إسم الكتاب : العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط.ج ) ( عدد الصفحات : 408)


ويقول : كلّ عام خصّ وأمكن تنفيذ الحكم من غير شرط ووصف فيما عدا ما خصّ منه ، جرى في صحّة التّعلَّق به مجرى العموم إذا اتّصل به الاستثناء .
قال : الظَّاهر من كتب أبي عليّ وأبي هاشم جميعا صحّة التّعليق بعموم قوله :
والسّارق والسّارقة ( 1 ) وما شاكله ، وقد صرّحا بأنّ التّخصيص وإن أحوج إلى شروط لا ينبّئ الظَّاهر عنها ، أنّه لا يمتنع من التّعلَّق بالظَّاهر ، وعلى ذلك بيّنا الكلام في الوعيد لأنّهما استدلا به ، وإن كان العاصي الَّذي تعلَّق الوعيد به يحتاج إلى شروط عندهما » ( 2 ) .
هذه الألفاظ بعينها حكيناها عنه على ما ذكره في كتابه « العمد » ( 3 ) .
والَّذي أذهب إليه : أنّ العموم إذا خصّ صحّ التّعلَّق بظاهره ، سواء خصّ بالاستثناء أو بكلام متّصل ، أو منفصل ، أو دليل وعلى كلّ حال ، إلَّا أنّه يحتاج أن ينظر في ألفاظ العموم الَّذي يتعلَّق الحكم بها ، فإن كانت متى استعملناها على ظاهرها وعمومها نفّذنا الحكم فيما أريد منّا وفيما لم يرد ، يحتاج إلى أن يبيّن لنا ما لم يرد منّا لنخصّه من جملة ما تناوله اللَّفظ ، فأمّا ما أريد منّا فقد علمنا بالظَّاهر وذلك نحو قوله :
والسّارق والسّارقة ( 4 ) ، واقتُلوا المُشركين ( 5 ) وما يجري مجرى ذلك ، لأنّا لو خلَّينا وظاهر ذلك لقطعنا من يستحقّ القطع ومن لا يستحقّ القطع إذا كان سارقا ، لكن لمّا كان في جملة السّراق من لا يجب قطعه وهو من لا يكون عاقلا ويسرق من غير حرز ، أو سرق ما دون النّصاب ، أو كانت هناك شبهة وغير ذلك من الصّفات والشّروط المراعاة في ذلك ، احتاج أن يبيّن لنا من لا يجب قطعه ، فإذا بيّن ذلك بقي الباقي على عمومه وشموله ، وعلمنا حينئذ أنّه يستحقّ القطع . وكذلك قوله : اقتُلُوا


ويقول : كلّ عام خصّ وأمكن تنفيذ الحكم من غير شرط ووصف فيما عدا ما خصّ منه ، جرى في صحّة التّعلَّق به مجرى العموم إذا اتّصل به الاستثناء .
قال : الظَّاهر من كتب أبي عليّ وأبي هاشم جميعا صحّة التّعليق بعموم قوله :
والسّارق والسّارقة ( 1 ) وما شاكله ، وقد صرّحا بأنّ التّخصيص وإن أحوج إلى شروط لا ينبّئ الظَّاهر عنها ، أنّه لا يمتنع من التّعلَّق بالظَّاهر ، وعلى ذلك بيّنا الكلام في الوعيد لأنّهما استدلا به ، وإن كان العاصي الَّذي تعلَّق الوعيد به يحتاج إلى شروط عندهما » ( 2 ) .
هذه الألفاظ بعينها حكيناها عنه على ما ذكره في كتابه « العمد » ( 3 ) .
والَّذي أذهب إليه : أنّ العموم إذا خصّ صحّ التّعلَّق بظاهره ، سواء خصّ بالاستثناء أو بكلام متّصل ، أو منفصل ، أو دليل وعلى كلّ حال ، إلَّا أنّه يحتاج أن ينظر في ألفاظ العموم الَّذي يتعلَّق الحكم بها ، فإن كانت متى استعملناها على ظاهرها وعمومها نفّذنا الحكم فيما أريد منّا وفيما لم يرد ، يحتاج إلى أن يبيّن لنا ما لم يرد منّا لنخصّه من جملة ما تناوله اللَّفظ ، فأمّا ما أريد منّا فقد علمنا بالظَّاهر وذلك نحو قوله :
والسّارق والسّارقة ( 4 ) ، واقتُلوا المُشركين ( 5 ) وما يجري مجرى ذلك ، لأنّا لو خلَّينا وظاهر ذلك لقطعنا من يستحقّ القطع ومن لا يستحقّ القطع إذا كان سارقا ، لكن لمّا كان في جملة السّراق من لا يجب قطعه وهو من لا يكون عاقلا ويسرق من غير حرز ، أو سرق ما دون النّصاب ، أو كانت هناك شبهة وغير ذلك من الصّفات والشّروط المراعاة في ذلك ، احتاج أن يبيّن لنا من لا يجب قطعه ، فإذا بيّن ذلك بقي الباقي على عمومه وشموله ، وعلمنا حينئذ أنّه يستحقّ القطع . وكذلك قوله : اقتُلُوا

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) المائدة : 38 .
( 2 ) انظر : « المعتمد 1 : 266 - 265 » .
( 3 ) انظر التعليقة رقم ( 2 ) صفحة 501 .
( 4 ) المائدة : 38 .
( 5 ) التوبة : 5 .

( 1 ) المائدة : 38 . ( 2 ) انظر : « المعتمد 1 : 266 - 265 » . ( 3 ) انظر التعليقة رقم ( 2 ) صفحة 501 . ( 4 ) المائدة : 38 . ( 5 ) التوبة : 5 .

426


المُشركين ( 1 ) وما جرى مجراه .
وإن كان ألفاظ العموم متى خلَّينا وظاهرها لم يمكننا أن نستعملها فيما أريد منّا على وجه ، كان ذلك مجملا واحتاج إلى بيان ما أريد منّا ، وذلك نحو قوله :
أقيموا الصّلاة ( 2 ) ، لأنّا لو خلَّينا وظاهر الآية لم يمكننا أن نستعملها فيما أريد منّا على وجه ، فوقف ذلك على البيان .
والَّذي يدلّ على صحّة ما اخترناه : أنّ الخطاب إذا ورد وكان الحكم متعلَّقا باسم معقول في اللَّغة ، وجب حمله عليه ولا ينتظر به أمر آخر ، إلَّا أن يدلّ دليل على أنّه لم يرد ما وضع له في اللَّغة ، ولو لا ذلك لما صحّ التّعلَّق بشيء من الخطاب ، لأنّه يجوز أن يراد بكلّ خطاب غير ما وضع له ، ولا مخلص من ذلك إلَّا بأن يقال لو أريد به غير ما وضع له ليبيّن ، وذلك بعينه موجود في ألفاظ العموم ، ولا يلزمنا مثل ذلك في قوله أقيمُوا الصّلاة ( 3 ) لأنّا قد علمنا أنّه لم يرد بذلك ما وضع له في اللَّغة ، فلذلك وقف على البيان .
والَّذي يبيّن أيضا ما ذكرناه : أنّ ما خصّ بالاستثناء إنّما يصحّ التّعلَّق به لما قدّمناه من أنّ ما عدا الاستثناء يمكن أن يعلم به ، وإن كان الاستثناء قد صيّره مجازا على ما دللنا عليه فيما مضى ، فيجب مثل ذلك في كلّ عموم خصّ بدليل وإن كان منفصلا .
ويدلّ على ذلك أيضا : أنّه لو كان من شرط صحّته التّعلَّق بألفاظ العموم أن لا يكون قد خصّت ، أو أن لا يحتاج إلى معرفة أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، أدّى إلى ألَّا يصحّ التّعلَّق بشيء من ألفاظ العموم ، لأنّه ليس هاهنا شيء من ألفاظ العموم إلَّا وهو إمّا مخصوص ، وإمّا أن يحتاج إلى أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، وذلك يؤدّي


المُشركين ( 1 ) وما جرى مجراه .
وإن كان ألفاظ العموم متى خلَّينا وظاهرها لم يمكننا أن نستعملها فيما أريد منّا على وجه ، كان ذلك مجملا واحتاج إلى بيان ما أريد منّا ، وذلك نحو قوله :
أقيموا الصّلاة ( 2 ) ، لأنّا لو خلَّينا وظاهر الآية لم يمكننا أن نستعملها فيما أريد منّا على وجه ، فوقف ذلك على البيان .
والَّذي يدلّ على صحّة ما اخترناه : أنّ الخطاب إذا ورد وكان الحكم متعلَّقا باسم معقول في اللَّغة ، وجب حمله عليه ولا ينتظر به أمر آخر ، إلَّا أن يدلّ دليل على أنّه لم يرد ما وضع له في اللَّغة ، ولو لا ذلك لما صحّ التّعلَّق بشيء من الخطاب ، لأنّه يجوز أن يراد بكلّ خطاب غير ما وضع له ، ولا مخلص من ذلك إلَّا بأن يقال لو أريد به غير ما وضع له ليبيّن ، وذلك بعينه موجود في ألفاظ العموم ، ولا يلزمنا مثل ذلك في قوله أقيمُوا الصّلاة ( 3 ) لأنّا قد علمنا أنّه لم يرد بذلك ما وضع له في اللَّغة ، فلذلك وقف على البيان .
والَّذي يبيّن أيضا ما ذكرناه : أنّ ما خصّ بالاستثناء إنّما يصحّ التّعلَّق به لما قدّمناه من أنّ ما عدا الاستثناء يمكن أن يعلم به ، وإن كان الاستثناء قد صيّره مجازا على ما دللنا عليه فيما مضى ، فيجب مثل ذلك في كلّ عموم خصّ بدليل وإن كان منفصلا .
ويدلّ على ذلك أيضا : أنّه لو كان من شرط صحّته التّعلَّق بألفاظ العموم أن لا يكون قد خصّت ، أو أن لا يحتاج إلى معرفة أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، أدّى إلى ألَّا يصحّ التّعلَّق بشيء من ألفاظ العموم ، لأنّه ليس هاهنا شيء من ألفاظ العموم إلَّا وهو إمّا مخصوص ، وإمّا أن يحتاج إلى أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، وذلك يؤدّي

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) التوبة : 5 .
( 2 ) البقرة : 43 .
( 3 ) البقرة : 43 .

( 1 ) التوبة : 5 . ( 2 ) البقرة : 43 . ( 3 ) البقرة : 43 .

427


إلى بطلان ما تعلَّقت الصّحابة ومن بعدهم به ، ألا ترى أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام تعلَّق بقوله : وأن تَجْمَعُوا بينَ الأُختَين ( 1 ) في تحريم الجمع بين المملوكتين ، وكذلك تعلَّق بقوله : أو ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ ( 2 ) ، ومن ثمّ قال : « أحلَّتهما آية وحرّمتهما أخرى » [ 1 ] ، وكذلك حكي عن عثمان ( 3 ) .
وتعلَّق ابن عبّاس بقوله : وأُمّهاتكم اللاتي أرْضَعنَكُمْ وأخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَة ( 4 ) حتّى ردّ خبر ابن الزّبير [ 2 ] لأجله وقال : « إنّ قضاء الله أولى من قضاء ابن الزّبير » ( 5 ) وغير ذلك ممّا لا يحصى كثرة .
وإن كان جميع ذلك يحتاج إلى بيان أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، وقد جعل مجازا بدخول التّخصيص فيه ، فعلم بذلك أنّ صحّة التّعلَّق بألفاظ العموم صحيح وإن كان مخصوصا .


إلى بطلان ما تعلَّقت الصّحابة ومن بعدهم به ، ألا ترى أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام تعلَّق بقوله : وأن تَجْمَعُوا بينَ الأُختَين ( 1 ) في تحريم الجمع بين المملوكتين ، وكذلك تعلَّق بقوله : أو ما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ ( 2 ) ، ومن ثمّ قال : « أحلَّتهما آية وحرّمتهما أخرى » [ 1 ] ، وكذلك حكي عن عثمان ( 3 ) .
وتعلَّق ابن عبّاس بقوله : وأُمّهاتكم اللاتي أرْضَعنَكُمْ وأخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَة ( 4 ) حتّى ردّ خبر ابن الزّبير [ 2 ] لأجله وقال : « إنّ قضاء الله أولى من قضاء ابن الزّبير » ( 5 ) وغير ذلك ممّا لا يحصى كثرة .
وإن كان جميع ذلك يحتاج إلى بيان أوصاف لا ينبئ الظَّاهر عنها ، وقد جعل مجازا بدخول التّخصيص فيه ، فعلم بذلك أنّ صحّة التّعلَّق بألفاظ العموم صحيح وإن كان مخصوصا .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) النساء : 23 .
( 2 ) النساء : 3 .
( 3 ) انظر : « المعتمد 1 : 268 ، الجامع لأحكام القرآن 5 : 117 ، المحلَّى 9 : 522 » .
( 4 ) النساء : 23 .
( 5 ) المعتمد 1 : 269 .
[ 1 ] انظر : « المعتمد 1 : 268 - 167 ، الجامع لأحكام القرآن 5 : 117 ، التّهذيب 7 : 289 ح 1251 ، وعلَّق الشّيخ الطوسي عليه بقوله : « أحلَّتهما آية يعني آية الملك دون الوطء ، وقوله عليه السّلام وحرّمتهما آية أخرى يعني في الوطء دون الملك ، ولا تنافي بين الآيتين ولا بين القولين » .
[ 2 ] روى الترمذي في سننه بسنده عن عبد الله بن الزبير : [ ( عن عائشة ) أو ( عن النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو ( عن الزبير ) ] أنّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال : « لا تحرّم المصّة ولا المصّتان » . سنن الترمذي باب 3 كتاب الرّضاع ، ح 1150 ، وأخرجه أيضا مسلم في باب 17 كتاب الرّضاع ، ح 117 ، وأبو داود في سننه : باب 10 ، كتاب النّكاح ، ح 2 .
قال القرطبي في تفسيره ( 5 : 111 ) : « وذكر الطحاوي أنّ حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت لأنّه مرّة يرويه ابن الزّبير عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ومرة يرويه عن عائشة ومرّة يرويه عن أبيه ، ومثل هذا الاضطراب يسقطه » .

( 1 ) النساء : 23 . ( 2 ) النساء : 3 . ( 3 ) انظر : « المعتمد 1 : 268 ، الجامع لأحكام القرآن 5 : 117 ، المحلَّى 9 : 522 » . ( 4 ) النساء : 23 . ( 5 ) المعتمد 1 : 269 . [ 1 ] انظر : « المعتمد 1 : 268 - 167 ، الجامع لأحكام القرآن 5 : 117 ، التّهذيب 7 : 289 ح 1251 ، وعلَّق الشّيخ الطوسي عليه بقوله : « أحلَّتهما آية يعني آية الملك دون الوطء ، وقوله عليه السّلام وحرّمتهما آية أخرى يعني في الوطء دون الملك ، ولا تنافي بين الآيتين ولا بين القولين » . [ 2 ] روى الترمذي في سننه بسنده عن عبد الله بن الزبير : [ ( عن عائشة ) أو ( عن النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أو ( عن الزبير ) ] أنّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال : « لا تحرّم المصّة ولا المصّتان » . سنن الترمذي باب 3 كتاب الرّضاع ، ح 1150 ، وأخرجه أيضا مسلم في باب 17 كتاب الرّضاع ، ح 117 ، وأبو داود في سننه : باب 10 ، كتاب النّكاح ، ح 2 . قال القرطبي في تفسيره ( 5 : 111 ) : « وذكر الطحاوي أنّ حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت لأنّه مرّة يرويه ابن الزّبير عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ومرة يرويه عن عائشة ومرّة يرويه عن أبيه ، ومثل هذا الاضطراب يسقطه » .

428


وأمّا من نصر خلاف ما ذهبنا إليه ، فقد حكى عبد الجبّار ( 1 ) عن أبي عبد الله البصريّ : « أنّه ربّما جمع بين قول : السَّارق والسَّارقة ( 2 ) ، وبين قوله : واقْتُلُوا المُشرِكينَ ( 3 ) ، وقول النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « الجار أحقّ بصقبه » ( 4 ) « وفيما سقت السّماء العشر » ( 5 ) في امتناع التّعلَّق بظاهرها مرّة ، وربّما فرّق بينهما أخرى ، ويقول عند الفصل بينهما :
« إنّ العشر متعلَّقٌ بما سقته السّماء ، والَّذي يحتاج إلى بيانه صفة الأرض لا صفته ، فهو كالحاجة إلى بيان صفة المخاطب في أنّه لا يمنع من التّعلَّق بالظَّاهر .
وأمّا السّارِق والسّارِقَة ( 6 ) ، فالحاجة إنّما هي إلى بيان صفته ، فهو كالحاجة الَّتي يتعلَّق القطع بها من اعتبار القدر وغير ذلك ، فلذلك امتنع التّعلَّق بالظَّاهر .
ويقول : الصّفة المتعلَّق بها في الشّرك هي في إسقاط قتله لا في إثبات قتله ، والصّفة المعلَّق بها في السّارق هي في إثبات قتله ، فلذلك افترقا .
وربّما يقول في الجميع : إنّ التّعلَّق بظاهره لا يمكن ، وإنّ الواجب ألَّا يعترض على الأصول بالفروع ، بل يجب بناؤها عليه » [ 1 ] .
وهذه ألفاظه بعينها ذكرناها .
وقد قلنا في هذه الأمثلة ما عندنا وقلنا : في أنّ قوله : السّارق والسّارقة ( 7 ) ،


وأمّا من نصر خلاف ما ذهبنا إليه ، فقد حكى عبد الجبّار ( 1 ) عن أبي عبد الله البصريّ : « أنّه ربّما جمع بين قول : السَّارق والسَّارقة ( 2 ) ، وبين قوله : واقْتُلُوا المُشرِكينَ ( 3 ) ، وقول النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « الجار أحقّ بصقبه » ( 4 ) « وفيما سقت السّماء العشر » ( 5 ) في امتناع التّعلَّق بظاهرها مرّة ، وربّما فرّق بينهما أخرى ، ويقول عند الفصل بينهما :
« إنّ العشر متعلَّقٌ بما سقته السّماء ، والَّذي يحتاج إلى بيانه صفة الأرض لا صفته ، فهو كالحاجة إلى بيان صفة المخاطب في أنّه لا يمنع من التّعلَّق بالظَّاهر .
وأمّا السّارِق والسّارِقَة ( 6 ) ، فالحاجة إنّما هي إلى بيان صفته ، فهو كالحاجة الَّتي يتعلَّق القطع بها من اعتبار القدر وغير ذلك ، فلذلك امتنع التّعلَّق بالظَّاهر .
ويقول : الصّفة المتعلَّق بها في الشّرك هي في إسقاط قتله لا في إثبات قتله ، والصّفة المعلَّق بها في السّارق هي في إثبات قتله ، فلذلك افترقا .
وربّما يقول في الجميع : إنّ التّعلَّق بظاهره لا يمكن ، وإنّ الواجب ألَّا يعترض على الأصول بالفروع ، بل يجب بناؤها عليه » [ 1 ] .
وهذه ألفاظه بعينها ذكرناها .
وقد قلنا في هذه الأمثلة ما عندنا وقلنا : في أنّ قوله : السّارق والسّارقة ( 7 ) ،

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) أي القاضي عبد الجبّار المعتزلي .
( 2 ) المائدة : 38 .
( 3 ) التوبة : 5 .
( 4 ) كنز العمّال 7 : ص 7 رقم 17700 . الصقب : القرب والملاصقة ، ويروى بالسّين والمراد به الشفعة . ( النهاية 30 - 41 ، غريب الحديث 1 : 337 ) .
( 5 ) كنز العمّال 7 : 328 رقم 15880 .
( 6 ) المائدة : 38 .
( 7 ) المائدة : 38 .
[ 1 ] لخّص أبو الحسين البصري ( المعتمد : 1 - 266 - 265 ) مذهب أبي عبد الله البصري الملقّب بالجعل بقوله :
« قال الشّيخ أبو عبد الله : إن كان المخصّص والشرط قد منعا من تعلَّق الحكم بالاسم العام وأوجبنا تعلَّقه بشرط لا ينبئ عنه الظَّاهر ، لم يجز التّعلَّق به عنه . وإن لم يمنعا من تعلَّقه بالاسم العام فإنّه يصحّ التّعلَّق به . . . » .

( 1 ) أي القاضي عبد الجبّار المعتزلي . ( 2 ) المائدة : 38 . ( 3 ) التوبة : 5 . ( 4 ) كنز العمّال 7 : ص 7 رقم 17700 . الصقب : القرب والملاصقة ، ويروى بالسّين والمراد به الشفعة . ( النهاية 30 - 41 ، غريب الحديث 1 : 337 ) . ( 5 ) كنز العمّال 7 : 328 رقم 15880 . ( 6 ) المائدة : 38 . ( 7 ) المائدة : 38 . [ 1 ] لخّص أبو الحسين البصري ( المعتمد : 1 - 266 - 265 ) مذهب أبي عبد الله البصري الملقّب بالجعل بقوله : « قال الشّيخ أبو عبد الله : إن كان المخصّص والشرط قد منعا من تعلَّق الحكم بالاسم العام وأوجبنا تعلَّقه بشرط لا ينبئ عنه الظَّاهر ، لم يجز التّعلَّق به عنه . وإن لم يمنعا من تعلَّقه بالاسم العام فإنّه يصحّ التّعلَّق به . . . » .

429


وقوله : واقْتُلُوا المُشْرِكينَ ( 1 ) ، أنّ القطع يتعلَّق بنفس السّرقة ، وإنّما يحتاج إلى بيان مراعاة الصّفات والشروط فيمن لا يجب ذلك ، وجرى ذلك مجرى قوله : ( اقتلُوا المُشركينَ ) وأنّ القتل يتعلَّق بالشّرك ، وإنّما يحتاج أن يبيّن صفة من لا يجب قتله من أهل الكتاب وغيرهم من النّساء والصّبيان .
فأمّا قوله « الجار أحقّ بصقبه » ( 2 ) : فالأولى فيه أيضا أن يحمل على عمومه في كلّ شيء إلَّا ما يخرجه الدّليل ، وذلك يجري مجرى ألفاظ العموم ، وكذلك قوله :
« وفيما سقت السّماء العشر » ( 3 ) عام في جميع ذلك ، فإن دلّ الدّليل على وجوب اعتبار صفات في الأرض ، قلنا به وخصّصناه منه وبقّينا الباقي على عمومه .
وكلَّما يرد من هذه الأمثلة يجري هذا المجرى ، والطَّريقة واحدة في الكلام عليه .


وقوله : واقْتُلُوا المُشْرِكينَ ( 1 ) ، أنّ القطع يتعلَّق بنفس السّرقة ، وإنّما يحتاج إلى بيان مراعاة الصّفات والشروط فيمن لا يجب ذلك ، وجرى ذلك مجرى قوله : ( اقتلُوا المُشركينَ ) وأنّ القتل يتعلَّق بالشّرك ، وإنّما يحتاج أن يبيّن صفة من لا يجب قتله من أهل الكتاب وغيرهم من النّساء والصّبيان .
فأمّا قوله « الجار أحقّ بصقبه » ( 2 ) : فالأولى فيه أيضا أن يحمل على عمومه في كلّ شيء إلَّا ما يخرجه الدّليل ، وذلك يجري مجرى ألفاظ العموم ، وكذلك قوله :
« وفيما سقت السّماء العشر » ( 3 ) عام في جميع ذلك ، فإن دلّ الدّليل على وجوب اعتبار صفات في الأرض ، قلنا به وخصّصناه منه وبقّينا الباقي على عمومه .
وكلَّما يرد من هذه الأمثلة يجري هذا المجرى ، والطَّريقة واحدة في الكلام عليه .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) التوبة : 5 .
( 2 ) انظر تخريج الحديث في هامش رقم ( 4 ) صفحة 429 .
( 3 ) انظر تخريج الحديث في هامش رقم ( 5 ) صفحة 429 .

( 1 ) التوبة : 5 . ( 2 ) انظر تخريج الحديث في هامش رقم ( 4 ) صفحة 429 . ( 3 ) انظر تخريج الحديث في هامش رقم ( 5 ) صفحة 429 .

430



فصل - 6
« في ذكر وقوع البيان بالأفعال » [ 1 ]
ذهب الفقهاء بأسرهم ، والمتكلَّمون إلى أنّ البيان يقع بالفعل كما يقع بالقول .
وقال بعض المتأخّرين : إنّ البيان لا يقع بالفعل .
والَّذي يدلّ على صحّة مذهب الأوّل أشياء :
منها : أنّه إذا كان الفعل ممّا يقع به التّبيين كما يقع بالقول ، فينبغي أن يجوز وقوعه ، ألا ترى أنّه لا فرق بين أن يقول : « صلَّوا صلاة أوجبها الله عليكم » ، ثمّ يبيّن صفتها وكيفيّتها بالقول ، وبين أن يقوم فيصلَّي ، في أنّه يقع في الحالين التّبيين على حدّ واحد .
ولو قيل : أنّ التّبيين يقع بالفعل آكد ممّا يقع بالقول ، لكان ذلك سائغا ( 1 ) ،


فصل - 6 « في ذكر وقوع البيان بالأفعال » [ 1 ] ذهب الفقهاء بأسرهم ، والمتكلَّمون إلى أنّ البيان يقع بالفعل كما يقع بالقول .
وقال بعض المتأخّرين : إنّ البيان لا يقع بالفعل .
والَّذي يدلّ على صحّة مذهب الأوّل أشياء :
منها : أنّه إذا كان الفعل ممّا يقع به التّبيين كما يقع بالقول ، فينبغي أن يجوز وقوعه ، ألا ترى أنّه لا فرق بين أن يقول : « صلَّوا صلاة أوجبها الله عليكم » ، ثمّ يبيّن صفتها وكيفيّتها بالقول ، وبين أن يقوم فيصلَّي ، في أنّه يقع في الحالين التّبيين على حدّ واحد .
ولو قيل : أنّ التّبيين يقع بالفعل آكد ممّا يقع بالقول ، لكان ذلك سائغا ( 1 ) ،

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) في الأصل : شائعا .
[ 1 ] وهو أن يفعل النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بعض ما دخل تحريمه في العموم ، ويدل ذلك الفعل على تخصيص العموم ، ولا خلاف في حكم هذا الفعل البياني ، وأنّ البيان يقع بالفعل كما يقع بالقول ، وعليه إجماع الجمهور الأكبر من الأصوليين والفقهاء - من العامّة والخاصّة - ولم يخالفهم إلَّا طائفة شاذّة حيث نسب لأبي إسحاق الأسفراييني وأبي الحسن الكرخي .
انظر : « التبصرة : 247 ، الذريعة 1 : 339 ، الأحكام للآمدي 3 : 25 ، المعتمد 1 : 313 - 312 ، روضة الناظر : 163 ، شرح اللَّمع 1 : 379 ، أصول السرخسي 2 : 27 ، المنخول : 66 » .

( 1 ) في الأصل : شائعا . [ 1 ] وهو أن يفعل النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بعض ما دخل تحريمه في العموم ، ويدل ذلك الفعل على تخصيص العموم ، ولا خلاف في حكم هذا الفعل البياني ، وأنّ البيان يقع بالفعل كما يقع بالقول ، وعليه إجماع الجمهور الأكبر من الأصوليين والفقهاء - من العامّة والخاصّة - ولم يخالفهم إلَّا طائفة شاذّة حيث نسب لأبي إسحاق الأسفراييني وأبي الحسن الكرخي . انظر : « التبصرة : 247 ، الذريعة 1 : 339 ، الأحكام للآمدي 3 : 25 ، المعتمد 1 : 313 - 312 ، روضة الناظر : 163 ، شرح اللَّمع 1 : 379 ، أصول السرخسي 2 : 27 ، المنخول : 66 » .

431


ولأجل ذلك رجعت الصّحابة في بيان صفة الوضوء إلى كيفيّة فعل النّبي ( 1 ) صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فمن دفع وقوع البيان بالأفعال كان مبعدا ، فلا فرق بين قوله في ذلك ، وبين من دفع ثبوت الأحكام بالأفعال ، وفي ذلك خروج عن الإجماع .
فإن قال : أليس من حقّ بيان الكلام أن يكون متّصلا به أو في حكم المتّصل به ، ولا يصحّ في الفعل مع الوقف ، فكيف يصحّ أن يكون بيانا له ؟ قيل له : لا نسلَّم أنّ من حقّ البيان أن يكون متّصلا بالكلام على كلّ حال ، بل يجوز عندنا أن يتأخّر البيان عن حال الخطاب إذا لم يكن الوقت وقت الحاجة على ما نبيّنه ( 2 ) ، فعلى هذا يصحّ أن يتأخّر البيان ويقع بالفعل ، ومتى فرضنا أنّ الوقت وقت الحاجة ، فذلك أيضا لا يمنع من وقوع البيان بالفعل ، ألا ترى أنّه لا فرق بين أن يقول : « صلَّوا إذا زالت الشّمس صلاة أوجبها الله عليكم » فإذا زالت الشّمس بيّنها وبيّن كيفيّتها وصفاتها ، وبين أن يقوم عند الزّوال فيصلَّي صلاة ، فإنّا نعلم به بيان تلك الصّلاة بفعله كما نعلم بقوله لو بيّنها به .
وليس يلزم من حيث كان الفعل لا يقع إلَّا في زمان ممتدّ أن يمنع ذلك من وقوع البيان به كما يمنع ذلك في القول ، لأنّ البيان بالقول أيضا ممتدّ الزّمان فيه كما يقع بالقول الَّذي لا يمتدّ الزّمان فيه من وجيز الكلام ، فليس امتداد أحدهما إلَّا كامتداد الآخر ، وإن كان أحدهما أكثر والآخر أقلّ .
فإن قيل : كيف يعلم تعلَّق الفعل بالمبيّن حتّى يعلم أنّه بيان له ؟ ، مع تجويز أن يكون ذلك الفعل وقع ابتداء لا بيانا لمّا تقدّم ، [ و ] في هذا ارتفاع التّبيّن به .
قيل له : إذا خاطب بالمجمل ، ولم يكن الوقت وقت الحاجة ، جاز أن يقول النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « أبيّن صفة ما أو أجبت عليكم بالفعل » ، فإذا جاء


ولأجل ذلك رجعت الصّحابة في بيان صفة الوضوء إلى كيفيّة فعل النّبي ( 1 ) صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فمن دفع وقوع البيان بالأفعال كان مبعدا ، فلا فرق بين قوله في ذلك ، وبين من دفع ثبوت الأحكام بالأفعال ، وفي ذلك خروج عن الإجماع .
فإن قال : أليس من حقّ بيان الكلام أن يكون متّصلا به أو في حكم المتّصل به ، ولا يصحّ في الفعل مع الوقف ، فكيف يصحّ أن يكون بيانا له ؟ قيل له : لا نسلَّم أنّ من حقّ البيان أن يكون متّصلا بالكلام على كلّ حال ، بل يجوز عندنا أن يتأخّر البيان عن حال الخطاب إذا لم يكن الوقت وقت الحاجة على ما نبيّنه ( 2 ) ، فعلى هذا يصحّ أن يتأخّر البيان ويقع بالفعل ، ومتى فرضنا أنّ الوقت وقت الحاجة ، فذلك أيضا لا يمنع من وقوع البيان بالفعل ، ألا ترى أنّه لا فرق بين أن يقول : « صلَّوا إذا زالت الشّمس صلاة أوجبها الله عليكم » فإذا زالت الشّمس بيّنها وبيّن كيفيّتها وصفاتها ، وبين أن يقوم عند الزّوال فيصلَّي صلاة ، فإنّا نعلم به بيان تلك الصّلاة بفعله كما نعلم بقوله لو بيّنها به .
وليس يلزم من حيث كان الفعل لا يقع إلَّا في زمان ممتدّ أن يمنع ذلك من وقوع البيان به كما يمنع ذلك في القول ، لأنّ البيان بالقول أيضا ممتدّ الزّمان فيه كما يقع بالقول الَّذي لا يمتدّ الزّمان فيه من وجيز الكلام ، فليس امتداد أحدهما إلَّا كامتداد الآخر ، وإن كان أحدهما أكثر والآخر أقلّ .
فإن قيل : كيف يعلم تعلَّق الفعل بالمبيّن حتّى يعلم أنّه بيان له ؟ ، مع تجويز أن يكون ذلك الفعل وقع ابتداء لا بيانا لمّا تقدّم ، [ و ] في هذا ارتفاع التّبيّن به .
قيل له : إذا خاطب بالمجمل ، ولم يكن الوقت وقت الحاجة ، جاز أن يقول النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم : « أبيّن صفة ما أو أجبت عليكم بالفعل » ، فإذا جاء

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) وهو المشهور بالوضوءات البيانيّة ، انظر : « الكافي 3 : 24 ح 1 أو 3 ، 3 : 25 ح 4 و 5 ، التّهذيب 1 : 55 ح 157 و 1 : 56 ح 158 ، الإستبصار 1 : 57 ح 168 ، شرح معاني الآثار 1 : 35 ، المصنّف لعبد الرزّاق 1 : 21 ح 61 ، وغيرها من الأحاديث البيانيّة الواردة في أبواب الوضوء من المجاميع الروائيّة » .
( 2 ) انظر كلام المصنّف في صفحة 450 .

( 1 ) وهو المشهور بالوضوءات البيانيّة ، انظر : « الكافي 3 : 24 ح 1 أو 3 ، 3 : 25 ح 4 و 5 ، التّهذيب 1 : 55 ح 157 و 1 : 56 ح 158 ، الإستبصار 1 : 57 ح 168 ، شرح معاني الآثار 1 : 35 ، المصنّف لعبد الرزّاق 1 : 21 ح 61 ، وغيرها من الأحاديث البيانيّة الواردة في أبواب الوضوء من المجاميع الروائيّة » . ( 2 ) انظر كلام المصنّف في صفحة 450 .

432


وقت الحاجة فعل فعلا يمكن أن يكون بيانا له ، فإنّا نعلم بذلك بيان ما خاطبنا به أوّلا .
وإن كان الوقت وقت الحاجة ، ففعل عقيب الخطاب فعلا يمكن أن يكون بيانا له ، فإنّا نعلم به المراد ، ونعلم أنّه متعلَّق به ، لأنّه لو لم يكن متعلَّقا به لكان قد أخلى خطابه من بيان مع الحاجة إليه ، وذلك لا يصحّ ، ولهذا قلنا إنّه لا فرق بين أن يقول :
« صلَّوا صلاة السّاعة » ثمّ يتبعها بالقول ، وبين أن يقوم فيصلَّي عقيب هذا القول صلاة ، فإنّا نعلم تلك الصّلاة بيانا لما قدّم القول فيه ، ولا فرق بين الموضعين .
فإن قيل : إذا قلتم : إنّه لا يمتنع أن يقول لنا : « إذا خاطبتكم بالمجمل وفعلت بعده فعلا فاعلموا أنّه بيان له » ، فقد عدتم إلى أنّ البيان حصل بالقول دون الفعل .
قيل له : ليس الأمر على ذلك ، بل البيان لا يقع إلَّا بالفعل في الموضع الَّذي ذكروه ، وإنّما يعلم بقوله تعلَّق فعله بالقول المجمل ، وأمّا بيان صفته فإنّه يحصل بالفعل دون القول على ما بيّناه .
ويدلّ على ذلك أيضا : رجوع المسلمين بأجمعهم في عهد الصّحابة ومن بعدهم في بيان صفة الصّلاة ، والحجّ ، والطَّهارة ، إلى أفعال النّبي عليه السّلام ( 1 ) وتبيّنوا بذلك قوله تعالى : أقيموا الصّلاة ( 2 ) ولله عَلى النّاسِ حِجُّ البَيت ( 3 ) ، فلو لا أنّهم علموا أنّ ذلك يقع به البيان ، وإلَّا لم يجز الرّجوع إليه .
ويدلّ أيضا على ذلك : ما روي عن النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنّه قال لأصحابه : « صلَّوا كما رأيتموني أصلي » ( 4 ) و « خذوا عنّي مناسككم » ( 5 ) فأحالهم في بيان


وقت الحاجة فعل فعلا يمكن أن يكون بيانا له ، فإنّا نعلم بذلك بيان ما خاطبنا به أوّلا .
وإن كان الوقت وقت الحاجة ، ففعل عقيب الخطاب فعلا يمكن أن يكون بيانا له ، فإنّا نعلم به المراد ، ونعلم أنّه متعلَّق به ، لأنّه لو لم يكن متعلَّقا به لكان قد أخلى خطابه من بيان مع الحاجة إليه ، وذلك لا يصحّ ، ولهذا قلنا إنّه لا فرق بين أن يقول :
« صلَّوا صلاة السّاعة » ثمّ يتبعها بالقول ، وبين أن يقوم فيصلَّي عقيب هذا القول صلاة ، فإنّا نعلم تلك الصّلاة بيانا لما قدّم القول فيه ، ولا فرق بين الموضعين .
فإن قيل : إذا قلتم : إنّه لا يمتنع أن يقول لنا : « إذا خاطبتكم بالمجمل وفعلت بعده فعلا فاعلموا أنّه بيان له » ، فقد عدتم إلى أنّ البيان حصل بالقول دون الفعل .
قيل له : ليس الأمر على ذلك ، بل البيان لا يقع إلَّا بالفعل في الموضع الَّذي ذكروه ، وإنّما يعلم بقوله تعلَّق فعله بالقول المجمل ، وأمّا بيان صفته فإنّه يحصل بالفعل دون القول على ما بيّناه .
ويدلّ على ذلك أيضا : رجوع المسلمين بأجمعهم في عهد الصّحابة ومن بعدهم في بيان صفة الصّلاة ، والحجّ ، والطَّهارة ، إلى أفعال النّبي عليه السّلام ( 1 ) وتبيّنوا بذلك قوله تعالى : أقيموا الصّلاة ( 2 ) ولله عَلى النّاسِ حِجُّ البَيت ( 3 ) ، فلو لا أنّهم علموا أنّ ذلك يقع به البيان ، وإلَّا لم يجز الرّجوع إليه .
ويدلّ أيضا على ذلك : ما روي عن النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنّه قال لأصحابه : « صلَّوا كما رأيتموني أصلي » ( 4 ) و « خذوا عنّي مناسككم » ( 5 ) فأحالهم في بيان

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) صلَّى الله عليه وآله وسلَّم .
( 2 ) البقرة : 43 .
( 3 ) آل عمران : 97 .
( 4 ) المعتبر 2 : 227 ، بحار الأنوار 85 : 279 ، صحيح البخاري : ب 18 كتاب الأذان ح 27 ، مسند أحمد 5 : 53 ، السنن الكبرى 2 : 345 .
( 5 ) السنن الكبرى 5 : 125 ، ورواه أيضا مسلم عن جابر ، والنسائي بلفظ « يا أيّها النّاس خذوا عنّي مناسككم » .

( 1 ) صلَّى الله عليه وآله وسلَّم . ( 2 ) البقرة : 43 . ( 3 ) آل عمران : 97 . ( 4 ) المعتبر 2 : 227 ، بحار الأنوار 85 : 279 ، صحيح البخاري : ب 18 كتاب الأذان ح 27 ، مسند أحمد 5 : 53 ، السنن الكبرى 2 : 345 . ( 5 ) السنن الكبرى 5 : 125 ، ورواه أيضا مسلم عن جابر ، والنسائي بلفظ « يا أيّها النّاس خذوا عنّي مناسككم » .

433


ذلك على أفعاله ، فلو لا أنّ البيان واقع بها وإلَّا لم يجز أن يحيلهم عليها .
وقد يبيّن الفعل بالفعل ، كما يبيّن به القول ، نحو أن يقنت النبيّ عليه السّلام في الفجر وغيره من الصّلوات ( 1 ) ، ثمّ نراه يتركه في تلك الصلاة ، فيعلم بذلك أنّه لم يكن واجبا ، لأنّه لو كان واجبا لما تركه على حال ، ونحو جلسته إلى الرّكعة الثّانية تارة وتركه لها أخرى ( 2 ) ، فإنّ ذلك يدلّ على أنّها لم تكن واجبة .
وقد يدلّ تركه للشّيء على حالة له أخرى ، نحو أن يترك الصّلاة في وقت مخصوص ، فإنّ ذلك يدلّ على أنّها ليست بواجبة ، فإن كان قد تقدّم دليل يدلّ على وجوبها في ذلك الوقت ، فإنّ تركه لها في ذلك الوقت يدلّ على أنّها قد نسخت أو خصّت .
ومتى حدثت حادثة ولم يبيّن الحكم فيها ، فإنّ ذلك يدلّ على أنّها باقية على حكم العقل ، لأنّه لو كان لها حكم شرعيّ لبيّنه أو نبّه عليه ، فإذا ( 3 ) ترك النكير على من أقدم بحضرته على فعل ولم يتقدّم منه بيان لقبحه ، دلّ على أنّه ليس بقبيح .
فعلى هذه الوجوه تعتبر أفعاله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لا بأعيان المسائل .
ومتى حصل قول وفعل يمكن أن يكون كلّ واحد منهما بيانا للمجمل وجب العمل بالقول ، لأنّه إنّما نلتجئ إلى الفعل ونجعله بيانا للمجمل عند الضّرورة ، فأمّا مع وجود البيان بالقول فلا حاجة بنا إلى ذلك .
والبيان من حقّه أن يكون في حقّ المبيّن ، فإن كان المبيّن واجبا كان بيانه واجبا ، وإن كان ندبا كان بيانه ندبا ، وإن كان مباحا كان بيانه مباحا ، ولأجل ذلك نقول :
إنّ أفعاله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم إذا كانت بيانا لجملة واجبة كانت واجبة ، وإذا كانت بيانا لجملة مندوب إليها كانت كذلك .


ذلك على أفعاله ، فلو لا أنّ البيان واقع بها وإلَّا لم يجز أن يحيلهم عليها .
وقد يبيّن الفعل بالفعل ، كما يبيّن به القول ، نحو أن يقنت النبيّ عليه السّلام في الفجر وغيره من الصّلوات ( 1 ) ، ثمّ نراه يتركه في تلك الصلاة ، فيعلم بذلك أنّه لم يكن واجبا ، لأنّه لو كان واجبا لما تركه على حال ، ونحو جلسته إلى الرّكعة الثّانية تارة وتركه لها أخرى ( 2 ) ، فإنّ ذلك يدلّ على أنّها لم تكن واجبة .
وقد يدلّ تركه للشّيء على حالة له أخرى ، نحو أن يترك الصّلاة في وقت مخصوص ، فإنّ ذلك يدلّ على أنّها ليست بواجبة ، فإن كان قد تقدّم دليل يدلّ على وجوبها في ذلك الوقت ، فإنّ تركه لها في ذلك الوقت يدلّ على أنّها قد نسخت أو خصّت .
ومتى حدثت حادثة ولم يبيّن الحكم فيها ، فإنّ ذلك يدلّ على أنّها باقية على حكم العقل ، لأنّه لو كان لها حكم شرعيّ لبيّنه أو نبّه عليه ، فإذا ( 3 ) ترك النكير على من أقدم بحضرته على فعل ولم يتقدّم منه بيان لقبحه ، دلّ على أنّه ليس بقبيح .
فعلى هذه الوجوه تعتبر أفعاله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لا بأعيان المسائل .
ومتى حصل قول وفعل يمكن أن يكون كلّ واحد منهما بيانا للمجمل وجب العمل بالقول ، لأنّه إنّما نلتجئ إلى الفعل ونجعله بيانا للمجمل عند الضّرورة ، فأمّا مع وجود البيان بالقول فلا حاجة بنا إلى ذلك .
والبيان من حقّه أن يكون في حقّ المبيّن ، فإن كان المبيّن واجبا كان بيانه واجبا ، وإن كان ندبا كان بيانه ندبا ، وإن كان مباحا كان بيانه مباحا ، ولأجل ذلك نقول :
إنّ أفعاله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم إذا كانت بيانا لجملة واجبة كانت واجبة ، وإذا كانت بيانا لجملة مندوب إليها كانت كذلك .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سنن الترمذي : باب 294 و 295 من أبواب الصلاة .
( 2 ) سنن الترمذي : باب 213 و 214 من أبواب الصّلاة .
( 3 ) وإذا .

( 1 ) سنن الترمذي : باب 294 و 295 من أبواب الصلاة . ( 2 ) سنن الترمذي : باب 213 و 214 من أبواب الصّلاة . ( 3 ) وإذا .

434


والمجمل على ضروب :
منها : ما يكون لازما لجميع المكلَّفين ، فما هذا حكمه يجب أن يكون بيانه في حكمه في الظَّهور ، وذلك مثل الصّلاة والطَّهارة وما أشبههما .
ومنها : ما يختصّ بفرضه الأئمّة عليهم السّلام فينبغي أن يكون للأئمّة طريق إلى العلم بها ، ولا يجب ذلك في غيرهم .
ومنها : ما يختصّ بالعلماء ، فينبغي أن يكون لهم طريق إلى معرفته .
وقد أجاز من خالفنا ، وقوع البيان بخبر الواحد والقياس ، كما أجازوا العمل بهما ( 1 ) .
وعندنا أنّ ذلك غير جائز على ما بيّنا القول فيه ( 2 ) .
فأمّا على المذهب الَّذي اخترناه ( 3 ) من العمل بالأخبار الَّتي تنقلها الطَّائفة المحقّة ، فإنّه لا يمتنع العمل بها في بيان المجمل ، ولذلك رجعت الطَّائفة في كثير من أحكام الصلاة ، والوضوء ، وأحكام الزّكاة ، والصّوم ، والحجّ إلى الأخبار الَّتي رووها ودوّنوها في كتبهم وأصولهم .
ومن قال من أصحابنا : أنّه لا يجوز العمل بها إلَّا إذا كانت معلومة ، ينبغي أن يقول : لا يقع بها البيان أصلا ، وهذا خلاف ما عليه عمل الطَّائفة على ما بيّناه ( 4 ) وهذه جملة كافية في هذا الباب .


والمجمل على ضروب :
منها : ما يكون لازما لجميع المكلَّفين ، فما هذا حكمه يجب أن يكون بيانه في حكمه في الظَّهور ، وذلك مثل الصّلاة والطَّهارة وما أشبههما .
ومنها : ما يختصّ بفرضه الأئمّة عليهم السّلام فينبغي أن يكون للأئمّة طريق إلى العلم بها ، ولا يجب ذلك في غيرهم .
ومنها : ما يختصّ بالعلماء ، فينبغي أن يكون لهم طريق إلى معرفته .
وقد أجاز من خالفنا ، وقوع البيان بخبر الواحد والقياس ، كما أجازوا العمل بهما ( 1 ) .
وعندنا أنّ ذلك غير جائز على ما بيّنا القول فيه ( 2 ) .
فأمّا على المذهب الَّذي اخترناه ( 3 ) من العمل بالأخبار الَّتي تنقلها الطَّائفة المحقّة ، فإنّه لا يمتنع العمل بها في بيان المجمل ، ولذلك رجعت الطَّائفة في كثير من أحكام الصلاة ، والوضوء ، وأحكام الزّكاة ، والصّوم ، والحجّ إلى الأخبار الَّتي رووها ودوّنوها في كتبهم وأصولهم .
ومن قال من أصحابنا : أنّه لا يجوز العمل بها إلَّا إذا كانت معلومة ، ينبغي أن يقول : لا يقع بها البيان أصلا ، وهذا خلاف ما عليه عمل الطَّائفة على ما بيّناه ( 4 ) وهذه جملة كافية في هذا الباب .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) راجع تفصيل الأقوال في صفحة 97 فصل ( 4 ) .
( 2 ) انظر استدلال المصنّف في صفحة 100 .
( 3 ) انظر استدلال المصنّف في صفحة 100 .
( 4 ) انظر استدلال المصنّف في صفحة 100 .

( 1 ) راجع تفصيل الأقوال في صفحة 97 فصل ( 4 ) . ( 2 ) انظر استدلال المصنّف في صفحة 100 . ( 3 ) انظر استدلال المصنّف في صفحة 100 . ( 4 ) انظر استدلال المصنّف في صفحة 100 .

435

لا يتم تسجيل الدخول!