إسم الكتاب : نهج البلاغة ( عدد الصفحات : 853)


نهج البلاغة


نهج البلاغة

1



2


نهج البلاغة
وهو مجموع ما اختاره الشريف ابو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي من كلام أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام
ضبط نصّه وابتكر فهارسه العلميّة
الدكتور صبحي الصالح
استاذ الإسلاميات وفقه اللغة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية


نهج البلاغة وهو مجموع ما اختاره الشريف ابو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي من كلام أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام ضبط نصّه وابتكر فهارسه العلميّة الدكتور صبحي الصالح استاذ الإسلاميات وفقه اللغة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية

3


جميع الحقوق محفوظة
أُجري على هذه الطبعة قانون الإيداع وسجلت لدى الحماية الملكية
الطبعة الأولى
بيروت 1387 ه‍ - 1967 م


جميع الحقوق محفوظة أُجري على هذه الطبعة قانون الإيداع وسجلت لدى الحماية الملكية الطبعة الأولى بيروت 1387 ه‍ - 1967 م

4


مقدمة التحقيق


مقدمة التحقيق

5



6


بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله الطيبين
الطاهرين ، وصحبه المصطفين الأخيار
لمحة خاطفة عن سيرة الإمام عليه السلام
ما من مسلم يجهل موضع على كرم الله وجهه من ابن عمه الرسول الكريم بالقرابة القريبة ،
والمنزلة الخصيصة : وضعه في حجره وهو ولد يضمه إلى صدره ، ويكنفه في فراشه ،
ويمسه جسده ، ويشمه عرفه ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في كل
سنة بحراء فيراه علي ولا يراه سواه . ولم يجمع بيت واحد في الإسلام غير الرسول عليه الصلاة
والسلام وخديجة أم المؤمنين ، وكان علي ثالثهما ، يرى نور الوحي والرسالة ، ويشم ريح النبوة ،
وعلي كرم الله وجهه واسى نبيه الكريم بنفسه في المواطن التي تنكص فيها الأبطال ،
وتزل فيها الأقدام ، نجدة أكرمه الله بها ! وحسبك أنه ليلة الهجرة بات في فراش الرسول
غير جازع أن يموت فداه وشهد معه جميع مغازيه إلا ما كان من غزوة تبوك التي خلفه فيها
الرسول في أهل بيته قائلا له : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه
لا نبوة بعدي " .
سجل له التاريخ أجل المواقف وأسماها ، فهو أحد المبارزين يوم بدر ، وقاتل عمرو بن
ود في غزوة الخندق ، وأحد النفر الذين ثبتوا مع الرسول الكريم في غزوتي أحد وحنين ،
وصاحب راية المسلمين يوم خيبر ، وفيها أبلى أحسن البلاء .
أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكرمه ، فزوجه ابنته الزهراء في السنة الثانية
من الهجرة ، فأولدها الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم ، وعهد إليه أن يتلو على الناس في
موسم الحج أول سورة التوبة إيذانا ببراءة الله و رسولة من المشركين .


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وصحبه المصطفين الأخيار لمحة خاطفة عن سيرة الإمام عليه السلام ما من مسلم يجهل موضع على كرم الله وجهه من ابن عمه الرسول الكريم بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة : وضعه في حجره وهو ولد يضمه إلى صدره ، ويكنفه في فراشه ، ويمسه جسده ، ويشمه عرفه ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في كل سنة بحراء فيراه علي ولا يراه سواه . ولم يجمع بيت واحد في الإسلام غير الرسول عليه الصلاة والسلام وخديجة أم المؤمنين ، وكان علي ثالثهما ، يرى نور الوحي والرسالة ، ويشم ريح النبوة ، وعلي كرم الله وجهه واسى نبيه الكريم بنفسه في المواطن التي تنكص فيها الأبطال ، وتزل فيها الأقدام ، نجدة أكرمه الله بها ! وحسبك أنه ليلة الهجرة بات في فراش الرسول غير جازع أن يموت فداه وشهد معه جميع مغازيه إلا ما كان من غزوة تبوك التي خلفه فيها الرسول في أهل بيته قائلا له : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبوة بعدي " .
سجل له التاريخ أجل المواقف وأسماها ، فهو أحد المبارزين يوم بدر ، وقاتل عمرو بن ود في غزوة الخندق ، وأحد النفر الذين ثبتوا مع الرسول الكريم في غزوتي أحد وحنين ، وصاحب راية المسلمين يوم خيبر ، وفيها أبلى أحسن البلاء .
أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكرمه ، فزوجه ابنته الزهراء في السنة الثانية من الهجرة ، فأولدها الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم ، وعهد إليه أن يتلو على الناس في موسم الحج أول سورة التوبة إيذانا ببراءة الله و رسولة من المشركين .

7


ولما غربت النبوة ، ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، طمع في
خلافته كثيرون من المهاجرين والأنصار ، وبدا للناس يومذاك أن بني هاشم كانوا يريدون
الخلافة فيهم ، ويرون عليا أحق الصحابة بها ، لمكانته العظمى من الرسول الكريم ، وسعة
علمه ، ومواقفه الخالدة في نصرة الإسلام ، فلا غرو إذا أقبل العباس عم النبي على ابن أخيه
علي يقول له : " ابسط يدك ولنبايعك " ، لكن عليا كرم الله وجهه تباطأ في قبول هذه
البيعة ، وظل متشاغلا بدفن الرسول العظيم . وانطفأت الفتنة ، وبويع أبو بكر رضي الله عنه
بما يشبه الإجماع ، وإذا بعلي كرم الله وجهه يبايعه أيضا بعد فترة يسيرة كان عاتبا فيها عليه ،
إذ كان يرى لنفسه من الحق بالخلافة أكثر مما كان لأبي بكر .
ولم يكن شيء أبغض إلى قلب علي من الخلاف يدب بين المسلمين ، فها هو ذا - رغم ما
كان يرى من حقه بالخلافة - يبايع أيضا عمر رضي الله عنه ، ويزوجه ابنته أم كلثوم ،
ويبادله عمر من معاني التكريم والإجلال أسماها ، فيستخلفه على المدينة إذا غاب عنها ،
ويستشيره في الخطوب ، ويستفتيه في قضايا التشريع قائلا فيه : " لولا على لهلك عمر " !
ولقد رفض عمر أن يعهد بالخلافة إلى ابنه عبد الله من بعده ، وظل في مشكلة الخلافة غير
مستقر على رأي ، حتى إذا طعنه أبو لؤلؤة المجوسي في أواخر سنة 23 ه آثر أن يحصر الأمر
في ستة من كبار أصحاب النبي ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم فيبايعه المسلمون . وأولئك
الستة هم : علي بن أبي طالب سيد بني هاشم ، وعثمان بن عفان شيخ بني أمية ، وطلحة بن عبيد
الله كبيرا بني تميم ، والزبير بن العوام زعيم بين أسد ، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن
ابن عوف رأسا بنى زهرة .
وربما مال أكثرهم - منذ بدء الشورى - إلى تولية عثمان ، لأن عبد الرحمن بن عوف
كان صهره ، وسعدا من أقربائه ، فضلا على سابقته في الإسلام ، وإصهار للنبي صلى الله
عليه وسلم مرتين في ابنتيه رقية وأم كلثوم . وبدا على رجال الشورى أن كلا منهم ود لو
يتخفف من تلك المسؤولية الضخمة ، إذ خلع كل نفسه وعهد إلى الآخر باختيار الخليفة ،
حتى إذا انتهى الأمر إلى عبد الرحمن أعلن في الحرم سنة 24 ه تولية عثمان . وامتعض بنو
هاشم لتحامل القوم عليهم ورغبتهم في إقصائهم ، ولكن عليا الذي يكره الخلاف بين المسلمين
آثر هذه المرة أيضا أن يطفئ الفتنة ، ويحقن الدماء ، فبايع عثمان كما بايع من قبل أبا بكر وعمر ،
وإن في العين قذى ، وفي الحلق شجا .


ولما غربت النبوة ، ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، طمع في خلافته كثيرون من المهاجرين والأنصار ، وبدا للناس يومذاك أن بني هاشم كانوا يريدون الخلافة فيهم ، ويرون عليا أحق الصحابة بها ، لمكانته العظمى من الرسول الكريم ، وسعة علمه ، ومواقفه الخالدة في نصرة الإسلام ، فلا غرو إذا أقبل العباس عم النبي على ابن أخيه علي يقول له : " ابسط يدك ولنبايعك " ، لكن عليا كرم الله وجهه تباطأ في قبول هذه البيعة ، وظل متشاغلا بدفن الرسول العظيم . وانطفأت الفتنة ، وبويع أبو بكر رضي الله عنه بما يشبه الإجماع ، وإذا بعلي كرم الله وجهه يبايعه أيضا بعد فترة يسيرة كان عاتبا فيها عليه ، إذ كان يرى لنفسه من الحق بالخلافة أكثر مما كان لأبي بكر .
ولم يكن شيء أبغض إلى قلب علي من الخلاف يدب بين المسلمين ، فها هو ذا - رغم ما كان يرى من حقه بالخلافة - يبايع أيضا عمر رضي الله عنه ، ويزوجه ابنته أم كلثوم ، ويبادله عمر من معاني التكريم والإجلال أسماها ، فيستخلفه على المدينة إذا غاب عنها ، ويستشيره في الخطوب ، ويستفتيه في قضايا التشريع قائلا فيه : " لولا على لهلك عمر " !
ولقد رفض عمر أن يعهد بالخلافة إلى ابنه عبد الله من بعده ، وظل في مشكلة الخلافة غير مستقر على رأي ، حتى إذا طعنه أبو لؤلؤة المجوسي في أواخر سنة 23 ه آثر أن يحصر الأمر في ستة من كبار أصحاب النبي ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم فيبايعه المسلمون . وأولئك الستة هم : علي بن أبي طالب سيد بني هاشم ، وعثمان بن عفان شيخ بني أمية ، وطلحة بن عبيد الله كبيرا بني تميم ، والزبير بن العوام زعيم بين أسد ، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن ابن عوف رأسا بنى زهرة .
وربما مال أكثرهم - منذ بدء الشورى - إلى تولية عثمان ، لأن عبد الرحمن بن عوف كان صهره ، وسعدا من أقربائه ، فضلا على سابقته في الإسلام ، وإصهار للنبي صلى الله عليه وسلم مرتين في ابنتيه رقية وأم كلثوم . وبدا على رجال الشورى أن كلا منهم ود لو يتخفف من تلك المسؤولية الضخمة ، إذ خلع كل نفسه وعهد إلى الآخر باختيار الخليفة ، حتى إذا انتهى الأمر إلى عبد الرحمن أعلن في الحرم سنة 24 ه تولية عثمان . وامتعض بنو هاشم لتحامل القوم عليهم ورغبتهم في إقصائهم ، ولكن عليا الذي يكره الخلاف بين المسلمين آثر هذه المرة أيضا أن يطفئ الفتنة ، ويحقن الدماء ، فبايع عثمان كما بايع من قبل أبا بكر وعمر ، وإن في العين قذى ، وفي الحلق شجا .

8


وقام علي كرم الله وجهه من بين الصحابة يلوم عثمان على تولية أقاربه ، ولما ثار عليه
المعارضون من عرب الأمصار أرسل علي لحراسته والدفاع عنه ولديه الحسن والحسين ،
ولكن المتمردين حاصروا دار عثمان ، وألزموه أن يخلع نفسه من الخلافة ، فحم القضاء ،
ولقي مصرعه وهو جالس في المحراب يقرأ القرآن .
وانثال على علي عرب الأمصار وأهل بدر والمهاجرون والأنصار ، وهرعوا إلي يقولون :
أمير المؤمنين ، فلم يجد بدا من قبول الخلافة في 25 من ذي الحجة سنة 35 ه . ولقد كانت
مهمته خطيرة ، اضطلع بها قرابة خمس سنين ، ولم يصف له الحال فيها يوما واحدا .
وحرض الثوار عليا على عزل العمال الذين عينهم عثمان ، فأذعنوا جميعا إلا معاوية في
الشام ، فإنه علق قميص عثمان على المنبر ، ، وغدا يحض الناس على الثأر للخليفة الشهيد .
وفوجىء علي بالسيدة عائشة أم المؤمنين وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام - وهما
من رجال الشورى الستة - يخرجون إلى البصرة مطالبين بدم عثمان ، وازدادت الفتنة اشتعالا
حين أخذت أم المؤمنين تخمس الجند وهي في هودجها على الجمل ، ثم عقر جملها وقتل
دونه سبعون رجلا ، وعرف هذا اليوم بموقعة الجمل ، وأعاد الإمام السيدة عائشة إلى
مكة محاطة بالتكريم . وتابت هي إلى الله أسفا على ما أريق من دماء المسلمين .
ثم كان يوم صفين ، وتحكيم الحكمين ، ثم بداية الوهن ، وتصدع الصفوف بين أتباع
علي ، وعرف معاوية كيف ينتهز الفرصة بإثارة الاضطرابات في أرجاء البلاد ، فازدادت
نقمة الخوارج ، وقرروا قتل معاوية وعلي ، فلم ينجحوا في قتل أولهما ، أما علي فقتله ابن
ملجم لعنه الله في المسجد في شهر رمضان ستة 40 ه و هو يردد : " الحكم لله لا لك يا علي " .
وبمصرعه انتهت خلافة الراشدين ، وخلا الجو لمعاوية ليعلن خلافته بالشام ، ويدخل على نظام
الحكم مبدأ الوراثة الذي ينافي روح الإسلام .
موضوعات نهج البلاغة
لا بد لدارس " نهج البلاغة " أن يلم بهذه الوقائع التاريخية - ولو من خلال لمحة خاطفة
عجلى - ليعرف السر في غروب شمس الخلافة الراشدة بين المسلمين الأولين الذين استَروَحوا


وقام علي كرم الله وجهه من بين الصحابة يلوم عثمان على تولية أقاربه ، ولما ثار عليه المعارضون من عرب الأمصار أرسل علي لحراسته والدفاع عنه ولديه الحسن والحسين ، ولكن المتمردين حاصروا دار عثمان ، وألزموه أن يخلع نفسه من الخلافة ، فحم القضاء ، ولقي مصرعه وهو جالس في المحراب يقرأ القرآن .
وانثال على علي عرب الأمصار وأهل بدر والمهاجرون والأنصار ، وهرعوا إلي يقولون :
أمير المؤمنين ، فلم يجد بدا من قبول الخلافة في 25 من ذي الحجة سنة 35 ه . ولقد كانت مهمته خطيرة ، اضطلع بها قرابة خمس سنين ، ولم يصف له الحال فيها يوما واحدا .
وحرض الثوار عليا على عزل العمال الذين عينهم عثمان ، فأذعنوا جميعا إلا معاوية في الشام ، فإنه علق قميص عثمان على المنبر ، ، وغدا يحض الناس على الثأر للخليفة الشهيد .
وفوجىء علي بالسيدة عائشة أم المؤمنين وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام - وهما من رجال الشورى الستة - يخرجون إلى البصرة مطالبين بدم عثمان ، وازدادت الفتنة اشتعالا حين أخذت أم المؤمنين تخمس الجند وهي في هودجها على الجمل ، ثم عقر جملها وقتل دونه سبعون رجلا ، وعرف هذا اليوم بموقعة الجمل ، وأعاد الإمام السيدة عائشة إلى مكة محاطة بالتكريم . وتابت هي إلى الله أسفا على ما أريق من دماء المسلمين .
ثم كان يوم صفين ، وتحكيم الحكمين ، ثم بداية الوهن ، وتصدع الصفوف بين أتباع علي ، وعرف معاوية كيف ينتهز الفرصة بإثارة الاضطرابات في أرجاء البلاد ، فازدادت نقمة الخوارج ، وقرروا قتل معاوية وعلي ، فلم ينجحوا في قتل أولهما ، أما علي فقتله ابن ملجم لعنه الله في المسجد في شهر رمضان ستة 40 ه و هو يردد : " الحكم لله لا لك يا علي " .
وبمصرعه انتهت خلافة الراشدين ، وخلا الجو لمعاوية ليعلن خلافته بالشام ، ويدخل على نظام الحكم مبدأ الوراثة الذي ينافي روح الإسلام .
موضوعات نهج البلاغة لا بد لدارس " نهج البلاغة " أن يلم بهذه الوقائع التاريخية - ولو من خلال لمحة خاطفة عجلى - ليعرف السر في غروب شمس الخلافة الراشدة بين المسلمين الأولين الذين استَروَحوا

9


شذا النبوة ، ونعموا بظلالها الوارفة ، واستناروا بما يلوح من أضوائها الباقية وقد بدأت تنحسر
بعيد الغروب !
ولا بد لدارس " النهج " أن يلم بهذه الحقائق ليرى رأي العين كيف تحولت هذه الخلافة
الراشدة إلى ملك عضوض ، وكيف أشعلت من أجلها الحروب الطاحنة ، وأثخنت الأمة في
سبيلها بالجراح الدامية ، وأصيب مقتلها بمصرع إمام الهدى علي كرم الله وجهه ، ثم ارتكبت
باسمها فيما بعد أسوأ الجرائم في عهود بعض السفهاء والخلعاء والجائرين الذين أمسوا نقمة
على أتباع هذا الدين .
ثم لا بد لدارس " النهج " أن يكون لنفسه صورة حقيقة عن تلك الحقبة من تاريخ المسلمين ،
ليستنبط البواعث النفسية التي حملت عليا على الإكثار في خطبه من النقد والتعريض ، والعتاب
والتفريع ، والتذمر والشكوى ، فقد عائدته الأيام ، وعجت خلافته عجيجا بالأحداث
المريرة ، وخابت آماله في تحقيق الإصلاح . فهل من عجب إذا استغرقت معاني النقد اللاذع
والتأنيب الجارح معظم خطبه ومناظراته ، وحتى رسائله إلى منافسيه والمتمردين عليه ؟ !
وإن خير مثال يصور لنا نفس على الشاكية ، خطبته " الشقشقية " التي فاضت على
لسانه هادرة ، فكانت - كما قال - " شقشقة هدرت ثم قرت " ، وامتلأت بألفاظ التأوه
والتوجع والأنين .
ولكم تذمر الإمام من تفرق أصحابه عنه على حقهم واجتماع أصحاب معاوية معه على
باطلهم ! وكم سماهم " الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم " واصفا كلامهم بأنه
" يوهي الصم الصلاب " وفعلهم بأنه " يطمع فيهم الأعداء " .
وكان طبيعيا أن تكبر خطب الإمام في الحث على القتال ، فإن ما تخلل حياته السياسة من
الأحداث المريرة ألهب مشاعره وأثار عواطفه ، وحمله على الإهابة بقومه إلى القتال الدائب .
والجهاد المتواصل . ولعل أفضل نمط لخطبه في الجهاد تلك التي أنب فيها أصحابه على قعودهم
عن نصرة الحق ، يوم أغار جنود معاوية على الأنبار ، فقتلوا ونهبوا ، ثم آبوا سالمين ظافرين .
لقد كان - كما قال - لا يهدد بالحرب ، ولا يرهب بالضرب ، وكان على يقين من ربه
وغيره شبهة في دينه ، فليفرطنّ لحزب الشيطان حوضا هو ماتحُهُ لا يصدرون عنه ولا


شذا النبوة ، ونعموا بظلالها الوارفة ، واستناروا بما يلوح من أضوائها الباقية وقد بدأت تنحسر بعيد الغروب !
ولا بد لدارس " النهج " أن يلم بهذه الحقائق ليرى رأي العين كيف تحولت هذه الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض ، وكيف أشعلت من أجلها الحروب الطاحنة ، وأثخنت الأمة في سبيلها بالجراح الدامية ، وأصيب مقتلها بمصرع إمام الهدى علي كرم الله وجهه ، ثم ارتكبت باسمها فيما بعد أسوأ الجرائم في عهود بعض السفهاء والخلعاء والجائرين الذين أمسوا نقمة على أتباع هذا الدين .
ثم لا بد لدارس " النهج " أن يكون لنفسه صورة حقيقة عن تلك الحقبة من تاريخ المسلمين ، ليستنبط البواعث النفسية التي حملت عليا على الإكثار في خطبه من النقد والتعريض ، والعتاب والتفريع ، والتذمر والشكوى ، فقد عائدته الأيام ، وعجت خلافته عجيجا بالأحداث المريرة ، وخابت آماله في تحقيق الإصلاح . فهل من عجب إذا استغرقت معاني النقد اللاذع والتأنيب الجارح معظم خطبه ومناظراته ، وحتى رسائله إلى منافسيه والمتمردين عليه ؟ !
وإن خير مثال يصور لنا نفس على الشاكية ، خطبته " الشقشقية " التي فاضت على لسانه هادرة ، فكانت - كما قال - " شقشقة هدرت ثم قرت " ، وامتلأت بألفاظ التأوه والتوجع والأنين .
ولكم تذمر الإمام من تفرق أصحابه عنه على حقهم واجتماع أصحاب معاوية معه على باطلهم ! وكم سماهم " الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم " واصفا كلامهم بأنه " يوهي الصم الصلاب " وفعلهم بأنه " يطمع فيهم الأعداء " .
وكان طبيعيا أن تكبر خطب الإمام في الحث على القتال ، فإن ما تخلل حياته السياسة من الأحداث المريرة ألهب مشاعره وأثار عواطفه ، وحمله على الإهابة بقومه إلى القتال الدائب .
والجهاد المتواصل . ولعل أفضل نمط لخطبه في الجهاد تلك التي أنب فيها أصحابه على قعودهم عن نصرة الحق ، يوم أغار جنود معاوية على الأنبار ، فقتلوا ونهبوا ، ثم آبوا سالمين ظافرين .
لقد كان - كما قال - لا يهدد بالحرب ، ولا يرهب بالضرب ، وكان على يقين من ربه وغيره شبهة في دينه ، فليفرطنّ لحزب الشيطان حوضا هو ماتحُهُ لا يصدرون عنه ولا

10

لا يتم تسجيل الدخول!