إسم الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( عدد الصفحات : 560)


التبيان
في تفسير القرآن
تأليف
شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي
385 - 460 ه‍ .
تحقيق وتصحيح
أحمد حبيب قصير العاملي
المجلد الرابع


التبيان في تفسير القرآن تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه‍ .
تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي المجلد الرابع

1


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ما تفضل وأنعم وصلى الله على محمد وآله وسلم
وبعد لقد نفدت الطبعة الأولى من هذا السفر النفيس ورأينا الطلب لم
يزل كما هو فعزمنا على إعادته طبعة ثانية متكلين على الله تعالى وحده .
وسوف نعتني بضبط ما فاتنا من الأخطاء إن شاء الله تعالى . وعلينا أن
نبذل الجهد ، وعلى الله التوفيق .
أحمد حبيب قصير العاملي


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما تفضل وأنعم وصلى الله على محمد وآله وسلم وبعد لقد نفدت الطبعة الأولى من هذا السفر النفيس ورأينا الطلب لم يزل كما هو فعزمنا على إعادته طبعة ثانية متكلين على الله تعالى وحده .
وسوف نعتني بضبط ما فاتنا من الأخطاء إن شاء الله تعالى . وعلينا أن نبذل الجهد ، وعلى الله التوفيق .
أحمد حبيب قصير العاملي

2



قوله تعالى :
وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من
الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع
الشاهدين ( 86 ) آية ، بلا خلاف .
هذا وصف للذين آمنوا من هؤلاء النصارى الذين ذكرهم الله أنهم
أقرب مودة للمؤمنين بأنهم إذا سمعوا ما أنزل الله من القرآن يتلى " ترى
أعينهم تفيض من الدمع " يعني من آمن من هؤلاء النصارى . قال الزجاج
وأبو علي : تقديره ومنهم إذا سمعوا ولم يذكر ( منهم ) لدلالة الكلام عليه
وما وصفهم به فيما بعده . وفيض العين من الدمع امتلاؤها منه سيلا ومنه
فيض النهر من الماء وفيض الاناء ، وهو سيلانه عن شدة امتلاء ، ومنه قول الشاعر :
ففاضت دموعي فظل الشؤون * إما وكيفا وإما انحدارا ( 1 )
وخبر مستفيض أي شائع ، وفاض صدر فلان بسره ، وأفاض القوم من
عرفات إلى منى إذا دفعوا ، وأفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه ،
والدمع الماء الجاري من العين ويشبه به الصافي ، فيقال دمعة . والمدامع مجاري
الدمع وشجة دامعة تسيل دما .
وقوله " مما عرفوا من الحق " أي مما علموه من صدق النبي وصحة
ما أتى به " يقولون ربنا " في موضع الحال ، وتقديره قائلين " ربنا آمنا "
أي صدقنا بما أنزلت " فاكتبنا مع الشاهدين " قيل في معناه قولان :
أحدهما - فاجعلنا مع الشاهدين فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون .
الثاني - فاكتبنا معهم في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ . و ( الشاهدين )
قال ابن عباس وابن جريج : مع أمة محمد صلى الله عليه وآله الذين يشهدون بالحق من


قوله تعالى :
وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ( 86 ) آية ، بلا خلاف .
هذا وصف للذين آمنوا من هؤلاء النصارى الذين ذكرهم الله أنهم أقرب مودة للمؤمنين بأنهم إذا سمعوا ما أنزل الله من القرآن يتلى " ترى أعينهم تفيض من الدمع " يعني من آمن من هؤلاء النصارى . قال الزجاج وأبو علي : تقديره ومنهم إذا سمعوا ولم يذكر ( منهم ) لدلالة الكلام عليه وما وصفهم به فيما بعده . وفيض العين من الدمع امتلاؤها منه سيلا ومنه فيض النهر من الماء وفيض الاناء ، وهو سيلانه عن شدة امتلاء ، ومنه قول الشاعر :
ففاضت دموعي فظل الشؤون * إما وكيفا وإما انحدارا ( 1 ) وخبر مستفيض أي شائع ، وفاض صدر فلان بسره ، وأفاض القوم من عرفات إلى منى إذا دفعوا ، وأفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه ، والدمع الماء الجاري من العين ويشبه به الصافي ، فيقال دمعة . والمدامع مجاري الدمع وشجة دامعة تسيل دما .
وقوله " مما عرفوا من الحق " أي مما علموه من صدق النبي وصحة ما أتى به " يقولون ربنا " في موضع الحال ، وتقديره قائلين " ربنا آمنا " أي صدقنا بما أنزلت " فاكتبنا مع الشاهدين " قيل في معناه قولان :
أحدهما - فاجعلنا مع الشاهدين فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون .
الثاني - فاكتبنا معهم في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ . و ( الشاهدين ) قال ابن عباس وابن جريج : مع أمة محمد صلى الله عليه وآله الذين يشهدون بالحق من

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) قائله الأعشى . ديوانه : 35 .

( 1 ) قائله الأعشى . ديوانه : 35 .

3


قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " ( 1 )
وقال الحسن : هم الذين يشهدون بالايمان . وقال أبو علي الذين يشهدون
بتصديق نبيك وكتابك .
قوله تعالى :
ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن
يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ( 87 ) آية بلا خلاف .
هذا إخبار عن هؤلاء الذين آمنوا من النصارى بأنهم قالوا : " ومالنا "
قال الزجاج : وهو جواب لمن قال لهم من قومهم معنفين لهم : لم آمنتم .
وقال غيره : قدروا في أنفسهم كأن سائلا يسألهم عنه ، فأجابوا بذلك . وقوله
" لا نؤمن " في موضع نصب على الحال ، وتقديره أي شئ لنا تاركين للايمان
أي في حال تركنا للايمان . والايمان هو التصديق عن ثقة ، لان الصدق راجع
إلى طمأنينة القلب بما صدق به . والحق هو الشئ الذي من عمل عليه نجا ،
ومن عمل على ضده من الباطل هلك . ومعنى ( من ) - هاهنا - قيل في معناه
قولان :
أحدهما - تبيين الإضافة التي تقوم مقام الصفة ، كأنه قيل : والجائي
لنا الذي هو حق .
وقال آخرون : إنها للتبعيض لأنهم آمنوا بالذي جاءهم على التفصيل .
ووصف القرآن بأنه ( جاء ) مجاز ، كما قيل : نزل ، ومعناه نزل به الملك ،
فكذلك جاء به الملك . ويقال : جاء بمعنى حدث نحو " جاءت سكرت
الموت " ( 2 ) وجاء البرد والحر .
وقوله " ونطمع " فالطمع تعلق النفس بما يقوى أن يكون من معنى


قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " ( 1 ) وقال الحسن : هم الذين يشهدون بالايمان . وقال أبو علي الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك .
قوله تعالى :
ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ( 87 ) آية بلا خلاف .
هذا إخبار عن هؤلاء الذين آمنوا من النصارى بأنهم قالوا : " ومالنا " قال الزجاج : وهو جواب لمن قال لهم من قومهم معنفين لهم : لم آمنتم .
وقال غيره : قدروا في أنفسهم كأن سائلا يسألهم عنه ، فأجابوا بذلك . وقوله " لا نؤمن " في موضع نصب على الحال ، وتقديره أي شئ لنا تاركين للايمان أي في حال تركنا للايمان . والايمان هو التصديق عن ثقة ، لان الصدق راجع إلى طمأنينة القلب بما صدق به . والحق هو الشئ الذي من عمل عليه نجا ، ومن عمل على ضده من الباطل هلك . ومعنى ( من ) - هاهنا - قيل في معناه قولان :
أحدهما - تبيين الإضافة التي تقوم مقام الصفة ، كأنه قيل : والجائي لنا الذي هو حق .
وقال آخرون : إنها للتبعيض لأنهم آمنوا بالذي جاءهم على التفصيل .
ووصف القرآن بأنه ( جاء ) مجاز ، كما قيل : نزل ، ومعناه نزل به الملك ، فكذلك جاء به الملك . ويقال : جاء بمعنى حدث نحو " جاءت سكرت الموت " ( 2 ) وجاء البرد والحر .
وقوله " ونطمع " فالطمع تعلق النفس بما يقوى أن يكون من معنى

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سورة 2 البقرة آية 143
( 2 ) سورة 50 ق آية 19 .

( 1 ) سورة 2 البقرة آية 143 ( 2 ) سورة 50 ق آية 19 .

4


المحبوب ، ونظيره الامل والرجاء فالطمع يكون معه الخوف أو لا يكون .
" أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين " معناه أن يدخلنا معهم الجنة . والصالح
هو الذي يعمل الصلاح في نفسه وإذا عمله في غيره فهو مصلح ، فلذلك لم
يوصف الله تعالى بأنه صالح ووصف بأنه مصلح .
قوله تعالى :
فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار
خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين ( 88 ) آية بلا خلاف .
معنى " فأثابهم الله " جازاهم الله بالنعيم على العمل كما أن العقاب
الجزاء بالعذاب على العمل وأصل الثواب الرجوع . ومنه قوله " هل ثوب
الكفار ما كانوا يفعلون " ( 1 ) أي هل رجع إليهم جزاء عملهم . وقوله " بما
قالوا " يعني قولهم " ربنا آمنا " وقوله " جنات تجري من تحتها الأنهار "
إنما ذكرها بلفظ الجمع وإن كانت هي جنة الخلد ، لأنها جنة فيها جنات أي
بساتين ، وتذكر بالجمع لتبين عن اختلاف صورها وأحوال أشجارها وأنهارها
ووجوه الاستمتاع بها ، ووجه آخر : هو أن يكون جمعها مضافا إليهم كما
يقال لهم جنة الخلد إلا أنها مرة تذكر على طريق الجنس ، ومرة على غير طريق
الجنس . وقوله " وذلك جزاء المحسنين " ( ذلك ) إشارة إلى الثواب .
والاحسان هو إيصال النفع الحسن إلى الغير ، وضده الإساءة ، وهي
إيصال الضرر القبيح إليه ، وليس كل من كان من جهته إحسان فهو محسن
مطلقا ، فالمحسن فاعل الاحسان الخالي مما يطلبه ، كما أن المؤمن هو فاعل
الايمان الخالص مما يحبطه ، وعندنا لا يحتاج إلى شرط خلوه مما يبطله ،
لان الاحباط عندنا باطل ، لكن يحتاج أن يشرط فيه أن يكون خاليا من وجوه


المحبوب ، ونظيره الامل والرجاء فالطمع يكون معه الخوف أو لا يكون .
" أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين " معناه أن يدخلنا معهم الجنة . والصالح هو الذي يعمل الصلاح في نفسه وإذا عمله في غيره فهو مصلح ، فلذلك لم يوصف الله تعالى بأنه صالح ووصف بأنه مصلح .
قوله تعالى :
فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين ( 88 ) آية بلا خلاف .
معنى " فأثابهم الله " جازاهم الله بالنعيم على العمل كما أن العقاب الجزاء بالعذاب على العمل وأصل الثواب الرجوع . ومنه قوله " هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون " ( 1 ) أي هل رجع إليهم جزاء عملهم . وقوله " بما قالوا " يعني قولهم " ربنا آمنا " وقوله " جنات تجري من تحتها الأنهار " إنما ذكرها بلفظ الجمع وإن كانت هي جنة الخلد ، لأنها جنة فيها جنات أي بساتين ، وتذكر بالجمع لتبين عن اختلاف صورها وأحوال أشجارها وأنهارها ووجوه الاستمتاع بها ، ووجه آخر : هو أن يكون جمعها مضافا إليهم كما يقال لهم جنة الخلد إلا أنها مرة تذكر على طريق الجنس ، ومرة على غير طريق الجنس . وقوله " وذلك جزاء المحسنين " ( ذلك ) إشارة إلى الثواب .
والاحسان هو إيصال النفع الحسن إلى الغير ، وضده الإساءة ، وهي إيصال الضرر القبيح إليه ، وليس كل من كان من جهته إحسان فهو محسن مطلقا ، فالمحسن فاعل الاحسان الخالي مما يطلبه ، كما أن المؤمن هو فاعل الايمان الخالص مما يحبطه ، وعندنا لا يحتاج إلى شرط خلوه مما يبطله ، لان الاحباط عندنا باطل ، لكن يحتاج أن يشرط فيه أن يكون خاليا من وجوه

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سورة 83 المطففين آية 36 : .

( 1 ) سورة 83 المطففين آية 36 : .

5


القبح . وقوله " وذلك جزاء المحسنين " وإن كان مطلقا فهو مقيد في المعنى
بالمحسنين الذين يجوز عليهم الوعد بالنفع ، لأنه وعد به ، ألا ترى أن الله
تعالى يفعل الاحسان وإن كان لا يصح عليه الثواب لأنه مضمن بمن يجوز
عليه المنافع والمضار فجزاؤه هذه المنافع العظام دون المضار ، لأنه خرج مخرج
استدعاء العباد إلى فعل الاحسان .
قوله تعالى :
والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم
( 89 ) آية بلا خلاف .
لما كان أهل الكتاب فريقين أحدهما آمنوا ، والثاني كفروا ، وذكر
الوعد للمؤمنين منهم اقتضى أن يذكر الوعيد لمن كفر منهم وأطلق اللفظ
ليكون لهم ولكل من جرى مجراهم ، وإنما شرط في الوعيد على الكفر
بالتكذيب بالآيات وإن كان كل واحد منهما يستحق به العقاب ، لان صفة
الكفار من أهل الكتاب أنهم يكذبون بالآيات ، فلم يصلح - هاهنا - لو
كذبوا لأنهم قد جمعوا الامرين ، ولان دعوة الرسول صلى الله عليه وآله بوعيد الكفار
ظاهرة مع مجئ القرآن به في نحو قوله " ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر
ما دون ذلك لمن يشاء " ( 1 ) فلم يقع فيه اشكال لهذا . وقوله " أولئك "
يعني هؤلاء الكفار .
و " أصحاب الجحيم " يعني الملازمون لها ، كقولك أصحاب الصحراء
وليس كمثل أصحاب الأموال ، لان معنى ذلك ملاك الأموال . وليس من
شرط المكذب أن يكون عالما أن ما كذب به صحيح بل إذا اعتقد أن الخبر
كذب سمي مكذبا ، وإن لم يعلم أنه كذب ، وإنما يستحق الذم ، لأنه جعل


القبح . وقوله " وذلك جزاء المحسنين " وإن كان مطلقا فهو مقيد في المعنى بالمحسنين الذين يجوز عليهم الوعد بالنفع ، لأنه وعد به ، ألا ترى أن الله تعالى يفعل الاحسان وإن كان لا يصح عليه الثواب لأنه مضمن بمن يجوز عليه المنافع والمضار فجزاؤه هذه المنافع العظام دون المضار ، لأنه خرج مخرج استدعاء العباد إلى فعل الاحسان .
قوله تعالى :
والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ( 89 ) آية بلا خلاف .
لما كان أهل الكتاب فريقين أحدهما آمنوا ، والثاني كفروا ، وذكر الوعد للمؤمنين منهم اقتضى أن يذكر الوعيد لمن كفر منهم وأطلق اللفظ ليكون لهم ولكل من جرى مجراهم ، وإنما شرط في الوعيد على الكفر بالتكذيب بالآيات وإن كان كل واحد منهما يستحق به العقاب ، لان صفة الكفار من أهل الكتاب أنهم يكذبون بالآيات ، فلم يصلح - هاهنا - لو كذبوا لأنهم قد جمعوا الامرين ، ولان دعوة الرسول صلى الله عليه وآله بوعيد الكفار ظاهرة مع مجئ القرآن به في نحو قوله " ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " ( 1 ) فلم يقع فيه اشكال لهذا . وقوله " أولئك " يعني هؤلاء الكفار .
و " أصحاب الجحيم " يعني الملازمون لها ، كقولك أصحاب الصحراء وليس كمثل أصحاب الأموال ، لان معنى ذلك ملاك الأموال . وليس من شرط المكذب أن يكون عالما أن ما كذب به صحيح بل إذا اعتقد أن الخبر كذب سمي مكذبا ، وإن لم يعلم أنه كذب ، وإنما يستحق الذم ، لأنه جعل

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سورة 4 النساء آية 47 ، 115 .

( 1 ) سورة 4 النساء آية 47 ، 115 .

6


له طريق إلى أن يعلم صحة ما كذب به . و " الجحيم " النار الشديدة الايقاد
وهو اسم من أسماء جهنم ويقال : جحم فلان النار إذا شدد ايقادها ، ويقال
أيضا لعين الأسد : جحمة لشدة ايقادها ، ويقال ذلك للحرب أيضا قال الشاعر :
والحرب لا تبقى لجا * حمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في * النجدات والفرس الوقاح ( 1 )
قوله تعالى :
يا أيها الذين امنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم
ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( 90 ) آية بلا خلاف .
هذا خطاب للمؤمنين خاصة نهاهم الله أن يحرموا طيبات ما أحل الله لهم .
والتحريم هو العقد على ما لا يجوز فعله للعبد ، والتحليل حل ذلك العقد ،
وذلك كتحريم السبت بالعقد على أهله ، فلا يجوز لهم العمل فيه ، وتحليله
تحليل ذلك العقد بأنه يجوز لهم الان العمل فيه . والطيبات اللذيذات التي
تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب . ويقال : طيب بمعنى حلال . وتقول :
يطيب له كذا أي يحل له ، ولا يليق ذلك بهذا الموضوع ، لأنه لا يقال :
لا تحرموا حلال ما أحل الله لكم .
والذي اقتضى ذكر النهي عن تحريم الطيبات - على ما قال ابن عباس
ومجاهد وأبو مالك وقتادة وإبراهيم - حال الرهبان الذين حرموا على أنفسهم
المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة وحبسوا أنفسهم في الصوامع وساحوا في
الأرض ، وحرموا النساء ، فهم قوم من الصحابة أن يفعلوا مثل ذلك ، فنهاهم
الله عن ذلك . وقال أبو علي : نهوا أن يحرموا الحلال من الرزق بما يخلطه
من الغصب . واختار الرماني الوجه الأول ، لان أكثر المفسرين عليه .


له طريق إلى أن يعلم صحة ما كذب به . و " الجحيم " النار الشديدة الايقاد وهو اسم من أسماء جهنم ويقال : جحم فلان النار إذا شدد ايقادها ، ويقال أيضا لعين الأسد : جحمة لشدة ايقادها ، ويقال ذلك للحرب أيضا قال الشاعر :
والحرب لا تبقى لجا * حمها التخيل والمراح إلا الفتى الصبار في * النجدات والفرس الوقاح ( 1 ) قوله تعالى :
يا أيها الذين امنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ( 90 ) آية بلا خلاف .
هذا خطاب للمؤمنين خاصة نهاهم الله أن يحرموا طيبات ما أحل الله لهم .
والتحريم هو العقد على ما لا يجوز فعله للعبد ، والتحليل حل ذلك العقد ، وذلك كتحريم السبت بالعقد على أهله ، فلا يجوز لهم العمل فيه ، وتحليله تحليل ذلك العقد بأنه يجوز لهم الان العمل فيه . والطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب . ويقال : طيب بمعنى حلال . وتقول :
يطيب له كذا أي يحل له ، ولا يليق ذلك بهذا الموضوع ، لأنه لا يقال :
لا تحرموا حلال ما أحل الله لكم .
والذي اقتضى ذكر النهي عن تحريم الطيبات - على ما قال ابن عباس ومجاهد وأبو مالك وقتادة وإبراهيم - حال الرهبان الذين حرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة وحبسوا أنفسهم في الصوامع وساحوا في الأرض ، وحرموا النساء ، فهم قوم من الصحابة أن يفعلوا مثل ذلك ، فنهاهم الله عن ذلك . وقال أبو علي : نهوا أن يحرموا الحلال من الرزق بما يخلطه من الغصب . واختار الرماني الوجه الأول ، لان أكثر المفسرين عليه .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) انظر 2 : 438 من هذا الكتاب .

( 1 ) انظر 2 : 438 من هذا الكتاب .

7


وقال السدي : نهاهم الله عما هم به عثمان بن مظعون من جب نفسه .
وقال عكرمة : هو ما همت به الجماعة : من تحريم النساء والطعام
واللباس والنوم .
وقال الحسن : لا تعتدوا إلى ما حرم عليكم وهو أعم فائدة . والاعتداء
مجاوزة حد الحكمة إلى ما نهى عنه الحكيم ، وزجر عنه إما بالعقل أو السمع ،
وهو تجاوز المرء ماله إلى ما ليس له . وقوله " إن الله لا يحب المعتدين "
معناه يبغضهم ويريد الانتقام منهم وإنما ذكره على وجه النفي لدلالة هذا
النفي على معنى الاثبات إذ ذكر في صفة المعتدين ، وكأنه قيل يكفيهم في
الهلاك ألا يحبهم الله .
قوله تعالى :
وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم
به مؤمنون ( 91 ) آية اجماعا .
سبب نزول هذه الآية والتي قبلها على ما قال عكرمة وأبو قلابة وأبو
مالك وإبراهيم وقتادة والسدي وابن عباس والضحاك : إن جماعة من الصحابة
منهم علي ( ع ) وعثمان بن مظعون وابن مسعود وعبد الله بن عمر ، هموا
بصيام الدهر وقيام الليل ، واعتزال الناس وجب أنفسهم وتحريم الطيبات
عليهم . فروي أن عثمان بن مظعون قال أتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت : يا رسول الله
إئذن لي في الترهب فقال : ( لا إنما رهبانية أمتي الجلوس في المسجد وانتظار
الصلاة بعد الصلاة ) فقلت : يا رسول الله أتأذن لي في السياحة قال : ( سياحة
أمتي الجهاد في سبيل الله ) فقلت : يا رسول الله أتأذن لي في الاختصاء فقال :
( ليس منا من خصا واختصا إنما اختصاء أمتي الصوم ) .
وقوله " وكلوا " لفظه لفظ الامر والمراد به الإباحة أباح الله تعالى


وقال السدي : نهاهم الله عما هم به عثمان بن مظعون من جب نفسه .
وقال عكرمة : هو ما همت به الجماعة : من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم .
وقال الحسن : لا تعتدوا إلى ما حرم عليكم وهو أعم فائدة . والاعتداء مجاوزة حد الحكمة إلى ما نهى عنه الحكيم ، وزجر عنه إما بالعقل أو السمع ، وهو تجاوز المرء ماله إلى ما ليس له . وقوله " إن الله لا يحب المعتدين " معناه يبغضهم ويريد الانتقام منهم وإنما ذكره على وجه النفي لدلالة هذا النفي على معنى الاثبات إذ ذكر في صفة المعتدين ، وكأنه قيل يكفيهم في الهلاك ألا يحبهم الله .
قوله تعالى :
وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ( 91 ) آية اجماعا .
سبب نزول هذه الآية والتي قبلها على ما قال عكرمة وأبو قلابة وأبو مالك وإبراهيم وقتادة والسدي وابن عباس والضحاك : إن جماعة من الصحابة منهم علي ( ع ) وعثمان بن مظعون وابن مسعود وعبد الله بن عمر ، هموا بصيام الدهر وقيام الليل ، واعتزال الناس وجب أنفسهم وتحريم الطيبات عليهم . فروي أن عثمان بن مظعون قال أتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت : يا رسول الله إئذن لي في الترهب فقال : ( لا إنما رهبانية أمتي الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ) فقلت : يا رسول الله أتأذن لي في السياحة قال : ( سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) فقلت : يا رسول الله أتأذن لي في الاختصاء فقال :
( ليس منا من خصا واختصا إنما اختصاء أمتي الصوم ) .
وقوله " وكلوا " لفظه لفظ الامر والمراد به الإباحة أباح الله تعالى

8


للمؤمنين أن يأكلوا مما رزقهم حلالا طيبا ، فالرزق هو ما للحي الانتفاع به
وليس لغيره منعه منه . وقال الرماني : الرزق هو العطاء الجاري في الحكم
ومن ذلك قيل : رزق السلطان الجند إذا جعل لهم عطاء جاريا في حكمه في
كل شهر أو في كل سنة . قال الرماني : وكلما خلقه الله في الأرض مما يملك ،
فهو رزق للعباد في الجملة بدلالة قوله " هو الذي خلق لكم ما في الأرض
جميعا " ( 1 ) ولولا ذلك لجوزنا أن يكون منه ما ليس للانس إلا أنه وإن كان
رزقا لهم في الجملة فتفصيل قسمته على ما يصح ويجوز من الاملاك ، ولا
يجوز أن يكون الرزق حراما ، لان الله منع منه بالنهي ، فاما البغاة فيرزقون
حراما إذا حكموا بأن المال للعبد ، وهو مغصوب لا يحل ، قال وما افترسه
السبع رزق له بشرط غلبته عليه كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا
عليها ، لان المشرك يملك ما في يده ، فإذا غلبنا عليه بطل ملكه ، وصار رزقا
لنا في هذه الحال ، قال : وقد أمرنا بأن نمنعه من الانسان مع الامكان ، وأذن
لنا أن نمنعه من غيره من نحو الميتة والوحش إن شئنا ويسقط جميع ذلك في
حال التعذر علينا .
وعندي أنه لا يجب أن يطلق أن ما يغلب عليه السبع رزق له بل إنما
نقول : إن رزقه ما ليس لنا منعه منه فأما ما لنا منعه منه إما بأن يكون ملكا
لنا أو أذن لنا فيه ، فلا يكون رزقا له بالاطلاق ، وقد يسلط الله السبع على
بعض المشركين فيكون رزقا له وعقابا للمشرك ، والأصل فيه قوله تعالى " وما
من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " ( 2 ) فمفهوم هذا أنه رزقه بشرط
الغلبة عليه .
فان قيل : إذا كان الرزق لا يكون إلا حلالا فلم قال : ( حلالا ) ؟
قيل : ذكر ذلك على وجه التأكيد كما قال " وكلم الله موسى تكليما " ( 3 )


للمؤمنين أن يأكلوا مما رزقهم حلالا طيبا ، فالرزق هو ما للحي الانتفاع به وليس لغيره منعه منه . وقال الرماني : الرزق هو العطاء الجاري في الحكم ومن ذلك قيل : رزق السلطان الجند إذا جعل لهم عطاء جاريا في حكمه في كل شهر أو في كل سنة . قال الرماني : وكلما خلقه الله في الأرض مما يملك ، فهو رزق للعباد في الجملة بدلالة قوله " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا " ( 1 ) ولولا ذلك لجوزنا أن يكون منه ما ليس للانس إلا أنه وإن كان رزقا لهم في الجملة فتفصيل قسمته على ما يصح ويجوز من الاملاك ، ولا يجوز أن يكون الرزق حراما ، لان الله منع منه بالنهي ، فاما البغاة فيرزقون حراما إذا حكموا بأن المال للعبد ، وهو مغصوب لا يحل ، قال وما افترسه السبع رزق له بشرط غلبته عليه كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا عليها ، لان المشرك يملك ما في يده ، فإذا غلبنا عليه بطل ملكه ، وصار رزقا لنا في هذه الحال ، قال : وقد أمرنا بأن نمنعه من الانسان مع الامكان ، وأذن لنا أن نمنعه من غيره من نحو الميتة والوحش إن شئنا ويسقط جميع ذلك في حال التعذر علينا .
وعندي أنه لا يجب أن يطلق أن ما يغلب عليه السبع رزق له بل إنما نقول : إن رزقه ما ليس لنا منعه منه فأما ما لنا منعه منه إما بأن يكون ملكا لنا أو أذن لنا فيه ، فلا يكون رزقا له بالاطلاق ، وقد يسلط الله السبع على بعض المشركين فيكون رزقا له وعقابا للمشرك ، والأصل فيه قوله تعالى " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " ( 2 ) فمفهوم هذا أنه رزقه بشرط الغلبة عليه .
فان قيل : إذا كان الرزق لا يكون إلا حلالا فلم قال : ( حلالا ) ؟
قيل : ذكر ذلك على وجه التأكيد كما قال " وكلم الله موسى تكليما " ( 3 )

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سورة 2 البقرة آية 29
( 2 ) سورة 11 هود آية 6
( 3 ) سورة 4 النساء آية 163 .

( 1 ) سورة 2 البقرة آية 29 ( 2 ) سورة 11 هود آية 6 ( 3 ) سورة 4 النساء آية 163 .

9


وقد أطلق في موضع آخر على جهة المدح " ومما رزقناهم ينفقون " ( 1 )
وقوله : " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " استدعاء إلى التقوى
بألطف الاستدعاء وتقديره أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا ايمانكم بالتقصير
في التقوى فيكون عليكم الحسرة العظمى واتقوا تحريم ما أحله الله لكم في
جميع معاصيه من أنتم به تؤمنون وهو الله تعالى .
وأصل الصفة التعريف ثم يخرج إلى غير ذلك من المدح والذم وغير
ذلك من المعاني التي تحسن في مخرج الصفة ، فلذلك قال الذي " أنتم به
مؤمنون " وفي هاتين الآيتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش
والخروج عما عليه الجمهور في التأهل وطلب الولد وعمارة الأرض .
قوله تعالى :
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم
بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط
ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد
فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا
أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ( 92 )
آية بلا خلاف .
قرأ " عاقدتم " بالألف ابن عامر ، و " عقدتم " بلا ألف مع تخفيف
القاف حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم . والباقون بالتشديد . ومنع
من القراءة بالتشديد الطبري ، قال : لأنه لا يكون إلا مع تكرير اليمين
والمؤاخذة تلزم من غير تكرير بلا خلاف . وهذا ليس بصحيح لان تعقيد


وقد أطلق في موضع آخر على جهة المدح " ومما رزقناهم ينفقون " ( 1 ) وقوله : " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " استدعاء إلى التقوى بألطف الاستدعاء وتقديره أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا ايمانكم بالتقصير في التقوى فيكون عليكم الحسرة العظمى واتقوا تحريم ما أحله الله لكم في جميع معاصيه من أنتم به تؤمنون وهو الله تعالى .
وأصل الصفة التعريف ثم يخرج إلى غير ذلك من المدح والذم وغير ذلك من المعاني التي تحسن في مخرج الصفة ، فلذلك قال الذي " أنتم به مؤمنون " وفي هاتين الآيتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش والخروج عما عليه الجمهور في التأهل وطلب الولد وعمارة الأرض .
قوله تعالى :
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ( 92 ) آية بلا خلاف .
قرأ " عاقدتم " بالألف ابن عامر ، و " عقدتم " بلا ألف مع تخفيف القاف حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم . والباقون بالتشديد . ومنع من القراءة بالتشديد الطبري ، قال : لأنه لا يكون إلا مع تكرير اليمين والمؤاخذة تلزم من غير تكرير بلا خلاف . وهذا ليس بصحيح لان تعقيد

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سورة 2 البقرة آية 3 .

( 1 ) سورة 2 البقرة آية 3 .

10

لا يتم تسجيل الدخول!