إسم الكتاب : العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط.ج ) ( عدد الصفحات : 408)



فصل - 4
« في ذكر جملة ما يحتاج إلى بيان ، وما لا يحتاج من الأفعال »
الفعل على ضربين :
ضرب منه : يقع على وجه ، من وجوب ، أو ندب ، أو إباحة ، ويعلم وقوعه على ذلك الوجه ، فما يكون كذلك لا يحتاج إلى بيان ليعلم به الوجه الَّذي وقع عليه ، لأنّ ذلك قد حصل العلم به .
والضرب الآخر : أن يعلم مجرّد الفعل ولا يعلم الوجه الَّذي وقع عليه ، ويجوز فيه وقوعه واجبا ، وندبا ، ومباحا على حدّ واحد ، فما يكون كذلك يحتاج إلى بيان يعلم به الوجه الَّذي وقع عليه .
وجرى الفعل في هذا الباب مجرى القول ، لأنّ القول لمّا انقسم إلى قسمين :
قسم أنبأ عن المراد بظاهره وصريحه استغني بذلك عن بيان المراد ، والقسم الآخر لم ينبئ عن المراد على التّعيين ، احتاج في العمل بتعيينه إلى بيان ، فساوى القول الفعل من هذا الوجه على ما بيّناه .
ونحن وإن ذهبنا إلى أنّ الأفعال كلَّها لا بدّ من أن يعرف المراد بها ، ويعرف على أيّ وجه وقعت عليه بدليل ، فذلك لا يمنع من أن يكون حالها ما وصفناه ، كما أنّ الأقوال كلَّها قد علم أنّها تحتاج في معرفة ما وضعت له ، وأنّ الحكيم مريد بها ذلك


فصل - 4 « في ذكر جملة ما يحتاج إلى بيان ، وما لا يحتاج من الأفعال » الفعل على ضربين :
ضرب منه : يقع على وجه ، من وجوب ، أو ندب ، أو إباحة ، ويعلم وقوعه على ذلك الوجه ، فما يكون كذلك لا يحتاج إلى بيان ليعلم به الوجه الَّذي وقع عليه ، لأنّ ذلك قد حصل العلم به .
والضرب الآخر : أن يعلم مجرّد الفعل ولا يعلم الوجه الَّذي وقع عليه ، ويجوز فيه وقوعه واجبا ، وندبا ، ومباحا على حدّ واحد ، فما يكون كذلك يحتاج إلى بيان يعلم به الوجه الَّذي وقع عليه .
وجرى الفعل في هذا الباب مجرى القول ، لأنّ القول لمّا انقسم إلى قسمين :
قسم أنبأ عن المراد بظاهره وصريحه استغني بذلك عن بيان المراد ، والقسم الآخر لم ينبئ عن المراد على التّعيين ، احتاج في العمل بتعيينه إلى بيان ، فساوى القول الفعل من هذا الوجه على ما بيّناه .
ونحن وإن ذهبنا إلى أنّ الأفعال كلَّها لا بدّ من أن يعرف المراد بها ، ويعرف على أيّ وجه وقعت عليه بدليل ، فذلك لا يمنع من أن يكون حالها ما وصفناه ، كما أنّ الأقوال كلَّها قد علم أنّها تحتاج في معرفة ما وضعت له ، وأنّ الحكيم مريد بها ذلك

421


إلى الدّليل ، ومع ذلك انقسمت إلى القسمين اللَّذين ذكرناهما ، فكذلك الفعل ( 1 ) على ما بيّناه .
وإذا ثبت ذلك ، وكان في أفعال النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ما ينبئ بظاهره عن الوجه الَّذي وقع عليه ، فينبغي أن يستغني ذلك عن البيان ، وما كان فيه من أفعاله لا ينبئ بظاهره عن الوجه الَّذي وقع عليه ، احتاج إلى بيان .
ونظير القسم الأوّل أنّه إذا روي أنّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صلَّى صلاة بأذان وإقامة جماعة ، علم بذلك أنّها واجبة ، لأنّ ذلك من شعار كون الصلاة واجبة دون كونها نفلا ، فما يجري هذا المجرى ممّا وضع في الشّرع لشيء مخصوص فلا يقع على غير ذلك الوجه ، فإنّه لا يحتاج إلى بيان .
ومثل ذلك أيضا : إذا شوهد النّبي عليه السّلام ( 2 ) فعل فعلا في الصلاة على طريق العمد ، علم بذلك أنّ ذلك الفعل من الصلاة ، ولذلك قلنا : إنّه لمّا شوهد ركع ركوعين وأكثر من ذلك في ركعة واحدة في صلاة الكسوف علم أنّ ذلك من حكم هذه الصلاة ، ونظائر ذلك كثيرة .
وأمّا ما يقع من أفعاله عليه السّلام على وجه الإجمال ، ولا يعلم الوجه الَّذي وقع عليه ، فنحو أن يرى عليه السّلام ( 3 ) يصلَّي منفردا لنفسه ( 4 ) ، فإنّه يجوز أن تكون تلك الصّلاة واجبة ، ويجوز أن تكون ندبا ، فيقف العلم بوجهها على البيان .
وكذلك إذا قيل : أنّه توضّأ ومسح على رأسه ( 5 ) ، احتمل أنّه فعل ذلك ببقيّة النّداوة ، واحتمل أن يكون بماء جديد ، فإذا قيل أنّه فعل ذلك ببقيّة النّداوة - على ما


إلى الدّليل ، ومع ذلك انقسمت إلى القسمين اللَّذين ذكرناهما ، فكذلك الفعل ( 1 ) على ما بيّناه .
وإذا ثبت ذلك ، وكان في أفعال النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ما ينبئ بظاهره عن الوجه الَّذي وقع عليه ، فينبغي أن يستغني ذلك عن البيان ، وما كان فيه من أفعاله لا ينبئ بظاهره عن الوجه الَّذي وقع عليه ، احتاج إلى بيان .
ونظير القسم الأوّل أنّه إذا روي أنّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم صلَّى صلاة بأذان وإقامة جماعة ، علم بذلك أنّها واجبة ، لأنّ ذلك من شعار كون الصلاة واجبة دون كونها نفلا ، فما يجري هذا المجرى ممّا وضع في الشّرع لشيء مخصوص فلا يقع على غير ذلك الوجه ، فإنّه لا يحتاج إلى بيان .
ومثل ذلك أيضا : إذا شوهد النّبي عليه السّلام ( 2 ) فعل فعلا في الصلاة على طريق العمد ، علم بذلك أنّ ذلك الفعل من الصلاة ، ولذلك قلنا : إنّه لمّا شوهد ركع ركوعين وأكثر من ذلك في ركعة واحدة في صلاة الكسوف علم أنّ ذلك من حكم هذه الصلاة ، ونظائر ذلك كثيرة .
وأمّا ما يقع من أفعاله عليه السّلام على وجه الإجمال ، ولا يعلم الوجه الَّذي وقع عليه ، فنحو أن يرى عليه السّلام ( 3 ) يصلَّي منفردا لنفسه ( 4 ) ، فإنّه يجوز أن تكون تلك الصّلاة واجبة ، ويجوز أن تكون ندبا ، فيقف العلم بوجهها على البيان .
وكذلك إذا قيل : أنّه توضّأ ومسح على رأسه ( 5 ) ، احتمل أنّه فعل ذلك ببقيّة النّداوة ، واحتمل أن يكون بماء جديد ، فإذا قيل أنّه فعل ذلك ببقيّة النّداوة - على ما

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) في الأصل : القول .
( 2 ) صلَّى الله عليه وآله وسلَّم .
( 3 ) صلَّى الله عليه وآله وسلَّم .
( 4 ) بنفسه .
( 5 ) المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية 1 : 21 ح 61 و 62 ، صحيح البخاري : باب 34 أبواب الوضوء ، ح 49 .

( 1 ) في الأصل : القول . ( 2 ) صلَّى الله عليه وآله وسلَّم . ( 3 ) صلَّى الله عليه وآله وسلَّم . ( 4 ) بنفسه . ( 5 ) المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية 1 : 21 ح 61 و 62 ، صحيح البخاري : باب 34 أبواب الوضوء ، ح 49 .

422


نذهب إليه ( 1 ) - ، أو بماء جديد - على ما يذهب إليه المخالف - ، كان ذلك بيانا له ، فينبغي أن يجري ما يرد من الأفعال على القسمين اللَّذين ذكرناهما ، فليس يخرج عنهما شيء من الأفعال .


نذهب إليه ( 1 ) - ، أو بماء جديد - على ما يذهب إليه المخالف - ، كان ذلك بيانا له ، فينبغي أن يجري ما يرد من الأفعال على القسمين اللَّذين ذكرناهما ، فليس يخرج عنهما شيء من الأفعال .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) التّهذيب 1 : 58 .

( 1 ) التّهذيب 1 : 58 .

423



فصل - 5
« في أنّ تخصيص العموم لا يمنع من التّعلَّق بظاهره »
[ 1 ] اختلف العلماء في العموم إذا خصّ :
فذهب عيسى بن أبان البصريّ إلى أنّه متى دخله التّخصيص [ 2 ] صار مجملا فاحتاج إلى بيان ، ولا يصحّ التّعلَّق بظاهره ( 1 ) .


فصل - 5 « في أنّ تخصيص العموم لا يمنع من التّعلَّق بظاهره » [ 1 ] اختلف العلماء في العموم إذا خصّ :
فذهب عيسى بن أبان البصريّ إلى أنّه متى دخله التّخصيص [ 2 ] صار مجملا فاحتاج إلى بيان ، ولا يصحّ التّعلَّق بظاهره ( 1 ) .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) انظر : « التبصرة : 122 ، ميزان الأصول 1 : 422 ، المعتمد 1 : 265 ، شرح اللَّمع 1 : 344 ، الذريعة 1 : 239 .
[ 1 ] إنّ الخلاف بين الأصوليّين في هذه المسألة إنّما هو تفريع على القول بأنّ للعموم صيغة مستغرقة ، وأمّا إذا استعملت الصيغة المستغرقة في الخصوص فإنّه لا ترديد في مجازيّته عند القوم ، وبناء على الأوّل فمتى أطلقت الصيغة المستغرقة وخصّ واحد من الجملة لا يبقى عامّا حقيقة . والقائلون بهذا من العامّة اختلفوا على خمسة أقوال :
1 - العام مجاز مطلقا وبأي دليل خصّ .
2 - نفي كونه مجازا مطلقا .
3 - العام مجاز ، إلَّا أن يخصّ بدليل لفظيّ متّصل أو منفصل عنه .
4 - العام مجاز إلَّا أن يخصّ بقول منفصل .
5 - العام مجاز إلَّا أن يخصّ بشرط أو استثناء .
وأمّا الإماميّة : فقد ذهب الشّيخ المفيد - وتبعه على ذلك الشّريف المرتضى والشّيخ الطوسي - إلى صحّة التعلَّق بألفاظ العموم وإن كان مخصوصا . انظر : « الذريعة 1 : 239 ، التذكرة : 35 » .
[ 2 ] سواء كان دليل الخصوص متّصلا به أو منفصلا عنه ، سمعيّا كان أو عقليّا ، أو دلالة حالية .

( 1 ) انظر : « التبصرة : 122 ، ميزان الأصول 1 : 422 ، المعتمد 1 : 265 ، شرح اللَّمع 1 : 344 ، الذريعة 1 : 239 . [ 1 ] إنّ الخلاف بين الأصوليّين في هذه المسألة إنّما هو تفريع على القول بأنّ للعموم صيغة مستغرقة ، وأمّا إذا استعملت الصيغة المستغرقة في الخصوص فإنّه لا ترديد في مجازيّته عند القوم ، وبناء على الأوّل فمتى أطلقت الصيغة المستغرقة وخصّ واحد من الجملة لا يبقى عامّا حقيقة . والقائلون بهذا من العامّة اختلفوا على خمسة أقوال : 1 - العام مجاز مطلقا وبأي دليل خصّ . 2 - نفي كونه مجازا مطلقا . 3 - العام مجاز ، إلَّا أن يخصّ بدليل لفظيّ متّصل أو منفصل عنه . 4 - العام مجاز إلَّا أن يخصّ بقول منفصل . 5 - العام مجاز إلَّا أن يخصّ بشرط أو استثناء . وأمّا الإماميّة : فقد ذهب الشّيخ المفيد - وتبعه على ذلك الشّريف المرتضى والشّيخ الطوسي - إلى صحّة التعلَّق بألفاظ العموم وإن كان مخصوصا . انظر : « الذريعة 1 : 239 ، التذكرة : 35 » . [ 2 ] سواء كان دليل الخصوص متّصلا به أو منفصلا عنه ، سمعيّا كان أو عقليّا ، أو دلالة حالية .

424


وذهب الشّافعي وأصحابه ، وبعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنّه يصحّ التّعلَّق به - وإن خصّ - على كلّ حال [ 1 ] .
وذهب أبو الحسن الكرخيّ إلى أنّه إذا خصّ بالاستثناء ، أو بكلام متّصل صحّ التّعلَّق به ، وإذا خصّ بدليل [ 2 ] لم يصحّ [ 3 ] .
وحكى عبد الجبّار بن أحمد ( 1 ) عن أبي عبد الله البصريّ أنّه قال : « يحتاج أن ينظر في ذلك ، فإن كان الحكم الَّذي تناوله العموم يحتاج إلى شروط أو أوصاف لا ينبّئ اللَّفظ عنها جرى في الحاجة إلى بيان مجرى قول الله تعالى : أقيموا الصّلاة ( 2 ) لأنّه يساويه في أنّ المراد بها لا يصحّ أن يعرف بالظَّاهر .
قال : ولا فصل بين ألَّا يعلم ما لا يتمّ قطع السّارق إلَّا به من الأوصاف بالظَّاهر ، وبين ألَّا يعلم الصّلاة بالظَّاهر ، لأنّ الجهل بما يتمّ الحكم إلَّا به كالجهل بنفس الحكم ، فالحاجة إلى العلم بأحدهما كالحاجة إلى العلم بالآخر .


وذهب الشّافعي وأصحابه ، وبعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنّه يصحّ التّعلَّق به - وإن خصّ - على كلّ حال [ 1 ] .
وذهب أبو الحسن الكرخيّ إلى أنّه إذا خصّ بالاستثناء ، أو بكلام متّصل صحّ التّعلَّق به ، وإذا خصّ بدليل [ 2 ] لم يصحّ [ 3 ] .
وحكى عبد الجبّار بن أحمد ( 1 ) عن أبي عبد الله البصريّ أنّه قال : « يحتاج أن ينظر في ذلك ، فإن كان الحكم الَّذي تناوله العموم يحتاج إلى شروط أو أوصاف لا ينبّئ اللَّفظ عنها جرى في الحاجة إلى بيان مجرى قول الله تعالى : أقيموا الصّلاة ( 2 ) لأنّه يساويه في أنّ المراد بها لا يصحّ أن يعرف بالظَّاهر .
قال : ولا فصل بين ألَّا يعلم ما لا يتمّ قطع السّارق إلَّا به من الأوصاف بالظَّاهر ، وبين ألَّا يعلم الصّلاة بالظَّاهر ، لأنّ الجهل بما يتمّ الحكم إلَّا به كالجهل بنفس الحكم ، فالحاجة إلى العلم بأحدهما كالحاجة إلى العلم بالآخر .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) أي القاضي عبد الجبّار المعتزلي .
( 2 ) البقرة : 43 .
[ حيث أشار الشّريف المرتضى إلى دليله دون الإشارة إلى قائله ] الإبهاج 2 : 80 ، المستصفى 2 : 54 ، الأحكام 3 : 390 » .
ومذهب عيسى بن أبان ، وأبي ثور ، وهو مختار بعض أصحاب الحديث ، وبه قالت المعتزلة ، وهو رأي جمهور الأشاعرة ، وآخرون كالآمدي ، وابن الحاجب ، والبيضاوي .
[ 1 ] وهذا المذهب مختار جمهور فقهاء العامّة كالشّافعي ، وأكثر أتباعه كالشّيرازي ، وابن السمعاني ، والأسفراييني ، وابن السبكي والحنابلة ، وعامة أصحاب أبي حنيفة ، وعامة أهل الحديث .
انظر : « التبصرة : 122 ، ميزان الأصول 1 : 422 - 421 ، أصول السرخسي 1 : 144 ، روضة النّاظر : 209 ، المعتمد 1 : 265 ، شرح اللَّمع 1 : 344 ، الأحكام 3 : 390 » .
[ 2 ] المقصود من الدّليل هو المخصّص المنفصل ، سواء كان عقليّا أو لفظيا .
[ 3 ] وهذا الرّأي مختار فخر الدّين الرازي ، والباقلَّاني - كما نسب إليه .
انظر : « التبصرة : 123 - 122 ، الإبهاج 2 : 81 ، المعتمد 1 : 267 - 265 ، ميزان الأصول 1 : 422 ، روضة النّاظر : 210 شرح اللَّمع 1 : 344 ، أصول السرخسي 1 : 145 » .

( 1 ) أي القاضي عبد الجبّار المعتزلي . ( 2 ) البقرة : 43 . [ حيث أشار الشّريف المرتضى إلى دليله دون الإشارة إلى قائله ] الإبهاج 2 : 80 ، المستصفى 2 : 54 ، الأحكام 3 : 390 » . ومذهب عيسى بن أبان ، وأبي ثور ، وهو مختار بعض أصحاب الحديث ، وبه قالت المعتزلة ، وهو رأي جمهور الأشاعرة ، وآخرون كالآمدي ، وابن الحاجب ، والبيضاوي . [ 1 ] وهذا المذهب مختار جمهور فقهاء العامّة كالشّافعي ، وأكثر أتباعه كالشّيرازي ، وابن السمعاني ، والأسفراييني ، وابن السبكي والحنابلة ، وعامة أصحاب أبي حنيفة ، وعامة أهل الحديث . انظر : « التبصرة : 122 ، ميزان الأصول 1 : 422 - 421 ، أصول السرخسي 1 : 144 ، روضة النّاظر : 209 ، المعتمد 1 : 265 ، شرح اللَّمع 1 : 344 ، الأحكام 3 : 390 » . [ 2 ] المقصود من الدّليل هو المخصّص المنفصل ، سواء كان عقليّا أو لفظيا . [ 3 ] وهذا الرّأي مختار فخر الدّين الرازي ، والباقلَّاني - كما نسب إليه . انظر : « التبصرة : 123 - 122 ، الإبهاج 2 : 81 ، المعتمد 1 : 267 - 265 ، ميزان الأصول 1 : 422 ، روضة النّاظر : 210 شرح اللَّمع 1 : 344 ، أصول السرخسي 1 : 145 » .

425


ويقول : كلّ عام خصّ وأمكن تنفيذ الحكم من غير شرط ووصف فيما عدا ما خصّ منه ، جرى في صحّة التّعلَّق به مجرى العموم إذا اتّصل به الاستثناء .
قال : الظَّاهر من كتب أبي عليّ وأبي هاشم جميعا صحّة التّعليق بعموم قوله :
والسّارق والسّارقة ( 1 ) وما شاكله ، وقد صرّحا بأنّ التّخصيص وإن أحوج إلى شروط لا ينبّئ الظَّاهر عنها ، أنّه لا يمتنع من التّعلَّق بالظَّاهر ، وعلى ذلك بيّنا الكلام في الوعيد لأنّهما استدلا به ، وإن كان العاصي الَّذي تعلَّق الوعيد به يحتاج إلى شروط عندهما » ( 2 ) .
هذه الألفاظ بعينها حكيناها عنه على ما ذكره في كتابه « العمد » ( 3 ) .
والَّذي أذهب إليه : أنّ العموم إذا خصّ صحّ التّعلَّق بظاهره ، سواء خصّ بالاستثناء أو بكلام متّصل ، أو منفصل ، أو دليل وعلى كلّ حال ، إلَّا أنّه يحتاج أن ينظر في ألفاظ العموم الَّذي يتعلَّق الحكم بها ، فإن كانت متى استعملناها على ظاهرها وعمومها نفّذنا الحكم فيما أريد منّا وفيما لم يرد ، يحتاج إلى أن يبيّن لنا ما لم يرد منّا لنخصّه من جملة ما تناوله اللَّفظ ، فأمّا ما أريد منّا فقد علمنا بالظَّاهر وذلك نحو قوله :
والسّارق والسّارقة ( 4 ) ، واقتُلوا المُشركين ( 5 ) وما يجري مجرى ذلك ، لأنّا لو خلَّينا وظاهر ذلك لقطعنا من يستحقّ القطع ومن لا يستحقّ القطع إذا كان سارقا ، لكن لمّا كان في جملة السّراق من لا يجب قطعه وهو من لا يكون عاقلا ويسرق من غير حرز ، أو سرق ما دون النّصاب ، أو كانت هناك شبهة وغير ذلك من الصّفات والشّروط المراعاة في ذلك ، احتاج أن يبيّن لنا من لا يجب قطعه ، فإذا بيّن ذلك بقي الباقي على عمومه وشموله ، وعلمنا حينئذ أنّه يستحقّ القطع . وكذلك قوله : اقتُلُوا


ويقول : كلّ عام خصّ وأمكن تنفيذ الحكم من غير شرط ووصف فيما عدا ما خصّ منه ، جرى في صحّة التّعلَّق به مجرى العموم إذا اتّصل به الاستثناء .
قال : الظَّاهر من كتب أبي عليّ وأبي هاشم جميعا صحّة التّعليق بعموم قوله :
والسّارق والسّارقة ( 1 ) وما شاكله ، وقد صرّحا بأنّ التّخصيص وإن أحوج إلى شروط لا ينبّئ الظَّاهر عنها ، أنّه لا يمتنع من التّعلَّق بالظَّاهر ، وعلى ذلك بيّنا الكلام في الوعيد لأنّهما استدلا به ، وإن كان العاصي الَّذي تعلَّق الوعيد به يحتاج إلى شروط عندهما » ( 2 ) .
هذه الألفاظ بعينها حكيناها عنه على ما ذكره في كتابه « العمد » ( 3 ) .
والَّذي أذهب إليه : أنّ العموم إذا خصّ صحّ التّعلَّق بظاهره ، سواء خصّ بالاستثناء أو بكلام متّصل ، أو منفصل ، أو دليل وعلى كلّ حال ، إلَّا أنّه يحتاج أن ينظر في ألفاظ العموم الَّذي يتعلَّق الحكم بها ، فإن كانت متى استعملناها على ظاهرها وعمومها نفّذنا الحكم فيما أريد منّا وفيما لم يرد ، يحتاج إلى أن يبيّن لنا ما لم يرد منّا لنخصّه من جملة ما تناوله اللَّفظ ، فأمّا ما أريد منّا فقد علمنا بالظَّاهر وذلك نحو قوله :
والسّارق والسّارقة ( 4 ) ، واقتُلوا المُشركين ( 5 ) وما يجري مجرى ذلك ، لأنّا لو خلَّينا وظاهر ذلك لقطعنا من يستحقّ القطع ومن لا يستحقّ القطع إذا كان سارقا ، لكن لمّا كان في جملة السّراق من لا يجب قطعه وهو من لا يكون عاقلا ويسرق من غير حرز ، أو سرق ما دون النّصاب ، أو كانت هناك شبهة وغير ذلك من الصّفات والشّروط المراعاة في ذلك ، احتاج أن يبيّن لنا من لا يجب قطعه ، فإذا بيّن ذلك بقي الباقي على عمومه وشموله ، وعلمنا حينئذ أنّه يستحقّ القطع . وكذلك قوله : اقتُلُوا

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) المائدة : 38 .
( 2 ) انظر : « المعتمد 1 : 266 - 265 » .
( 3 ) انظر التعليقة رقم ( 2 ) صفحة 501 .
( 4 ) المائدة : 38 .
( 5 ) التوبة : 5 .

( 1 ) المائدة : 38 . ( 2 ) انظر : « المعتمد 1 : 266 - 265 » . ( 3 ) انظر التعليقة رقم ( 2 ) صفحة 501 . ( 4 ) المائدة : 38 . ( 5 ) التوبة : 5 .

426


المُشركين ( 1 ) وما جرى مجراه .
وإن كان ألفاظ العموم متى خلَّينا وظاهرها لم يمكننا أن نستعملها فيما أريد منّا على وجه ، كان ذلك مجملا واحتاج إلى بيان ما أريد منّا ، وذلك نحو قوله :
أقيموا الصّلاة ( 2 ) ، لأنّا لو خلَّينا وظاهر الآية لم يمكننا أن نستعملها فيما أريد منّا على وجه ، فوقف ذلك على البيان .
والَّذي يدلّ على صحّة ما اخترناه : أنّ الخطاب إذا ورد وكان الحكم متعلَّقا باسم معقول في اللَّغة ، وجب حمله عليه ولا ينتظر به أمر آخر ، إلَّا أن يدلّ دليل على أنّه لم يرد ما وضع له في اللَّغة ، ولو لا ذلك لما صحّ التّعلَّق بشيء من الخطاب ، لأنّه يجوز أن يراد بكلّ خطاب غير ما وضع له ، ولا مخلص من ذلك إلَّا بأن يقال لو أريد به غير ما وضع له ليبيّن ، وذلك بعينه موجود في ألفاظ العموم ، ولا يلزمنا مثل ذلك في قوله أقيمُوا الصّلاة ( 3 ) لأنّا قد علمنا أنّه لم يرد بذلك ما وضع له في اللَّغة ، فلذلك وقف على البيان .
والَّذي يبيّن أيضا ما ذكرناه : أنّ ما خصّ بالاستثناء إنّما يصحّ التّعلَّق به لما قدّمناه من أنّ ما عدا الاستثناء يمكن أن يعلم به ، وإن كان الاستثناء قد صيّره مجازا على ما دللنا عليه فيما مضى ، فيجب مثل ذلك في كلّ عموم خصّ بدليل وإن كان منفصلا .
ويدلّ على ذلك أيضا : أنّه لو كان من شرط صحّته التّعلَّق بألفاظ العموم أن لا يكون قد خصّت ، أو أن لا يحتاج إلى معرفة أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، أدّى إلى ألَّا يصحّ التّعلَّق بشيء من ألفاظ العموم ، لأنّه ليس هاهنا شيء من ألفاظ العموم إلَّا وهو إمّا مخصوص ، وإمّا أن يحتاج إلى أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، وذلك يؤدّي


المُشركين ( 1 ) وما جرى مجراه .
وإن كان ألفاظ العموم متى خلَّينا وظاهرها لم يمكننا أن نستعملها فيما أريد منّا على وجه ، كان ذلك مجملا واحتاج إلى بيان ما أريد منّا ، وذلك نحو قوله :
أقيموا الصّلاة ( 2 ) ، لأنّا لو خلَّينا وظاهر الآية لم يمكننا أن نستعملها فيما أريد منّا على وجه ، فوقف ذلك على البيان .
والَّذي يدلّ على صحّة ما اخترناه : أنّ الخطاب إذا ورد وكان الحكم متعلَّقا باسم معقول في اللَّغة ، وجب حمله عليه ولا ينتظر به أمر آخر ، إلَّا أن يدلّ دليل على أنّه لم يرد ما وضع له في اللَّغة ، ولو لا ذلك لما صحّ التّعلَّق بشيء من الخطاب ، لأنّه يجوز أن يراد بكلّ خطاب غير ما وضع له ، ولا مخلص من ذلك إلَّا بأن يقال لو أريد به غير ما وضع له ليبيّن ، وذلك بعينه موجود في ألفاظ العموم ، ولا يلزمنا مثل ذلك في قوله أقيمُوا الصّلاة ( 3 ) لأنّا قد علمنا أنّه لم يرد بذلك ما وضع له في اللَّغة ، فلذلك وقف على البيان .
والَّذي يبيّن أيضا ما ذكرناه : أنّ ما خصّ بالاستثناء إنّما يصحّ التّعلَّق به لما قدّمناه من أنّ ما عدا الاستثناء يمكن أن يعلم به ، وإن كان الاستثناء قد صيّره مجازا على ما دللنا عليه فيما مضى ، فيجب مثل ذلك في كلّ عموم خصّ بدليل وإن كان منفصلا .
ويدلّ على ذلك أيضا : أنّه لو كان من شرط صحّته التّعلَّق بألفاظ العموم أن لا يكون قد خصّت ، أو أن لا يحتاج إلى معرفة أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، أدّى إلى ألَّا يصحّ التّعلَّق بشيء من ألفاظ العموم ، لأنّه ليس هاهنا شيء من ألفاظ العموم إلَّا وهو إمّا مخصوص ، وإمّا أن يحتاج إلى أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، وذلك يؤدّي

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) التوبة : 5 .
( 2 ) البقرة : 43 .
( 3 ) البقرة : 43 .

( 1 ) التوبة : 5 . ( 2 ) البقرة : 43 . ( 3 ) البقرة : 43 .

427


إلى بطلان ما تعلَّقت الصّحابة ومن بعدهم به ، ألا ترى أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام تعلَّق بقوله : وأن تَجْمَعُوا بينَ الأُختَين ( 1 ) في تحريم الجمع بين المملوكتين ، وكذلك تعلَّق بقوله : أو ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ ( 2 ) ، ومن ثمّ قال : « أحلَّتهما آية وحرّمتهما أخرى » [ 1 ] ، وكذلك حكي عن عثمان ( 3 ) .
وتعلَّق ابن عبّاس بقوله : وأُمّهاتكم اللاتي أرْضَعنَكُمْ وأخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَة ( 4 ) حتّى ردّ خبر ابن الزّبير [ 2 ] لأجله وقال : « إنّ قضاء الله أولى من قضاء ابن الزّبير » ( 5 ) وغير ذلك ممّا لا يحصى كثرة .
وإن كان جميع ذلك يحتاج إلى بيان أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، وقد جعل مجازا بدخول التّخصيص فيه ، فعلم بذلك أنّ صحّة التّعلَّق بألفاظ العموم صحيح وإن كان مخصوصا .


إلى بطلان ما تعلَّقت الصّحابة ومن بعدهم به ، ألا ترى أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام تعلَّق بقوله : وأن تَجْمَعُوا بينَ الأُختَين ( 1 ) في تحريم الجمع بين المملوكتين ، وكذلك تعلَّق بقوله : أو ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ ( 2 ) ، ومن ثمّ قال : « أحلَّتهما آية وحرّمتهما أخرى » [ 1 ] ، وكذلك حكي عن عثمان ( 3 ) .
وتعلَّق ابن عبّاس بقوله : وأُمّهاتكم اللاتي أرْضَعنَكُمْ وأخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَة ( 4 ) حتّى ردّ خبر ابن الزّبير [ 2 ] لأجله وقال : « إنّ قضاء الله أولى من قضاء ابن الزّبير » ( 5 ) وغير ذلك ممّا لا يحصى كثرة .
وإن كان جميع ذلك يحتاج إلى بيان أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، وقد جعل مجازا بدخول التّخصيص فيه ، فعلم بذلك أنّ صحّة التّعلَّق بألفاظ العموم صحيح وإن كان مخصوصا .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) النساء : 23 .
( 2 ) النساء : 3 .
( 3 ) انظر : « المعتمد 1 : 268 ، الجامع لأحكام القرآن 5 : 117 ، المحلَّى 9 : 522 » .
( 4 ) النساء : 23 .
( 5 ) المعتمد 1 : 269 .
[ 1 ] انظر : « المعتمد 1 : 268 - 167 ، الجامع لأحكام القرآن 5 : 117 ، التّهذيب 7 : 289 ح 1251 ، وعلَّق الشّيخ الطوسي عليه بقوله : « أحلَّتهما آية يعني آية الملك دون الوطء ، وقوله عليه السّلام وحرّمتهما آية أخرى يعني في الوطء دون الملك ، ولا تنافي بين الآيتين ولا بين القولين » .
[ 2 ] روى الترمذي في سننه بسنده عن عبد الله بن الزبير : [ ( عن عائشة ) أو ( عن النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو ( عن الزبير ) ] أنّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال : « لا تحرّم المصّة ولا المصّتان » . سنن الترمذي باب 3 كتاب الرّضاع ، ح 1150 ، وأخرجه أيضا مسلم في باب 17 كتاب الرّضاع ، ح 117 ، وأبو داود في سننه : باب 10 ، كتاب النّكاح ، ح 2 .
قال القرطبي في تفسيره ( 5 : 111 ) : « وذكر الطحاوي أنّ حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت لأنّه مرّة يرويه ابن الزّبير عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ومرة يرويه عن عائشة ومرّة يرويه عن أبيه ، ومثل هذا الاضطراب يسقطه » .

( 1 ) النساء : 23 . ( 2 ) النساء : 3 . ( 3 ) انظر : « المعتمد 1 : 268 ، الجامع لأحكام القرآن 5 : 117 ، المحلَّى 9 : 522 » . ( 4 ) النساء : 23 . ( 5 ) المعتمد 1 : 269 . [ 1 ] انظر : « المعتمد 1 : 268 - 167 ، الجامع لأحكام القرآن 5 : 117 ، التّهذيب 7 : 289 ح 1251 ، وعلَّق الشّيخ الطوسي عليه بقوله : « أحلَّتهما آية يعني آية الملك دون الوطء ، وقوله عليه السّلام وحرّمتهما آية أخرى يعني في الوطء دون الملك ، ولا تنافي بين الآيتين ولا بين القولين » . [ 2 ] روى الترمذي في سننه بسنده عن عبد الله بن الزبير : [ ( عن عائشة ) أو ( عن النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو ( عن الزبير ) ] أنّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال : « لا تحرّم المصّة ولا المصّتان » . سنن الترمذي باب 3 كتاب الرّضاع ، ح 1150 ، وأخرجه أيضا مسلم في باب 17 كتاب الرّضاع ، ح 117 ، وأبو داود في سننه : باب 10 ، كتاب النّكاح ، ح 2 . قال القرطبي في تفسيره ( 5 : 111 ) : « وذكر الطحاوي أنّ حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت لأنّه مرّة يرويه ابن الزّبير عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ومرة يرويه عن عائشة ومرّة يرويه عن أبيه ، ومثل هذا الاضطراب يسقطه » .

428


وأمّا من نصر خلاف ما ذهبنا إليه ، فقد حكى عبد الجبّار ( 1 ) عن أبي عبد الله البصريّ : « أنّه ربّما جمع بين قول : السَّارق والسَّارقة ( 2 ) ، وبين قوله : واقْتُلُوا المُشرِكينَ ( 3 ) ، وقول النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « الجار أحقّ بصقبه » ( 4 ) « وفيما سقت السّماء العشر » ( 5 ) في امتناع التّعلَّق بظاهرها مرّة ، وربّما فرّق بينهما أخرى ، ويقول عند الفصل بينهما :
« إنّ العشر متعلَّقٌ بما سقته السّماء ، والَّذي يحتاج إلى بيانه صفة الأرض لا صفته ، فهو كالحاجة إلى بيان صفة المخاطب في أنّه لا يمنع من التّعلَّق بالظَّاهر .
وأمّا السّارِق والسّارِقَة ( 6 ) ، فالحاجة إنّما هي إلى بيان صفته ، فهو كالحاجة الَّتي يتعلَّق القطع بها من اعتبار القدر وغير ذلك ، فلذلك امتنع التّعلَّق بالظَّاهر .
ويقول : الصّفة المتعلَّق بها في الشّرك هي في إسقاط قتله لا في إثبات قتله ، والصّفة المعلَّق بها في السّارق هي في إثبات قتله ، فلذلك افترقا .
وربّما يقول في الجميع : إنّ التّعلَّق بظاهره لا يمكن ، وإنّ الواجب ألَّا يعترض على الأصول بالفروع ، بل يجب بناؤها عليه » [ 1 ] .
وهذه ألفاظه بعينها ذكرناها .
وقد قلنا في هذه الأمثلة ما عندنا وقلنا : في أنّ قوله : السّارق والسّارقة ( 7 ) ،


وأمّا من نصر خلاف ما ذهبنا إليه ، فقد حكى عبد الجبّار ( 1 ) عن أبي عبد الله البصريّ : « أنّه ربّما جمع بين قول : السَّارق والسَّارقة ( 2 ) ، وبين قوله : واقْتُلُوا المُشرِكينَ ( 3 ) ، وقول النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « الجار أحقّ بصقبه » ( 4 ) « وفيما سقت السّماء العشر » ( 5 ) في امتناع التّعلَّق بظاهرها مرّة ، وربّما فرّق بينهما أخرى ، ويقول عند الفصل بينهما :
« إنّ العشر متعلَّقٌ بما سقته السّماء ، والَّذي يحتاج إلى بيانه صفة الأرض لا صفته ، فهو كالحاجة إلى بيان صفة المخاطب في أنّه لا يمنع من التّعلَّق بالظَّاهر .
وأمّا السّارِق والسّارِقَة ( 6 ) ، فالحاجة إنّما هي إلى بيان صفته ، فهو كالحاجة الَّتي يتعلَّق القطع بها من اعتبار القدر وغير ذلك ، فلذلك امتنع التّعلَّق بالظَّاهر .
ويقول : الصّفة المتعلَّق بها في الشّرك هي في إسقاط قتله لا في إثبات قتله ، والصّفة المعلَّق بها في السّارق هي في إثبات قتله ، فلذلك افترقا .
وربّما يقول في الجميع : إنّ التّعلَّق بظاهره لا يمكن ، وإنّ الواجب ألَّا يعترض على الأصول بالفروع ، بل يجب بناؤها عليه » [ 1 ] .
وهذه ألفاظه بعينها ذكرناها .
وقد قلنا في هذه الأمثلة ما عندنا وقلنا : في أنّ قوله : السّارق والسّارقة ( 7 ) ،

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) أي القاضي عبد الجبّار المعتزلي .
( 2 ) المائدة : 38 .
( 3 ) التوبة : 5 .
( 4 ) كنز العمّال 7 : ص 7 رقم 17700 . الصقب : القرب والملاصقة ، ويروى بالسّين والمراد به الشفعة . ( النهاية 30 - 41 ، غريب الحديث 1 : 337 ) .
( 5 ) كنز العمّال 7 : 328 رقم 15880 .
( 6 ) المائدة : 38 .
( 7 ) المائدة : 38 .
[ 1 ] لخّص أبو الحسين البصري ( المعتمد : 1 - 266 - 265 ) مذهب أبي عبد الله البصري الملقّب بالجعل بقوله :
« قال الشّيخ أبو عبد الله : إن كان المخصّص والشرط قد منعا من تعلَّق الحكم بالاسم العام وأوجبنا تعلَّقه بشرط لا ينبئ عنه الظَّاهر ، لم يجز التّعلَّق به عنه . وإن لم يمنعا من تعلَّقه بالاسم العام فإنّه يصحّ التّعلَّق به . . . » .

( 1 ) أي القاضي عبد الجبّار المعتزلي . ( 2 ) المائدة : 38 . ( 3 ) التوبة : 5 . ( 4 ) كنز العمّال 7 : ص 7 رقم 17700 . الصقب : القرب والملاصقة ، ويروى بالسّين والمراد به الشفعة . ( النهاية 30 - 41 ، غريب الحديث 1 : 337 ) . ( 5 ) كنز العمّال 7 : 328 رقم 15880 . ( 6 ) المائدة : 38 . ( 7 ) المائدة : 38 . [ 1 ] لخّص أبو الحسين البصري ( المعتمد : 1 - 266 - 265 ) مذهب أبي عبد الله البصري الملقّب بالجعل بقوله : « قال الشّيخ أبو عبد الله : إن كان المخصّص والشرط قد منعا من تعلَّق الحكم بالاسم العام وأوجبنا تعلَّقه بشرط لا ينبئ عنه الظَّاهر ، لم يجز التّعلَّق به عنه . وإن لم يمنعا من تعلَّقه بالاسم العام فإنّه يصحّ التّعلَّق به . . . » .

429


وقوله : واقْتُلُوا المُشْرِكينَ ( 1 ) ، أنّ القطع يتعلَّق بنفس السّرقة ، وإنّما يحتاج إلى بيان مراعاة الصّفات والشروط فيمن لا يجب ذلك ، وجرى ذلك مجرى قوله : ( اقتلُوا المُشركينَ ) وأنّ القتل يتعلَّق بالشّرك ، وإنّما يحتاج أن يبيّن صفة من لا يجب قتله من أهل الكتاب وغيرهم من النّساء والصّبيان .
فأمّا قوله « الجار أحقّ بصقبه » ( 2 ) : فالأولى فيه أيضا أن يحمل على عمومه في كلّ شيء إلَّا ما يخرجه الدّليل ، وذلك يجري مجرى ألفاظ العموم ، وكذلك قوله :
« وفيما سقت السّماء العشر » ( 3 ) عام في جميع ذلك ، فإن دلّ الدّليل على وجوب اعتبار صفات في الأرض ، قلنا به وخصّصناه منه وبقّينا الباقي على عمومه .
وكلَّما يرد من هذه الأمثلة يجري هذا المجرى ، والطَّريقة واحدة في الكلام عليه .


وقوله : واقْتُلُوا المُشْرِكينَ ( 1 ) ، أنّ القطع يتعلَّق بنفس السّرقة ، وإنّما يحتاج إلى بيان مراعاة الصّفات والشروط فيمن لا يجب ذلك ، وجرى ذلك مجرى قوله : ( اقتلُوا المُشركينَ ) وأنّ القتل يتعلَّق بالشّرك ، وإنّما يحتاج أن يبيّن صفة من لا يجب قتله من أهل الكتاب وغيرهم من النّساء والصّبيان .
فأمّا قوله « الجار أحقّ بصقبه » ( 2 ) : فالأولى فيه أيضا أن يحمل على عمومه في كلّ شيء إلَّا ما يخرجه الدّليل ، وذلك يجري مجرى ألفاظ العموم ، وكذلك قوله :
« وفيما سقت السّماء العشر » ( 3 ) عام في جميع ذلك ، فإن دلّ الدّليل على وجوب اعتبار صفات في الأرض ، قلنا به وخصّصناه منه وبقّينا الباقي على عمومه .
وكلَّما يرد من هذه الأمثلة يجري هذا المجرى ، والطَّريقة واحدة في الكلام عليه .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) التوبة : 5 .
( 2 ) انظر تخريج الحديث في هامش رقم ( 4 ) صفحة 429 .
( 3 ) انظر تخريج الحديث في هامش رقم ( 5 ) صفحة 429 .

( 1 ) التوبة : 5 . ( 2 ) انظر تخريج الحديث في هامش رقم ( 4 ) صفحة 429 . ( 3 ) انظر تخريج الحديث في هامش رقم ( 5 ) صفحة 429 .

430

لا يتم تسجيل الدخول!