إسم الكتاب : تلخيص البيان في مجازات القرآن ( عدد الصفحات : 369)


تلخيص البيان
في مجازات القرآن
تصنيف
الشريف الرضي
حققه وقدم له وصنع فهارسه
محمد عبد الغني حسن
دار إحياء الكتب العربية
عيسى البابي الحلبي وشركاه
القاهرة - 1955


تلخيص البيان في مجازات القرآن تصنيف الشريف الرضي حققه وقدم له وصنع فهارسه محمد عبد الغني حسن دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه القاهرة - 1955

1


الطبعة الأولى
« جميع الحقوق محفوظة »
1374 ه - 1955 م


الطبعة الأولى « جميع الحقوق محفوظة » 1374 ه - 1955 م

2


الشّريف الرضىّ
بين مجازات القرآن والحديث


الشّريف الرضىّ بين مجازات القرآن والحديث

3


< صفحة فارغة >
صفحة بيضاء
< / صفحة فارغة >


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >

4



مقدمة
بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
المجازات في القرآن
لعل أول كتاب وأقدمه في « مجازات القرآن » هو الكتاب الذي صنفه أبو عبيدة بهذا العنوان . فإن هذا الرواية من أسبق الرواة إلى التصنيف والتدوين ، لأنه جاء بعد قتادة بن دعامة السدوسي ( المتوفى سنة 117 ه ) . وأبى عمرو بن العلاء ( المتوفى سنة 154 ه ) وهما لم يخلفا لنا أثرا مكتوبا ، وإنما كانت الأخبار تنقل عنهما مشافهة . أما أبو عبيدة معمر بن المثنى ( المتوفى سنة 209 ه ) فقد ترك بعده طائفة من الكتب زادت على المائة ، كما عدها صاحب « الفهرست » . ومن حسن الحظ أن يطبع كتابه « مجاز القرآن » طبعة محققة لأول مرة في المكتبة العربية « 1 » .
وليس كتاب أبى عبيدة في مجازات القرآن بالمعنى الاصطلاحي الذي تناوله الشريف الرضى في كتاب « تلخيص البيان ، في مجازات القرآن » وهو ذلك المعنى الذي يوضع اصطلاحا في مقابل « الحقيقة » كما فعل البيانيون في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز . لا ! ليس كتاب أبى عبيدة في مجازات القرآن بهذا المعنى . ولكن لفظة « المجاز » عنده تساوى طريق الجواز إلى فهم اللفظة القرآنية ، فهو أقرب إلى تفسير غريب القرآن منه إلى الكشف عن وجوه البيان فيه بالمعنى الذي يريده البيانيون « 2 » . فالمجاز القرآني - عند أبى عبيدة - لا يعدو أن يكون


مقدمة بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المجازات في القرآن لعل أول كتاب وأقدمه في « مجازات القرآن » هو الكتاب الذي صنفه أبو عبيدة بهذا العنوان . فإن هذا الرواية من أسبق الرواة إلى التصنيف والتدوين ، لأنه جاء بعد قتادة بن دعامة السدوسي ( المتوفى سنة 117 ه ) . وأبى عمرو بن العلاء ( المتوفى سنة 154 ه ) وهما لم يخلفا لنا أثرا مكتوبا ، وإنما كانت الأخبار تنقل عنهما مشافهة . أما أبو عبيدة معمر بن المثنى ( المتوفى سنة 209 ه ) فقد ترك بعده طائفة من الكتب زادت على المائة ، كما عدها صاحب « الفهرست » . ومن حسن الحظ أن يطبع كتابه « مجاز القرآن » طبعة محققة لأول مرة في المكتبة العربية « 1 » .
وليس كتاب أبى عبيدة في مجازات القرآن بالمعنى الاصطلاحي الذي تناوله الشريف الرضى في كتاب « تلخيص البيان ، في مجازات القرآن » وهو ذلك المعنى الذي يوضع اصطلاحا في مقابل « الحقيقة » كما فعل البيانيون في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز . لا ! ليس كتاب أبى عبيدة في مجازات القرآن بهذا المعنى . ولكن لفظة « المجاز » عنده تساوى طريق الجواز إلى فهم اللفظة القرآنية ، فهو أقرب إلى تفسير غريب القرآن منه إلى الكشف عن وجوه البيان فيه بالمعنى الذي يريده البيانيون « 2 » . فالمجاز القرآني - عند أبى عبيدة - لا يعدو أن يكون

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) حققه السيد فؤاد سزجبن الأديب التركي بجامعة إستنبول بمعاونة المستشرق ريتر ، ونشره السيد سامى الخانجي بالقاهرة سنة 1954 .
( 2 ) نؤكد هنا أن « مجازات القرآن » لأبى عبيدة لا يدخل في علوم البيان . وقد وهم مؤلفا « الوسيط في الأدب العربي » حين ذكرا ذلك في ص 229 وعدا مجازات أبى عبيدة أول كتاب دون في علوم البلاغة والبيان . والحق أنه تفسير لألفاظ القرآن على طريقة اللغويين لا البيانيين . . .

( 1 ) حققه السيد فؤاد سزجبن الأديب التركي بجامعة إستنبول بمعاونة المستشرق ريتر ، ونشره السيد سامى الخانجي بالقاهرة سنة 1954 . ( 2 ) نؤكد هنا أن « مجازات القرآن » لأبى عبيدة لا يدخل في علوم البيان . وقد وهم مؤلفا « الوسيط في الأدب العربي » حين ذكرا ذلك في ص 229 وعدا مجازات أبى عبيدة أول كتاب دون في علوم البلاغة والبيان . والحق أنه تفسير لألفاظ القرآن على طريقة اللغويين لا البيانيين . . .

5


تفسيرا لألفاظ القرآن ومعجما لمعانيه . وإذا شئنا أن نأخذ أبا عبيدة بنص كلامه فإننا لا نجد أصرح من مقدمته في الدلالة على ما ذهبنا إليه . فإنه يقول : ( فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه ، لأنهم كانوا عرب الألسن ، فاستغنوا بعلمهم عن المسألة عن معانيه ، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص .
وفى القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب ، ومن الغريب ، والمعاني ) « 1 » .
وما لنا ومقدمة أبى عبيدة لنستدل منها على أن المجاز عنده هو تفسير المعنى من غير نظر إلى الاصطلاح البياني الذي لم يظهر في القرن الثاني الهجري ، وإنما ظهر على شكل لمع متناثرة قليلة فيما كتبه الجاحظ أولا ، وفيما كتبه ابن قتيبة بعده في كتابه « تأويل مشكل القرآن » وكان ذلك في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ؟ نقول : ما لنا ومقدمة أبى عبيدة مع أن كتابه كله بين أيدينا فنرى فيه أنه يعنى بالمجاز تفسير المعنى للألفاظ القرآنية ؟
ويتناول القرآن كله من فاتحة الكتاب فالبقرة فآل عمران سورة سورة ، فيعرض ما في كل سورة من الألفاظ يشرحها شرحا لغويا ويفسر غريبها ويقيم إعرابها ، ذاكرا من الشعر العربي الفصيح ما يؤيد المعنى الذي ذهب إليه ، كقوله في مجاز قوله تعالى : * ( عَذابٌ أَلِيمٌ ) * [ أي موجع من الألم ، وهو في موضع مفعل . قال ذو الرمة :
ويرفع في صدور شمر دلات * يصكّ وجوهها وهج أليم
الشمردلة : الطويلة من كل شئ ] « 2 » .
وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * : [ أي بغيهم وكفرهم ، يقال :
رجل عمه ، وعامه ، أي جائر عن الحق . قال رؤبة :
ومهمة أطرافه في مهمه * أعمى الهدى بالجاهلين العمّة ] « 3 »


تفسيرا لألفاظ القرآن ومعجما لمعانيه . وإذا شئنا أن نأخذ أبا عبيدة بنص كلامه فإننا لا نجد أصرح من مقدمته في الدلالة على ما ذهبنا إليه . فإنه يقول : ( فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه ، لأنهم كانوا عرب الألسن ، فاستغنوا بعلمهم عن المسألة عن معانيه ، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص .
وفى القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب ، ومن الغريب ، والمعاني ) « 1 » .
وما لنا ومقدمة أبى عبيدة لنستدل منها على أن المجاز عنده هو تفسير المعنى من غير نظر إلى الاصطلاح البياني الذي لم يظهر في القرن الثاني الهجري ، وإنما ظهر على شكل لمع متناثرة قليلة فيما كتبه الجاحظ أولا ، وفيما كتبه ابن قتيبة بعده في كتابه « تأويل مشكل القرآن » وكان ذلك في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ؟ نقول : ما لنا ومقدمة أبى عبيدة مع أن كتابه كله بين أيدينا فنرى فيه أنه يعنى بالمجاز تفسير المعنى للألفاظ القرآنية ؟
ويتناول القرآن كله من فاتحة الكتاب فالبقرة فآل عمران سورة سورة ، فيعرض ما في كل سورة من الألفاظ يشرحها شرحا لغويا ويفسر غريبها ويقيم إعرابها ، ذاكرا من الشعر العربي الفصيح ما يؤيد المعنى الذي ذهب إليه ، كقوله في مجاز قوله تعالى : * ( عَذابٌ أَلِيمٌ ) * [ أي موجع من الألم ، وهو في موضع مفعل . قال ذو الرمة :
ويرفع في صدور شمر دلات * يصكّ وجوهها وهج أليم الشمردلة : الطويلة من كل شئ ] « 2 » .
وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * : [ أي بغيهم وكفرهم ، يقال :
رجل عمه ، وعامه ، أي جائر عن الحق . قال رؤبة :
ومهمة أطرافه في مهمه * أعمى الهدى بالجاهلين العمّة ] « 3 »

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) صفحة 8 من « مجازات القرآن » لأبى عبيدة .
( 2 ) مجازات أبى عبيدة ص 32 .
( 3 ) المصدر السابق ص 32 .

( 1 ) صفحة 8 من « مجازات القرآن » لأبى عبيدة . ( 2 ) مجازات أبى عبيدة ص 32 . ( 3 ) المصدر السابق ص 32 .

6


وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) * : [ سقوه حتى غلب عليهم ، مجازه مجاز المختصر أشربوا في قلوبهم العجل : حب العجل : ] « 1 » وأين هذا من كلام الشريف الرضى في هذه الآية : [ . . وهذه استعارة ، والمراد بها صفة قلوبهم بالمبالغة في حب العجل ، فكأنها تشربت حبه ، فمازجها ممازجة المشروب ، وخالطها مخالطة الشيء الملذوذ . وحذف حب العجل لدلالة الكلام عليه ، لأن القلوب لا يصح وصفها بتشرب العجل على الحقيقة ] .
وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ) * : [ أي يجيبوني ، قال كعب الغنوي :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي : فلم يجبه عند ذاك مجيب ] « 2 » .
وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( وإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) * : [ وهى مصدر عال فلان : أي افتقر ، فهو يعيل . وقال :
وما يدرى الفقير متى غناه * وما يدرى الغنىّ متى يعيل ] « 3 »
وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( فِي غَيابَتِ الْجُبِّ ) * : [ مجازها : أن كل شئ غيّب عنك شيئا فهو غيابة . قال المنخل بن سبيع العنبري :
فإن أنا يوما غيّبتني غيابتي * فسيروا مسيري في العشيرة والأهل
والجب : الركية التي لم تطو ، قال الأعشى :
لئن كنت في جب ثمانين قامة * ورقّيت أسباب السماء بسلَّم ] « 4 »
وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَه إِلَّا قَلِيلاً ) * : [ مجازه : لأستميلهم ]


وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( وأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) * : [ سقوه حتى غلب عليهم ، مجازه مجاز المختصر أشربوا في قلوبهم العجل : حب العجل : ] « 1 » وأين هذا من كلام الشريف الرضى في هذه الآية : [ . . وهذه استعارة ، والمراد بها صفة قلوبهم بالمبالغة في حب العجل ، فكأنها تشربت حبه ، فمازجها ممازجة المشروب ، وخالطها مخالطة الشيء الملذوذ . وحذف حب العجل لدلالة الكلام عليه ، لأن القلوب لا يصح وصفها بتشرب العجل على الحقيقة ] .
وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ) * : [ أي يجيبوني ، قال كعب الغنوي :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي : فلم يجبه عند ذاك مجيب ] « 2 » .
وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( وإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ) * : [ وهى مصدر عال فلان : أي افتقر ، فهو يعيل . وقال :
وما يدرى الفقير متى غناه * وما يدرى الغنىّ متى يعيل ] « 3 » وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( فِي غَيابَتِ الْجُبِّ ) * : [ مجازها : أن كل شئ غيّب عنك شيئا فهو غيابة . قال المنخل بن سبيع العنبري :
فإن أنا يوما غيّبتني غيابتي * فسيروا مسيري في العشيرة والأهل والجب : الركية التي لم تطو ، قال الأعشى :
لئن كنت في جب ثمانين قامة * ورقّيت أسباب السماء بسلَّم ] « 4 » وكقوله في مجاز قوله تعالى : * ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَه إِلَّا قَلِيلاً ) * : [ مجازه : لأستميلهم ]

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) المصدر نفسه ص 47 .
( 2 ) المصدر نفسه ص 67 .
( 3 ) مجازات القرآن لأبي عبيدة ص 255 .
( 4 ) المصدر نفسه ص 302 .

( 1 ) المصدر نفسه ص 47 . ( 2 ) المصدر نفسه ص 67 . ( 3 ) مجازات القرآن لأبي عبيدة ص 255 . ( 4 ) المصدر نفسه ص 302 .

7


ولأستأصلنهم ، يقال : احتنك فلان ما عند فلان أجمع من مال أو علم أو حديث أو غيره ، أخذه كله واستقصاه ] . « 1 » .
وأين هذا من قول الشريف الرضى في هذه الآية : [ وهذه استعارة على بعض التأويلات في هذه الآية ، وهو أن يكون الاحتناك هاهنا افتعالا من الحنك . أي لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحنكها غير ممتنعة على قائدها ، وهى عبارة عن الاستيلاء عليهم ، والملكة لتصرفهم كما يملك الفارس تصرف فرسه ، بثني العنان تارة ، وبكبح اللجام مرة . وقال يعقوب في « إصلاح المنطق » : حنك الدابة يحنكها حنكا ، إذا شد في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، وقد احتنك الدابة ، مثل حنكها ، إذا فعل بها ذلك . وقال بعضهم :
لأحتنكن ذريته ، أي لألقين في أحناكهم حلاوة المعاصي حتى يستلذوها ويرغبوا فيها ويطلبوها ، والقول الأول أحب إلى . وقال بعضهم : لأستأصلن ذريته بالإغواء ، ولأستقصين إهلاكهم بالإضلال ، لأن اتباعهم غيه ، وطاعتهم أمره يؤولان بهم إلى موارد الهلاك ، وعواقب البوار . وقال الشاعر :
نشكو إليك سنة قد أجحفت * واحتنكت أموالنا وجلَّفت
أي أهلكت أموالنا ، ويقال : احتنكه ، إذا استأصله وأهلكه . ومن ذلك قولهم :
احتنك الجراد الأرض : إذا أتى على نبتها . وقيل أيضا : المراد بذلك لأضيقن عليهم مجاري الأنفاس من أحناكهم ، بإيصال الوسوسة لهم ، وتضاعف الإغواء عليهم . ويقال : احتنك فلان فلانا : إذا أخذ بمجرى النفس من حنكه ، فكان كالشبا في مقلته ، والشجا في مسعله ] « 2 » .
يتضح من هذه الأمثلة التي نقلناها هنا من « مجازات القرآن » لأبى عبيدة ما قررناه من


ولأستأصلنهم ، يقال : احتنك فلان ما عند فلان أجمع من مال أو علم أو حديث أو غيره ، أخذه كله واستقصاه ] . « 1 » .
وأين هذا من قول الشريف الرضى في هذه الآية : [ وهذه استعارة على بعض التأويلات في هذه الآية ، وهو أن يكون الاحتناك هاهنا افتعالا من الحنك . أي لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحنكها غير ممتنعة على قائدها ، وهى عبارة عن الاستيلاء عليهم ، والملكة لتصرفهم كما يملك الفارس تصرف فرسه ، بثني العنان تارة ، وبكبح اللجام مرة . وقال يعقوب في « إصلاح المنطق » : حنك الدابة يحنكها حنكا ، إذا شد في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، وقد احتنك الدابة ، مثل حنكها ، إذا فعل بها ذلك . وقال بعضهم :
لأحتنكن ذريته ، أي لألقين في أحناكهم حلاوة المعاصي حتى يستلذوها ويرغبوا فيها ويطلبوها ، والقول الأول أحب إلى . وقال بعضهم : لأستأصلن ذريته بالإغواء ، ولأستقصين إهلاكهم بالإضلال ، لأن اتباعهم غيه ، وطاعتهم أمره يؤولان بهم إلى موارد الهلاك ، وعواقب البوار . وقال الشاعر :
نشكو إليك سنة قد أجحفت * واحتنكت أموالنا وجلَّفت أي أهلكت أموالنا ، ويقال : احتنكه ، إذا استأصله وأهلكه . ومن ذلك قولهم :
احتنك الجراد الأرض : إذا أتى على نبتها . وقيل أيضا : المراد بذلك لأضيقن عليهم مجاري الأنفاس من أحناكهم ، بإيصال الوسوسة لهم ، وتضاعف الإغواء عليهم . ويقال : احتنك فلان فلانا : إذا أخذ بمجرى النفس من حنكه ، فكان كالشبا في مقلته ، والشجا في مسعله ] « 2 » .
يتضح من هذه الأمثلة التي نقلناها هنا من « مجازات القرآن » لأبى عبيدة ما قررناه من

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) المصدر نفسه ص 284 .
( 2 ) انظر ذلك في كتاب « تلخيص البيان » في مجاز هذه الآية من موضعها في سورة بنى إسرائيل .

( 1 ) المصدر نفسه ص 284 . ( 2 ) انظر ذلك في كتاب « تلخيص البيان » في مجاز هذه الآية من موضعها في سورة بنى إسرائيل .

8


إنّه استعمل « المجاز » بمعنى التفسير ، وأن المجاز البياني المقابل للحقيقة لم يكن في حسبانه وهو يصنف في مجازات القرآن ، وأن عنوان كتابه قد يوهم القارئ بأنه أول من ألف في المجاز البياني للقرآن ، مع أن منهجه في الكتاب بعيد عن ذلك بعدا عظيما .
وإذا صح ما ذكره صاحب « الفهرست » من أن لأبى عبيدة كتابا اسمه « غريب القرآن » فليت شعري أين يكون موضوع هذا الكتاب من كتابه في مجازات القرآن ؟
أليس كتاب المجازات هو في الحق كتابا في غريب القرآن أو في تفسير ألفاظه ؟ فهل يكون الكتابان اسمين على مسمى واحد ؟ أو قد يكون ابن النديم وهم فحسب أن « غريب القرآن » لأبى عبيدة هو كتاب آخر غير المجازات له ؟
على أن مما يزيد المشكلة تعقيدا أن صاحب « الفهرست » لم يذكر كتاب « مجازات القرآن » لأبى عبيدة وهو يسرد أسماء الكتب المؤلفة في معاني القرآن ومشكله ومجازه « 1 » ، ولكنه ذكر كتاب « معاني القرآن » لأبى عبيدة . فهل يكون هذا الكتاب هو « مجازات القرآن » الذي تم طبعه أخيرا ، أم يكون كتابا آخر غيره لا يزال مستسرا في ضمير الغيب . ؟


إنّه استعمل « المجاز » بمعنى التفسير ، وأن المجاز البياني المقابل للحقيقة لم يكن في حسبانه وهو يصنف في مجازات القرآن ، وأن عنوان كتابه قد يوهم القارئ بأنه أول من ألف في المجاز البياني للقرآن ، مع أن منهجه في الكتاب بعيد عن ذلك بعدا عظيما .
وإذا صح ما ذكره صاحب « الفهرست » من أن لأبى عبيدة كتابا اسمه « غريب القرآن » فليت شعري أين يكون موضوع هذا الكتاب من كتابه في مجازات القرآن ؟
أليس كتاب المجازات هو في الحق كتابا في غريب القرآن أو في تفسير ألفاظه ؟ فهل يكون الكتابان اسمين على مسمى واحد ؟ أو قد يكون ابن النديم وهم فحسب أن « غريب القرآن » لأبى عبيدة هو كتاب آخر غير المجازات له ؟
على أن مما يزيد المشكلة تعقيدا أن صاحب « الفهرست » لم يذكر كتاب « مجازات القرآن » لأبى عبيدة وهو يسرد أسماء الكتب المؤلفة في معاني القرآن ومشكله ومجازه « 1 » ، ولكنه ذكر كتاب « معاني القرآن » لأبى عبيدة . فهل يكون هذا الكتاب هو « مجازات القرآن » الذي تم طبعه أخيرا ، أم يكون كتابا آخر غيره لا يزال مستسرا في ضمير الغيب . ؟

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) الفهرست لابن النديم . طبع القاهرة ص 51 .

( 1 ) الفهرست لابن النديم . طبع القاهرة ص 51 .

9



الجاحظ ومجازات القرآن
لعل الجاحظ المتوفى سنة 255 ه هو أول من استعمل المجاز في القرآن بالمعنى المقابل للحقيقة ، وهو ذلك المعنى القريب جد القرب مما استعمله البيانيون المتأخرون ، وبهذا كان أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هو أول مصنف عربي استعمل لفظتي المجاز والاستعارة على نحو يقرب مما قصد بهما عند البلاغيين . فهو لا يريد بكلمة المجاز ذلك المعنى الذي قصده أبو عبيدة بالتفسير ، ولكنه يريد ذلك الشيء المقابل للحقيقة . ونراه في مواطن متفرقة من كتابيه « الحيوان » و « البيان والتبيين » يشير إلى المجاز والاستعارة إشارات تعد أول ما سجل منهما بالمعنى البياني في المؤلفات العربية . حتى ليعد الجاحظ بذلك أول رائد للبلاغة العربية بمعناها الاصطلاحي الذي أخذ يتطور على الزمن حتى بلغ قمته على يد السكاكي ، والقزويني وغيرهما من أعلام البلاغة الفنية .
ولعل من أوائل اللمع البيانية عند الجاحظ قوله في « الحيوان » : [ باب آخر في المجاز والتشبيه بالأكل ، وهو قول اللَّه عز وجل : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) * وقوله تعالى عز اسمه : * ( أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) * وقد يقال لهم ذلك ، وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة ، ولبسوا الحلل ، وركبوا الدواب ، ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل ، وقد قال اللَّه عز وجل : * ( إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ) * وهذا مجاز آخر ] « 1 » .
ولا يكتفى الجاحظ بهذه اللمعة البيانية الواضحة بل يضيف إليها بابا آخر في مجاز الذوق :
[ وهو قول الرجل إذا بالغ في عقوبة عبده : ذق ! وكيف ذقته ؟ ! وكيف وجدت طعمه ؟ ! وقال عز وجل : * ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) * . . . وقال يزيد بن الصعق :


الجاحظ ومجازات القرآن لعل الجاحظ المتوفى سنة 255 ه هو أول من استعمل المجاز في القرآن بالمعنى المقابل للحقيقة ، وهو ذلك المعنى القريب جد القرب مما استعمله البيانيون المتأخرون ، وبهذا كان أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هو أول مصنف عربي استعمل لفظتي المجاز والاستعارة على نحو يقرب مما قصد بهما عند البلاغيين . فهو لا يريد بكلمة المجاز ذلك المعنى الذي قصده أبو عبيدة بالتفسير ، ولكنه يريد ذلك الشيء المقابل للحقيقة . ونراه في مواطن متفرقة من كتابيه « الحيوان » و « البيان والتبيين » يشير إلى المجاز والاستعارة إشارات تعد أول ما سجل منهما بالمعنى البياني في المؤلفات العربية . حتى ليعد الجاحظ بذلك أول رائد للبلاغة العربية بمعناها الاصطلاحي الذي أخذ يتطور على الزمن حتى بلغ قمته على يد السكاكي ، والقزويني وغيرهما من أعلام البلاغة الفنية .
ولعل من أوائل اللمع البيانية عند الجاحظ قوله في « الحيوان » : [ باب آخر في المجاز والتشبيه بالأكل ، وهو قول اللَّه عز وجل : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ) * وقوله تعالى عز اسمه : * ( أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) * وقد يقال لهم ذلك ، وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة ، ولبسوا الحلل ، وركبوا الدواب ، ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل ، وقد قال اللَّه عز وجل : * ( إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ) * وهذا مجاز آخر ] « 1 » .
ولا يكتفى الجاحظ بهذه اللمعة البيانية الواضحة بل يضيف إليها بابا آخر في مجاز الذوق :
[ وهو قول الرجل إذا بالغ في عقوبة عبده : ذق ! وكيف ذقته ؟ ! وكيف وجدت طعمه ؟ ! وقال عز وجل : * ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) * . . . وقال يزيد بن الصعق :

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) الحيوان . بتحقيق عبد السلام هارون . ج 5 ص 25 .

( 1 ) الحيوان . بتحقيق عبد السلام هارون . ج 5 ص 25 .

10

لا يتم تسجيل الدخول!