إسم الكتاب : التبيان في تفسير القرآن ( عدد الصفحات : 603)


التبيان
في تفسير القرآن
تأليف
شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي
385 - 460 ه‍ .
تحقيق وتصحيح
أحمد حبيب قصير العاملي
المجلد الثاني
دار إحياء التراث العربي


التبيان في تفسير القرآن تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه‍ .
تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي المجلد الثاني دار إحياء التراث العربي

1


الطبعة الأولى
النشر : 1409 ه‍ . ق


الطبعة الأولى النشر : 1409 ه‍ . ق

2



" سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا
عليها ، قل الله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
( 142 ) - آية واحدة بلا خلاف .
أخبر الله ( تعالى ) نبيه عليه السلام أنه سيقول لك فيما بعد السفهاء ، وهو جمع
سفيه ، وهو والجاهل والغبي نظائر .
" ما ولاهم " معناه ، أي شئ ولاهم ومعنى ولاهم صرفهم عنه ، ومثله : قلبه
عنه وفتله . " عن قبلتهم التي كانوا عليها " . والقبلة : الجهة التي تستقبل في الصلاة ،
وقبلة المسلمين : الكعبة . والسفيه الخفيف إلى ما لا يجوز له أن نخف إليه ، وهي
صفة ذم في الدين . وضد السفه الحكمة واشتقاق . لاهم من الولي ، وهو حصول الثاني
بعد الأول من غير فصل . فالثاني يلي الأول ، والثالث يلي الثاني ، والرابع يلي الثالث
ثم هكذا أبدا . وولى عنه خلاف ولى إليه : مثل قولك : عدل عنه ، وعدل إليه ،
وانصرف ، عنه وانصرف إليه . فإذا كان الذي يليه متوجها إليه فهو متول إليه وإذا
كان متوجها إلى خلاف جهته إلى خلاف جهته ، فهو متول عنه .
والقبلة مثل الجلسة للحال التي يقابل الشئ غيره عليها . كما أن الجلسة للتي يجلس
عليها . فكان يقال : فيما حكي هو لي قبلة ، وأنا له قبلة ، ثم صار علما على
الجهة التي تستقبل في الصلاة .
واختلفوا في الذين عابوا المسلمين بالانصراف عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة
على ثلاثة أقوال :
( الأول ) فقال ابن عباس ، والبراء بن عازب : هم اليهود . و ( الثاني ) قال
الحسن : هم مشركوا العرب ، وإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله لما حول الكعبة
من بيت المقدس ، قالوا : يا محمد صلى الله عليه وآله رغبت عن قبلة آبائك ، ثم رجعت إليها أيضا ،
والله لترجعن إلى دينهم . والثالث قال السدي : انهم المنافقون ، قالوا ذلك استهزاء


" سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، قل الله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ( 142 ) - آية واحدة بلا خلاف .
أخبر الله ( تعالى ) نبيه عليه السلام أنه سيقول لك فيما بعد السفهاء ، وهو جمع سفيه ، وهو والجاهل والغبي نظائر .
" ما ولاهم " معناه ، أي شئ ولاهم ومعنى ولاهم صرفهم عنه ، ومثله : قلبه عنه وفتله . " عن قبلتهم التي كانوا عليها " . والقبلة : الجهة التي تستقبل في الصلاة ، وقبلة المسلمين : الكعبة . والسفيه الخفيف إلى ما لا يجوز له أن نخف إليه ، وهي صفة ذم في الدين . وضد السفه الحكمة واشتقاق . لاهم من الولي ، وهو حصول الثاني بعد الأول من غير فصل . فالثاني يلي الأول ، والثالث يلي الثاني ، والرابع يلي الثالث ثم هكذا أبدا . وولى عنه خلاف ولى إليه : مثل قولك : عدل عنه ، وعدل إليه ، وانصرف ، عنه وانصرف إليه . فإذا كان الذي يليه متوجها إليه فهو متول إليه وإذا كان متوجها إلى خلاف جهته إلى خلاف جهته ، فهو متول عنه .
والقبلة مثل الجلسة للحال التي يقابل الشئ غيره عليها . كما أن الجلسة للتي يجلس عليها . فكان يقال : فيما حكي هو لي قبلة ، وأنا له قبلة ، ثم صار علما على الجهة التي تستقبل في الصلاة .
واختلفوا في الذين عابوا المسلمين بالانصراف عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة على ثلاثة أقوال :
( الأول ) فقال ابن عباس ، والبراء بن عازب : هم اليهود . و ( الثاني ) قال الحسن : هم مشركوا العرب ، وإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله لما حول الكعبة من بيت المقدس ، قالوا : يا محمد صلى الله عليه وآله رغبت عن قبلة آبائك ، ثم رجعت إليها أيضا ، والله لترجعن إلى دينهم . والثالث قال السدي : انهم المنافقون ، قالوا ذلك استهزاء

3


بالاسلام . واختلفوا في سبب عيبهم الصرف عن القبلة : فقال قوم : انهم قالوا ذلك على
وجه الانكار للنسخ . و ( الثاني ) قال ابن عباس : إن قوما من اليهود قالوا : يا محمد ما ولاك عن
قبلتك التي كنت عليها ، ارجع إليها نتبعك ونؤمن . وأرادوا بذلك فتنته . الثالث - أنه قال
ذلك مشركوا العرب ليوهموا ان الحق ما هم عليه .
وإنما صرفهم الله عن القبلة الأولى لما علم الله تعالى من تغير المصلحة في ذلك .
وقيل إنما فعل ذلك لما قال تعالى " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع
الرسول ممن ينقلب على عقبيه " ، لأنهم كانوا بمكة ، أمروا أن يتوجهوا إلى بيت المقدس
ليتميزوا من المشركين الذين كانوا بحضرتهم يتوجهون إلى الكعبة ، فلما انتقل رسول
الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة كان اليهود المجاورون للمدينة يتوجهون إلى بيت المقدس فنقلوا
إلى الكعبة ليتميزوا من هؤلاء كما أريد في الأول ان يتميزوا من أولئك . واختار
ذلك البلخي والجبائي والرماني .
وقوله تعالى :
" قل لله المشرق والمغرب " أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ان
يقول لهؤلاء الذين عابوا انتقالهم عن بيت المقدس إلى الكعبة : المشرق والمغرب ملك لله
يتصرف فيهما كيف شاء على ما تقتضيه حكمته . والمشرق والمطلع نظائر ، وكذلك
المغرب والمغيب نظائر .
وفي الآية دلالة على جواز النسخ لأنه تعالى نقلهم - عن عبادة كانوا عليها -
إلى ايقاعها على وجه آخر وهذا هو النسخ .
وقوله : " لله المشرق والمغرب " فيه دلالة على أن من له
المشرق والمغرب ، فله التدبير فيهما ، وفي ذلك اسقاط قول من زعم : أن الأرض المقدسة
أولى بالتوجه إليها . لأنها مواطن الأنبياء - وقد شرفها الله وعظمها - فلا وجه للتولية
عنها - فرد الله عليهم بأن المواطن كلها لله يشرف منها ما يشاء في كل زمان على ما يعلمه
من مصالح العباد . وقال ابن عباس ، والبراء بن عازب : انه كانت الصلاة إلى بيت
المقدس إلى بعد مقدم النبي صلى الله عليه وآله بسبعة عشر شهرا . وقال انس بن مالك : إنما كان
ذلك تسعة أشهر أو عشرة اشهر . وقال معاذ بن جبل كان ثلاثة عشر شهرا . وقال


بالاسلام . واختلفوا في سبب عيبهم الصرف عن القبلة : فقال قوم : انهم قالوا ذلك على وجه الانكار للنسخ . و ( الثاني ) قال ابن عباس : إن قوما من اليهود قالوا : يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها ، ارجع إليها نتبعك ونؤمن . وأرادوا بذلك فتنته . الثالث - أنه قال ذلك مشركوا العرب ليوهموا ان الحق ما هم عليه .
وإنما صرفهم الله عن القبلة الأولى لما علم الله تعالى من تغير المصلحة في ذلك .
وقيل إنما فعل ذلك لما قال تعالى " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " ، لأنهم كانوا بمكة ، أمروا أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا من المشركين الذين كانوا بحضرتهم يتوجهون إلى الكعبة ، فلما انتقل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة كان اليهود المجاورون للمدينة يتوجهون إلى بيت المقدس فنقلوا إلى الكعبة ليتميزوا من هؤلاء كما أريد في الأول ان يتميزوا من أولئك . واختار ذلك البلخي والجبائي والرماني .
وقوله تعالى :
" قل لله المشرق والمغرب " أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهؤلاء الذين عابوا انتقالهم عن بيت المقدس إلى الكعبة : المشرق والمغرب ملك لله يتصرف فيهما كيف شاء على ما تقتضيه حكمته . والمشرق والمطلع نظائر ، وكذلك المغرب والمغيب نظائر .
وفي الآية دلالة على جواز النسخ لأنه تعالى نقلهم - عن عبادة كانوا عليها - إلى ايقاعها على وجه آخر وهذا هو النسخ .
وقوله : " لله المشرق والمغرب " فيه دلالة على أن من له المشرق والمغرب ، فله التدبير فيهما ، وفي ذلك اسقاط قول من زعم : أن الأرض المقدسة أولى بالتوجه إليها . لأنها مواطن الأنبياء - وقد شرفها الله وعظمها - فلا وجه للتولية عنها - فرد الله عليهم بأن المواطن كلها لله يشرف منها ما يشاء في كل زمان على ما يعلمه من مصالح العباد . وقال ابن عباس ، والبراء بن عازب : انه كانت الصلاة إلى بيت المقدس إلى بعد مقدم النبي صلى الله عليه وآله بسبعة عشر شهرا . وقال انس بن مالك : إنما كان ذلك تسعة أشهر أو عشرة اشهر . وقال معاذ بن جبل كان ثلاثة عشر شهرا . وقال

4



قتادة صلت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وصلى النبي صلى الله عليه وآله
بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا ثم وجهه الله إلى الكعبة . ولا خلاف ان التوجه
إلى بيت المقدس قبل النسخ كان فرضا واجبا . ثم اختلفوا فقال الربيع : كان ذلك
على وجه التخيير ، خير الله نبيه بين ان يتوجه إلى بيت المقدس وبين غيرها .
وقال ابن عباس وأكثر المفسرين كان ذلك فرضا معنيا - وهو الأقوى - ، لقوله :
" وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " فبين انه جعلها قبلة ، وظاهر ذلك أنه معين ،
لأنه لا دليل على التخيير ، على أنه لو ثبت انه كان مخيرا لما خرج من أن يكون فرضا ،
كما أن الغرض ان يصلى الصلاة في الوقت ثم هو مخير بين أوله وأوسطه وآخر .
وقوله : " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " معنا : يهديهم إلى الدين
المستقيم الذي يؤديهم إلى الجنة ، فلذلك سماه صراطا كما يؤدي الطريق إلى المقصد .
قوله تعالى :
" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس
ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها
الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وان كانت
لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ايمانكم إن الله
بالناس لرؤوف رحيم " ( 143 ) آية بلا خلاف .
القراءة :
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم " لرؤوف " على وزن
لرعوف . الباقون " لرؤف " على وزن ( فعل ) .


قتادة صلت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وصلى النبي صلى الله عليه وآله بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا ثم وجهه الله إلى الكعبة . ولا خلاف ان التوجه إلى بيت المقدس قبل النسخ كان فرضا واجبا . ثم اختلفوا فقال الربيع : كان ذلك على وجه التخيير ، خير الله نبيه بين ان يتوجه إلى بيت المقدس وبين غيرها .
وقال ابن عباس وأكثر المفسرين كان ذلك فرضا معنيا - وهو الأقوى - ، لقوله :
" وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " فبين انه جعلها قبلة ، وظاهر ذلك أنه معين ، لأنه لا دليل على التخيير ، على أنه لو ثبت انه كان مخيرا لما خرج من أن يكون فرضا ، كما أن الغرض ان يصلى الصلاة في الوقت ثم هو مخير بين أوله وأوسطه وآخر .
وقوله : " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " معنا : يهديهم إلى الدين المستقيم الذي يؤديهم إلى الجنة ، فلذلك سماه صراطا كما يؤدي الطريق إلى المقصد .
قوله تعالى :
" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وان كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ايمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم " ( 143 ) آية بلا خلاف .
القراءة :
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم " لرؤوف " على وزن لرعوف . الباقون " لرؤف " على وزن ( فعل ) .

5


المعنى :
اخبر الله تعالى أنه جعل أمة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسطا : أي سماها بذلك وحكم
لها به . والوسط : العدل . وقيل الخيار ، ومعناهما واحد : وقيل : انه مأخوذ من المكان
الذي تعدل المسافة منه إلى أطرافه . وقيل : بل أخذ الوسط من التوسط بين المقصر
والمغالي ، فالحق معه ( 1 ) . وقال مؤرج : اي وسط بين الناس وبين أنبيائهم
وقال زهير :
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت احدى الليالي بمعظم ( 2 )
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : أمة وسطا : عدلا . وهو قول مجاهد ،
وقتادة ، والربيع ، وابن عباس ، وأكثر المفسرين . وقال صاحب العين : الوسط من
الناس وغيرهم ، ومن كل شئ أعدله ، وأفضله وقيل الواسط والوسط بمعنى واحد ، كما قيل
يابس ويبس بمعنى واحد . قال تعالى " في البحر يبسا " ( 3 ) والوسط - بتسكين
السين - الموضع . والوسط - بالتحريك - لما بين طرفي كل شئ ، ويسمى واسط
الرحل بين القادمة والآخرة ، وكذلك واسطة القلادة . واصل الباب الوسط : العدل .
وقولهم فلان من أوسطهم نسبا : اي تكلله الشرف من نواحيه .
الاعراب :
واللام الأولى في قوله : " لتكونوا شهداء على الناس " لام كي ، كأنه قال
كي تكونوا ، واصلها لام الإضافة . واللام في قوله : " وان كانت لكبيرة " لام
تأكيد ، وهي تلزم أن المخففة من الثقيلة ، لئلا تلبس بأن التي بمعنى ما ، كقوله تعالى :


المعنى :
اخبر الله تعالى أنه جعل أمة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسطا : أي سماها بذلك وحكم لها به . والوسط : العدل . وقيل الخيار ، ومعناهما واحد : وقيل : انه مأخوذ من المكان الذي تعدل المسافة منه إلى أطرافه . وقيل : بل أخذ الوسط من التوسط بين المقصر والمغالي ، فالحق معه ( 1 ) . وقال مؤرج : اي وسط بين الناس وبين أنبيائهم وقال زهير :
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت احدى الليالي بمعظم ( 2 ) وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : أمة وسطا : عدلا . وهو قول مجاهد ، وقتادة ، والربيع ، وابن عباس ، وأكثر المفسرين . وقال صاحب العين : الوسط من الناس وغيرهم ، ومن كل شئ أعدله ، وأفضله وقيل الواسط والوسط بمعنى واحد ، كما قيل يابس ويبس بمعنى واحد . قال تعالى " في البحر يبسا " ( 3 ) والوسط - بتسكين السين - الموضع . والوسط - بالتحريك - لما بين طرفي كل شئ ، ويسمى واسط الرحل بين القادمة والآخرة ، وكذلك واسطة القلادة . واصل الباب الوسط : العدل .
وقولهم فلان من أوسطهم نسبا : اي تكلله الشرف من نواحيه .
الاعراب :
واللام الأولى في قوله : " لتكونوا شهداء على الناس " لام كي ، كأنه قال كي تكونوا ، واصلها لام الإضافة . واللام في قوله : " وان كانت لكبيرة " لام تأكيد ، وهي تلزم أن المخففة من الثقيلة ، لئلا تلبس بأن التي بمعنى ما ، كقوله تعالى :

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) الضمير راجع إلى الوسط اي الحق مع الوسط لأنه ليس بالمقصر ولا بالمغالي .
( 2 ) ديوانه 2 : 27 وروايته .
لحي حلال يعصم الناس أمرهم * إذا طرقت احدى الليالي بمعظم
وفي تفسير الطبري وبعض المصادر الأخرى كما هو مثبت في المتن .
( 3 ) سورة طه : آية 77 .

( 1 ) الضمير راجع إلى الوسط اي الحق مع الوسط لأنه ليس بالمقصر ولا بالمغالي . ( 2 ) ديوانه 2 : 27 وروايته . لحي حلال يعصم الناس أمرهم * إذا طرقت احدى الليالي بمعظم وفي تفسير الطبري وبعض المصادر الأخرى كما هو مثبت في المتن . ( 3 ) سورة طه : آية 77 .

6


" إن الكافرون إلا في غرور " ( 1 ) وهي لام الابتداء أخرت إلى الخبر في باب
( ان ) خاصة . واما اللام الثالثة في قوله : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " فلام الجحد ،
واصلها الام الإضافة ، والفعل نصب باضمار ( أن ) ، ولا يظهر بعدها ( ان ) ، لان
التأويل : ما كان الله مضيعا ايمانكم ، فلما حمل معناه على التأويل ، حمل ، لفظه أيضا
على التأويل من غير تصريح باظهار ( ان ) .
المعنى :
فان قيل : باي شئ يشهدون على الناس ، قلنا فيه ثلاثة أقوال : أحدها -
ليشهدوا على الناس باعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا وفي الآخرة كما قال : " وجيئ
بالنبيين والشهداء " ( 2 ) وقال " يوم يقوم الاشهاد " ( 3 ) قال ابن زيد : الاشهاد أربعة
الملائكة ، والأنبياء ، وأمة محمد صلى الله عليه وآله والجوارح . كما قال : " يوم تشهد عليهم ألسنتهم
وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " ( 4 ) .
الثاني - يشهدون الأنبياء على أممهم المكذبين بأنهم بلغوا . وجاز ذلك لاعلام
النبي صلى الله عليه وآله إياهم بذلك .
الثالث - " لتكونوا شهداء على الناس " أي حجة عليهم فيما يشهدون ، كما أن
النبي صلى الله عليه وآله شهيد بمعنى حجة في كلما اخبر به . والنبي صلى الله عليه وآله وحده كذلك . فأما
الأمة فجماعتها حجة دون كل واحد منها . واستدل البلخي ، والجبائي ، والرماني ، وابن
الاخشاد ، وكثير من الفقهاء ، وغيرهم بهذه الآية على أن الاجماع حجة من حيث إن
الله وصفهم بأنهم عدول ، فإذا عدلهم الله تعالى ، لم يجز أن تكون شهادتهم مردودة
- وقد بينا في أصول الفقه أنه لا دلالة فيها على أن الاجماع حجة - وجملته ان الله
تعالى وصفهم بأنهم عدول ، وبأنهم شهداء وذلك يقتضي أن يكون كل واحد عدلا ،


" إن الكافرون إلا في غرور " ( 1 ) وهي لام الابتداء أخرت إلى الخبر في باب ( ان ) خاصة . واما اللام الثالثة في قوله : " وما كان الله ليضيع إيمانكم " فلام الجحد ، واصلها الام الإضافة ، والفعل نصب باضمار ( أن ) ، ولا يظهر بعدها ( ان ) ، لان التأويل : ما كان الله مضيعا ايمانكم ، فلما حمل معناه على التأويل ، حمل ، لفظه أيضا على التأويل من غير تصريح باظهار ( ان ) .
المعنى :
فان قيل : باي شئ يشهدون على الناس ، قلنا فيه ثلاثة أقوال : أحدها - ليشهدوا على الناس باعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا وفي الآخرة كما قال : " وجيئ بالنبيين والشهداء " ( 2 ) وقال " يوم يقوم الاشهاد " ( 3 ) قال ابن زيد : الاشهاد أربعة الملائكة ، والأنبياء ، وأمة محمد صلى الله عليه وآله والجوارح . كما قال : " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " ( 4 ) .
الثاني - يشهدون الأنبياء على أممهم المكذبين بأنهم بلغوا . وجاز ذلك لاعلام النبي صلى الله عليه وآله إياهم بذلك .
الثالث - " لتكونوا شهداء على الناس " أي حجة عليهم فيما يشهدون ، كما أن النبي صلى الله عليه وآله شهيد بمعنى حجة في كلما اخبر به . والنبي صلى الله عليه وآله وحده كذلك . فأما الأمة فجماعتها حجة دون كل واحد منها . واستدل البلخي ، والجبائي ، والرماني ، وابن الاخشاد ، وكثير من الفقهاء ، وغيرهم بهذه الآية على أن الاجماع حجة من حيث إن الله وصفهم بأنهم عدول ، فإذا عدلهم الله تعالى ، لم يجز أن تكون شهادتهم مردودة - وقد بينا في أصول الفقه أنه لا دلالة فيها على أن الاجماع حجة - وجملته ان الله تعالى وصفهم بأنهم عدول ، وبأنهم شهداء وذلك يقتضي أن يكون كل واحد عدلا ،

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سورة الملك : آية 20 .
( 2 ) سورة الزمر : آية 69 .
( 3 ) سؤرة المؤمن : آية 51 .
( 4 ) سورة النور : آية 24 .

( 1 ) سورة الملك : آية 20 . ( 2 ) سورة الزمر : آية 69 . ( 3 ) سؤرة المؤمن : آية 51 . ( 4 ) سورة النور : آية 24 .

7


وشاهدا ، لان شهداء جمع شهيد ، وقد علمنا أن كل واحد من هذه الأمة ليس بهذه
الصفة ، فلم يجز أن يكون المراد ما قالوه ، على أن الأمة إن أريد بها جميع الأمة ،
فقد بينا ان فيها كثيرا ممن يحكم بفسقه بل بكفره ، فلا يجوز حملها على الجميع .
وان خصوها بالمؤمنين العدول ، لنا أن نخصها بجماعة ، كل واحد منهم موصوف بما وصفنا به
جماعتهم : وهم الأئمة المعصومون من آل الرسول صلى الله عليه وآله على أنالوه سلمنا ما قالوه من كونهم
عدولا ، ينبغي أن نجنبهم ما يقدح في عدالتهم وهي الكبائر ، فأما الصغائر التي تقع
مكفرة ، فلا تقدح في العدالة ، فلا ينبغي أن نمنع منها ، ومتى جوزنا عليهم الصغائر
لم يمكنا أن نحتج باجماعهم ، لأنه لا شئ أجمعوا عليه إلا ويجوز أن يكون صغيرا
فلا يقدح في عدالتهم ، ولا يجب الاقتداء بهم فيه لكونه قبيحا . وفي ذلك بطلان
الاحتجاج باجماعهم . وكيف يجنبون الصغائر ، وحال شهادتهم ليس بأعظم من شهادة
النبي صلى الله عليه وآله ومع هذا يجوزون عليه الصغائر فهلا جاز مثل ذلك عليهم ، ولا تقدح في
عدالتهم - كما لم تقدح في عدالة النبي صلى الله عليه وآله ؟
قوله : " ويكون الرسول عليكم شهيدا " . قيل في معناه قولان :
أحدهما - عليكم شهيدا بما يكون من اعمالكم . وقيل : يكون حجة عليكم .
والثاني - يكون لكم شهيدا بأنكم قد صدقتم - يوم القيامة - فيما تشهدون به .
وجعلوا ( على ) بمعتى اللام كما قال : " وما ذبح على النصب " ( 2 ) اي للنصب . والتشبيه
في قوله " وكذلك " وقع بما دل عليه الكلام في الآية التي قبلها : وهي قوله " يهدي
من يشاء إلى صراط مستقيم " فتقديره أنعمنا عليكم بالعدالة كما أنعمنا عليكم بالهداية
والعامل في الكاف جعلنا ، كأنه قيل : " من يشاء إلى صراط مستقيم " فقد أنعمنا
عليكم بذلك وجعلناكم أمة وسطا فأنعمنا كذلك الانعام . إلا أن ( جعلنا ) يدل على
أنعمنا في هذا الكلام ، فلم نحتج إلى حذفه معه في قوله تعالى : " وما جعلنا القبلة التي
التي كنت عليها " اي ما صرفناك عن القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم ، وحذف لدلالة


وشاهدا ، لان شهداء جمع شهيد ، وقد علمنا أن كل واحد من هذه الأمة ليس بهذه الصفة ، فلم يجز أن يكون المراد ما قالوه ، على أن الأمة إن أريد بها جميع الأمة ، فقد بينا ان فيها كثيرا ممن يحكم بفسقه بل بكفره ، فلا يجوز حملها على الجميع .
وان خصوها بالمؤمنين العدول ، لنا أن نخصها بجماعة ، كل واحد منهم موصوف بما وصفنا به جماعتهم : وهم الأئمة المعصومون من آل الرسول صلى الله عليه وآله على أنالوه سلمنا ما قالوه من كونهم عدولا ، ينبغي أن نجنبهم ما يقدح في عدالتهم وهي الكبائر ، فأما الصغائر التي تقع مكفرة ، فلا تقدح في العدالة ، فلا ينبغي أن نمنع منها ، ومتى جوزنا عليهم الصغائر لم يمكنا أن نحتج باجماعهم ، لأنه لا شئ أجمعوا عليه إلا ويجوز أن يكون صغيرا فلا يقدح في عدالتهم ، ولا يجب الاقتداء بهم فيه لكونه قبيحا . وفي ذلك بطلان الاحتجاج باجماعهم . وكيف يجنبون الصغائر ، وحال شهادتهم ليس بأعظم من شهادة النبي صلى الله عليه وآله ومع هذا يجوزون عليه الصغائر فهلا جاز مثل ذلك عليهم ، ولا تقدح في عدالتهم - كما لم تقدح في عدالة النبي صلى الله عليه وآله ؟
قوله : " ويكون الرسول عليكم شهيدا " . قيل في معناه قولان :
أحدهما - عليكم شهيدا بما يكون من اعمالكم . وقيل : يكون حجة عليكم .
والثاني - يكون لكم شهيدا بأنكم قد صدقتم - يوم القيامة - فيما تشهدون به .
وجعلوا ( على ) بمعتى اللام كما قال : " وما ذبح على النصب " ( 2 ) اي للنصب . والتشبيه في قوله " وكذلك " وقع بما دل عليه الكلام في الآية التي قبلها : وهي قوله " يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " فتقديره أنعمنا عليكم بالعدالة كما أنعمنا عليكم بالهداية والعامل في الكاف جعلنا ، كأنه قيل : " من يشاء إلى صراط مستقيم " فقد أنعمنا عليكم بذلك وجعلناكم أمة وسطا فأنعمنا كذلك الانعام . إلا أن ( جعلنا ) يدل على أنعمنا في هذا الكلام ، فلم نحتج إلى حذفه معه في قوله تعالى : " وما جعلنا القبلة التي التي كنت عليها " اي ما صرفناك عن القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم ، وحذف لدلالة

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سورة المائدة : آية 4

( 1 ) سورة المائدة : آية 4

8


الكلام عليه . وقوله " إلا لنعلم " قيل في معناه ثلاثة أقوال :
أولها " إلا لنعلم " اي لنعلم حزبنا من النبي والمؤمنين ، كم يقول الملك فعلنا
وفتحنا بمعنى فعل أولياؤنا ومن ذلك قيل : فتح عمر السواد وجبا الخراج وإن لم
يتول ذلك بنفسه .
الثاني - إلا ليحصل المعلوم موجودا ، فقيل على هذا : إلا لنعلم ، لأنه قبل
وجود المعلوم لا يصح وصفه بأنه عالم بوجوده .
والثالث - إلا لنعاملكم معاملة المختبر الممتحن الذي كأنه لا يعلم أن العدل
يوجب ذلك ، من حيث لو عاملهم بما يعلم أنه يكون منهم كان ظلما لهم . ويظهر ذلك
قول القائل لمن انكر أن تكون النار تحرق الحطب : فليحضر النار والحطب لنعلم
أتحرقه أم لا ، على جهة الانصاف في الخطاب ، لاعلى جهة الشك في الاحراق . وهذا
الوجه اختاره ابن الاخشاد ، والرماني . وكان علي بن الحسين المرتضى الموسوي يقول
في مثل ذلك وجها مليحا : وهو ان قال : قوله لنعلم يقتضي حقيقة ان يعلم هو وغيره
ولا يحصل علمه مع علم غيره إلا بعد حصول الاتباع ، فاما قبل حصوله فإنما يكون هو
تعالى العالم وحده ، فصح حينئذ ظاهر الآية وهذا وجه رابع ، وفيه قول خامس
- وهو ان يعلموا انا نعلم ، لأنه كان منهم من يعتقد ان الله لا يعلم الشئ حتى يكون
على أن قوله : " لنعلم من يتبع الرسول " لا يدل على حدوث العلم ، لأنه كان قبل ذلك
عالما بان الاتباع سيوجد ، أو لا يوجد ، فان وجد كان عالما بوجوده وان لم يتجدد
له صفة . وإنما يتجدد المعلوم ، لان العلم بان الشئ سيوجد علم بوجوده إذا وجد .
وإنما يتغير عليه الاسم ، ويجري ذلك مجرى تغير الاسم على زمان بعينه ، بان يوصف
بأنه غد قبل حصوله ، فإذا حصل قيل إنه اليوم ، فإذا تقضى وصف بأنه أمس ، فتغير
عليه الاسم والمعلوم لم يتغير .
وقوله تعالى : " ممن ينقلب على عقبيه " قيل في معناه قولان :
أحدهما ان قوما ارتدوا عن الاسلام لما حولت القبلة جهلا منهم بما فيها
من وجه الحكمة .


الكلام عليه . وقوله " إلا لنعلم " قيل في معناه ثلاثة أقوال :
أولها " إلا لنعلم " اي لنعلم حزبنا من النبي والمؤمنين ، كم يقول الملك فعلنا وفتحنا بمعنى فعل أولياؤنا ومن ذلك قيل : فتح عمر السواد وجبا الخراج وإن لم يتول ذلك بنفسه .
الثاني - إلا ليحصل المعلوم موجودا ، فقيل على هذا : إلا لنعلم ، لأنه قبل وجود المعلوم لا يصح وصفه بأنه عالم بوجوده .
والثالث - إلا لنعاملكم معاملة المختبر الممتحن الذي كأنه لا يعلم أن العدل يوجب ذلك ، من حيث لو عاملهم بما يعلم أنه يكون منهم كان ظلما لهم . ويظهر ذلك قول القائل لمن انكر أن تكون النار تحرق الحطب : فليحضر النار والحطب لنعلم أتحرقه أم لا ، على جهة الانصاف في الخطاب ، لاعلى جهة الشك في الاحراق . وهذا الوجه اختاره ابن الاخشاد ، والرماني . وكان علي بن الحسين المرتضى الموسوي يقول في مثل ذلك وجها مليحا : وهو ان قال : قوله لنعلم يقتضي حقيقة ان يعلم هو وغيره ولا يحصل علمه مع علم غيره إلا بعد حصول الاتباع ، فاما قبل حصوله فإنما يكون هو تعالى العالم وحده ، فصح حينئذ ظاهر الآية وهذا وجه رابع ، وفيه قول خامس - وهو ان يعلموا انا نعلم ، لأنه كان منهم من يعتقد ان الله لا يعلم الشئ حتى يكون على أن قوله : " لنعلم من يتبع الرسول " لا يدل على حدوث العلم ، لأنه كان قبل ذلك عالما بان الاتباع سيوجد ، أو لا يوجد ، فان وجد كان عالما بوجوده وان لم يتجدد له صفة . وإنما يتجدد المعلوم ، لان العلم بان الشئ سيوجد علم بوجوده إذا وجد .
وإنما يتغير عليه الاسم ، ويجري ذلك مجرى تغير الاسم على زمان بعينه ، بان يوصف بأنه غد قبل حصوله ، فإذا حصل قيل إنه اليوم ، فإذا تقضى وصف بأنه أمس ، فتغير عليه الاسم والمعلوم لم يتغير .
وقوله تعالى : " ممن ينقلب على عقبيه " قيل في معناه قولان :
أحدهما ان قوما ارتدوا عن الاسلام لما حولت القبلة جهلا منهم بما فيها من وجه الحكمة .

9


والآخر ان المراد به كل مقيم على كفره ، لان جهة الاستقامة إقبال ،
وخلافها ادبار ، لذلك وصف الكافر بأنه ادبر واستكبر . وقال " لا يصلاها إلا
الأشقى الذي كذب وتولى " ( 1 ) اي عن الحق .
اللغة :
والعقب مؤخر القدم قال ثعلب : ونرد على أعقابنا : أي نعقب بالشر بعد الخير
وكذلك رجع على عقبيه . وسميت العقوبة عقوبة لأنها تتلو الذنب . والعقبة كرة بعد
كرة في الركوب والمشي . المعقبات : ملائكة الليل تعاقب ملائكة النهار . وعقب الانسان
نسله . والعقاب معروف والعقب أصلب من العصاب وامتن ، يعقب به الرماح .
والتعقيب : الرجوع إلى امر تريده . ومنه قوله تعالى : " ولم يعقب " ( 2 ) ومنه
يقال عقب الليل النهار يعقبه . وأعقب الرأي خبرا ، وأعقب عزه ذلا أي ابدل به . والعقبة
طريق في الجبل . وعرو العقاب : الراية لشبهها بعقاب الطائر . واليعقوب ذكر القبج
تشبه به الخيل في السرعة . لا معقب لحكمه أي لا راد لقضائه . والمعقب : الذي يتبع
الانسان في طلب حق . واصل الباب التلو .
المعنى :
والضمير في قوله " وان كانت لكبيرة " يحتمل رجوعه إلى ثلاثة أشياء : القبلة
على قول ابن عامر . والتحويلة على قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة . وهو الأقوى ،
لان القوم ثقل عليهم التحويل لا نفس القبلة . وعلى قول ابن زيد الصلاة . وقوله :
" لكبيرة " قال الحسن : معناه ثقليه يعني التحويلة إلى بيت المقدس ، لان العرب لم
تكن قبلة أحب إليهم من الكعبة . وقيل معناه عظيمة على من لم يعرف ما فيها من
وجوه الحكمة . فاما الذين هدى الله ، لان المعرفة بما فيها من المصلحة تسهل المشقة
فيصير بمنزلة مالا يعتد بها ولذلك حسن الاستثناء بما يخرجهم منها .


والآخر ان المراد به كل مقيم على كفره ، لان جهة الاستقامة إقبال ، وخلافها ادبار ، لذلك وصف الكافر بأنه ادبر واستكبر . وقال " لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى " ( 1 ) اي عن الحق .
اللغة :
والعقب مؤخر القدم قال ثعلب : ونرد على أعقابنا : أي نعقب بالشر بعد الخير وكذلك رجع على عقبيه . وسميت العقوبة عقوبة لأنها تتلو الذنب . والعقبة كرة بعد كرة في الركوب والمشي . المعقبات : ملائكة الليل تعاقب ملائكة النهار . وعقب الانسان نسله . والعقاب معروف والعقب أصلب من العصاب وامتن ، يعقب به الرماح .
والتعقيب : الرجوع إلى امر تريده . ومنه قوله تعالى : " ولم يعقب " ( 2 ) ومنه يقال عقب الليل النهار يعقبه . وأعقب الرأي خبرا ، وأعقب عزه ذلا أي ابدل به . والعقبة طريق في الجبل . وعرو العقاب : الراية لشبهها بعقاب الطائر . واليعقوب ذكر القبج تشبه به الخيل في السرعة . لا معقب لحكمه أي لا راد لقضائه . والمعقب : الذي يتبع الانسان في طلب حق . واصل الباب التلو .
المعنى :
والضمير في قوله " وان كانت لكبيرة " يحتمل رجوعه إلى ثلاثة أشياء : القبلة على قول ابن عامر . والتحويلة على قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة . وهو الأقوى ، لان القوم ثقل عليهم التحويل لا نفس القبلة . وعلى قول ابن زيد الصلاة . وقوله :
" لكبيرة " قال الحسن : معناه ثقليه يعني التحويلة إلى بيت المقدس ، لان العرب لم تكن قبلة أحب إليهم من الكعبة . وقيل معناه عظيمة على من لم يعرف ما فيها من وجوه الحكمة . فاما الذين هدى الله ، لان المعرفة بما فيها من المصلحة تسهل المشقة فيصير بمنزلة مالا يعتد بها ولذلك حسن الاستثناء بما يخرجهم منها .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سورة الليل : آية 15 - 6 1
( 2 ) سورة النمل آية 10 وسورة القصص آية 31

( 1 ) سورة الليل : آية 15 - 6 1 ( 2 ) سورة النمل آية 10 وسورة القصص آية 31

10

لا يتم تسجيل الدخول!