إسم الكتاب : العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط.ق ) ( عدد الصفحات : 101)


< فهرس الموضوعات >
الكلام في الأوامر
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
فصل في ذكر حقيقة الأمر
< / فهرس الموضوعات >
فصل في ذكر حقيقة الامر وما به بصيرا
امرا الامر عبارة عن قول القايل لمن هو دونه افعل والفعل لا يسمى امرا الا على وجه المجاز والاستعارة
وهو مذهب أكثر المتكلمين والفقهاء وقال قوم هو مشترك بين القول وبين الفعل والذي يدل على


< فهرس الموضوعات > الكلام في الأوامر < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > فصل في ذكر حقيقة الأمر < / فهرس الموضوعات > فصل في ذكر حقيقة الامر وما به بصيرا امرا الامر عبارة عن قول القايل لمن هو دونه افعل والفعل لا يسمى امرا الا على وجه المجاز والاستعارة وهو مذهب أكثر المتكلمين والفقهاء وقال قوم هو مشترك بين القول وبين الفعل والذي يدل على

62


صحة ما ذهبنا إليه ان أهل اللغة قسموا اقسام الكلام قسموا من جملتها قول القايل لمن هو دونه
افعل امرا فينبغي أن يكون ذلك عبارة عنه ولو جاز لمخالف أن يخالف في ذلك لجاز أن يخالف في
ساير ما سموه من اقسام الكلام مثل النهى والتخصيص والتمني والسؤال والخبر وغير ذلك فإذا كان جميع ذلك
صحيحا مسلما فينبغي أن يكون ما ذكرناه مثله وأيضا فإنهم فرقوا في هذه الصيغة بين كونها امرا أو دعاء
ومسألة باعتبار الرتبة بان قالوا إذا كان القايل فوق المقول له سمى امرا وان كان دونه سمى سؤالا
وطلبا ودعاء فلو جاز المخالفة في تسميته امرا جاز المخالفة في تسميته سؤالا وطلبا وذلك لا يقوله أحد
وليس لاحد ان يقول ان تسميتهم لذلك بأنه امر لا خلاف فيه بل هو مسلم وانما الخلاف في أن غيره
هل يسمى بذلك أم لا لان من قال بان هذه الصيغة مشتركة بين القول والفعل يسلم صحة ذلك ويقول
انها تستعمل في الفصل أيضا لأنا ندل على فساد هذه الدعوى فيما بعد انشاء الله تعالى والذي يدل على ما قلناه
من ان هذه الصيغة حقيقة في القول دون الفعل اطرادها في القول ووقوفها في الفعل لأنه ليس
كل فعل يسمى امرا قولا الا ترى انه لا يسمى الاكل والشرب والقيام والقعود بأنه امر وانما يقال لجملة أحوال
الانسان انه امر فيقال امره مستقيم وأمره مضطرب فاما تفاصيل الافعال فلا توصف بذلك وليس
كل القول لان كذلك قول يحصل لمن هو دونه لهذه الصيغة يسمى امرا فعلمنا بذلك انه حقيقة فيما قلناه
ومجاز فيما ذكروه وأيضا فان هذه اللفظة لها اشتقاق لأنها يشتق منها اسم الفاعل فيقال امر واسم المأمور
وفعل الماضي والمستقبل وكل ذلك لا يتأتى في الفعل فعلم بذلك انها مجاز في الفعل وحقيقة في القول
فاما من تعلق بالاستعمال في كون هذه الصيغة مشتركة وقال وجدت هذه اللفظة قد استعملت في الفعل
كما استعملت في القول فينبغي أن تكون حقيقة فيهما وقد قال الله تعالى وما أمرنا الا واحدة كلمح بالبصر وقال
وما امر فرعون برشيد وغير ذلك من المواضع فان الجواب عنه قد يق ان ذلك مجاز وليس نفس الاستعمال
دلالة على الحقيقة لان المجاز أيضا مستعمل كالحقيقة ونحن نبين ذلك فيما بعد وإذا لم يكن ذلك والا على
الحقيقة بطل التعلق به وقد أبطلنا أن يكون ذلك على وجه الحقيقة بما ذكرناه من الأدلة واما قوله تعالى
وأمرنا الا واحدة كلمح بالبصر وقوله وما امر فرعون برشيد فقد قيل فيه وجهان أحدهما انه لا نسلم
ان ذلك عبارة عن الفعل بل لا يمتنع أن يكون أراد بذلك امره الذي هو قوله وامر فرعون الذي
هو قوله ولا يطعن على هذا الوجه مساواة افعاله في هذا الوصف وفي كونها كلمح بالبصر في سرعة يأتيها


صحة ما ذهبنا إليه ان أهل اللغة قسموا اقسام الكلام قسموا من جملتها قول القايل لمن هو دونه افعل امرا فينبغي أن يكون ذلك عبارة عنه ولو جاز لمخالف أن يخالف في ذلك لجاز أن يخالف في ساير ما سموه من اقسام الكلام مثل النهى والتخصيص والتمني والسؤال والخبر وغير ذلك فإذا كان جميع ذلك صحيحا مسلما فينبغي أن يكون ما ذكرناه مثله وأيضا فإنهم فرقوا في هذه الصيغة بين كونها امرا أو دعاء ومسألة باعتبار الرتبة بان قالوا إذا كان القايل فوق المقول له سمى امرا وان كان دونه سمى سؤالا وطلبا ودعاء فلو جاز المخالفة في تسميته امرا جاز المخالفة في تسميته سؤالا وطلبا وذلك لا يقوله أحد وليس لاحد ان يقول ان تسميتهم لذلك بأنه امر لا خلاف فيه بل هو مسلم وانما الخلاف في أن غيره هل يسمى بذلك أم لا لان من قال بان هذه الصيغة مشتركة بين القول والفعل يسلم صحة ذلك ويقول انها تستعمل في الفصل أيضا لأنا ندل على فساد هذه الدعوى فيما بعد انشاء الله تعالى والذي يدل على ما قلناه من ان هذه الصيغة حقيقة في القول دون الفعل اطرادها في القول ووقوفها في الفعل لأنه ليس كل فعل يسمى امرا قولا الا ترى انه لا يسمى الاكل والشرب والقيام والقعود بأنه امر وانما يقال لجملة أحوال الانسان انه امر فيقال امره مستقيم وأمره مضطرب فاما تفاصيل الافعال فلا توصف بذلك وليس كل القول لان كذلك قول يحصل لمن هو دونه لهذه الصيغة يسمى امرا فعلمنا بذلك انه حقيقة فيما قلناه ومجاز فيما ذكروه وأيضا فان هذه اللفظة لها اشتقاق لأنها يشتق منها اسم الفاعل فيقال امر واسم المأمور وفعل الماضي والمستقبل وكل ذلك لا يتأتى في الفعل فعلم بذلك انها مجاز في الفعل وحقيقة في القول فاما من تعلق بالاستعمال في كون هذه الصيغة مشتركة وقال وجدت هذه اللفظة قد استعملت في الفعل كما استعملت في القول فينبغي أن تكون حقيقة فيهما وقد قال الله تعالى وما أمرنا الا واحدة كلمح بالبصر وقال وما امر فرعون برشيد وغير ذلك من المواضع فان الجواب عنه قد يق ان ذلك مجاز وليس نفس الاستعمال دلالة على الحقيقة لان المجاز أيضا مستعمل كالحقيقة ونحن نبين ذلك فيما بعد وإذا لم يكن ذلك والا على الحقيقة بطل التعلق به وقد أبطلنا أن يكون ذلك على وجه الحقيقة بما ذكرناه من الأدلة واما قوله تعالى وأمرنا الا واحدة كلمح بالبصر وقوله وما امر فرعون برشيد فقد قيل فيه وجهان أحدهما انه لا نسلم ان ذلك عبارة عن الفعل بل لا يمتنع أن يكون أراد بذلك امره الذي هو قوله وامر فرعون الذي هو قوله ولا يطعن على هذا الوجه مساواة افعاله في هذا الوصف وفي كونها كلمح بالبصر في سرعة يأتيها

63


منه لان ذلك يعلم بدليل اخر بخبر اخر وكذلك يعلم بشئ اخر ان افعال فرعون مثل أقواله في كونها
غير رشيده فلا يمكن التعلق بذلك والوجه الاخر ان ذلك مجاز لما دللنا عليه من قبل فاما من تعلق
في ذلك بان أهل اللغة جمعوا الامر الذي هو من قبيل الأقوال أوامر وجمعوا الامر الذي هو من قبيل الافعال
أمورا فينبغي أن يكون ذلك دلالة على كونها مشتركة فيهما فقوله يبطل لأنه يقال له الصحيح ان الامر لا
يجمع أوامر أصلا وانما يجمع أمور مثل فلس وفلوس وزرع وزروع وغير ذلك فاما أوامر فخارج عن
القياس فان سمع ذلك فإنه يكون على انه جمع الجمع وكأنه جمع أولا أمورا ثم جمع أمور أوامر وعلى هذا
لا يدل على مخالفتهم عن ذلك لاختلاف المعنيين وإذا ثبت ما قلناه لا يمكن التعلق بقوله تعالى
فليحذر الذين يخالفون عن امره في وجوب اتباع أفعاله لان ذلك غير داخل فيه على وجه الحقيقة وكونها
مرادة على وجه المجاز يحتاج إلى دليل غير الظاهر فبطل التعلق به على كل حال واعلم ان هذه الصيغة
التي هي قول القايل افعل وضعها أهل اللغة استدعا الفعل وخالفوا بين معانيها باعتبار الرتبة
فسموها إذا كان القايل فوق القول له امرا وإذا كان دونه سؤالا وطلبا ودعاء ومتى استعملوها
في غير استدعاء الفعل في التهديد نحو قوله تعالى واستفزز من استطعت وقوله اعملوا ما شئتم وفي الإباحة
نحو قوله وإذا حللتم فاصطادوا ونحو قوله فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وفي التحدي نحو قوله
فأتوا بعشر سور مفتريات مثله وفي تكوين الشئ نحو قوله كونوا قردة خاسئين وما أشبه ذلك من الوجوه
كانت مجازا خارجة عن باب ما وضعت له وهذا مذهب كثير من الفقهاء والمتكلمين وقال جماعة
من الفريقين ان هذه الصيغة مشتركة بين جميع ذلك حقيقة فيه وانما يختص ببعضها بالقصد فإذا
أراد المأمور ( الفعل خ ل ) به كان امرا وسؤالا بحسب الرتبة وان كره الفعل كان ذلك نهيا وتهديدا والذي يدل
على صحة ما ذهبنا إليه ان أهل اللغة فرقوا بين صيغة الامر وصيغة النهى وصيغة الخبر فقالوا صيغة الامر
قول القائل لمن هو دونه افعل وصيغة النهى قول القائل لمن هو دونه لا تفعل والجملة ( والخبر مركبة خ ل ) مركبة من مبتدأ
وخبر ومن فعل وفاعل نحو قولهم زيد في الدار ونحو قام زيد ولو كان الامر على ما قالوه لما كان لفرقهم
بين هذه الصيغ معنى وقد علمنا انهم فرقوا وانما قلنا ذلك لأنه إذا كان الاعتبار بإرادة المأمور
على قولهم فلو صادف ذلك قول القايل لا تفعل لكان امرا وكذلك لو صادف كراهة ذلك لقوله افعل
لكان نهيا وهذا يؤدى إلى انه لا فرق بين هذه الصيغ والمعلوم من حال أهل اللغة خلاف ذلك


منه لان ذلك يعلم بدليل اخر بخبر اخر وكذلك يعلم بشئ اخر ان افعال فرعون مثل أقواله في كونها غير رشيده فلا يمكن التعلق بذلك والوجه الاخر ان ذلك مجاز لما دللنا عليه من قبل فاما من تعلق في ذلك بان أهل اللغة جمعوا الامر الذي هو من قبيل الأقوال أوامر وجمعوا الامر الذي هو من قبيل الافعال أمورا فينبغي أن يكون ذلك دلالة على كونها مشتركة فيهما فقوله يبطل لأنه يقال له الصحيح ان الامر لا يجمع أوامر أصلا وانما يجمع أمور مثل فلس وفلوس وزرع وزروع وغير ذلك فاما أوامر فخارج عن القياس فان سمع ذلك فإنه يكون على انه جمع الجمع وكأنه جمع أولا أمورا ثم جمع أمور أوامر وعلى هذا لا يدل على مخالفتهم عن ذلك لاختلاف المعنيين وإذا ثبت ما قلناه لا يمكن التعلق بقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن امره في وجوب اتباع أفعاله لان ذلك غير داخل فيه على وجه الحقيقة وكونها مرادة على وجه المجاز يحتاج إلى دليل غير الظاهر فبطل التعلق به على كل حال واعلم ان هذه الصيغة التي هي قول القايل افعل وضعها أهل اللغة استدعا الفعل وخالفوا بين معانيها باعتبار الرتبة فسموها إذا كان القايل فوق القول له امرا وإذا كان دونه سؤالا وطلبا ودعاء ومتى استعملوها في غير استدعاء الفعل في التهديد نحو قوله تعالى واستفزز من استطعت وقوله اعملوا ما شئتم وفي الإباحة نحو قوله وإذا حللتم فاصطادوا ونحو قوله فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وفي التحدي نحو قوله فأتوا بعشر سور مفتريات مثله وفي تكوين الشئ نحو قوله كونوا قردة خاسئين وما أشبه ذلك من الوجوه كانت مجازا خارجة عن باب ما وضعت له وهذا مذهب كثير من الفقهاء والمتكلمين وقال جماعة من الفريقين ان هذه الصيغة مشتركة بين جميع ذلك حقيقة فيه وانما يختص ببعضها بالقصد فإذا أراد المأمور ( الفعل خ ل ) به كان امرا وسؤالا بحسب الرتبة وان كره الفعل كان ذلك نهيا وتهديدا والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه ان أهل اللغة فرقوا بين صيغة الامر وصيغة النهى وصيغة الخبر فقالوا صيغة الامر قول القائل لمن هو دونه افعل وصيغة النهى قول القائل لمن هو دونه لا تفعل والجملة ( والخبر مركبة خ ل ) مركبة من مبتدأ وخبر ومن فعل وفاعل نحو قولهم زيد في الدار ونحو قام زيد ولو كان الامر على ما قالوه لما كان لفرقهم بين هذه الصيغ معنى وقد علمنا انهم فرقوا وانما قلنا ذلك لأنه إذا كان الاعتبار بإرادة المأمور على قولهم فلو صادف ذلك قول القايل لا تفعل لكان امرا وكذلك لو صادف كراهة ذلك لقوله افعل لكان نهيا وهذا يؤدى إلى انه لا فرق بين هذه الصيغ والمعلوم من حال أهل اللغة خلاف ذلك

64


ولا يلزمنا مثل ذلك بان يقال أليس قد استعمل صيغة الخبر في الامر نحو قوله تعالى من دخله كان امنا ونحو قوله
والمطلقات يتربصن بأنفسهن وما أشبه ذلك وكذلك قد استعمل صيغة الامر في النهى وغيره من الاقسام
نحو الإباحة والتهديد والتكوين وغير ذلك لأنا نقول انما استعملوا ذلك على وجه المجاز دون الحقيقة
فان قبل ظاهر استعمالهم يدل على انه حقيقة في الموضعين قيل له لا ( نم ) ان نفس الاستعمال يدل على
الحقيقة لان المجاز أيضا مستعمل وانما يعلم كون اللفظ حقيقة بان ينصوا لنا على انها حقيقة أو نجد
اللفظة تطرد في كل موضع أو غير ذلك من الاقسام التي قدمنا ذكرها فيما مضى للفرق بين الحقيقة والمجاز
وليس مجرد الاستعمال من ذلك وليس لهم أن يقولوا ان المجاز طار والحقيقة هي الأصل بدلالة انه يجوز
أن يكون حقيقة لا مجاز لها ولا يجوز أن يكون مجاز لا حقيقة له فعلم بذلك ان أصل الاستعمال الحقيقة
وذلك ان الذي ذكروه غير مسلم لأنه لا يمتنع أن يكون الواصفون للغة وضعوا اللفظة ونصوا على انها
إذا استعملت في شئ بعينه كانت حقيقة ومتى استعملوها في غيره كانت مجازا وان لم يقع استعمال
اللفظ في واحد من المعنيين ثم يطرء على الوضع الاستعمال فربما استعملوها أولا في الحقيقة وربما استعملوها
أولا في المجاز وانما كان يتم ذلك ان لو جعلوا الاستعمال نفسه طريقا إلى معرفة الحقيقة فيجعل ما ابتدى
استعمال حقيقة وقد بينا انا لا نقول ذلك فان قيل أليس القائل إذا قيل لغيره أريد منك أن تفعل
كذا ناب ذلك مناب قوله افعل فينبغي أن يكون معناهما واحدا قيل له نحن لا نمنع أن يكون لاستدعاء
الفعل لفظة أخرى لأنا ادعينا انه لا لفظة يستدعى بها الفعل الا قول القايل افعل بل الذي
ادعيناه ان هذه اللفظة يستدعى بها الفعل وان شاركها غيرها في فايدة هذه اللفظة الا أنه
متى قال أريد ان يفعل كذا لا يسمى امرا بل يكون مخبرا والخبر غير الامر وليس لهم أن يقولوا ان السؤال أيضا
لا يسمى امرا وهؤلاء استدعاء الفعل على ما قررتموه لأنا قد بينا ان معناهما واحد وانما فرقوا بينهما
في التسمية لشئ يرجع إلى اعتبار الرتبة وليس يمكن مثل فعل ذلك في صيغة الخبر لأنهم فرقوا بينها وبين
صيغة في أصل الوضع دون اعتبار امر اخر فان قيل أليس القائل إذا قال لغيره أريد ان تفعل كذا
وكان دون المقول له يسمى سائلا فينبغي إذا قال ذلك وهو فوقه أن يسمى امرا قيل له هذا اثبات
بالقياس وذلك لا يجوز لأنه ليس إذا كان للسؤال لفظتان تطلق على مستعملهما لفظ السائل ينبغي
أن يكون حكم الامر مثل ذلك ولو جاز ذلك لأدى إلى بطلان ما بيناه من اعتبار أهل اللغة الفرق


ولا يلزمنا مثل ذلك بان يقال أليس قد استعمل صيغة الخبر في الامر نحو قوله تعالى من دخله كان امنا ونحو قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن وما أشبه ذلك وكذلك قد استعمل صيغة الامر في النهى وغيره من الاقسام نحو الإباحة والتهديد والتكوين وغير ذلك لأنا نقول انما استعملوا ذلك على وجه المجاز دون الحقيقة فان قبل ظاهر استعمالهم يدل على انه حقيقة في الموضعين قيل له لا ( نم ) ان نفس الاستعمال يدل على الحقيقة لان المجاز أيضا مستعمل وانما يعلم كون اللفظ حقيقة بان ينصوا لنا على انها حقيقة أو نجد اللفظة تطرد في كل موضع أو غير ذلك من الاقسام التي قدمنا ذكرها فيما مضى للفرق بين الحقيقة والمجاز وليس مجرد الاستعمال من ذلك وليس لهم أن يقولوا ان المجاز طار والحقيقة هي الأصل بدلالة انه يجوز أن يكون حقيقة لا مجاز لها ولا يجوز أن يكون مجاز لا حقيقة له فعلم بذلك ان أصل الاستعمال الحقيقة وذلك ان الذي ذكروه غير مسلم لأنه لا يمتنع أن يكون الواصفون للغة وضعوا اللفظة ونصوا على انها إذا استعملت في شئ بعينه كانت حقيقة ومتى استعملوها في غيره كانت مجازا وان لم يقع استعمال اللفظ في واحد من المعنيين ثم يطرء على الوضع الاستعمال فربما استعملوها أولا في الحقيقة وربما استعملوها أولا في المجاز وانما كان يتم ذلك ان لو جعلوا الاستعمال نفسه طريقا إلى معرفة الحقيقة فيجعل ما ابتدى استعمال حقيقة وقد بينا انا لا نقول ذلك فان قيل أليس القائل إذا قيل لغيره أريد منك أن تفعل كذا ناب ذلك مناب قوله افعل فينبغي أن يكون معناهما واحدا قيل له نحن لا نمنع أن يكون لاستدعاء الفعل لفظة أخرى لأنا ادعينا انه لا لفظة يستدعى بها الفعل الا قول القايل افعل بل الذي ادعيناه ان هذه اللفظة يستدعى بها الفعل وان شاركها غيرها في فايدة هذه اللفظة الا أنه متى قال أريد ان يفعل كذا لا يسمى امرا بل يكون مخبرا والخبر غير الامر وليس لهم أن يقولوا ان السؤال أيضا لا يسمى امرا وهؤلاء استدعاء الفعل على ما قررتموه لأنا قد بينا ان معناهما واحد وانما فرقوا بينهما في التسمية لشئ يرجع إلى اعتبار الرتبة وليس يمكن مثل فعل ذلك في صيغة الخبر لأنهم فرقوا بينها وبين صيغة في أصل الوضع دون اعتبار امر اخر فان قيل أليس القائل إذا قال لغيره أريد ان تفعل كذا وكان دون المقول له يسمى سائلا فينبغي إذا قال ذلك وهو فوقه أن يسمى امرا قيل له هذا اثبات بالقياس وذلك لا يجوز لأنه ليس إذا كان للسؤال لفظتان تطلق على مستعملهما لفظ السائل ينبغي أن يكون حكم الامر مثل ذلك ولو جاز ذلك لأدى إلى بطلان ما بيناه من اعتبار أهل اللغة الفرق

65


بين هذه الصيغ ولو لزم ذلك للزم أن يسمى الإشارة امرا لان المشير قد يشير بما يفهم منه استدعاء الفعل
ويسمى سائلا ولا يقول أحد انه امر على حال فان قيل فلو لم يحتج في كونه امرا إلى إرادة المأمور به جاز ان
يكون كارها له وقد علمنا استحالة ذلك قيل له ان أردت بأنه إذا استدعى الفعل لا يجوز أن
يكون كارها له بمعنى ان ذلك مستحيل فليس الامر كذلك بل ذلك يمكن وان أردت ان ذلك لا يحسن
فهو مسلم لأنه متى استدعى الفعل وكان كارها له كان مناقضا لغرضه وان فرضنا ان الامر حكيم
يدل على حسن المأمور به فلو كرهه لكان مقبحا وذلك لا يجوز على الحكيم فلأجل ذلك لا يجوز ومتى فرض
فيمن ليس بحكيم فان جميع ذلك جايز غير مستحيل واما حملهم ذلك على النهى بان قالوا لما كان من شرط
النهى أن يكون كارها للمنتهى عنه وجب في الامر أن يكون مريدا للمأمور به فالجواب عنه ان الكلام في النهي
كالكلام في الامر في ان ذلك ليس بمستحيل ولا يخل بكونه نهيا وانما يقبح لان من نهى عن فعل وكان
حكيما دل نهيه على قبح المنهى فلأجل ذلك وجب أن يكون كارها له ولم يحسن منه ان يريده لان إرادة
القبيح قبيحة ومتى فرض فيمن ليس بحكيم فان ذلك جايز فان قيل فبأي شئ يدخل في أن يكون
مستعملا لما وضعه أهل اللغة حقيقة دون المجاز قلنا بأن يقصد إلى استعماله فيما وضعوه وأطلق
القول فإنه إذا كان حكيما فانا نعلم انه نعلم امر لأنه لو أراد غير ما وضع له على وجه التجوز لبينه
فمتى لم يفرق به البيان دل على انه أراد ما وضع له حقيقة ومتى لم نعرف ان القائل حكيم لا نفهم
مراده الا بقرينة أو يضطر إلى قصده لأنه يجوز أن يكون أراد غير ما وضع له وان لم يبين ذلك
في الحال لان القبيح غير مأمون منه فاما الكلام في القصد وهل هو من قبيل الاعتقادات أو هو
جنس مفرد فليس هذا موضع ذكره وبيان الصحيح منه ولا يمكن أن يدعى ان الامر أمر بجنسه لأنا نجد
من جنسه ما ليس بأمر ما هو في مثل صورته فان ادعى ان ذلك غير ما هو موضوع للامر كان ذلك فاسدا
من وجهين أحدهما انهما يشتبهان على الحاسة فلا يفصل على السامع بينهما من جهة الادراك الا ترى
ان السامع لا يفصل بين قوله أقيموا الصلاة وبين قوله اعملوا ما شئتم من حيث الادراك وان كان
أحدهما امرا والاخر تهديدا والوجه الثاني ان ذلك يبطل التوسع والمجاز لان معنى المجاز أن يستعمل
اللفظة الموضوعة لشئ في غير ما وضعت له فمتى قيل ان هذه اللفظة ليست تلك بطل هذا الاعتبار
ولا يمكن أيضا ان يقال انه يكون امرا لأنه خطاب ولا انه علم الامر ما امر به ولا انه بصورته لان جميع


بين هذه الصيغ ولو لزم ذلك للزم أن يسمى الإشارة امرا لان المشير قد يشير بما يفهم منه استدعاء الفعل ويسمى سائلا ولا يقول أحد انه امر على حال فان قيل فلو لم يحتج في كونه امرا إلى إرادة المأمور به جاز ان يكون كارها له وقد علمنا استحالة ذلك قيل له ان أردت بأنه إذا استدعى الفعل لا يجوز أن يكون كارها له بمعنى ان ذلك مستحيل فليس الامر كذلك بل ذلك يمكن وان أردت ان ذلك لا يحسن فهو مسلم لأنه متى استدعى الفعل وكان كارها له كان مناقضا لغرضه وان فرضنا ان الامر حكيم يدل على حسن المأمور به فلو كرهه لكان مقبحا وذلك لا يجوز على الحكيم فلأجل ذلك لا يجوز ومتى فرض فيمن ليس بحكيم فان جميع ذلك جايز غير مستحيل واما حملهم ذلك على النهى بان قالوا لما كان من شرط النهى أن يكون كارها للمنتهى عنه وجب في الامر أن يكون مريدا للمأمور به فالجواب عنه ان الكلام في النهي كالكلام في الامر في ان ذلك ليس بمستحيل ولا يخل بكونه نهيا وانما يقبح لان من نهى عن فعل وكان حكيما دل نهيه على قبح المنهى فلأجل ذلك وجب أن يكون كارها له ولم يحسن منه ان يريده لان إرادة القبيح قبيحة ومتى فرض فيمن ليس بحكيم فان ذلك جايز فان قيل فبأي شئ يدخل في أن يكون مستعملا لما وضعه أهل اللغة حقيقة دون المجاز قلنا بأن يقصد إلى استعماله فيما وضعوه وأطلق القول فإنه إذا كان حكيما فانا نعلم انه نعلم امر لأنه لو أراد غير ما وضع له على وجه التجوز لبينه فمتى لم يفرق به البيان دل على انه أراد ما وضع له حقيقة ومتى لم نعرف ان القائل حكيم لا نفهم مراده الا بقرينة أو يضطر إلى قصده لأنه يجوز أن يكون أراد غير ما وضع له وان لم يبين ذلك في الحال لان القبيح غير مأمون منه فاما الكلام في القصد وهل هو من قبيل الاعتقادات أو هو جنس مفرد فليس هذا موضع ذكره وبيان الصحيح منه ولا يمكن أن يدعى ان الامر أمر بجنسه لأنا نجد من جنسه ما ليس بأمر ما هو في مثل صورته فان ادعى ان ذلك غير ما هو موضوع للامر كان ذلك فاسدا من وجهين أحدهما انهما يشتبهان على الحاسة فلا يفصل على السامع بينهما من جهة الادراك الا ترى ان السامع لا يفصل بين قوله أقيموا الصلاة وبين قوله اعملوا ما شئتم من حيث الادراك وان كان أحدهما امرا والاخر تهديدا والوجه الثاني ان ذلك يبطل التوسع والمجاز لان معنى المجاز أن يستعمل اللفظة الموضوعة لشئ في غير ما وضعت له فمتى قيل ان هذه اللفظة ليست تلك بطل هذا الاعتبار ولا يمكن أيضا ان يقال انه يكون امرا لأنه خطاب ولا انه علم الامر ما امر به ولا انه بصورته لان جميع

66



ذلك ( يكون خ ل ) يثبت فيما ليس بأمر فبطل اعتبار جميع ذلك فصل في ذكر مقتضى الامر هل هو الوجوب أو الندب
أو الوقف والخلاف فيه ذهب أكثر المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وقوم من الفقهاء ان الامر لا يقتضي
الايجاب وانما يقتضى ان الآمر أراد المأمور به ثم ينظر فيه فان كان حكيما علم ان المأمور به حسن وليس بقبيح
وان كان قديما علم ان له صفة زائدة على الحسن وهي صفة الندب لان المباح لا يجوز أن يريده الله تعالى
وان كان الامر غير حكيم لا يعلم بأمره حسن الفعل أصلا لأنه يجوز أن يريد القبيح والحسن جميعا وذهب
قوم من المتكلمين وجل الفقهاء إلى ان الامر يقتضى الايجاب وذهب كثير من المتكلمين إلى الوقف في
ذلك وقالوا لا نعلم بظاهر اللفظ أحد الامرين ويحتاج في العلم بأحدهما إلى دليل وهو الذي اختاره
سيدنا المرتضى قدس الله روحه غير انه وان قال ذلك بمقتضى اللغة فإنه يقول انه استقر في
الشرع أوامر الله تعالى وأوامر الرسول صلى الله عليه وآله وأوامر الأئمة عليهم السلام على الوجوب والذي يقوى في نفسي ان الامر
يقتضى الايجاز لغة وشرعا ويحتاج أن ينظر في حكم الامر فان كان حكيما علم ان له صفة الوجوب
وان لم يكن حكيما لم يعلم بأمره صفة الفعل لأنه يجوز أن يوجب ما هو قبيح وما هو واجب وما ليس
بواجب والا قبيح فظاهر امره لا يدل على أحدهما والذي يدل على ذلك انى وجدت العقلاء بأسرهم
يوجهون الذم إلى العبد إذا خالف امر سيده ويوبخونه على ذلك فلولا انهم علموا ان الامر يقتضى الايجاب
فما جاز منهم ذمة ( ذمه ) على حال لأنه ان كان مقتضيا للندب فلا يستحق تاركه الذم وان مشتركا احتاج
إلى بيان المراد فلا يستحق الذم إذا تركه وخالفه وفي علمنا بذلك دليل على صحة ما اخترناه وليس
لاحد ان يقول ان تعلق ذم العقلاء للعبد بقرينة تنضاف إلى الامر عقل منها الايجاب فلأجل
ذلك ذموه لان ذلك يفسد من وجهين أحدهما ان العقلاء إذا ذموه علقوا الذم بمخالفة الامر دون غيره
حتى إذا استفسروا عن ذلك ( عينوا خ ل ) عللوا عليه وقالوا لأنه خالف امر مولاه والثاني انه لو كان الامر على ذلك
لوجب أن لا يذمه الا من عرف تلك القرينة وفي علمنا بذمهم له وان لم يعلموا امرا اخر أكثر من مخالفته
للامر دليل على تعليق الذم بذلك حسب ما قلناه فاما قول من قال انه يقتضى إرادة المأمور به فحسب
فقد بينا في الفصل الأول ان الامر لا يدل على إرادة المأمور به من حيث كان امرا وانما دل لامر اخر غير
مطلق الامر فسقط الاعتراض بذلك ولا يمكن ان يدعى الاشتراك من حيث وجدت أوامر كثيرة مستعملة
في الندب لان ذلك انما يكون كذلك على ضرب من المجاز وقد بينا ان الاستعمال ليس به لأنه على الحقيقة


ذلك ( يكون خ ل ) يثبت فيما ليس بأمر فبطل اعتبار جميع ذلك فصل في ذكر مقتضى الامر هل هو الوجوب أو الندب أو الوقف والخلاف فيه ذهب أكثر المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وقوم من الفقهاء ان الامر لا يقتضي الايجاب وانما يقتضى ان الآمر أراد المأمور به ثم ينظر فيه فان كان حكيما علم ان المأمور به حسن وليس بقبيح وان كان قديما علم ان له صفة زائدة على الحسن وهي صفة الندب لان المباح لا يجوز أن يريده الله تعالى وان كان الامر غير حكيم لا يعلم بأمره حسن الفعل أصلا لأنه يجوز أن يريد القبيح والحسن جميعا وذهب قوم من المتكلمين وجل الفقهاء إلى ان الامر يقتضى الايجاب وذهب كثير من المتكلمين إلى الوقف في ذلك وقالوا لا نعلم بظاهر اللفظ أحد الامرين ويحتاج في العلم بأحدهما إلى دليل وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى قدس الله روحه غير انه وان قال ذلك بمقتضى اللغة فإنه يقول انه استقر في الشرع أوامر الله تعالى وأوامر الرسول صلى الله عليه وآله وأوامر الأئمة عليهم السلام على الوجوب والذي يقوى في نفسي ان الامر يقتضى الايجاز لغة وشرعا ويحتاج أن ينظر في حكم الامر فان كان حكيما علم ان له صفة الوجوب وان لم يكن حكيما لم يعلم بأمره صفة الفعل لأنه يجوز أن يوجب ما هو قبيح وما هو واجب وما ليس بواجب والا قبيح فظاهر امره لا يدل على أحدهما والذي يدل على ذلك انى وجدت العقلاء بأسرهم يوجهون الذم إلى العبد إذا خالف امر سيده ويوبخونه على ذلك فلولا انهم علموا ان الامر يقتضى الايجاب فما جاز منهم ذمة ( ذمه ) على حال لأنه ان كان مقتضيا للندب فلا يستحق تاركه الذم وان مشتركا احتاج إلى بيان المراد فلا يستحق الذم إذا تركه وخالفه وفي علمنا بذلك دليل على صحة ما اخترناه وليس لاحد ان يقول ان تعلق ذم العقلاء للعبد بقرينة تنضاف إلى الامر عقل منها الايجاب فلأجل ذلك ذموه لان ذلك يفسد من وجهين أحدهما ان العقلاء إذا ذموه علقوا الذم بمخالفة الامر دون غيره حتى إذا استفسروا عن ذلك ( عينوا خ ل ) عللوا عليه وقالوا لأنه خالف امر مولاه والثاني انه لو كان الامر على ذلك لوجب أن لا يذمه الا من عرف تلك القرينة وفي علمنا بذمهم له وان لم يعلموا امرا اخر أكثر من مخالفته للامر دليل على تعليق الذم بذلك حسب ما قلناه فاما قول من قال انه يقتضى إرادة المأمور به فحسب فقد بينا في الفصل الأول ان الامر لا يدل على إرادة المأمور به من حيث كان امرا وانما دل لامر اخر غير مطلق الامر فسقط الاعتراض بذلك ولا يمكن ان يدعى الاشتراك من حيث وجدت أوامر كثيرة مستعملة في الندب لان ذلك انما يكون كذلك على ضرب من المجاز وقد بينا ان الاستعمال ليس به لأنه على الحقيقة

67


لأنه حاصل في الحقيقة والمجاز فان قيل ما أنكرتم على من قال انهم عقلوا هناك قرينة لأجلها ذموا
العبد إذا خالف سيده وذلك انه إذا امره بمنافع نفسه فان فوتها يضربه فلابد أن يكون موجبا
عليه وإذا امره بمنافع يعود إلى العبد ولا يستقر هو بفوتها لم يدل على ذلك ولا يذمونه متى خالف قيل
له هذا يسقط بالوجهين الذين قدمناهما أحدهما انهم علقوا الذم بمخالفة الاخر دون غيره وكان
ينبغي على ما اقتضى هذا السؤال أن يعلقوا الذم بدخول الغرم على السيد وفوت المنفعة وقد علمنا
خلاف ذلك والاخر انه يلزمه من لا يعلم ان السيد يستضر بمخالفته وانه ينتفع بامتثاله فلو كان
الامر على ما قيل لما جاز ان يذمه الا من عرف ذلك وقد علمنا خلاف ذلك على انا لا نم ذلك لان السيد
قد لا يستقر بمخالفة عبده ويستحق العبد مع ذلك الذم إذا خالفه الا ترى إلى من قال لغلامه
اسقني الماء فلم يسقه وكان هناك غلامه آخر فسقاه فان العقلاء يذمون العبد المخالف وان كان
السيد لم يدخل عليه ضرر لأنه قد بلغ غرضه ومراده فلو كان لما قالوه لما حسن ذلك على حال وكذلك
يذمونه وان خالف منافع يرجع إلى العبد الا ترى انه لو قال اغسل ثيابك وادخل الحمام وكل
الخبز وما أشبه ذلك فلم يفعل يحسن منه أن يؤدبه على ذلك ويذمه فلولا ان ذلك كان يجب عليه
والا لم يحسن ذلك وليس لهم ان يقولوا انهم إذا خالفه فيما عددتموه عاد بالضرر عليه فلأجل ذلك حسن
ذمه وذلك انه ان كان الامر على ما قالوه سقط فرقهم بذلك بين منافع يخصه وبين منافع يرجع إلى
السيد لأنهم راموا بذلك ان يفضلوا بين ان يستحق الذم بمخالفة امر سيده لمنافع تعود إليه وبين منافع
ترجع إلى العبد وعلى هذا الفرض لا فصل بينهما لان في كلا الحالين يعود إلى الضرر بالمخالفة على السيد
فبطل الفصل ومن سوى بينهما كان الجواب عنه ما تقدم ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى مخاطبا
لإبليس ما منعك الا تسجد إذ أمرتك فقرعه على مخالفته الامر فلولا ان امره كان يقتضى الايجاب والا لم
يستحق التوبيخ وليس لهم ان يقولوا انه انما ذمه لأنه كان قد دله على ان ما امره به واجب بقرينة
اقترنت إلى الخطاب لان الذي ذكروه مخالف للظاهر لان الله تعالى انما علق ذمه بمخالفة الامر دون القرينة
فمن ادعى قرينة احتاج إلى دلالة وليس لهم أن يقولوا ان قوله ما منعك الا تسجد ليس بتوبيخ وانما
هو تقرير على الذي حمله على مخالفه الامر وذلك ان هذا خلاف الاجماع لأنه لا خلاف بين الأمة
في ان هذا القول ذم لإبليس فمن قال ليس كذلك سقط قوله ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى فليحذر


لأنه حاصل في الحقيقة والمجاز فان قيل ما أنكرتم على من قال انهم عقلوا هناك قرينة لأجلها ذموا العبد إذا خالف سيده وذلك انه إذا امره بمنافع نفسه فان فوتها يضربه فلابد أن يكون موجبا عليه وإذا امره بمنافع يعود إلى العبد ولا يستقر هو بفوتها لم يدل على ذلك ولا يذمونه متى خالف قيل له هذا يسقط بالوجهين الذين قدمناهما أحدهما انهم علقوا الذم بمخالفة الاخر دون غيره وكان ينبغي على ما اقتضى هذا السؤال أن يعلقوا الذم بدخول الغرم على السيد وفوت المنفعة وقد علمنا خلاف ذلك والاخر انه يلزمه من لا يعلم ان السيد يستضر بمخالفته وانه ينتفع بامتثاله فلو كان الامر على ما قيل لما جاز ان يذمه الا من عرف ذلك وقد علمنا خلاف ذلك على انا لا نم ذلك لان السيد قد لا يستقر بمخالفة عبده ويستحق العبد مع ذلك الذم إذا خالفه الا ترى إلى من قال لغلامه اسقني الماء فلم يسقه وكان هناك غلامه آخر فسقاه فان العقلاء يذمون العبد المخالف وان كان السيد لم يدخل عليه ضرر لأنه قد بلغ غرضه ومراده فلو كان لما قالوه لما حسن ذلك على حال وكذلك يذمونه وان خالف منافع يرجع إلى العبد الا ترى انه لو قال اغسل ثيابك وادخل الحمام وكل الخبز وما أشبه ذلك فلم يفعل يحسن منه أن يؤدبه على ذلك ويذمه فلولا ان ذلك كان يجب عليه والا لم يحسن ذلك وليس لهم ان يقولوا انهم إذا خالفه فيما عددتموه عاد بالضرر عليه فلأجل ذلك حسن ذمه وذلك انه ان كان الامر على ما قالوه سقط فرقهم بذلك بين منافع يخصه وبين منافع يرجع إلى السيد لأنهم راموا بذلك ان يفضلوا بين ان يستحق الذم بمخالفة امر سيده لمنافع تعود إليه وبين منافع ترجع إلى العبد وعلى هذا الفرض لا فصل بينهما لان في كلا الحالين يعود إلى الضرر بالمخالفة على السيد فبطل الفصل ومن سوى بينهما كان الجواب عنه ما تقدم ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى مخاطبا لإبليس ما منعك الا تسجد إذ أمرتك فقرعه على مخالفته الامر فلولا ان امره كان يقتضى الايجاب والا لم يستحق التوبيخ وليس لهم ان يقولوا انه انما ذمه لأنه كان قد دله على ان ما امره به واجب بقرينة اقترنت إلى الخطاب لان الذي ذكروه مخالف للظاهر لان الله تعالى انما علق ذمه بمخالفة الامر دون القرينة فمن ادعى قرينة احتاج إلى دلالة وليس لهم أن يقولوا ان قوله ما منعك الا تسجد ليس بتوبيخ وانما هو تقرير على الذي حمله على مخالفه الامر وذلك ان هذا خلاف الاجماع لأنه لا خلاف بين الأمة في ان هذا القول ذم لإبليس فمن قال ليس كذلك سقط قوله ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى فليحذر

68


الذين يخالفون عن امره فحذرنا من مخالفة أوامر الرسول فلولا انها كانت مقتضية للايجاب والا
لم يجب الحذر من مخالفته فان قالوا المخالفة ليس هو ان لا يفعل ما اقتضاه الامر بل المخالفة هو رد
القول وان يق ليس كذلك لان الذي ذكروه ضرب من المخالفة وقد يكون المخالفة ترك المأمور به
الا ترى ان القايل إذا قال لغيره قم واقعد فمضى وقام يق انه خالفه وان لم يرد قوله عليه كما انه
إذا أرده عليه وقال ليس الامر على ذلك يق انه خالفه بكل واحد من الامرين مخالفة ونحن نحمل
الآية عليهما جميعا وليس لهم ان يقولوا ان قوله فليحذر الذين قرينة تدل على ان امره على الوجوب
دون أن يكون ذلك بمقتضى اللغة لأنه متى لم يكن الامر مقتضيا للايجاب لم يحسن التحذير من مخالفته
الا ترى انه لا يحسن ان يحذرنا من مخالفه ما ندبنا إليه لما لم يكن لها صفة الوجوب ويحسن ذلك
فيما يوجبه علينا فعلم بذلك ان التحذير انما يحسن إذا كان الامر مقتضيا للايجاب ويدل أيضا على صحة
ما ذهبنا إليه ما روى ان النبي قال لبريرة ارجعي إلى زوجك فإنه أبو ولدك وله عليك حق
فقالت يا رسول الله أتأمرني ( بذلك ) قال لا وانما انا شافع فعدل عن الامر إلى الشفاعة فلولا انه كان يقتضي
الايجاب والا لم يكن فرق بينه وبين الشفاعة لان شفاعة النبي مرغب في اجابتها فعلم بذلك ان
امره كان يقتضى فلأجل ذلك لم يأمرها لأنه أراد ترغيبها في ذلك ولم يرد الايجاب ويمكن أن يعتمد في
ان الامر يقتضى الايجاب على ان يقال ان الاحتياط يقتضى ذلك لأنه متى امتثل المأمور به فان كان
مقتضاه الندب فقد فعله على كل حال وان كان مشتركا فقد امن الذم والعقاب من مخالفته لو كان
واجبا وان كان واجبا فقد امتثل المأمور به فالاحتياط يوجب عليه ذلك على المذاهب كلها الا ان
هذا وان أمكن فإنما يمكن أن يق يحجب عليه ان يفعل المأمور به ولا يعتقد فيه ان له صفة الوجوب
لأنه ان اعتقد ذلك وهو لا يامن أن لا يكون كذلك يكون اعتقاده جهلا وانما يسلم له ذلك إذا خلا
من اعتقاد في المأمور به واقتصر على نفس الفعل فإذا فعل ذلك كان ذلك معتمدا ويدل أيضا على صحة ما
ذهبنا إليه رجوع المسلمين بأجمعهم من عهد النبي ( ع ) إلى زماننا هذا في وجوب الافعال واحتجاجهم في ذلك
إلى أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وآله فلولا انهما يقتضيان الايجاب والا لم يجز ذلك وكان للمحتج عليه ان يقول
واي شئ في ذلك فما يقتضى الايجاب في الامر لا يقتضى الايجاب في علمنا باجماعهم على ذلك دليل على صحة
ما قلناه وليس لاحد ان يقول انهم عقلوا ذلك بقرينة دلتهم على ذلك لان هذا دعوى محضة ومن ادعى


الذين يخالفون عن امره فحذرنا من مخالفة أوامر الرسول فلولا انها كانت مقتضية للايجاب والا لم يجب الحذر من مخالفته فان قالوا المخالفة ليس هو ان لا يفعل ما اقتضاه الامر بل المخالفة هو رد القول وان يق ليس كذلك لان الذي ذكروه ضرب من المخالفة وقد يكون المخالفة ترك المأمور به الا ترى ان القايل إذا قال لغيره قم واقعد فمضى وقام يق انه خالفه وان لم يرد قوله عليه كما انه إذا أرده عليه وقال ليس الامر على ذلك يق انه خالفه بكل واحد من الامرين مخالفة ونحن نحمل الآية عليهما جميعا وليس لهم ان يقولوا ان قوله فليحذر الذين قرينة تدل على ان امره على الوجوب دون أن يكون ذلك بمقتضى اللغة لأنه متى لم يكن الامر مقتضيا للايجاب لم يحسن التحذير من مخالفته الا ترى انه لا يحسن ان يحذرنا من مخالفه ما ندبنا إليه لما لم يكن لها صفة الوجوب ويحسن ذلك فيما يوجبه علينا فعلم بذلك ان التحذير انما يحسن إذا كان الامر مقتضيا للايجاب ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه ما روى ان النبي قال لبريرة ارجعي إلى زوجك فإنه أبو ولدك وله عليك حق فقالت يا رسول الله أتأمرني ( بذلك ) قال لا وانما انا شافع فعدل عن الامر إلى الشفاعة فلولا انه كان يقتضي الايجاب والا لم يكن فرق بينه وبين الشفاعة لان شفاعة النبي مرغب في اجابتها فعلم بذلك ان امره كان يقتضى فلأجل ذلك لم يأمرها لأنه أراد ترغيبها في ذلك ولم يرد الايجاب ويمكن أن يعتمد في ان الامر يقتضى الايجاب على ان يقال ان الاحتياط يقتضى ذلك لأنه متى امتثل المأمور به فان كان مقتضاه الندب فقد فعله على كل حال وان كان مشتركا فقد امن الذم والعقاب من مخالفته لو كان واجبا وان كان واجبا فقد امتثل المأمور به فالاحتياط يوجب عليه ذلك على المذاهب كلها الا ان هذا وان أمكن فإنما يمكن أن يق يحجب عليه ان يفعل المأمور به ولا يعتقد فيه ان له صفة الوجوب لأنه ان اعتقد ذلك وهو لا يامن أن لا يكون كذلك يكون اعتقاده جهلا وانما يسلم له ذلك إذا خلا من اعتقاد في المأمور به واقتصر على نفس الفعل فإذا فعل ذلك كان ذلك معتمدا ويدل أيضا على صحة ما ذهبنا إليه رجوع المسلمين بأجمعهم من عهد النبي ( ع ) إلى زماننا هذا في وجوب الافعال واحتجاجهم في ذلك إلى أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وآله فلولا انهما يقتضيان الايجاب والا لم يجز ذلك وكان للمحتج عليه ان يقول واي شئ في ذلك فما يقتضى الايجاب في الامر لا يقتضى الايجاب في علمنا باجماعهم على ذلك دليل على صحة ما قلناه وليس لاحد ان يقول انهم عقلوا ذلك بقرينة دلتهم على ذلك لان هذا دعوى محضة ومن ادعى

69


القرينة فعليه ان يوردها ولم نر المحتجين بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وآله ذكروها على حال فهذا أيضا طريقة
معتمدة ومن الفقهاء والمتكلمين من استدل على ان الامر يقتضى الايجاب بان قالوا ان الايجاب حكم
معقول فلابد من أن يكون أهل اللغة وضعوا له عبارة لان الحاجة إليه ماسة وليس تجد عبارة
يستعمل في ذلك الا هذه اللفظة فينبغي أن يكون مقيدة للايجاب واعترض على هذا الدليل من خالفهم
بان قالوا هذه محض الاقتراح ولم يجب على أهل اللغة ان يضعوا لذلك عبارة الا انهم قد وضعوا
لكل امر معقول عبارة فان ادعيتم ذلك كان الوجود بخلافه لأنا نعلم ان اختلاف الأذابيح أمور معقولة
ولم يضعوا لكل واحد منها عبارة تخصه كما فعلوا ذلك في الألوان وكذلك لم يضعوا لاختلاف الألوان اسما
كما وضعوا لاختلاف ألوان بأمور كثيره معقولة لم يضعوا لها عبارة فما المنكر من أن يكون حكم الايجاب
ذلك الحكم ولو سلم ذلك وقد وضعوا لذلك وقولهم أوجبت عليك والزمتك إياه أو فرضت عليك
أو متى لم يفعله استحقت الذم والعقاب وهذه عبارات تفيد ما اقترحتموه على ان الندب أيضا معنى معقول
والإباحة معنى معقولة ولم يضعوا لهما عبارة فان قلتم قد وضعوا لهما عبارة وهي قولهم ندبتك إليه
أو أبحتك إياه قيل لكم في الايجاب مثله فان قلتم قولهم أوجبت وألزمت انما هو خير ( خبر ) وليس بأمر
قيل لكم وكذلك قولهم ندبت وأبحت خبر محض وليس بأمر فاستوى القولان فاما الاستدلال بقوله
تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول على ان أمرهما يقتضيان الايجاب فلا يصح الآية تضمنت الامر
بالطاعة لهما والكلام في الامر وقع هل مقتضاه الايجاب أم لا فالاستدلال بها لا يصح فاما
قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك إلى قوله مما قضيت ويسلموا تسليما لا يمكن الاعتماد عليه أيضا
في ان الامر يقتضى الايجاب لان القضاء في الآية بمعنى الالزام وليس بمعنى الامر والالزام هو الايجاب
وكذلك قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا أن يكون لهم الخيرة من امرهم
لا يمكن الاعتماد عليه لان القضاء بمعنى الالزام على ما بيناه على ان من قال ان الامر يقتضى الندب
لا يقول ان لهم الخيرة بل يقول ان الفعل بصفة الندب والأولى فعله والتخيير انما يثبت في المباح
المحض وليس ذلك قولا لاحد وقوله ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا لا يمكن أيضا
الاعتماد عليه والذي قلناه هو الاعتراض على قول من قال لو لم يقتضى الايجاب لما يسمى من
خالفه غاصبا لأنا قد بينا ان العصيان قد يطلق على مخالفة المندوب إليه فاما وصف الله


القرينة فعليه ان يوردها ولم نر المحتجين بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وآله ذكروها على حال فهذا أيضا طريقة معتمدة ومن الفقهاء والمتكلمين من استدل على ان الامر يقتضى الايجاب بان قالوا ان الايجاب حكم معقول فلابد من أن يكون أهل اللغة وضعوا له عبارة لان الحاجة إليه ماسة وليس تجد عبارة يستعمل في ذلك الا هذه اللفظة فينبغي أن يكون مقيدة للايجاب واعترض على هذا الدليل من خالفهم بان قالوا هذه محض الاقتراح ولم يجب على أهل اللغة ان يضعوا لذلك عبارة الا انهم قد وضعوا لكل امر معقول عبارة فان ادعيتم ذلك كان الوجود بخلافه لأنا نعلم ان اختلاف الأذابيح أمور معقولة ولم يضعوا لكل واحد منها عبارة تخصه كما فعلوا ذلك في الألوان وكذلك لم يضعوا لاختلاف الألوان اسما كما وضعوا لاختلاف ألوان بأمور كثيره معقولة لم يضعوا لها عبارة فما المنكر من أن يكون حكم الايجاب ذلك الحكم ولو سلم ذلك وقد وضعوا لذلك وقولهم أوجبت عليك والزمتك إياه أو فرضت عليك أو متى لم يفعله استحقت الذم والعقاب وهذه عبارات تفيد ما اقترحتموه على ان الندب أيضا معنى معقول والإباحة معنى معقولة ولم يضعوا لهما عبارة فان قلتم قد وضعوا لهما عبارة وهي قولهم ندبتك إليه أو أبحتك إياه قيل لكم في الايجاب مثله فان قلتم قولهم أوجبت وألزمت انما هو خير ( خبر ) وليس بأمر قيل لكم وكذلك قولهم ندبت وأبحت خبر محض وليس بأمر فاستوى القولان فاما الاستدلال بقوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول على ان أمرهما يقتضيان الايجاب فلا يصح الآية تضمنت الامر بالطاعة لهما والكلام في الامر وقع هل مقتضاه الايجاب أم لا فالاستدلال بها لا يصح فاما قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك إلى قوله مما قضيت ويسلموا تسليما لا يمكن الاعتماد عليه أيضا في ان الامر يقتضى الايجاب لان القضاء في الآية بمعنى الالزام وليس بمعنى الامر والالزام هو الايجاب وكذلك قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا أن يكون لهم الخيرة من امرهم لا يمكن الاعتماد عليه لان القضاء بمعنى الالزام على ما بيناه على ان من قال ان الامر يقتضى الندب لا يقول ان لهم الخيرة بل يقول ان الفعل بصفة الندب والأولى فعله والتخيير انما يثبت في المباح المحض وليس ذلك قولا لاحد وقوله ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا لا يمكن أيضا الاعتماد عليه والذي قلناه هو الاعتراض على قول من قال لو لم يقتضى الايجاب لما يسمى من خالفه غاصبا لأنا قد بينا ان العصيان قد يطلق على مخالفة المندوب إليه فاما وصف الله

70


تعالى إبليس بالعصيان فإنه علم انه فعل قبيحا بتركه السجود المأمور به وقد دللنا على ان الامر يقتضى الايجاب
فلم يخرج من بابه ومن قال بالندب قال علم ذلك بدليل غير الامر فلا يمكن الاستدلال به فاما من
اعتمد على ان الامر بالشئ نهى عن ضده لفظا أو معنى فلأجل ذلك اقتضى الايجاب فلا يمكن الاعتماد عليه
لان عندنا ليس الامر بالشئ نهيا عن ضده وسنبين ذلك فيما بعده فلا يمكن الاعتماد على ذلك
ولا يمكن أيضا ان يعتمد على ان يقال الامر يدل على ان الامر مريد للمأمور به وإذا كان كذلك فلابد أن يكون
كارها لضده لان ذلك يفسد من وجهين أحدهما انا قد بينا ان الامر لا يقتضى إرادة المأمور به
أصلا فلا يصح ذلك ثم لو اقتضى ذلك لم يجب ان يكون كارها لضده والوجه الثاني ان ذلك
يقتضى أن تكون النوافل واجبة لأنها مرادة وقد علمنا انها ليست مكروهة الضد ولا يمكن أيضا
ان يقال ان نفس الإرادة للشئ كراهية لضده لان ذلك يفسد من وجهين أيضا أحدهما ان الشئ
الواحد لا يجوز أن يكون بصفتين ضدين فكيف يمكن أن يدعى ان لإرادة بصفة الكراهة والثاني ان ذلك
ينتقض بالنوافل لأنها مرادة وليس مكروهة الضد ولم يمكن أيضا ان يعتمد بأن يقال ان الامر يقتضى الأمور
به وليس على جواز تركه دليل لان القايل ان يقول انه لعمري يقتضى المأمور به ولكن الكلام في انه
كيف يقتضيه هل هو على جهة الوجوب أو جهة الندب ولا يمكن أيضا ان يقال ان الامر أراد المأمور به
على جهة الايجاب لان ذلك متى لم يشر به إلى ما قلناه من ان الامر يقتضى الايجاب أو ان يقال انه إذا أراد
المراد فلابد من أن يكون كارها لضده أو اراده الشئ كراهة لضده لا يعقل فان أريد بذلك الوجه الأول
فذلك صحيح وينبغي أن يقتصر على ان يقال ان الامر يقتضى الايجاب ولا يتعرض في العادة وان أريد به ما عدا
ذلك فقد أبطلنا صحة ذلك ولا يلزم القائلين بالندب ان يقال لهم ينبغي على قولكم الا يكون فرق
بين الامر بالنوافل والفرائض لأنهم يقولون ان بمجرد الامر لا فرق بينهما وانما علمنا حكم الفرايض
وانه يستحق بتركها العقاب بدليل غير الامر ولا يلزمهم أيضا ان يقال لهم ينبغي أن يكون الامر لا يدل
على أكثر من حسن المأمور به فقط إذا كان صادر من حكيم ويلزم على ذلك أن يكون الله تعالى مريدا للمباحات
لأنها حسنه لأنهم يقولون المباحات وان كانت حسنة فلا يحس من القديم تعالى ان يريدها في دار
التكليف لان ذلك عبث لا فائدة فيه فالاعتماد على ما قلناه وأحكمناه فصل في حكم الامر
الوارد عقيب الحظر ذهب أكثر الفقهاء ( خ ل ) ومن صنف أصول الفقه إلى ان الامر إذا ورد عقيب الحظر يقتضى


تعالى إبليس بالعصيان فإنه علم انه فعل قبيحا بتركه السجود المأمور به وقد دللنا على ان الامر يقتضى الايجاب فلم يخرج من بابه ومن قال بالندب قال علم ذلك بدليل غير الامر فلا يمكن الاستدلال به فاما من اعتمد على ان الامر بالشئ نهى عن ضده لفظا أو معنى فلأجل ذلك اقتضى الايجاب فلا يمكن الاعتماد عليه لان عندنا ليس الامر بالشئ نهيا عن ضده وسنبين ذلك فيما بعده فلا يمكن الاعتماد على ذلك ولا يمكن أيضا ان يعتمد على ان يقال الامر يدل على ان الامر مريد للمأمور به وإذا كان كذلك فلابد أن يكون كارها لضده لان ذلك يفسد من وجهين أحدهما انا قد بينا ان الامر لا يقتضى إرادة المأمور به أصلا فلا يصح ذلك ثم لو اقتضى ذلك لم يجب ان يكون كارها لضده والوجه الثاني ان ذلك يقتضى أن تكون النوافل واجبة لأنها مرادة وقد علمنا انها ليست مكروهة الضد ولا يمكن أيضا ان يقال ان نفس الإرادة للشئ كراهية لضده لان ذلك يفسد من وجهين أيضا أحدهما ان الشئ الواحد لا يجوز أن يكون بصفتين ضدين فكيف يمكن أن يدعى ان لإرادة بصفة الكراهة والثاني ان ذلك ينتقض بالنوافل لأنها مرادة وليس مكروهة الضد ولم يمكن أيضا ان يعتمد بأن يقال ان الامر يقتضى الأمور به وليس على جواز تركه دليل لان القايل ان يقول انه لعمري يقتضى المأمور به ولكن الكلام في انه كيف يقتضيه هل هو على جهة الوجوب أو جهة الندب ولا يمكن أيضا ان يقال ان الامر أراد المأمور به على جهة الايجاب لان ذلك متى لم يشر به إلى ما قلناه من ان الامر يقتضى الايجاب أو ان يقال انه إذا أراد المراد فلابد من أن يكون كارها لضده أو اراده الشئ كراهة لضده لا يعقل فان أريد بذلك الوجه الأول فذلك صحيح وينبغي أن يقتصر على ان يقال ان الامر يقتضى الايجاب ولا يتعرض في العادة وان أريد به ما عدا ذلك فقد أبطلنا صحة ذلك ولا يلزم القائلين بالندب ان يقال لهم ينبغي على قولكم الا يكون فرق بين الامر بالنوافل والفرائض لأنهم يقولون ان بمجرد الامر لا فرق بينهما وانما علمنا حكم الفرايض وانه يستحق بتركها العقاب بدليل غير الامر ولا يلزمهم أيضا ان يقال لهم ينبغي أن يكون الامر لا يدل على أكثر من حسن المأمور به فقط إذا كان صادر من حكيم ويلزم على ذلك أن يكون الله تعالى مريدا للمباحات لأنها حسنه لأنهم يقولون المباحات وان كانت حسنة فلا يحس من القديم تعالى ان يريدها في دار التكليف لان ذلك عبث لا فائدة فيه فالاعتماد على ما قلناه وأحكمناه فصل في حكم الامر الوارد عقيب الحظر ذهب أكثر الفقهاء ( خ ل ) ومن صنف أصول الفقه إلى ان الامر إذا ورد عقيب الحظر يقتضى

71

لا يتم تسجيل الدخول!