إسم الكتاب : الفوائد العلية ( عدد الصفحات : 218)



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير البرية أجمعين :
محمد والله الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم من الأولين والآخرين .
اما بعد فهذا هو الجزء الثاني من الفوائد العلية .
( فائدة - 41 )
في عقد القراض والمضاربة
وينبغي التكلم فيها في مقامات :
الأول - في تحقيق حقيقته ويلحق به بيان مفهومي اللفظين ووجه انطباقهما
على حقيقته وماهيته .
والثاني - في أنه هل هو من العقود الصحيحة عرفا وشرعا أم لا .
والثالث - في أنه على فرض صحته جائز أم لازم وبيان شطر من أحكامه .
اما الأول فهو على ما عرف : " ان يدفع مال ليعمل فيه بحصة معينة من ربحه "
وهل يكون ذلك على وجه المعاوضة أو على وجه آخر يوجب الشركة في الربح
وجهان أوجههما بل الوجيه منهما هو الثاني وإن كان ظاهر التعريف وجملة من


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير البرية أجمعين :
محمد والله الطاهرين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم من الأولين والآخرين .
اما بعد فهذا هو الجزء الثاني من الفوائد العلية .
( فائدة - 41 ) في عقد القراض والمضاربة وينبغي التكلم فيها في مقامات :
الأول - في تحقيق حقيقته ويلحق به بيان مفهومي اللفظين ووجه انطباقهما على حقيقته وماهيته .
والثاني - في أنه هل هو من العقود الصحيحة عرفا وشرعا أم لا .
والثالث - في أنه على فرض صحته جائز أم لازم وبيان شطر من أحكامه .
اما الأول فهو على ما عرف : " ان يدفع مال ليعمل فيه بحصة معينة من ربحه " وهل يكون ذلك على وجه المعاوضة أو على وجه آخر يوجب الشركة في الربح وجهان أوجههما بل الوجيه منهما هو الثاني وإن كان ظاهر التعريف وجملة من

281


كلماتهم هو الأول إذ المعاوضة لا تتم في المقام من وجوه ثلاثة :
الأول - ان الربح معدوم عند العقد وحصوله بعد العمل غير معلوم فلا يملكه
رب المال حال العقد حتى يملك العامل حصة منه عوضا عن عمله .
فان قلت : نعم تمليك الشئ فرع دخوله فيملك المملك ووقوعه تحت
سلطنته وهو فرع وجوده في الخارج إذا تعلق الملك به أصالة واما إذا كان تعلقه
به تبعا فيكفي في تحققه كون أصله الموجود في الخارج ملكا له ولذا يصح تمليك
سكنى الدار وركوب الدابة ولبس الثوب وهكذا من المنافع المعدومة في مدة
معلومة بعوض معلوم بعقد الإجارة والصلح وهكذا يصح تمليك حصة من الربح
المعدوم باعتبار انه ملك لرب المال تبعا لرأس ماله .
قلت : أولا ان مرجع تمليك المنفعة إلى تمليك العين في جهة المنفعة لا إلى
تمليك نفس المنفعة فان ملك الشئ له مراتب ودرجات .
أولها - وأقواها الملك المطلق المقتضى لنفوذ جميع التصرفات ما لم يمنع
عنه مانع وهو المعبر عنه بملك العين والرقبة .
وثانيتها - الملك المقيد بجهة من جهات العين من دون تقيد بشخص خاص
ذاتا وهو المعبر عنه بملك المنفعة المقتضى لنفوذ التصرفات الراجعة إلى الجهة
المذكورة نقلا وانتقالا ما لم يمنع عنه مانع .
وثالثتها - الملك المقيد بالشخص ذاتا في جهة المنفعة وهو المعبر عنه بملك
الانتفاع وهو أضعف المراتب فالملك متعلق بالعين في جميع المراتب غاية الأمر انه
تختلف مراتبه اطلاقا وتقييدا وشدة وضعفا لا انه يختلف متعلق الملك والتعبير بملك
المنفعة والانتفاع تنبيه على ضعف مرتبة الملك وعدم اطلاقه كما أن التعبير يملك
العين والرقبة تنبيه على اطلاقه وعدم تقييده .
وثانيا لو سلم جواز تعلق الملك بالمنفعة المعدومة تبعا لملك الأصل فهو
مقصور على المنافع التي هي اعراض غير مستقلة في الوجود وتكون من شؤون وجود


كلماتهم هو الأول إذ المعاوضة لا تتم في المقام من وجوه ثلاثة :
الأول - ان الربح معدوم عند العقد وحصوله بعد العمل غير معلوم فلا يملكه رب المال حال العقد حتى يملك العامل حصة منه عوضا عن عمله .
فان قلت : نعم تمليك الشئ فرع دخوله فيملك المملك ووقوعه تحت سلطنته وهو فرع وجوده في الخارج إذا تعلق الملك به أصالة واما إذا كان تعلقه به تبعا فيكفي في تحققه كون أصله الموجود في الخارج ملكا له ولذا يصح تمليك سكنى الدار وركوب الدابة ولبس الثوب وهكذا من المنافع المعدومة في مدة معلومة بعوض معلوم بعقد الإجارة والصلح وهكذا يصح تمليك حصة من الربح المعدوم باعتبار انه ملك لرب المال تبعا لرأس ماله .
قلت : أولا ان مرجع تمليك المنفعة إلى تمليك العين في جهة المنفعة لا إلى تمليك نفس المنفعة فان ملك الشئ له مراتب ودرجات .
أولها - وأقواها الملك المطلق المقتضى لنفوذ جميع التصرفات ما لم يمنع عنه مانع وهو المعبر عنه بملك العين والرقبة .
وثانيتها - الملك المقيد بجهة من جهات العين من دون تقيد بشخص خاص ذاتا وهو المعبر عنه بملك المنفعة المقتضى لنفوذ التصرفات الراجعة إلى الجهة المذكورة نقلا وانتقالا ما لم يمنع عنه مانع .
وثالثتها - الملك المقيد بالشخص ذاتا في جهة المنفعة وهو المعبر عنه بملك الانتفاع وهو أضعف المراتب فالملك متعلق بالعين في جميع المراتب غاية الأمر انه تختلف مراتبه اطلاقا وتقييدا وشدة وضعفا لا انه يختلف متعلق الملك والتعبير بملك المنفعة والانتفاع تنبيه على ضعف مرتبة الملك وعدم اطلاقه كما أن التعبير يملك العين والرقبة تنبيه على اطلاقه وعدم تقييده .
وثانيا لو سلم جواز تعلق الملك بالمنفعة المعدومة تبعا لملك الأصل فهو مقصور على المنافع التي هي اعراض غير مستقلة في الوجود وتكون من شؤون وجود

282


الأصل ، واما العين المتجددة من عين أخرى فلا يتطرق فيه ذلك لاستقلال كل
منهما في الوجود الخارجي وربح المال عين متجددة من رأس المال لا منفعة له .
فان قلت : قد يجوز ذلك في عين متجددة من عين أخرى فإنه قد روى جواز
بيع ثمرة النخل قبل ظهورها عامين فصاعدا .
قلت : قد علل ذلك في الرواية بتيقن ظهورها حينئذ فهي منزلة منزلة الثمرة
الظاهرة في هذه الصورة ولا يكون حصول الربح متيقنا بالعمل في رأس المال الموجود
حتى يقال إنه منزل حينئذ منزلة الموجود .
فان قلت : يمكن ان يقال العوض عن العمل هو صحة من الربح في ذمة
رب المال فالعوض هو ما في الذمة في الحقيقة ولكن مقيدا بوفائه من ربحه المعاملة
فلا ينافي تحقق المعاوضة حينئذ مع عدم وجود العوض في الخارج ، ضرورة جواز
صيرورة الكلى حينئذ طرفا للمعاوضة
قلت أولا انه لا يصح ان يلتزم الشخص الا بما يكون حصوله معلوما أو موثوقا به
ولذا لا يصح الاستيجار على اصطياد صيد بعينه لعدم الوثوق بحصوله ، وحصول
الربح بالعمل لا يكون معلوما ولا موثوقا به .
وثانيا انه لو كان مرجع القراض إلى اشتغال ذمة رب المال بما يطابق
حصة من الربح مقيدا بوفائه منه لزم ان يختص الربح برب المال وأن يكون تعلق
حق العمل بحصة منه من قبيل تعلق الحق بالكلى الخارجي فيلزم حينئذ ان يحتسب
التالف من الربح على رب المال فلو حصل ربح وكان حصة العامل منه النصف
مثلا فتلف نصف منه في يد العامل من غير تعد ولا تفريط لزم ان يحتسب التالف
على رب المال ويختص النصف الباقي بالعامل كما هو مقتضى تعلق حقه بالكلى
الخارجي ، واللازم باطل بالضرورة فكذا الملزوم
وثالثا انه يلزم حينئذ ان يختص ربح الربح برب المال ولا يشترك فيه العامل
فلو غصب غاصب ربح مال القراض وعمل فيه فحصل منه ربح يلزم حينئذ أن يكون


الأصل ، واما العين المتجددة من عين أخرى فلا يتطرق فيه ذلك لاستقلال كل منهما في الوجود الخارجي وربح المال عين متجددة من رأس المال لا منفعة له .
فان قلت : قد يجوز ذلك في عين متجددة من عين أخرى فإنه قد روى جواز بيع ثمرة النخل قبل ظهورها عامين فصاعدا .
قلت : قد علل ذلك في الرواية بتيقن ظهورها حينئذ فهي منزلة منزلة الثمرة الظاهرة في هذه الصورة ولا يكون حصول الربح متيقنا بالعمل في رأس المال الموجود حتى يقال إنه منزل حينئذ منزلة الموجود .
فان قلت : يمكن ان يقال العوض عن العمل هو صحة من الربح في ذمة رب المال فالعوض هو ما في الذمة في الحقيقة ولكن مقيدا بوفائه من ربحه المعاملة فلا ينافي تحقق المعاوضة حينئذ مع عدم وجود العوض في الخارج ، ضرورة جواز صيرورة الكلى حينئذ طرفا للمعاوضة قلت أولا انه لا يصح ان يلتزم الشخص الا بما يكون حصوله معلوما أو موثوقا به ولذا لا يصح الاستيجار على اصطياد صيد بعينه لعدم الوثوق بحصوله ، وحصول الربح بالعمل لا يكون معلوما ولا موثوقا به .
وثانيا انه لو كان مرجع القراض إلى اشتغال ذمة رب المال بما يطابق حصة من الربح مقيدا بوفائه منه لزم ان يختص الربح برب المال وأن يكون تعلق حق العمل بحصة منه من قبيل تعلق الحق بالكلى الخارجي فيلزم حينئذ ان يحتسب التالف من الربح على رب المال فلو حصل ربح وكان حصة العامل منه النصف مثلا فتلف نصف منه في يد العامل من غير تعد ولا تفريط لزم ان يحتسب التالف على رب المال ويختص النصف الباقي بالعامل كما هو مقتضى تعلق حقه بالكلى الخارجي ، واللازم باطل بالضرورة فكذا الملزوم وثالثا انه يلزم حينئذ ان يختص ربح الربح برب المال ولا يشترك فيه العامل فلو غصب غاصب ربح مال القراض وعمل فيه فحصل منه ربح يلزم حينئذ أن يكون

283


الربح لرب المال إذا امضى معاملات الغاصب وان لا يكون للعامل المضارب فيه
نصيب لعدم مشاركته في أصل الربح حينئذ حتى يصير شريكا في ربحه ، وبطلان
اللازم واضح .
والثاني ان الربح على فرض حصوله مجهول القدر وكذا كسره فلا تصح
المعاوضة عليه للغرر سواء جعل طرفا للمعاوضة ابتداءا أم جعل قيدا لما في الذمة
والثالث انه لو كان كذلك لزم ثبوت أجرة المثل في ذمة رب المال للعامل
مع فرض عدم حصول ربح في الخارج إذ مع عدم حصوله في الخارج تفسد المعاوضة
لعدم ثبوت العوض ، وكل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده فإذا لم يسلم للعامل
العوض الذي سمى له يثبت له اجرة مثل عمله من دون تفاوت بين ان يجعل عوض
عمله حصة من الربح الخارجي أوما في الذمة مقيدا بوفائه منه ، والملازمة واضحة
وبطلان اللازم أوضح .
فالتحقيق ان رجوع حصة من الربح إلى العامل ومشاركته مع رب المال في
الربح باعتبار تنزيل العمل منزلة المال فرجوعه إلى العامل حينئذ باعتبار انه فائدة
عمله ونمائه لا عوضه واجره .
توضيح ذلك ان الربح حاصل من العمل والمال معا ولكل منهما دخل فيه كما
هو ظاهر غاية الأمر انه يختلف دخلهما فيه ويكون دخل المال فيه أقوى من دخل
العمل فان منزلة المال من الربح منزلة المقتضى من مقتضاه ومنزلة العمل منه منزلة
الشرط ولذا يكون الربح تابعا لرأس المال ذاتا وابتداءا الا ان استقلاله في انفراده
بالربح وعدم مشاركة العمل معه إنما هي على وجه الاقتضاء لا العلية التامة ، فلا ينافي
تشريك العمل معه جعلا وتنزيلا .
والحاصل ان العمل صالح لان يتبعه الربح والنماء جعلا وتنزيلا وان لم يكن
موجبا له أولا وذاتا فلا يقرب منه تمام القرب حتى ذاتا ولا يبعد عنه كل البعد حتى
لا يتبعه جعلا ، بل هو امر بين الامرين وبرزخ بين العالمين ، فحاله حال


الربح لرب المال إذا امضى معاملات الغاصب وان لا يكون للعامل المضارب فيه نصيب لعدم مشاركته في أصل الربح حينئذ حتى يصير شريكا في ربحه ، وبطلان اللازم واضح .
والثاني ان الربح على فرض حصوله مجهول القدر وكذا كسره فلا تصح المعاوضة عليه للغرر سواء جعل طرفا للمعاوضة ابتداءا أم جعل قيدا لما في الذمة والثالث انه لو كان كذلك لزم ثبوت أجرة المثل في ذمة رب المال للعامل مع فرض عدم حصول ربح في الخارج إذ مع عدم حصوله في الخارج تفسد المعاوضة لعدم ثبوت العوض ، وكل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده فإذا لم يسلم للعامل العوض الذي سمى له يثبت له اجرة مثل عمله من دون تفاوت بين ان يجعل عوض عمله حصة من الربح الخارجي أوما في الذمة مقيدا بوفائه منه ، والملازمة واضحة وبطلان اللازم أوضح .
فالتحقيق ان رجوع حصة من الربح إلى العامل ومشاركته مع رب المال في الربح باعتبار تنزيل العمل منزلة المال فرجوعه إلى العامل حينئذ باعتبار انه فائدة عمله ونمائه لا عوضه واجره .
توضيح ذلك ان الربح حاصل من العمل والمال معا ولكل منهما دخل فيه كما هو ظاهر غاية الأمر انه يختلف دخلهما فيه ويكون دخل المال فيه أقوى من دخل العمل فان منزلة المال من الربح منزلة المقتضى من مقتضاه ومنزلة العمل منه منزلة الشرط ولذا يكون الربح تابعا لرأس المال ذاتا وابتداءا الا ان استقلاله في انفراده بالربح وعدم مشاركة العمل معه إنما هي على وجه الاقتضاء لا العلية التامة ، فلا ينافي تشريك العمل معه جعلا وتنزيلا .
والحاصل ان العمل صالح لان يتبعه الربح والنماء جعلا وتنزيلا وان لم يكن موجبا له أولا وذاتا فلا يقرب منه تمام القرب حتى ذاتا ولا يبعد عنه كل البعد حتى لا يتبعه جعلا ، بل هو امر بين الامرين وبرزخ بين العالمين ، فحاله حال

284


الظن بالنسبة إلى التنجيز والحجية حيث إنه لخروجه عن مرتبة التحير المحض
والتردد الصرف لم يكن كالشك حتى لا يقبل الحجية بالجعل ولتطرق احتمال
الخلاف فيه وعدم بلوغه مرتبة الرجحان التام لم يكن كالعلم حتى يكون حجة
بالذات ، فحقيقة المضاربة عبارة عن تنزيل العمل من الربح منزلة المال منه وتقديره
بقدر المال أو نصفه أو ثلثه وهكذا ، فان قدر مقدار رأس المال فالربح بينهما
انصافا ، وان قدر نصف المال فهو بينهما أثلاثا وان قدر ثلث المال فهو بينهما
أرباعا ، ومن هذا القبيل المزارعة والمساقاة فان مرجعهما إلى تنزيل الأرض وعمل
العامل منزلة البذر والشجرة بالنسبة إلى الغلة والثمرة فالمضاربة والمزارعة والمساقاة
متحدة في الذات والحقيقة ، واختلاف الأسامي باعتبار اختلاف خصوصيات الموارد
وكذا اختلافها في بعض الأحكام كاعتبار تعيين المدة فيهما ولزومهما وعدم اعتباره
فيها وجوازها
فان قلت : إذا لم يكن العمل في عرض رأس المال ذاتا من حيث تبعية
الربح له فكيف يتصور جعله سببا عديلا لرأس المال تنزيلا .
قلت : تنزيل العمل منزلة المال كسائر الجهات الوضعية التي يعتبرها العرف
ويرتب عليها الآثار قابل للجعل وأي فرق بين جعل المبادلة بين المالين بعقد البيع وعلقة
الأزواج بين الرجل والمرأة بعقد النكاح وتنزيل شخص منزلة آخر بالتوكيل
وبين المقام ، فكما ينفذ التصرفات المذكورة ويترتب عليها الآثار فكذلك تنزيل
العمل منزل المال فان مقتضى مرجعية الشخص في جهاته وأموره واستقلاله فيها
نفوذ تصرفاته وتقلباته الراجعة إلى شؤونه اقتضاءا ما لم يمنعه من هو أولى به من نفسه ،
فبطلان تصرفه يحتاج إلى الدليل واما نفوذه فهو مقتضى الأصل ما لم تختل شرائطه
العرفية وكان جامعا لها .
إذا اتضح لك ما حققناه وأتقنت ما بيناه من أن مرجع القراض والمضربة
إلى تنزيل العمل منزلة المال الموجب لاشتراك الربح بين العامل ورب المال
اتضح لك أمران :


الظن بالنسبة إلى التنجيز والحجية حيث إنه لخروجه عن مرتبة التحير المحض والتردد الصرف لم يكن كالشك حتى لا يقبل الحجية بالجعل ولتطرق احتمال الخلاف فيه وعدم بلوغه مرتبة الرجحان التام لم يكن كالعلم حتى يكون حجة بالذات ، فحقيقة المضاربة عبارة عن تنزيل العمل من الربح منزلة المال منه وتقديره بقدر المال أو نصفه أو ثلثه وهكذا ، فان قدر مقدار رأس المال فالربح بينهما انصافا ، وان قدر نصف المال فهو بينهما أثلاثا وان قدر ثلث المال فهو بينهما أرباعا ، ومن هذا القبيل المزارعة والمساقاة فان مرجعهما إلى تنزيل الأرض وعمل العامل منزلة البذر والشجرة بالنسبة إلى الغلة والثمرة فالمضاربة والمزارعة والمساقاة متحدة في الذات والحقيقة ، واختلاف الأسامي باعتبار اختلاف خصوصيات الموارد وكذا اختلافها في بعض الأحكام كاعتبار تعيين المدة فيهما ولزومهما وعدم اعتباره فيها وجوازها فان قلت : إذا لم يكن العمل في عرض رأس المال ذاتا من حيث تبعية الربح له فكيف يتصور جعله سببا عديلا لرأس المال تنزيلا .
قلت : تنزيل العمل منزلة المال كسائر الجهات الوضعية التي يعتبرها العرف ويرتب عليها الآثار قابل للجعل وأي فرق بين جعل المبادلة بين المالين بعقد البيع وعلقة الأزواج بين الرجل والمرأة بعقد النكاح وتنزيل شخص منزلة آخر بالتوكيل وبين المقام ، فكما ينفذ التصرفات المذكورة ويترتب عليها الآثار فكذلك تنزيل العمل منزل المال فان مقتضى مرجعية الشخص في جهاته وأموره واستقلاله فيها نفوذ تصرفاته وتقلباته الراجعة إلى شؤونه اقتضاءا ما لم يمنعه من هو أولى به من نفسه ، فبطلان تصرفه يحتاج إلى الدليل واما نفوذه فهو مقتضى الأصل ما لم تختل شرائطه العرفية وكان جامعا لها .
إذا اتضح لك ما حققناه وأتقنت ما بيناه من أن مرجع القراض والمضربة إلى تنزيل العمل منزلة المال الموجب لاشتراك الربح بين العامل ورب المال اتضح لك أمران :

285


الأول : سر عدم جواز جعل حصة من ربح مال آخر للعامل فان دخل العمل
ليس الا في ربح المال الذي وقع فيه العمل فلا يصلح جعل ربح مال آخر نماءا
للعمل في مال القراض
الثاني : عدم كون القراض عقدا متوقفا على انشائين فان تنزيل العمل منزلة
المال وجعله دخيلا في ربحه بحيث يوجب الشركة فيه امر يرجع إلى المالك ورب
المال فيكفي فيه انشائه ولا يتوقف على انشاء من المعامل ، فهي نظير الجعالة حيث
ترجع إلى الجاعل وتتحقق بانشائه ولا حاجة معه إلى انشاء من طرف المال ، نعم
لعمل العامل دخل فيهما في الجملة فان العمل لم يتمحض في العنوانين بانشاء
المالك والجاعل وإنما صار العنوانان بهما من أحد وجوهه وعناوينه بعد ان
لم يكونا منه ، فللعامل حينئذ ان يقصد بعمله التبرع أو المضاربة والجعالة ، فاتصاف
العمل بأحد الوجهين والعنوانين يتوقف على صدوره من العامل على أحد الوجهين
ولا تأثير لقبول العامل في هذه الجهة لجواز وقوع العمل منه على وجه التبرع بعد
قبوله ، وإن كان له تأثير في المقام في جهة أخرى مثل وجوب حفظ المال عليه
وهكذا ، فهي شبيهة بالوكالة من هذا الوجه إذ الوكالة في العمل وصيرورة الشخص
وكيلا ومرجعا في الموكل فيه بحيث لو تصرف فيه لوقع تصرفه من قبل الموكل
تحصل بمجرد انشائه ، وقبول الوكيل إنما يؤثر في صيرورته في وثاق العمل وعلى
عهدته فالمضاربة كالجعالة والوكالة لا تكون عقدا محضا حتى تتوقف في تحققها
على انشاء من الطرفين ولا ايقاعا صرفا حتى لا يكون لقبول العامل وعمله دخل فيه
بوجه من الوجوه ، فهي امر بين الامرين وبرزخ بين العالمين . وهكذا الحال في
جميع العقود الجائزة بالذات من الطرفين المسماة بالعقود الإذنية ، فان العقد
التحقيقي المتوقف حصوله على عمل الطرفين ووصل الحبلين وشدهما كما لا يتحصل
من عمل أحدهما فكذا لا ينحل منه أيضا ، إذ لو أمكن له الحل لأمكن له الاثبات
فان نسبة القدرة إلى الوجود والعدم على حد سواء ، فاللزوم من لوازم حقيقة


الأول : سر عدم جواز جعل حصة من ربح مال آخر للعامل فان دخل العمل ليس الا في ربح المال الذي وقع فيه العمل فلا يصلح جعل ربح مال آخر نماءا للعمل في مال القراض الثاني : عدم كون القراض عقدا متوقفا على انشائين فان تنزيل العمل منزلة المال وجعله دخيلا في ربحه بحيث يوجب الشركة فيه امر يرجع إلى المالك ورب المال فيكفي فيه انشائه ولا يتوقف على انشاء من المعامل ، فهي نظير الجعالة حيث ترجع إلى الجاعل وتتحقق بانشائه ولا حاجة معه إلى انشاء من طرف المال ، نعم لعمل العامل دخل فيهما في الجملة فان العمل لم يتمحض في العنوانين بانشاء المالك والجاعل وإنما صار العنوانان بهما من أحد وجوهه وعناوينه بعد ان لم يكونا منه ، فللعامل حينئذ ان يقصد بعمله التبرع أو المضاربة والجعالة ، فاتصاف العمل بأحد الوجهين والعنوانين يتوقف على صدوره من العامل على أحد الوجهين ولا تأثير لقبول العامل في هذه الجهة لجواز وقوع العمل منه على وجه التبرع بعد قبوله ، وإن كان له تأثير في المقام في جهة أخرى مثل وجوب حفظ المال عليه وهكذا ، فهي شبيهة بالوكالة من هذا الوجه إذ الوكالة في العمل وصيرورة الشخص وكيلا ومرجعا في الموكل فيه بحيث لو تصرف فيه لوقع تصرفه من قبل الموكل تحصل بمجرد انشائه ، وقبول الوكيل إنما يؤثر في صيرورته في وثاق العمل وعلى عهدته فالمضاربة كالجعالة والوكالة لا تكون عقدا محضا حتى تتوقف في تحققها على انشاء من الطرفين ولا ايقاعا صرفا حتى لا يكون لقبول العامل وعمله دخل فيه بوجه من الوجوه ، فهي امر بين الامرين وبرزخ بين العالمين . وهكذا الحال في جميع العقود الجائزة بالذات من الطرفين المسماة بالعقود الإذنية ، فان العقد التحقيقي المتوقف حصوله على عمل الطرفين ووصل الحبلين وشدهما كما لا يتحصل من عمل أحدهما فكذا لا ينحل منه أيضا ، إذ لو أمكن له الحل لأمكن له الاثبات فان نسبة القدرة إلى الوجود والعدم على حد سواء ، فاللزوم من لوازم حقيقة

286


العقد التحقيقي ، فالأمور الجائزة بالذات خارجة عن سلسلة العقود التحقيقية منتظمة
في سلسلة أخرى .
فان قلت : مقتضى تحقق القراض والجعالة بايجاب المالك وعدم توقفهما
على قبول العامل الحكم باستحقاق العامل الجعل في الجعالة وحصة من الربح
في القراض ولو قصد التبرع بعمله ، لان المقتضى لاستحقاق العامل حينئذ هو
ايجاب المالك وقد حصل ومانعية قصد التبرع غير معلومة كما أفاده المحقق جمال
الدين ( قدس سره ) في حاشيته على الروضة البهية في باب الجعالة .
قلت : ايجاب المالك إنما يقتضى استحقاق العامل الجعل أو حصة من الربح
ان عمل بقصد الاستحقاق أو ما لم يقصد التبرع لا انه يقتضى استحقاقه مطلقا حتى
نشك في أن قصد التبرع مانع أم لا ، ضرورة انه كما تقتضي سلطنة المالك على
نفسه وجهاته نفوذ ما اختاره وأوجبه فكذلك تقتضي سلطنة العامل على نفسه وجهاته
نفوذ ما اختاره من قصد التبرع أو الاستحقاق ، فكما يكون للشخص ان يبيح ماله
لغيره أو يملكه إياه بعوض أو مجانا فكذلك له ان يبذل عمله لغير تبرعا أو بعوض
أو على وجه استحقاق حصة من الربح ، فايجاب المالك إنما يقتضى استحقاق
العامل لو أراد لا استحقاقه مطلقا ولو قصد التبرع والا لزم سلطنة المالك على العامل
وسلب سلطنته على نفسه وعمله .
وإذا اتضح لك ان العقود الجائزة بالذات لا تكون عقودا تحقيقية ، اتضح
لك أمران :
الأول : سر ما اشتهر بينهم من عدم اعتبار التواصل بين الايجاب والقبول
فيها فان الحاصل من الايجاب والقبول فيها ليس امرا وحدانيا بسيطا حتى يتوقف
حصوله على اجتماعهما وعدم انفصالهما ، بل الحاصل من القبول فيها امر آخر
مرتب على الحاصل من ايجابه .
الثاني : سر قيام الفعل فيها مقام القبول بل قيامه مقامه في الحقيقة عبارة عن


العقد التحقيقي ، فالأمور الجائزة بالذات خارجة عن سلسلة العقود التحقيقية منتظمة في سلسلة أخرى .
فان قلت : مقتضى تحقق القراض والجعالة بايجاب المالك وعدم توقفهما على قبول العامل الحكم باستحقاق العامل الجعل في الجعالة وحصة من الربح في القراض ولو قصد التبرع بعمله ، لان المقتضى لاستحقاق العامل حينئذ هو ايجاب المالك وقد حصل ومانعية قصد التبرع غير معلومة كما أفاده المحقق جمال الدين ( قدس سره ) في حاشيته على الروضة البهية في باب الجعالة .
قلت : ايجاب المالك إنما يقتضى استحقاق العامل الجعل أو حصة من الربح ان عمل بقصد الاستحقاق أو ما لم يقصد التبرع لا انه يقتضى استحقاقه مطلقا حتى نشك في أن قصد التبرع مانع أم لا ، ضرورة انه كما تقتضي سلطنة المالك على نفسه وجهاته نفوذ ما اختاره وأوجبه فكذلك تقتضي سلطنة العامل على نفسه وجهاته نفوذ ما اختاره من قصد التبرع أو الاستحقاق ، فكما يكون للشخص ان يبيح ماله لغيره أو يملكه إياه بعوض أو مجانا فكذلك له ان يبذل عمله لغير تبرعا أو بعوض أو على وجه استحقاق حصة من الربح ، فايجاب المالك إنما يقتضى استحقاق العامل لو أراد لا استحقاقه مطلقا ولو قصد التبرع والا لزم سلطنة المالك على العامل وسلب سلطنته على نفسه وعمله .
وإذا اتضح لك ان العقود الجائزة بالذات لا تكون عقودا تحقيقية ، اتضح لك أمران :
الأول : سر ما اشتهر بينهم من عدم اعتبار التواصل بين الايجاب والقبول فيها فان الحاصل من الايجاب والقبول فيها ليس امرا وحدانيا بسيطا حتى يتوقف حصوله على اجتماعهما وعدم انفصالهما ، بل الحاصل من القبول فيها امر آخر مرتب على الحاصل من ايجابه .
الثاني : سر قيام الفعل فيها مقام القبول بل قيامه مقامه في الحقيقة عبارة عن

287


استغنائها عن القبول والا لزم عدم نفوذ الفعل من قبل العقد إذ مقتضى كونه قبولا
للعقد توقف حصوله وتربته عليه ، فلا يجوز نفوذ الفعل من قله ضرورة ان المحقق
للشئ لا يعقل ان يتحقق منه ، فظهر لك ان توهم عدم الاكتفاء لعمل العامل بعد
ايجاب المالك واعتبار التواصل بين الايجاب والقبول في القراض والمضاربة في
غير محله لما عرفت من أنه ليس من قبيل العقود التحقيقية .
هذه جملة مما يتعلق ببيان حقيقتها . فلنذكر ما يتضح به مفهوما اللفظين ووجه
انطباقهما عليها . ففي المسالك : " هي مفاعلة من الضرب في الأرض لان العامل يضرب
فيها للسعى على التجارة وابتغاء الربح بطلب صاحب المال فكان الضرب مسبب
عنهما طردا لباب المفاعلة في طرفي الفاعل ومن ضرب كل منهما في الربح بسهم
أو لما فيه من الضرب بالمال وتقليبه ويقال للعامل : مضارب بكسر الراء لأنه الذي
يضرب به في الأرض ويقلبه ولم يشتق أهل اللغة لرب المال من المضارب اسما ،
وهذه لغة أهل العراق ، واما أهل الحجاز فيسمونه قراضا اما من القرض وهو القطع
ومنه المقراض لأنه يقرض به فكأن صاحب المال اقتطع له من ماله قطعة وسلمها
للعامل أو اقتطع له قطعة من الربح ، أو من المقارضة وهي المساواة والموازنة يقال
" تقارض الشاعران " إذا وازن كل منهما الاخر بشعره ، ومنه : " قارض الناس ما قارضوك
فان تركتهم لم يتركوك " يريد ساوهم فيما يقولون ، ووجهه ان المال هنا من جهة
مالكه والعمل من جهة العامل فقد تساويا في قوام العقد بهما أو لاشتراكهما في
الربح ، وتساويهما في أصل استحقاقه وان اختلفا في كميته ويقال : منه للمالك
مقارض بالكسر وللعامل مقارض بالفتح " انتهى .
والتحقيق : ان القرض له مفهوم واحد مطرد في جميع موارد استعماله
وهو القطع والفصل وتقارض الشاعرين عبارة عن قرض كل منهما الكلام مثل
ما يقرضه الاخر فان نظم الكلام وصوغه على الوجه الموزون ليس الا بفصل بعضه عن
بعض ، ولذا سمى الشعر قريضا فمفاده في المقام ليس الا القطع والفصل المستفاد


استغنائها عن القبول والا لزم عدم نفوذ الفعل من قبل العقد إذ مقتضى كونه قبولا للعقد توقف حصوله وتربته عليه ، فلا يجوز نفوذ الفعل من قله ضرورة ان المحقق للشئ لا يعقل ان يتحقق منه ، فظهر لك ان توهم عدم الاكتفاء لعمل العامل بعد ايجاب المالك واعتبار التواصل بين الايجاب والقبول في القراض والمضاربة في غير محله لما عرفت من أنه ليس من قبيل العقود التحقيقية .
هذه جملة مما يتعلق ببيان حقيقتها . فلنذكر ما يتضح به مفهوما اللفظين ووجه انطباقهما عليها . ففي المسالك : " هي مفاعلة من الضرب في الأرض لان العامل يضرب فيها للسعى على التجارة وابتغاء الربح بطلب صاحب المال فكان الضرب مسبب عنهما طردا لباب المفاعلة في طرفي الفاعل ومن ضرب كل منهما في الربح بسهم أو لما فيه من الضرب بالمال وتقليبه ويقال للعامل : مضارب بكسر الراء لأنه الذي يضرب به في الأرض ويقلبه ولم يشتق أهل اللغة لرب المال من المضارب اسما ، وهذه لغة أهل العراق ، واما أهل الحجاز فيسمونه قراضا اما من القرض وهو القطع ومنه المقراض لأنه يقرض به فكأن صاحب المال اقتطع له من ماله قطعة وسلمها للعامل أو اقتطع له قطعة من الربح ، أو من المقارضة وهي المساواة والموازنة يقال " تقارض الشاعران " إذا وازن كل منهما الاخر بشعره ، ومنه : " قارض الناس ما قارضوك فان تركتهم لم يتركوك " يريد ساوهم فيما يقولون ، ووجهه ان المال هنا من جهة مالكه والعمل من جهة العامل فقد تساويا في قوام العقد بهما أو لاشتراكهما في الربح ، وتساويهما في أصل استحقاقه وان اختلفا في كميته ويقال : منه للمالك مقارض بالكسر وللعامل مقارض بالفتح " انتهى .
والتحقيق : ان القرض له مفهوم واحد مطرد في جميع موارد استعماله وهو القطع والفصل وتقارض الشاعرين عبارة عن قرض كل منهما الكلام مثل ما يقرضه الاخر فان نظم الكلام وصوغه على الوجه الموزون ليس الا بفصل بعضه عن بعض ، ولذا سمى الشعر قريضا فمفاده في المقام ليس الا القطع والفصل المستفاد

288


منه في سائر الموارد ، والمساواة والموازنة إنما تستفاد من هيئة التفاعل ، واما
قارض الناس ما قارضوك فالمساواة فيه اما مستفادة من هيئة المفاعلة ان قلنا : بإفادتها
اشتراك الفاعل والمفعول في الفعل في المقام كما هو الحال في أغلب موارد استعمالاتها
والا فمن تركيب الكلام وهيئته التركيبية كما يستفاد ذلك من قولك : عاقب الناس
ما عاقبوك وآخذهم ما آخذوك وهكذا ، فالتعبير بالقراض لا يكون لا بالاعتبار الأول .
ولكن الأولى في وجه اخذه منه ان يقال : إن تنزيل العمل منزلة المال لما
أوجب قطعه وقرضه عن محله الأصلي من كونه موجبا للأجرة لا الشركة وهو مستتبع
لقرض المال عن محله أيضا من تبعية النماء كله له فكل من المالك والعامل مقارض
للاخر في المال والعمل ، ولما كان الأصل في ذلك المالك فهو مقارض والعامل
مقارض ، ويمكن أن يكون التعبير بالمضاربة من هذا الباب أيضا فان المالك
لما ضرب عمل العامل منزل ماله واستتبع منه ضرب المال وتنزله منزلة غير منزلته
الأولية فكل منهما مضارب للاخر في المال والعمل باعتبار تعلقهما بهما ، ولكن
التعبير بالمضارب بصيغة الفاعل عن العامل لا يلائمه وإنما الملائم له اخذه من
الضرب في الأرض كما ذكره ( قدس سره ) .
إذا اتضح لك ذلك اتضح لك ان التعبير بالقراض الذي هو لغة أهل الحجاز
أو في بحقيقته من التعبير بالمضاربة التي هي لغة أهل العراق
واما المقام الثاني فقد اختلف فيه كلماتهم فالمحكى عن المفيد والشيخ في
النهاية و سلار وابن البراج ( قدس سرهم ) الحكم بعدم صحتها واستحقاق العامل أجرة المثل
لا الحصة لجهالة العوض ، والمشهور صحتها بل قيل عليه اجماع المسلمين
والتحقيق ما ذهب إليه الأكثر من أنه صحيح لموافقتها مع الأصل ودلالة
الدليل عليها .
اما الأصل فلما عرفت من أن مرجعه إلى تنزيل العمل منزلة المال وهو امر
معقول ممكن الوقوع ولا ينافيه القواعد المعتبرة ، فالأصل حينئذ صحته وانعقاده


منه في سائر الموارد ، والمساواة والموازنة إنما تستفاد من هيئة التفاعل ، واما قارض الناس ما قارضوك فالمساواة فيه اما مستفادة من هيئة المفاعلة ان قلنا : بإفادتها اشتراك الفاعل والمفعول في الفعل في المقام كما هو الحال في أغلب موارد استعمالاتها والا فمن تركيب الكلام وهيئته التركيبية كما يستفاد ذلك من قولك : عاقب الناس ما عاقبوك وآخذهم ما آخذوك وهكذا ، فالتعبير بالقراض لا يكون لا بالاعتبار الأول .
ولكن الأولى في وجه اخذه منه ان يقال : إن تنزيل العمل منزلة المال لما أوجب قطعه وقرضه عن محله الأصلي من كونه موجبا للأجرة لا الشركة وهو مستتبع لقرض المال عن محله أيضا من تبعية النماء كله له فكل من المالك والعامل مقارض للاخر في المال والعمل ، ولما كان الأصل في ذلك المالك فهو مقارض والعامل مقارض ، ويمكن أن يكون التعبير بالمضاربة من هذا الباب أيضا فان المالك لما ضرب عمل العامل منزل ماله واستتبع منه ضرب المال وتنزله منزلة غير منزلته الأولية فكل منهما مضارب للاخر في المال والعمل باعتبار تعلقهما بهما ، ولكن التعبير بالمضارب بصيغة الفاعل عن العامل لا يلائمه وإنما الملائم له اخذه من الضرب في الأرض كما ذكره ( قدس سره ) .
إذا اتضح لك ذلك اتضح لك ان التعبير بالقراض الذي هو لغة أهل الحجاز أو في بحقيقته من التعبير بالمضاربة التي هي لغة أهل العراق واما المقام الثاني فقد اختلف فيه كلماتهم فالمحكى عن المفيد والشيخ في النهاية و سلار وابن البراج ( قدس سرهم ) الحكم بعدم صحتها واستحقاق العامل أجرة المثل لا الحصة لجهالة العوض ، والمشهور صحتها بل قيل عليه اجماع المسلمين والتحقيق ما ذهب إليه الأكثر من أنه صحيح لموافقتها مع الأصل ودلالة الدليل عليها .
اما الأصل فلما عرفت من أن مرجعه إلى تنزيل العمل منزلة المال وهو امر معقول ممكن الوقوع ولا ينافيه القواعد المعتبرة ، فالأصل حينئذ صحته وانعقاده

289


لان الانسان البالغ مرتبة الكمال بالبلوغ والعقل والرشد مسلط على نفسه وجهاته
وشؤونه فينفذ تصرفاته وتقلباته ما لم يمنعه الشارع منها .
واما الدليل على صحتها فهي النصوص الصحيحة الواردة في باب المضاربة
المستفيضة بل المتواترة
فان قلت : بناءا على ما ذكرت يصير القراض من قبيل الشركة بين العمل
والمال وهو مخالف للأصل المسلم بين الأصحاب من انحصار الشركة الصحيحة
في شركة العنان وبطلان ما عداها من شركة الاعمال أو المركب منها ومن الأموال
وشركة الوجوه والمفاوضة .
قلت : الاشتراك في الربح بسبب تنزيل العمل منزلة رأس المال لا يتوقف
على تحقق الشركة بين العمل والمال حتى يقال إنه مخالف لما اطبقوا عليه من بطلانها
حينئذ ، كما أن الاشتراك في المثمن أو الثمن لا يتوقف على تحقق الإشاعة في الثمن
أو المثمن فإنه إذا بيع متاع واحد بمالين متميزين لشخص صار المبيع مشاعا بينهما
بنسبة ماليهما مع عدم إشاعة الثمن بينهما ، وإذا اشترى المشترى أمتعة متمايزة من
اشخاص متعددة كل منها بثمن معين فدفع إليهم ما يفي بأثمان الجميع صار الثمن مشاعا
بينهم بنسبة حقوقهم .
والحاصل ان الأصل المسلم إنما هو بطلان الشركة بين الاعمال أو المركب
منها ومن الأموال لا بطلان الشركة في الربح الحاصل منها ، كيف وحصول الشركة
في الربح امر مسلم سواء قلنا بان المضاربة من باب المعاوضة أو من باب تنزيل العمل
منزل رأس المال أو حصة منه ، مع أن الشركة المنحصرة في شركة العنان إنما
هي الشركة الحاصلة من امتزاج المالين ومن المعلوم ان الامتزاج لا يتطرق في
الاعمال أو المركب منها ومن الأموال ، ومجرد البناء على الشركة من دون حصول
سببها لا يؤثر في شئ ، واما الشركة المستندة إلى سبب غير الامتزاج فكما يتطرق
في الأموال فكذلك يتطرق في الاعمال والمركب منها ومن الأموال فلو نوى كل من


لان الانسان البالغ مرتبة الكمال بالبلوغ والعقل والرشد مسلط على نفسه وجهاته وشؤونه فينفذ تصرفاته وتقلباته ما لم يمنعه الشارع منها .
واما الدليل على صحتها فهي النصوص الصحيحة الواردة في باب المضاربة المستفيضة بل المتواترة فان قلت : بناءا على ما ذكرت يصير القراض من قبيل الشركة بين العمل والمال وهو مخالف للأصل المسلم بين الأصحاب من انحصار الشركة الصحيحة في شركة العنان وبطلان ما عداها من شركة الاعمال أو المركب منها ومن الأموال وشركة الوجوه والمفاوضة .
قلت : الاشتراك في الربح بسبب تنزيل العمل منزلة رأس المال لا يتوقف على تحقق الشركة بين العمل والمال حتى يقال إنه مخالف لما اطبقوا عليه من بطلانها حينئذ ، كما أن الاشتراك في المثمن أو الثمن لا يتوقف على تحقق الإشاعة في الثمن أو المثمن فإنه إذا بيع متاع واحد بمالين متميزين لشخص صار المبيع مشاعا بينهما بنسبة ماليهما مع عدم إشاعة الثمن بينهما ، وإذا اشترى المشترى أمتعة متمايزة من اشخاص متعددة كل منها بثمن معين فدفع إليهم ما يفي بأثمان الجميع صار الثمن مشاعا بينهم بنسبة حقوقهم .
والحاصل ان الأصل المسلم إنما هو بطلان الشركة بين الاعمال أو المركب منها ومن الأموال لا بطلان الشركة في الربح الحاصل منها ، كيف وحصول الشركة في الربح امر مسلم سواء قلنا بان المضاربة من باب المعاوضة أو من باب تنزيل العمل منزل رأس المال أو حصة منه ، مع أن الشركة المنحصرة في شركة العنان إنما هي الشركة الحاصلة من امتزاج المالين ومن المعلوم ان الامتزاج لا يتطرق في الاعمال أو المركب منها ومن الأموال ، ومجرد البناء على الشركة من دون حصول سببها لا يؤثر في شئ ، واما الشركة المستندة إلى سبب غير الامتزاج فكما يتطرق في الأموال فكذلك يتطرق في الاعمال والمركب منها ومن الأموال فلو نوى كل من

290

لا يتم تسجيل الدخول!