إسم الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( عدد الصفحات : 616)


التبيان
في تفسير القرآن
تأليف
شيخ الطائفة أبى جعفر محمد بن الحسن الطوسي
385 - 460 ه‍
تحقيق وتصحيح
أحمد حبيب قصير العاملي
المجلد الثالث


التبيان في تفسير القرآن تأليف شيخ الطائفة أبى جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه‍ تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي المجلد الثالث

1



2



قوله تعالى :
( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) ( 141 ) آية .
المعنى ، واللغة :
قيل : في معنى قوله : " وليمحص الله " أربعة أقوال :
أحدها - قال ابن عباس ، ومجاهد ، والسدي : ليبتلي ، " ويمحق الكافرين "
بنقصهم في قول ابن عباس ، وقال غيره يهلكهم ، وقال الفراء : " معنى " وليمحص الله "
يعني ذنوب المؤمنين ، وقال الزجاج : يخلصهم من الذنوب وهذا قريب من قول
الفراء : وقال الرماني معناه " وليمحص الله الذين آمنوا " ينجيهم من الذنوب بالابتلاء
ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء ، وأصل التمحيص التخليص في قول أبي العباس
تقول محصت الشئ أمحصه محصا : إذا خصلته . وقال الخليل : المحص الخلوص من
العيب . محصته محصا أي خلصته من كل عيب ، ومحص الجمل : إذا ذهب وبره
يمحص . وجبل محص أي ملص ، ومحص الظبي ، يمحص إذا عدا عدوا شديدا محصا ،
ويستحب أن تمحص قوائم الفرس أي تخلص من الرهل . وتقول : اللهم محص عنا ذنوبنا
أي اذهبها عنا ، لأنه تخليص الحسنات بتكفير السيئات . ويقال تمحص الفرس :
إذا ذهب شحمه الردئ ، وبقي لحمه ، وقوته بالضمور . وأصل المحق فناء الشئ حالا
بعد حال ، ولهذا دخله معنى النقصان ، وأمحق الشئ امحاقا ، والمحاق : آخر الشهر
إذا أمحق الهلال ، فلم ير ، لذهاب ضوئه حالا بعد حال . وامتحق الشئ وتمحق :
إذا ذهبت بركته بنقصانها حالا بعد حال . ومحقه تمحيقا . وإنما قابل بين التمحيص ،
والمحق ، لان محص هؤلاء باهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك باهلاك أنفسهم ، وهذه
مقابلة في المعنى . وقيل في تمحيص المؤمنين بالمداولة قولان :
أحدهما - لما في تخليتهم مع تمكين الكافرين منهم من التعريض للصبر الذي
يستحقون به عظيم الاجر ، ويحط كثيرا من الذنوب .
الثاني - لما في ذلك من اللطف الذي يعصم من اقتراف المعصية .


قوله تعالى :
( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) ( 141 ) آية .
المعنى ، واللغة :
قيل : في معنى قوله : " وليمحص الله " أربعة أقوال :
أحدها - قال ابن عباس ، ومجاهد ، والسدي : ليبتلي ، " ويمحق الكافرين " بنقصهم في قول ابن عباس ، وقال غيره يهلكهم ، وقال الفراء : " معنى " وليمحص الله " يعني ذنوب المؤمنين ، وقال الزجاج : يخلصهم من الذنوب وهذا قريب من قول الفراء : وقال الرماني معناه " وليمحص الله الذين آمنوا " ينجيهم من الذنوب بالابتلاء ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء ، وأصل التمحيص التخليص في قول أبي العباس تقول محصت الشئ أمحصه محصا : إذا خصلته . وقال الخليل : المحص الخلوص من العيب . محصته محصا أي خلصته من كل عيب ، ومحص الجمل : إذا ذهب وبره يمحص . وجبل محص أي ملص ، ومحص الظبي ، يمحص إذا عدا عدوا شديدا محصا ، ويستحب أن تمحص قوائم الفرس أي تخلص من الرهل . وتقول : اللهم محص عنا ذنوبنا أي اذهبها عنا ، لأنه تخليص الحسنات بتكفير السيئات . ويقال تمحص الفرس :
إذا ذهب شحمه الردئ ، وبقي لحمه ، وقوته بالضمور . وأصل المحق فناء الشئ حالا بعد حال ، ولهذا دخله معنى النقصان ، وأمحق الشئ امحاقا ، والمحاق : آخر الشهر إذا أمحق الهلال ، فلم ير ، لذهاب ضوئه حالا بعد حال . وامتحق الشئ وتمحق :
إذا ذهبت بركته بنقصانها حالا بعد حال . ومحقه تمحيقا . وإنما قابل بين التمحيص ، والمحق ، لان محص هؤلاء باهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك باهلاك أنفسهم ، وهذه مقابلة في المعنى . وقيل في تمحيص المؤمنين بالمداولة قولان :
أحدهما - لما في تخليتهم مع تمكين الكافرين منهم من التعريض للصبر الذي يستحقون به عظيم الاجر ، ويحط كثيرا من الذنوب .
الثاني - لما في ذلك من اللطف الذي يعصم من اقتراف المعصية .

3



قوله تعالى :
( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا
منكم ويعلم الصابرين ) ( 142 ) آية بلا خلاف .
القراءة والمعنى واللغة :
قرأ الحسن " ويعلم الصابرين " بكسر الميم . الباقون بفتحها . ووجه قراءة
الحسن أنه عطف على ، ولما يعلم الله كأنه قال ، ولما يعلم الله ويعلم الصابرين . وقوله :
" أم حسبتم " معناه : أحسبتم " ان تدخلوا الجنة " وقيل معنى ( أم ) معنى بل
على جهة الانكار ، لان يحسبوا ذلك الحسبان ، كما يقال : قد صممت على الخلاف
أم تتوهم الاهمال ، والفرق بين لم ولما أن لما جواب ، لقول القائل : قد فعل فلان
يريد به الحال ، فجوابه ( لما فعل ) وإذا قال : فعل فجوابه ( لم يفعل ) ، فلما كانت
( لما ) مؤكدة بحرف كانت جوابا لما هو مؤكد بحرف وأيضا ، فإنه يجوز
الوقف على ( لما ) في مثل أن يقول القائل : قد جاء فلان ، فيجيبه آخر فيقول :
لما أي لما يجئ ، ولا يجوز ذلك في ( لم ) . ومعنى " ولما يعلم الله الذين جاهدوا
منكم " أي لما يعلم الله جهادكم يعني أنهم لا يدخلون الجنة إلا بفعل الجهاد ، لأنه
من أعظم أركان الشرع . وقوله : " ويعلم الصابرين " نصب على الصرف عن
العطف إذ ليس المعنى على نفي الثاني ، والأول ، وإنما هو على نفي اجتماع الثاني
والأول ، نحو قولهم : لا يسعني شئ ويعجز عنك . وقال الشاعر :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم ( 1 )
وإنما جاز " ولا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) على معنى نفي الجهاد دون


قوله تعالى :
( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) ( 142 ) آية بلا خلاف .
القراءة والمعنى واللغة :
قرأ الحسن " ويعلم الصابرين " بكسر الميم . الباقون بفتحها . ووجه قراءة الحسن أنه عطف على ، ولما يعلم الله كأنه قال ، ولما يعلم الله ويعلم الصابرين . وقوله :
" أم حسبتم " معناه : أحسبتم " ان تدخلوا الجنة " وقيل معنى ( أم ) معنى بل على جهة الانكار ، لان يحسبوا ذلك الحسبان ، كما يقال : قد صممت على الخلاف أم تتوهم الاهمال ، والفرق بين لم ولما أن لما جواب ، لقول القائل : قد فعل فلان يريد به الحال ، فجوابه ( لما فعل ) وإذا قال : فعل فجوابه ( لم يفعل ) ، فلما كانت ( لما ) مؤكدة بحرف كانت جوابا لما هو مؤكد بحرف وأيضا ، فإنه يجوز الوقف على ( لما ) في مثل أن يقول القائل : قد جاء فلان ، فيجيبه آخر فيقول :
لما أي لما يجئ ، ولا يجوز ذلك في ( لم ) . ومعنى " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " أي لما يعلم الله جهادكم يعني أنهم لا يدخلون الجنة إلا بفعل الجهاد ، لأنه من أعظم أركان الشرع . وقوله : " ويعلم الصابرين " نصب على الصرف عن العطف إذ ليس المعنى على نفي الثاني ، والأول ، وإنما هو على نفي اجتماع الثاني والأول ، نحو قولهم : لا يسعني شئ ويعجز عنك . وقال الشاعر :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم ( 1 ) وإنما جاز " ولا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) على معنى نفي الجهاد دون

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) قائله أبو الأسود الدؤلي ، ونسب للمتوكل الكناني معجم البلدان 7 : 384 ،
والأغاني 11 : 39 طبعة بولاق ، والبيت من الأبيات الحكمية المشهورة وقبله
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

( 1 ) قائله أبو الأسود الدؤلي ، ونسب للمتوكل الكناني معجم البلدان 7 : 384 ، والأغاني 11 : 39 طبعة بولاق ، والبيت من الأبيات الحكمية المشهورة وقبله ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

4



العلم ، لما فيه من الايجاز في انتفاء الجهاد ، لأنه لو كان لعلمه ، وتقديره ولما يكن
المعلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم ، لان المعنى مفهوم لا يشتبه .
قوله تعالى :
( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد
رأيتموه وأنتم تنظرون ) ( 143 ) آية .
المعنى :
قال الحسن ، ومجاهد ، والربيع : وقتادة ، والسدي : كانوا يتمنون الموت
بالشهادة بعد بدر قبل أحد ، فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه ، فانهزموا
فعاتبهم الله على ذلك . وقوله : " فقد رأيتموه " فيه حذف ومعناه رأيتم أسباب
الموت ، لان الموت لا يرى كما قال الشاعر :
ومحلما يمشون تحت لوائه * والموت تحت لواء آل محلم
أي أسباب الموت . وقال البلخي : معنى " رأيتموه " أي علمتم ، وأنتم
تنظرون أسباب الموت من غير أن يكون في الأول حذف . فان قيل هل يجوز أن
يتمنى قتل المشركين لهم ليناوا منزلة الشهادة ؟ قلنا : لا ، لان قتل المشركين لهم
معصية ، ولا يجوز تمني المعاصي ، كما لا يجوز إدارتها ، ولا الامر بها . فإذا ثبت
ذلك ، فتمنيهم الشهادة بالصبر على الجهاد إلى أن يقتلوا ، وقال الجبائي : إنما تمنوا
الموت دون القتل إذا كانوا مجاهدين قال الأزهري قوله : " رأيتموه وأنتم
تنظرون " معناه وأعينكم صحيحة ، كما يقول القائل رأيت كذا ، وليس في عينك
سوء . والفرق بين التمني والإرادة أن الإرادة من أفعال القلوب ، والتمني هو قول
القائل : ليت كان كذا وليت لم يكن كذا . وقوله : " وأنتم تنظرون " بعد ، قوله
" فقد رأيتموه " يحتمل أمرين " .
أحدهما - أن يكون تأكيدا للرؤية ، كما تقول : رأيته عيانا ورأيته بعيني .


العلم ، لما فيه من الايجاز في انتفاء الجهاد ، لأنه لو كان لعلمه ، وتقديره ولما يكن المعلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم ، لان المعنى مفهوم لا يشتبه .
قوله تعالى :
( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) ( 143 ) آية .
المعنى :
قال الحسن ، ومجاهد ، والربيع : وقتادة ، والسدي : كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر قبل أحد ، فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه ، فانهزموا فعاتبهم الله على ذلك . وقوله : " فقد رأيتموه " فيه حذف ومعناه رأيتم أسباب الموت ، لان الموت لا يرى كما قال الشاعر :
ومحلما يمشون تحت لوائه * والموت تحت لواء آل محلم أي أسباب الموت . وقال البلخي : معنى " رأيتموه " أي علمتم ، وأنتم تنظرون أسباب الموت من غير أن يكون في الأول حذف . فان قيل هل يجوز أن يتمنى قتل المشركين لهم ليناوا منزلة الشهادة ؟ قلنا : لا ، لان قتل المشركين لهم معصية ، ولا يجوز تمني المعاصي ، كما لا يجوز إدارتها ، ولا الامر بها . فإذا ثبت ذلك ، فتمنيهم الشهادة بالصبر على الجهاد إلى أن يقتلوا ، وقال الجبائي : إنما تمنوا الموت دون القتل إذا كانوا مجاهدين قال الأزهري قوله : " رأيتموه وأنتم تنظرون " معناه وأعينكم صحيحة ، كما يقول القائل رأيت كذا ، وليس في عينك سوء . والفرق بين التمني والإرادة أن الإرادة من أفعال القلوب ، والتمني هو قول القائل : ليت كان كذا وليت لم يكن كذا . وقوله : " وأنتم تنظرون " بعد ، قوله " فقد رأيتموه " يحتمل أمرين " .
أحدهما - أن يكون تأكيدا للرؤية ، كما تقول : رأيته عيانا ورأيته بعيني .

5



وسمعته باذني ، لئلا يتوهم رؤية القلب ، وسمع العلم .
والثاني - أن يكون معناه وأنتم تتأملون الحال في ذلك كيف هي ، لان النظر
هو تقليب الحدفة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته ، وليس معناه الرؤية على وجه
الحقيقة .
قوله تعالى :
( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات
أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله
شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) ( 144 ) آية بلا خلاف .
القصة ، والنزول :
قال ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك ، ومجاهد : إن سبب نزول هذه الآية
انه لما أرجف بان النبي صلى الله عليه وآله قتل يوم أحد وأشيع ذلك ، قال ناس لو كان نبيا
ما قتل . وقال آخرون نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به ، وكان سبب انهزامهم
وتضعضعهم اخلال الرماة بمكانهم من فم الشعب ، وكان النبي صلى الله عليه وآله نهاهم عن
الاخلال به ، وحذرهم من الانصراف عن الشعب مخافة أن يخرج منه كمين عليهم .
فلما انهزم المشركون في الجولة الأولى ، فتبعوهم المسلمون وتواقعوا في غنائمهم
فقال الموكلون بالشعب : يغنمون ولا نغنم . فقال لهم رئيسهم : الله الله لا تفعلوا
فان النبي صلى الله عليه وآله أمرنا ألا نبرح ، فلم يقبلوا منه وانصرفوا ، وثبت رئيسهم مع
اثني عشر رجلا ، فقتلوا ، خرج عليهم خالد بن الوليد في مأتي فارس من الشعب ،
وكان كامنا فيه ، وكان ذلك سبب هزيمة المسلمين ، وإصابة رباعية النبي صلى الله عليه وآله
وجرحه ، وكان الذي جرحه وكسر رباعيته عتبة بن أبي وقاص ، وقيل إن عبد الله
ابن قمية ضربه على حبل عاتقه ، ومضى إلى المشركين ، وقال قتلت محمدا وشاع ذلك
فأنزل الله هذه الآية


وسمعته باذني ، لئلا يتوهم رؤية القلب ، وسمع العلم .
والثاني - أن يكون معناه وأنتم تتأملون الحال في ذلك كيف هي ، لان النظر هو تقليب الحدفة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته ، وليس معناه الرؤية على وجه الحقيقة .
قوله تعالى :
( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) ( 144 ) آية بلا خلاف .
القصة ، والنزول :
قال ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك ، ومجاهد : إن سبب نزول هذه الآية انه لما أرجف بان النبي صلى الله عليه وآله قتل يوم أحد وأشيع ذلك ، قال ناس لو كان نبيا ما قتل . وقال آخرون نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به ، وكان سبب انهزامهم وتضعضعهم اخلال الرماة بمكانهم من فم الشعب ، وكان النبي صلى الله عليه وآله نهاهم عن الاخلال به ، وحذرهم من الانصراف عن الشعب مخافة أن يخرج منه كمين عليهم .
فلما انهزم المشركون في الجولة الأولى ، فتبعوهم المسلمون وتواقعوا في غنائمهم فقال الموكلون بالشعب : يغنمون ولا نغنم . فقال لهم رئيسهم : الله الله لا تفعلوا فان النبي صلى الله عليه وآله أمرنا ألا نبرح ، فلم يقبلوا منه وانصرفوا ، وثبت رئيسهم مع اثني عشر رجلا ، فقتلوا ، خرج عليهم خالد بن الوليد في مأتي فارس من الشعب ، وكان كامنا فيه ، وكان ذلك سبب هزيمة المسلمين ، وإصابة رباعية النبي صلى الله عليه وآله وجرحه ، وكان الذي جرحه وكسر رباعيته عتبة بن أبي وقاص ، وقيل إن عبد الله ابن قمية ضربه على حبل عاتقه ، ومضى إلى المشركين ، وقال قتلت محمدا وشاع ذلك فأنزل الله هذه الآية

6


فان قيل : كيف دخل الاستفهام على الشرط ، وإنما هو كغيره من الانقلاب
والتقدير أتنقلبون إن مات أو قتل ؟ قيل : لأنه لما انعقد الشرط به صار جملة واحدة
وخبرا واحدا بمنزلة تقدير الاسم قبل الفعل في الذكر إذا قيل أزيد قام ،
وكذلك تقديمه في القسم ، والاكتفاء بجواب الشرط من جواب القسم ، كما قال
الشاعر : ( 1 ) .
حلفت له إن تدلج الليل لا يزل * أمامك بيت من بيوتي سائر ( 2 )
أي حلفت له لا يزال امامك بيت وأجاز الفراء في مثله أفإن مات أو قتل "
تنقلبون بالرفع ، والجزم ومعنى " انقلبتم على أعقابكم " أي ارتددتم كفارا بعد
إيمانكم ، لان الرجوع عن الحق إلى الباطل بمنزلة رجوع القهقرى في القبح ،
والتنكيل ( 3 ) بالنفس فجرى كالمثل في هذا المعنى ، والألف في قوله " أفإن "
ألف انكار بصورة ألف استفهام ، لان التقرير به يظهر ما فيه من المنكر ، فلذلك
أخرج مخرج الاستفهام مع أن معناه الانكار . ومثله أتختار الفساد على الصلاح
والخطأ على الصواب . وقوله : ( أفإن مات أو قتل ) يدل على أن الموت غير القتل
لأنه لو كان هو إياه لما عطف به عليه ، لان الشئ لا يعطف على نفسه . والقتل
هو نقض بنيه الحياة ، والموت في الناس من قال : هو معنى يضاد الحياة وفيهم
من قال : هو افساد البنية التي تحتاج الحياة إليها بفعل معان فيه تضاد المعاني التي
تحتاج إليها الحياة . وقوله : " ومن ينقلب على عقبيه " أي من يرتد ويرجع عن
الاسلام " فلن يضر الله شيئا " لأنه لا يجوز عليه المضار بل مضرته عائدة عليه ،
لأنه يستحق العقاب الدائم . وقوله : " وسيجزي الله الشاكرين " معناه يثيب


فان قيل : كيف دخل الاستفهام على الشرط ، وإنما هو كغيره من الانقلاب والتقدير أتنقلبون إن مات أو قتل ؟ قيل : لأنه لما انعقد الشرط به صار جملة واحدة وخبرا واحدا بمنزلة تقدير الاسم قبل الفعل في الذكر إذا قيل أزيد قام ، وكذلك تقديمه في القسم ، والاكتفاء بجواب الشرط من جواب القسم ، كما قال الشاعر : ( 1 ) .
حلفت له إن تدلج الليل لا يزل * أمامك بيت من بيوتي سائر ( 2 ) أي حلفت له لا يزال امامك بيت وأجاز الفراء في مثله أفإن مات أو قتل " تنقلبون بالرفع ، والجزم ومعنى " انقلبتم على أعقابكم " أي ارتددتم كفارا بعد إيمانكم ، لان الرجوع عن الحق إلى الباطل بمنزلة رجوع القهقرى في القبح ، والتنكيل ( 3 ) بالنفس فجرى كالمثل في هذا المعنى ، والألف في قوله " أفإن " ألف انكار بصورة ألف استفهام ، لان التقرير به يظهر ما فيه من المنكر ، فلذلك أخرج مخرج الاستفهام مع أن معناه الانكار . ومثله أتختار الفساد على الصلاح والخطأ على الصواب . وقوله : ( أفإن مات أو قتل ) يدل على أن الموت غير القتل لأنه لو كان هو إياه لما عطف به عليه ، لان الشئ لا يعطف على نفسه . والقتل هو نقض بنيه الحياة ، والموت في الناس من قال : هو معنى يضاد الحياة وفيهم من قال : هو افساد البنية التي تحتاج الحياة إليها بفعل معان فيه تضاد المعاني التي تحتاج إليها الحياة . وقوله : " ومن ينقلب على عقبيه " أي من يرتد ويرجع عن الاسلام " فلن يضر الله شيئا " لأنه لا يجوز عليه المضار بل مضرته عائدة عليه ، لأنه يستحق العقاب الدائم . وقوله : " وسيجزي الله الشاكرين " معناه يثيب

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) هو الراعي
( 2 ) معاني القرآن للفراء 1 : 69 - 236 والمعاني الكبير : " 805 . وخزانة الأدب
4 . 450 ورواية المعاني الكبير ( عائر ) بدل ( سائر ) وقال : أي بيت هجاء عائر . من
قولهم : عار الفرس : إذا ذهب وجاء مترددا ويقال : قصيدة عائرة أي سائرة في كل وجه .
أدلج : سار في أول الليل .
( 3 ) في المخطوطة ( والسيل ) والصحيح ما في المطبوعة

( 1 ) هو الراعي ( 2 ) معاني القرآن للفراء 1 : 69 - 236 والمعاني الكبير : " 805 . وخزانة الأدب 4 . 450 ورواية المعاني الكبير ( عائر ) بدل ( سائر ) وقال : أي بيت هجاء عائر . من قولهم : عار الفرس : إذا ذهب وجاء مترددا ويقال : قصيدة عائرة أي سائرة في كل وجه . أدلج : سار في أول الليل . ( 3 ) في المخطوطة ( والسيل ) والصحيح ما في المطبوعة

7



الله الشاكرين على شكرهم لنعم الله واعترافهم بها . ووجه اتصال هذا بما قبله اتصال
الوعد بالوعيد ، لان قوله : " فلن يضر الله شيئا " دليل على معنى الوعيد ، لان
معناه إنما يضر نفسه باستحقاقه العقاب " وسيجزي الله الشاكرين " بما يستحقونه
من الثواب .
قوله تعالى : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن
يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها
وسنجزي الشاكرين ) ( 145 ) آية بلا خلاف .
المعنى ، والاعراب ، واللغة :
قيل في السبب الذي اقتضى قوله : " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله "
قولان :
أحدهما - التسلية عما يلحق النفس بموت النبي صلى الله عليه وآله من جهة أنه بإذن الله
عز وجل .
الثاني - للحض على الجهاد من حيث لا يموت أحد إلا بإذن الله تعالى .
وقوله : " إلا بإذن الله " يحتمل أمرين "
أحدهما - إلا بعلمه . والثاني إلا بأمره . وقال أبو علي : الآية تدل على أنه
لا يقدر على الموت غير الله ، كما لا يقدر على ضده من الحياة إلا الله ، ولو كان من
مقدور غيره لم يكن باذنه ، لأنه عاص لله في فعله .
وقوله : " كتابا مؤجلا " نصب على المصدر بفعل محذوف دل عليه أول
الكلام مع العلم بأن كلما يكون فقد كتبه الله ، فتقديره كتب الله ذلك " كتابا
مؤجلا " . ويجوز أن يدل على الفعل المحذوف مصدره المنتصب به . وقوله : " ومن


الله الشاكرين على شكرهم لنعم الله واعترافهم بها . ووجه اتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد ، لان قوله : " فلن يضر الله شيئا " دليل على معنى الوعيد ، لان معناه إنما يضر نفسه باستحقاقه العقاب " وسيجزي الله الشاكرين " بما يستحقونه من الثواب .
قوله تعالى : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ) ( 145 ) آية بلا خلاف .
المعنى ، والاعراب ، واللغة :
قيل في السبب الذي اقتضى قوله : " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " قولان :
أحدهما - التسلية عما يلحق النفس بموت النبي صلى الله عليه وآله من جهة أنه بإذن الله عز وجل .
الثاني - للحض على الجهاد من حيث لا يموت أحد إلا بإذن الله تعالى .
وقوله : " إلا بإذن الله " يحتمل أمرين " أحدهما - إلا بعلمه . والثاني إلا بأمره . وقال أبو علي : الآية تدل على أنه لا يقدر على الموت غير الله ، كما لا يقدر على ضده من الحياة إلا الله ، ولو كان من مقدور غيره لم يكن باذنه ، لأنه عاص لله في فعله .
وقوله : " كتابا مؤجلا " نصب على المصدر بفعل محذوف دل عليه أول الكلام مع العلم بأن كلما يكون فقد كتبه الله ، فتقديره كتب الله ذلك " كتابا مؤجلا " . ويجوز أن يدل على الفعل المحذوف مصدره المنتصب به . وقوله : " ومن

8


يرد ثواب الدنيا نؤته منها " قيل في معناه ثلاثة أقوال :
أحدها - من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة
- في قول ابن إسحاق - أي فلا يغتر بحاله في الدنيا .
[ الثاني ] - ( 1 ) من أراد بجهاده ثواب الدنيا أي النصيب من الغنيمة في قول
أبي علي الجبائي .
الثالث - من يرد ثواب الدنيا بالتعرض له بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر
جوزي بها في الدنيا من غير حظ في الآخرة لاحباط عمله بفسقه على مذهب من
يقول بالاحباط ، ومن يرد بعمله ثواب الآخرة نؤته إياها . و ( من ) في قوله :
" منها " تكون زائدة . ويحتمل أن تكون للتبعيض ، لأنه يستحق الثواب على قدر
عمله . وإنما كرر قوله : " وسنجزي الشاكرين " ها هنا ، وفي الآية الأولى ،
لامرين :
أحدهما - للتأكد ليتمكن المعنى في النفس .
الثاني - " وسنجزي الشاكرين " من الرزق في الدنيا ، عن ابن إسحاق لئلا
يتوهم ان الشاكر يحرم ما يعطاه الكافر مما قسم له في الدنيا . وقال الجبائي في الآية
دلالة على أن اجل الانسان إنما هو أجل واحد . وهو الوقت الذي يموت فيه ، لأنه
لا يقتطع بالقتل عن الأجل الذي أخبر الله أنه اجل لموته ، وقال ابن الاخشاذ :
لا دليل فيه على ذلك لان للانسان أجلين أجل يموت فيه لا محالة ، وأجل هو
موهبة من الله تعالى له ، ومع ذلك فلن يموت إلا عند الأجل الذي جعله الله أجلا
لموته والأقوى الأول ، لان الأجل عبارة عن الوقت الذي يحدث فيه الموت أو
القتل ، وبالتقدير لا يكون الشئ أجلا كما لا يكون بالتقدير ملكا ، وقد بينا في
شرح الجمل ذلك مستوفى .


يرد ثواب الدنيا نؤته منها " قيل في معناه ثلاثة أقوال :
أحدها - من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة - في قول ابن إسحاق - أي فلا يغتر بحاله في الدنيا .
[ الثاني ] - ( 1 ) من أراد بجهاده ثواب الدنيا أي النصيب من الغنيمة في قول أبي علي الجبائي .
الثالث - من يرد ثواب الدنيا بالتعرض له بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي بها في الدنيا من غير حظ في الآخرة لاحباط عمله بفسقه على مذهب من يقول بالاحباط ، ومن يرد بعمله ثواب الآخرة نؤته إياها . و ( من ) في قوله :
" منها " تكون زائدة . ويحتمل أن تكون للتبعيض ، لأنه يستحق الثواب على قدر عمله . وإنما كرر قوله : " وسنجزي الشاكرين " ها هنا ، وفي الآية الأولى ، لامرين :
أحدهما - للتأكد ليتمكن المعنى في النفس .
الثاني - " وسنجزي الشاكرين " من الرزق في الدنيا ، عن ابن إسحاق لئلا يتوهم ان الشاكر يحرم ما يعطاه الكافر مما قسم له في الدنيا . وقال الجبائي في الآية دلالة على أن اجل الانسان إنما هو أجل واحد . وهو الوقت الذي يموت فيه ، لأنه لا يقتطع بالقتل عن الأجل الذي أخبر الله أنه اجل لموته ، وقال ابن الاخشاذ :
لا دليل فيه على ذلك لان للانسان أجلين أجل يموت فيه لا محالة ، وأجل هو موهبة من الله تعالى له ، ومع ذلك فلن يموت إلا عند الأجل الذي جعله الله أجلا لموته والأقوى الأول ، لان الأجل عبارة عن الوقت الذي يحدث فيه الموت أو القتل ، وبالتقدير لا يكون الشئ أجلا كما لا يكون بالتقدير ملكا ، وقد بينا في شرح الجمل ذلك مستوفى .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) في المطبوعة ( الثاني ) ساقطة .

( 1 ) في المطبوعة ( الثاني ) ساقطة .

9



قوله تعالى :
( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما
أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين )
( 146 ) آية بلا خلاف .
القراءة واللغة :
قرأ ابن كثير " كاين " على وزن كاعن . الباقون " كأين " مشددة على
وزن كعين ، ومعناهما واحد ، وهو بمعنى كما قال جرير :
وكائن بالأباطح من صديق * يراني لو أصبت هو المصابا ( 1 )
وقال آخر :
وكائن رددنا عنكم من مدحج * يجئ أمام الألف يردي مقنعا ( 2 )
ومثل المشدد قول الشاعر :
كاين في المعاشر من أناس * أخوهم فوقهم وهم كرام
وأصل كاين ( أي ) دخلت عليها كاف التشبيه ، كما أن أصل ( كذا ) ( ذا )
دخلت عليها كاف التشبيه . وإنما غيرت في اللفظ لتغيرها في المعنى ، لأنها نقلت إلى
معنى ( كم ) في التكثير . ومن خفف فلكراهية التضعيف ، كما خفف لا سيما . وقرأ
أهل الكوفة ، وابن عامر ( قاتل ) الباقون ( قتل ) فمن قرأ ( قتل ) نفى الوهن عمن
بقي . ومن قرأ ( قاتل ) نفاه عمن ذكر .
المعنى ، واللغة :
وقوله : ( ربيون ) قيل في معناه أقوال .
أحدها - قال ابن عباس ، والحسن : علماء فقهاء ، وقال مجاهد ، وقتادة :


قوله تعالى :
( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ) ( 146 ) آية بلا خلاف .
القراءة واللغة :
قرأ ابن كثير " كاين " على وزن كاعن . الباقون " كأين " مشددة على وزن كعين ، ومعناهما واحد ، وهو بمعنى كما قال جرير :
وكائن بالأباطح من صديق * يراني لو أصبت هو المصابا ( 1 ) وقال آخر :
وكائن رددنا عنكم من مدحج * يجئ أمام الألف يردي مقنعا ( 2 ) ومثل المشدد قول الشاعر :
كاين في المعاشر من أناس * أخوهم فوقهم وهم كرام وأصل كاين ( أي ) دخلت عليها كاف التشبيه ، كما أن أصل ( كذا ) ( ذا ) دخلت عليها كاف التشبيه . وإنما غيرت في اللفظ لتغيرها في المعنى ، لأنها نقلت إلى معنى ( كم ) في التكثير . ومن خفف فلكراهية التضعيف ، كما خفف لا سيما . وقرأ أهل الكوفة ، وابن عامر ( قاتل ) الباقون ( قتل ) فمن قرأ ( قتل ) نفى الوهن عمن بقي . ومن قرأ ( قاتل ) نفاه عمن ذكر .
المعنى ، واللغة :
وقوله : ( ربيون ) قيل في معناه أقوال .
أحدها - قال ابن عباس ، والحسن : علماء فقهاء ، وقال مجاهد ، وقتادة :

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) ديوانه 1 : 9 .
( 2 ) الكامل للمبرد : 1072 .

( 1 ) ديوانه 1 : 9 . ( 2 ) الكامل للمبرد : 1072 .

10

لا يتم تسجيل الدخول!