدى الله به رجلا واحدا
فهو خير له من حمر النعم . وأخبر عليه السلام أن من سن سنة خير في الاسلام ،
كان له مثل أجر كل عمل بها ، لا ينتقص ذلك من أجورهم شيئا . وغبط من
تعلم الحكمة وعلمها .
فنظرنا بعون الله خالقنا تعالى لنا في هذه الطريق الفاضلة التي هي ثمرة بقائنا
في هذه الدنيا فوجدناها على وجوه كثيرة : فمن أوكدها وأحسنها مغبة ، بيان الدين
واعتقاده والعمل به الذي ألزمنا إياه خالقنا عز وجل على لسان رسوله
صلى الله عليه وسلم ، وشرح الجمل التي تجمع أصناف أحكامه ، والعبارات الواردة فيه ،
فإن بمعرفة العقدة من عقد تلك الجمل يلوح الحق في ألوف من المسائل غلط فيها
ألوف من الناس . فإثم من قلدهم إثمين : إثم التقليد ، وإثم الخطأ . ونقصت أجور
من اتبعهم مجتهدا من كفلين إلى كفل واحد .
ومن وفقه الله تعالى لبيان ما يتضاعف فيه أجر المعتقد والعامل بما عضده
البرهان فقد عرضه لخير كثير ، وامتن عليه بتزايد الاجر ، وهو في التراب رميم .
وذلك حظ لا يزهد فيه إلا محروم ، فكتبنا كتابنا المرسوم بكتاب التقريب ،
وتكلمنا فيه على كيفية الاستدلال جملة ، وأنواع البرهان الذي به يستبين الحق من
الباطل في كل مطلوب ، وخلصناها مما يظن أنه برهان وليس ببرهان ، وبينا كل
ذلك بيانا سهلا لا إشكال فيه ، ورجونا بذلك الاجر من الله عز وجل ، فكان
ذلك الكتاب أصلا لمعرفة علامات الحق من الباطل ، وكتبنا أيضا كتابنا المرسوم
بالفصل ، فبينا فيه صواب ما اختلف الناس فيه من الملل والنحل بالبراهين التي
أثبتنا جملها في كتاب التقريب . ولم ندع بتوفيق الله عز وجل لنا للشك في شئ
من ذلك مساغا ، والحمد لله كثيرا .
ثم جمعنا كتابنا هذا وقصدنا فيه بيان الجمل في مراد الله عز وجل منا فيما
كلفناه من العبادات ، والحكم بين الناس بالبراهين التي أحكمناها في الكتاب
المذكور آنفا . وجعلنا هذا الكتاب بتأييد خالقنا عز وجل لنا ، موعبا للحكم
فيما اختلف فيه الناس من أصول الاحكام في الديانة مستوفى ، مستقصى ، محذوف


اليقين . فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من هدى الله به رجلا واحدا فهو خير له من حمر النعم . وأخبر عليه السلام أن من سن سنة خير في الاسلام ، كان له مثل أجر كل عمل بها ، لا ينتقص ذلك من أجورهم شيئا . وغبط من تعلم الحكمة وعلمها .
فنظرنا بعون الله خالقنا تعالى لنا في هذه الطريق الفاضلة التي هي ثمرة بقائنا في هذه الدنيا فوجدناها على وجوه كثيرة : فمن أوكدها وأحسنها مغبة ، بيان الدين واعتقاده والعمل به الذي ألزمنا إياه خالقنا عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وشرح الجمل التي تجمع أصناف أحكامه ، والعبارات الواردة فيه ، فإن بمعرفة العقدة من عقد تلك الجمل يلوح الحق في ألوف من المسائل غلط فيها ألوف من الناس . فإثم من قلدهم إثمين : إثم التقليد ، وإثم الخطأ . ونقصت أجور من اتبعهم مجتهدا من كفلين إلى كفل واحد .
ومن وفقه الله تعالى لبيان ما يتضاعف فيه أجر المعتقد والعامل بما عضده البرهان فقد عرضه لخير كثير ، وامتن عليه بتزايد الاجر ، وهو في التراب رميم .
وذلك حظ لا يزهد فيه إلا محروم ، فكتبنا كتابنا المرسوم بكتاب التقريب ، وتكلمنا فيه على كيفية الاستدلال جملة ، وأنواع البرهان الذي به يستبين الحق من الباطل في كل مطلوب ، وخلصناها مما يظن أنه برهان وليس ببرهان ، وبينا كل ذلك بيانا سهلا لا إشكال فيه ، ورجونا بذلك الاجر من الله عز وجل ، فكان ذلك الكتاب أصلا لمعرفة علامات الحق من الباطل ، وكتبنا أيضا كتابنا المرسوم بالفصل ، فبينا فيه صواب ما اختلف الناس فيه من الملل والنحل بالبراهين التي أثبتنا جملها في كتاب التقريب . ولم ندع بتوفيق الله عز وجل لنا للشك في شئ من ذلك مساغا ، والحمد لله كثيرا .
ثم جمعنا كتابنا هذا وقصدنا فيه بيان الجمل في مراد الله عز وجل منا فيما كلفناه من العبادات ، والحكم بين الناس بالبراهين التي أحكمناها في الكتاب المذكور آنفا . وجعلنا هذا الكتاب بتأييد خالقنا عز وجل لنا ، موعبا للحكم فيما اختلف فيه الناس من أصول الاحكام في الديانة مستوفى ، مستقصى ، محذوف

9


الفضول ، محكم الفصول ، راجين أن ينفعنا الله عز وجل به يوم فقرنا إلى ما يثقل
به ميزاننا من الحسنات ، وأن ينفع به تعالى من يشاء من خلقه ، فيضرب لنا في
ذلك بقسط ، ويتفضل علينا منه بحظ ، فهو الذي لا يخيب رجاء من قصده بأمله
وهو القادر على كل شئ : لا إله إلا هو .
وهذا حين نبدأ في ذلك بحول الله وقوته فنقول وبالله تعالى التوفيق :
إنه لما صح أن العالم مخلوق ، وأن له خالقا لم يزل عز وجل ، وصح أنه ابتعث
رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ، ليتخلص من أطاعه من
أطباق النيران المحيطة بنا إلى الجنة المعدة لأوليائه عز وجل ، وليكب من عصاه
في النار الحامية ، وصح أنه ألزمنا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم شرائع من
أوامر ونواه وإباحات باستعمال تلك الشرائع ، يوصل إلى الفوز ، وينجي من
الهلاك ، وصح أنه أودع تلك الشرائع في الكلام الذي أمره به رسوله الله
صلى الله عليه وسلم بتبليغه إلينا ، وسماه قرآنا ، وفي الكلام الذي أنطق به رسوله
صلى الله عليه وسلم وسماه وحيا غير قرآن ، وألزمنا في كل ذلك طاعة نبيه عليه السلام ،
لزمنا تتبع تلك الشرائع في هذين الكلامين لنتخلص بذلك من العذاب ، ونحصل
على السلامة والحظوة في دار الخلود ، ووجدناه تعالى قد ألزمنا ذلك بقوله في
كتابه المنزل : * ( وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم
طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) *
فوجب علينا أن ننفر لما استنفرنا له خالقنا عز وجل ، فوجدناه قد قال في القرآن
الذي قد ثبت أنه من قبله عز وجل ، والذي أودعه عهوده إلينا اللازمة لنا : * ( يا أيها
الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في
شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
. قال أبو محمد : فنظرنا في هذه الآية فوجدناها جامعة لكل ما تكلم الناس فيه
أولهم عن آخرهم ، مما أجمعوا عليه واختلفوا فيه الاحكام والعبادات التي
شرعها الله عز وجل ، لا يشذ عنها شئ من ذلك ، فكان كتابنا هذا كله في بيان
العمل بهذه الآية وكيفيته وبيان الطاعتين المأمور بهما لله تعالى ولرسوله عليه السلام


الفضول ، محكم الفصول ، راجين أن ينفعنا الله عز وجل به يوم فقرنا إلى ما يثقل به ميزاننا من الحسنات ، وأن ينفع به تعالى من يشاء من خلقه ، فيضرب لنا في ذلك بقسط ، ويتفضل علينا منه بحظ ، فهو الذي لا يخيب رجاء من قصده بأمله وهو القادر على كل شئ : لا إله إلا هو .
وهذا حين نبدأ في ذلك بحول الله وقوته فنقول وبالله تعالى التوفيق :
إنه لما صح أن العالم مخلوق ، وأن له خالقا لم يزل عز وجل ، وصح أنه ابتعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ، ليتخلص من أطاعه من أطباق النيران المحيطة بنا إلى الجنة المعدة لأوليائه عز وجل ، وليكب من عصاه في النار الحامية ، وصح أنه ألزمنا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم شرائع من أوامر ونواه وإباحات باستعمال تلك الشرائع ، يوصل إلى الفوز ، وينجي من الهلاك ، وصح أنه أودع تلك الشرائع في الكلام الذي أمره به رسوله الله صلى الله عليه وسلم بتبليغه إلينا ، وسماه قرآنا ، وفي الكلام الذي أنطق به رسوله صلى الله عليه وسلم وسماه وحيا غير قرآن ، وألزمنا في كل ذلك طاعة نبيه عليه السلام ، لزمنا تتبع تلك الشرائع في هذين الكلامين لنتخلص بذلك من العذاب ، ونحصل على السلامة والحظوة في دار الخلود ، ووجدناه تعالى قد ألزمنا ذلك بقوله في كتابه المنزل : * ( وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) * فوجب علينا أن ننفر لما استنفرنا له خالقنا عز وجل ، فوجدناه قد قال في القرآن الذي قد ثبت أنه من قبله عز وجل ، والذي أودعه عهوده إلينا اللازمة لنا : * ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . قال أبو محمد : فنظرنا في هذه الآية فوجدناها جامعة لكل ما تكلم الناس فيه أولهم عن آخرهم ، مما أجمعوا عليه واختلفوا فيه الاحكام والعبادات التي شرعها الله عز وجل ، لا يشذ عنها شئ من ذلك ، فكان كتابنا هذا كله في بيان العمل بهذه الآية وكيفيته وبيان الطاعتين المأمور بهما لله تعالى ولرسوله عليه السلام

10

لا يتم تسجيل الدخول!