إسم الكتاب : بداية المجتهد ونهاية المقتصد ( عدد الصفحات : 384)


بداية المجتهد
ونهاية المقتصد


بداية المجتهد ونهاية المقتصد

1



2


بداية المجتهد
ونهاية المقتصد
للامام القاضي
أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد
بن رشد القرطبي الأندلسي
الشهير ( بابن رشد الحفيد )
المتوفى سنة 595 ه‍
تنقيح وتصحيح
خالد العطار
الجزء الأول
طبعة جديدة منقحة ومصححة
إشراف
مكتب البحوث والدراسات
دار الفكر
للطباعة والنشر والتوزيع


بداية المجتهد ونهاية المقتصد للامام القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي الشهير ( بابن رشد الحفيد ) المتوفى سنة 595 ه‍ تنقيح وتصحيح خالد العطار الجزء الأول طبعة جديدة منقحة ومصححة إشراف مكتب البحوث والدراسات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع

3


جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر
1415 ه‍ - 1995 م
بيروت - لبنان
دار الفكر : حارة حريك - شارع عبد النور - برقيا : فكسيى - تلكس : 41392 فكر
ص . ب : 7061 - 11 - تلفون : 643681 - 838053 - 837898 - دولي : 860962
فاكس : 00121241187875


جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر 1415 ه‍ - 1995 م بيروت - لبنان دار الفكر : حارة حريك - شارع عبد النور - برقيا : فكسيى - تلكس : 41392 فكر ص . ب : 7061 - 11 - تلفون : 643681 - 838053 - 837898 - دولي : 860962 فاكس : 00121241187875

4



( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين )
" حديث شريف "
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمد الله بجميع محامده ، والصلاة السلام على محمد رسوله وآله
وأصحابه ، فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت ( 1 ) فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل
الاحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها ، والتنبيه على نكث الخلاف فيها ، ما يجري
مجرى الأصول القواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في
الشرع ، وهذه المسائل في الأكثر هي المسائل المنطوق بها في الشرع أو تتعلق به تعلقا
قريبا ، وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها ، أو اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء
الاسلاميين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى فشا التقليد .
وقبل ذلك ، فلنذكر كم أصناف الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية ، وكم
أصناف الأحكام الشرعية ، وكم أصناف الأسباب التي أوجبت الاختلاف بأوجز ما يمكننا
في ذلك . فنقول :
إن الطرق التي منا تلقت الاحكام عن النبي عليه الصلاة والسلام بالجنس ثلاثة :
إما لفظ ، وإما فعل ، وإما إقرار . وأما ما سكت عنه الشارع من الاحكام ، فقال الجمهور :
إن طريق الوقوف عليه هو القياس . وقال أهل الظاهر : القياس في الشرع باطل . وما سكت
عنه الشارع فلا حكم له ودليل العقد يشهد بثبوته ، وذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي
غير متناهية ، والنصوص ، والأفعال ، والاقرارات متناهية ، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما
يتناهى . وأصناف الألفاظ التي تتلقى منها الاحكام من السمع أربعة : ثلاثة متفق عليها ،
ورابع مختلف فيه . أما الثلاثة المتفق عليها فلفظ عام يحمل على عمومه ، أو خاص يحمل
على خصوصه ، أو لفظ عام يراد به الخصوص ، أو لفظ خاص يراد به العموم ، وفي هذا
يدخل التنبيه بالأعلى على الأدنى ، وبالأدنى على الأعلى ، وبالمساوي على المساوي ،


( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) " حديث شريف " بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله بجميع محامده ، والصلاة السلام على محمد رسوله وآله وأصحابه ، فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت ( 1 ) فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الاحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها ، والتنبيه على نكث الخلاف فيها ، ما يجري مجرى الأصول القواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع ، وهذه المسائل في الأكثر هي المسائل المنطوق بها في الشرع أو تتعلق به تعلقا قريبا ، وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها ، أو اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء الاسلاميين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى فشا التقليد .
وقبل ذلك ، فلنذكر كم أصناف الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية ، وكم أصناف الأحكام الشرعية ، وكم أصناف الأسباب التي أوجبت الاختلاف بأوجز ما يمكننا في ذلك . فنقول :
إن الطرق التي منا تلقت الاحكام عن النبي عليه الصلاة والسلام بالجنس ثلاثة :
إما لفظ ، وإما فعل ، وإما إقرار . وأما ما سكت عنه الشارع من الاحكام ، فقال الجمهور :
إن طريق الوقوف عليه هو القياس . وقال أهل الظاهر : القياس في الشرع باطل . وما سكت عنه الشارع فلا حكم له ودليل العقد يشهد بثبوته ، وذلك أن الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية ، والنصوص ، والأفعال ، والاقرارات متناهية ، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى . وأصناف الألفاظ التي تتلقى منها الاحكام من السمع أربعة : ثلاثة متفق عليها ، ورابع مختلف فيه . أما الثلاثة المتفق عليها فلفظ عام يحمل على عمومه ، أو خاص يحمل على خصوصه ، أو لفظ عام يراد به الخصوص ، أو لفظ خاص يراد به العموم ، وفي هذا يدخل التنبيه بالأعلى على الأدنى ، وبالأدنى على الأعلى ، وبالمساوي على المساوي ،

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) في نسخة فاس : التنبيه لنفسي بدل أن أثبت . ( أنظر ترجمة آخر الكتاب ) .

( 1 ) في نسخة فاس : التنبيه لنفسي بدل أن أثبت . ( أنظر ترجمة آخر الكتاب ) .

5


فمثال الأول قوله تعالى : ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) ( 1 ) ، فإن المسلمين
اتفقوا على أن لفظ الخنزير متناول لجميع أصناف الخنازير ما لم يكن مما يقال عليه الاسم
بالاشتراك ، مثل خنزير الماء ، ومثال العام يراد به الخاص ، قوله تعالى : ( خذ من أموالهم
صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ( 2 ) . فإن المسلمين اتفقوا على أن ليست الزكاة واجبة في جميع
أنواع المال ، ومثال الخاص يراد به العام قوله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) ( 3 ) ، وهو من
باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ، فإنه يفهم من هذا تحريم الضرب والشتم وما فوق ذلك ،
وهذه إما أن يأتي المستدعي بها فعله بصيغة الامر ، وإما أن يأتي بصيغة الخبر ، يراد به
الامر ، وكذلك المستدعي تركه ، إما أن يأتي بصيغة النهي ، وإما أن يأتي بصيغة الخبر ، يراد
به النهي ، وإذا أتت هذه الألفاظ بهذه الصيغ ، فهل يحمل استدعاء الفعل بها على الوجوب
أو على الندب على ما سيقال في حد الواجب والمندوب إليه ، أو يتوقف حتى يدل الدليل
على أحدهما ؟ فيه بين العلماء خلاف مذكور في كتب أصول الفقه ، وكذلك الحل في صيغ
النهي هل تدل على الكراهية أو التحريم ، أو لا تدل على واحد منهما ؟ فيه الخلاف
المذكور أيضا ، والأعيان التي يتعلق بها الحك إما أن يدل عليها بلفظ يدل على معنى واحد
فقط ، وهو الذي يعرف في صناعة أصول الفقه بالنص ، ولا خلاف في وجوب العمل به ،
وإما أن يدل عليها بلفظ يدل على أكثر من معنى واحد ، وهذا قسمان : إما أن تكون دلالته
على تلك المعاني بالسواء ، وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالمجمل ، ولا خلاف في أنه
لا يوجب حكما ، وإما أن تكون دلالته على بعض تلك المعاني أكثر من بعض ، وهذا
يسمى بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أكثر ظاهرا ، ويسمى بالإضافة إلى المعاني
التي دلالته عليها أقل محتملا ، وإذا ورد مطلقا حمل على تلك المعاني التي هو أظهر فيها
حتى يقوم الدليل على حمله على حمله على المحتمل ، فيعرض الخلاف للفقهاء في أقاويل الشارع ،
لكن ذلك من قبل ثلاث معان : من قبل الاشتراك في لفظ العين الذي علق به الحكم ، ومن
قبل الاشتراك في الألف والأم المقرونة بجنس تلك العين ، هل أريد بها الكل أو البعض ؟
ومن قبل الاشتراك الذي في ألفاظ الأوامر والنواهي ، واما الطريق الرابع فهو ان يفهم من
ايجاب الحكم لشئ ما نفى ذلك الحكم عما عدا ذلك الشئ أو من نفى الحكم عن شئ
ما ايجابه لما عدا ذلك الشئ الذي نفى عنه ، وهو الذي يعرف بدليل الخطاب ، وهو أصل
مختلف فيه مثل قوله عليه الصلاة والسلام : " في سائمة الغنم الزكاة " ، فان قوما فهموا منه أن لا
زكاة في غير السائمة ، واما القياس الشرعي فهو الحاق الحكم الواجب لشئ ما بالشرع


فمثال الأول قوله تعالى : ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) ( 1 ) ، فإن المسلمين اتفقوا على أن لفظ الخنزير متناول لجميع أصناف الخنازير ما لم يكن مما يقال عليه الاسم بالاشتراك ، مثل خنزير الماء ، ومثال العام يراد به الخاص ، قوله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ( 2 ) . فإن المسلمين اتفقوا على أن ليست الزكاة واجبة في جميع أنواع المال ، ومثال الخاص يراد به العام قوله تعالى : ( فلا تقل لهما أف ) ( 3 ) ، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ، فإنه يفهم من هذا تحريم الضرب والشتم وما فوق ذلك ، وهذه إما أن يأتي المستدعي بها فعله بصيغة الامر ، وإما أن يأتي بصيغة الخبر ، يراد به الامر ، وكذلك المستدعي تركه ، إما أن يأتي بصيغة النهي ، وإما أن يأتي بصيغة الخبر ، يراد به النهي ، وإذا أتت هذه الألفاظ بهذه الصيغ ، فهل يحمل استدعاء الفعل بها على الوجوب أو على الندب على ما سيقال في حد الواجب والمندوب إليه ، أو يتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما ؟ فيه بين العلماء خلاف مذكور في كتب أصول الفقه ، وكذلك الحل في صيغ النهي هل تدل على الكراهية أو التحريم ، أو لا تدل على واحد منهما ؟ فيه الخلاف المذكور أيضا ، والأعيان التي يتعلق بها الحك إما أن يدل عليها بلفظ يدل على معنى واحد فقط ، وهو الذي يعرف في صناعة أصول الفقه بالنص ، ولا خلاف في وجوب العمل به ، وإما أن يدل عليها بلفظ يدل على أكثر من معنى واحد ، وهذا قسمان : إما أن تكون دلالته على تلك المعاني بالسواء ، وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالمجمل ، ولا خلاف في أنه لا يوجب حكما ، وإما أن تكون دلالته على بعض تلك المعاني أكثر من بعض ، وهذا يسمى بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أكثر ظاهرا ، ويسمى بالإضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أقل محتملا ، وإذا ورد مطلقا حمل على تلك المعاني التي هو أظهر فيها حتى يقوم الدليل على حمله على حمله على المحتمل ، فيعرض الخلاف للفقهاء في أقاويل الشارع ، لكن ذلك من قبل ثلاث معان : من قبل الاشتراك في لفظ العين الذي علق به الحكم ، ومن قبل الاشتراك في الألف والأم المقرونة بجنس تلك العين ، هل أريد بها الكل أو البعض ؟
ومن قبل الاشتراك الذي في ألفاظ الأوامر والنواهي ، واما الطريق الرابع فهو ان يفهم من ايجاب الحكم لشئ ما نفى ذلك الحكم عما عدا ذلك الشئ أو من نفى الحكم عن شئ ما ايجابه لما عدا ذلك الشئ الذي نفى عنه ، وهو الذي يعرف بدليل الخطاب ، وهو أصل مختلف فيه مثل قوله عليه الصلاة والسلام : " في سائمة الغنم الزكاة " ، فان قوما فهموا منه أن لا زكاة في غير السائمة ، واما القياس الشرعي فهو الحاق الحكم الواجب لشئ ما بالشرع

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 3 .
( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 103 .
( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 23 .

( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 3 . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 103 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 23 .

6


بالشئ المسكوت عنه لشبهه بالشئ الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلة جامعة
بينهما ، ولذلك كان القياس الشرعي صنفين : قياس شبه ، وقياس علة ، والفرق بين القياس
الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام : ان القياس يكون على الخاص الذي أريد به الخاص
فيلحق به غيره ، أعني ان المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به من جهة الشبه الذي بينهما
لا من جهة دلالة اللفظ ، لان الحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من جهة تنبيه اللفظ ليس
بقياس ، وإنما هو من باب دلالة اللفظ ، وهذان الصنفان يتقاربان جدا لأنهما الحاق
مسكوت عنه بمنطوق به ، وهما يلتبسان على الفقهاء كثيرا جدا . فمثال القياس الحاق
شارب الخمر بالقاذف في الحد ، والصداق بالنصاب في القطع . واما الحاق الربويات
بالمقتات أو بالمكيل أو بالمطعوم من باب الخاص أريد به العام ، فتأمل هذا فان فيه
غموضا . والجنس الأول هو الذي ينبغي للظاهرية ان تنازع فيه . واما الثاني فليس ينبغي لها
ان تنازع فيه لأنه من باب السمع ، والذي يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب . واما
الفعل فإنه عند الأكثر من الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية ، وقال قوم : الأفعال
ليست تفيد حكما إذ ليس لها صيغ ، والذين قالوا إنها تتلقى منها الاحكام اختلفوا في نوع
الحكم الذي تدل عليه ، فقال قوم : على الوجوب وقال قوم : تدل على الندب ،
والمختار عند المحققين انها ان أتت بيانا لمجمل واجب دلت على الوجوب ، وان أتت
بيانا لمجمل مندوب إليه دلت على الندب ، وإن لم تأت بيانا لمجمل ، فان كانت من
جنس القربة دلت على الندب ، وان كانت من جنس المباحات دلت على الإباحة ، واما
الاقرار فإنه يدل على الجواز ، فهذه أصناف الطرق التي تتلقى منها الاحكام أو تستنبط .
واما الاجماع فهو مستند إلى أحد هذه الطرق الأربعة ، الا انه إذا وقع في واحد منها ولم
يكن قطعيا نقل الحكم من غلبة الظن إلى القطع ، وليس الاجماع أصلا مستقلا بذاته من غير
استناد إلى واحد من هذه الطرق ، لأنه لو كان كذلك لكان يقتضى اثبات شرع زائد بعد
النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ كان لا يرجع إلى أصل من الأصول المشروعة . واما المعاني المتداولة
المتأدية من هذه الطرق اللفظية للمكلفين ، فهي بالجملة : اما امر بشئ واما نهى عنه ، واما
تخيير فيه . والامر ان فهم منه الجزم وتعلق العقاب بتركه سمى واجبا ، وان فهم منه الجزم وتعلق
العقاب بالفعل سمى محرما ومحظورا ، وان فهم منه الحث على تركه من غير تعلق عقاب
بفعله سمى مكروها فتكون أصناف الأحكام الشرعية المتلقاة من هذا الطرق خمسة :
واجب ، ومندوب ومحظور ، ومكروه ، ومخير فيه وهو المباح . واما أسباب الاختلاف
بالجنس فستة ، أحدها : تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع : أعني بين أن يكون اللفظ عاما
يراد به الخاص ، أو خاصا يراد به العام ، أو عاما يراد به العام ، أو خاصا يراد به الخاص ،


بالشئ المسكوت عنه لشبهه بالشئ الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلة جامعة بينهما ، ولذلك كان القياس الشرعي صنفين : قياس شبه ، وقياس علة ، والفرق بين القياس الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام : ان القياس يكون على الخاص الذي أريد به الخاص فيلحق به غيره ، أعني ان المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به من جهة الشبه الذي بينهما لا من جهة دلالة اللفظ ، لان الحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من جهة تنبيه اللفظ ليس بقياس ، وإنما هو من باب دلالة اللفظ ، وهذان الصنفان يتقاربان جدا لأنهما الحاق مسكوت عنه بمنطوق به ، وهما يلتبسان على الفقهاء كثيرا جدا . فمثال القياس الحاق شارب الخمر بالقاذف في الحد ، والصداق بالنصاب في القطع . واما الحاق الربويات بالمقتات أو بالمكيل أو بالمطعوم من باب الخاص أريد به العام ، فتأمل هذا فان فيه غموضا . والجنس الأول هو الذي ينبغي للظاهرية ان تنازع فيه . واما الثاني فليس ينبغي لها ان تنازع فيه لأنه من باب السمع ، والذي يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب . واما الفعل فإنه عند الأكثر من الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية ، وقال قوم : الأفعال ليست تفيد حكما إذ ليس لها صيغ ، والذين قالوا إنها تتلقى منها الاحكام اختلفوا في نوع الحكم الذي تدل عليه ، فقال قوم : على الوجوب وقال قوم : تدل على الندب ، والمختار عند المحققين انها ان أتت بيانا لمجمل واجب دلت على الوجوب ، وان أتت بيانا لمجمل مندوب إليه دلت على الندب ، وإن لم تأت بيانا لمجمل ، فان كانت من جنس القربة دلت على الندب ، وان كانت من جنس المباحات دلت على الإباحة ، واما الاقرار فإنه يدل على الجواز ، فهذه أصناف الطرق التي تتلقى منها الاحكام أو تستنبط .
واما الاجماع فهو مستند إلى أحد هذه الطرق الأربعة ، الا انه إذا وقع في واحد منها ولم يكن قطعيا نقل الحكم من غلبة الظن إلى القطع ، وليس الاجماع أصلا مستقلا بذاته من غير استناد إلى واحد من هذه الطرق ، لأنه لو كان كذلك لكان يقتضى اثبات شرع زائد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ كان لا يرجع إلى أصل من الأصول المشروعة . واما المعاني المتداولة المتأدية من هذه الطرق اللفظية للمكلفين ، فهي بالجملة : اما امر بشئ واما نهى عنه ، واما تخيير فيه . والامر ان فهم منه الجزم وتعلق العقاب بتركه سمى واجبا ، وان فهم منه الجزم وتعلق العقاب بالفعل سمى محرما ومحظورا ، وان فهم منه الحث على تركه من غير تعلق عقاب بفعله سمى مكروها فتكون أصناف الأحكام الشرعية المتلقاة من هذا الطرق خمسة :
واجب ، ومندوب ومحظور ، ومكروه ، ومخير فيه وهو المباح . واما أسباب الاختلاف بالجنس فستة ، أحدها : تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع : أعني بين أن يكون اللفظ عاما يراد به الخاص ، أو خاصا يراد به العام ، أو عاما يراد به العام ، أو خاصا يراد به الخاص ،

7


أو يكون له دليل خطاب ، أو لا يكون له . والثاني : الاشتراك الذي في الألفاظ ، وذلك اما
في اللفظ المفرد ، كلفظ القرء الذي ينطلق على الأطهار وعلى الحيض ، وكذلك لفظ الامر
هل يحمل على الوجوب أو الندب ، ولفظ النهى هل يحمل على التحريم أو الكراهية ؟ واما
في اللفظ المركب مثل قوله تعالى : ( إلا الذين تابوا ) ( 1 ) ، فإنه يحتمل ان يعود على الفاسق
فقط ، ويحتمل ان يعود على الفاسق والشاهد ، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة
القاذف . والثالث : اختلاف الاعراب . والرابع : تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله
على نوع من أنواع المجاز ، التي هي اما الحذف ، واما الزيادة ، واما التقديم ، واما
التأخير ، واما تردده على الحقيقة أو الاستعارة . والخامس : اطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة ،
مثل اطلاق الرقية في العتق تارة ، وتقييدها بالايمان تارة . والسادس : التعارض في الشيئين
في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع الاحكام بعضها مع بعض ، وكذلك
التعارض الذي يأتي في الأفعال أو في الاقرارات ، أو تعارض القياسات أنفسها ، أو
التعارض الذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة ، أعني : معارضة القول للفعل أو للاقرار أو
للقياس ، ومعارضة الفعل للاقرار أو للقياس ، ومعارضة الاقرار للقياس .
قال القاضي رضي الله عنه : وإذ قد ذكرنا بالجملة هذه الأشياء ، فلنشرع فيما قصدناه
مستعينين بالله ، ولنبدأ من ذلك بكتاب الطهارة على عاداتهم .


أو يكون له دليل خطاب ، أو لا يكون له . والثاني : الاشتراك الذي في الألفاظ ، وذلك اما في اللفظ المفرد ، كلفظ القرء الذي ينطلق على الأطهار وعلى الحيض ، وكذلك لفظ الامر هل يحمل على الوجوب أو الندب ، ولفظ النهى هل يحمل على التحريم أو الكراهية ؟ واما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى : ( إلا الذين تابوا ) ( 1 ) ، فإنه يحتمل ان يعود على الفاسق فقط ، ويحتمل ان يعود على الفاسق والشاهد ، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف . والثالث : اختلاف الاعراب . والرابع : تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز ، التي هي اما الحذف ، واما الزيادة ، واما التقديم ، واما التأخير ، واما تردده على الحقيقة أو الاستعارة . والخامس : اطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة ، مثل اطلاق الرقية في العتق تارة ، وتقييدها بالايمان تارة . والسادس : التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع الاحكام بعضها مع بعض ، وكذلك التعارض الذي يأتي في الأفعال أو في الاقرارات ، أو تعارض القياسات أنفسها ، أو التعارض الذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة ، أعني : معارضة القول للفعل أو للاقرار أو للقياس ، ومعارضة الفعل للاقرار أو للقياس ، ومعارضة الاقرار للقياس .
قال القاضي رضي الله عنه : وإذ قد ذكرنا بالجملة هذه الأشياء ، فلنشرع فيما قصدناه مستعينين بالله ، ولنبدأ من ذلك بكتاب الطهارة على عاداتهم .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 160 .

( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 160 .

8



كتاب : الطهارة من الحدث
فنقول : إنه اتفق المسلمون على أن الطهارة الشرعية طهارتان : طهارة من الحدث ،
وطهارة من الخبث . واتفقوا على أن الطهارة من الحدث ثلاثة أصناف : وضوء ، وغسل ،
وبدل منهما وهو التيمم ، وذلك لتضمن ذلك آية الوضوء الواردة في ذلك ، فلنبدأ من ذلك
بالقول في الوضوء ، فنقول :


كتاب : الطهارة من الحدث فنقول : إنه اتفق المسلمون على أن الطهارة الشرعية طهارتان : طهارة من الحدث ، وطهارة من الخبث . واتفقوا على أن الطهارة من الحدث ثلاثة أصناف : وضوء ، وغسل ، وبدل منهما وهو التيمم ، وذلك لتضمن ذلك آية الوضوء الواردة في ذلك ، فلنبدأ من ذلك بالقول في الوضوء ، فنقول :

9


< فهرس الموضوعات >
( كتاب الوضوء ) ، و فيه خمسة أبواب
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
الباب الأول : في الدليل على وجوبها : و على من تجب : ومتى تجب
< / فهرس الموضوعات >
كتاب الوضوء
إن القول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر في خمسة أبواب : الباب الأول في
الدليل على وجوبها ، وعلى من تجب ، ومتى تجب ؟ الثاني : في معرفة أفعالها الثالث : في
معرفة ما به تفعل وهو الماء . الرابع : في معرفة نواقضها . الخام في معرفة الأشياء التي
تفعل من أجلها .
الباب الأول
فأما الدليل على وجوبها فالكتاب والسنة ، والاجماع . أما الكتاب : فقوله تعالى :
* ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) * الآية .
فإن اتفق المسلمون على أن امتثال هذا الخطاب واجب على كل من لزمته الصلاة إذا
دخل وقتها . وأما السنة : فقوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا
صدقة من غلول وقوله عليه الصلاة والسلام : لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى
يتوضأ ، وهذان الحديثان ثابتان عند أئمة النقل . وأما الاجماع : فإنه لم ينقل عن أحد من
المسلمين في ذلك خلاف ، ولو كان هناك خلاف لنقل ، إذ العادات تقتضي ذلك . وأما
من تجب عليه فهو البالغ العاقل ، وذلك أيضا ثابت بالسنة والاجماع . أما السنة : فقوله
عليه الصلاة والسلام : رفع القلم عن ثلاث ، فذكر ، الصبي حتى يحتلم ، والمجنون
حتى يفيق . وأما الاجماع : فإنه لم ينقل في ذلك خلاف . واختلف الفقهاء هل من شرط
وجوبها الاسلام أم لا ؟ وهي مسألة قليلة الغناء في الفقه لأنها راجعة إلى الحكم
الأخروي . وأما متى تجب ؟ فإذا دخل وقت الصلاة ، وأراد الانسان الفعل الذي الوضوء
شرط فيه وإن لم يكن ذلك متعلقا بوقت . أما وجوبه عند دخول وقت الصلاة على
المحدث ، فلا خلاف فيه لقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) * الآية .
فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة ، ومن شروط الصلاة دخول الوقت . وأما دليل
وجوبه عند إرادة الأفعال التي هو شرط فيها فسيأتي ذلك عند ذكر الأشياء التي يفعل
الوضوء من أجلها ، واختلاف الناس في ذلك .


< فهرس الموضوعات > ( كتاب الوضوء ) ، و فيه خمسة أبواب < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > الباب الأول : في الدليل على وجوبها : و على من تجب : ومتى تجب < / فهرس الموضوعات > كتاب الوضوء إن القول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر في خمسة أبواب : الباب الأول في الدليل على وجوبها ، وعلى من تجب ، ومتى تجب ؟ الثاني : في معرفة أفعالها الثالث : في معرفة ما به تفعل وهو الماء . الرابع : في معرفة نواقضها . الخام في معرفة الأشياء التي تفعل من أجلها .
الباب الأول فأما الدليل على وجوبها فالكتاب والسنة ، والاجماع . أما الكتاب : فقوله تعالى :
* ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) * الآية .
فإن اتفق المسلمون على أن امتثال هذا الخطاب واجب على كل من لزمته الصلاة إذا دخل وقتها . وأما السنة : فقوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول وقوله عليه الصلاة والسلام : لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ ، وهذان الحديثان ثابتان عند أئمة النقل . وأما الاجماع : فإنه لم ينقل عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف ، ولو كان هناك خلاف لنقل ، إذ العادات تقتضي ذلك . وأما من تجب عليه فهو البالغ العاقل ، وذلك أيضا ثابت بالسنة والاجماع . أما السنة : فقوله عليه الصلاة والسلام : رفع القلم عن ثلاث ، فذكر ، الصبي حتى يحتلم ، والمجنون حتى يفيق . وأما الاجماع : فإنه لم ينقل في ذلك خلاف . واختلف الفقهاء هل من شرط وجوبها الاسلام أم لا ؟ وهي مسألة قليلة الغناء في الفقه لأنها راجعة إلى الحكم الأخروي . وأما متى تجب ؟ فإذا دخل وقت الصلاة ، وأراد الانسان الفعل الذي الوضوء شرط فيه وإن لم يكن ذلك متعلقا بوقت . أما وجوبه عند دخول وقت الصلاة على المحدث ، فلا خلاف فيه لقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ) * الآية .
فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة ، ومن شروط الصلاة دخول الوقت . وأما دليل وجوبه عند إرادة الأفعال التي هو شرط فيها فسيأتي ذلك عند ذكر الأشياء التي يفعل الوضوء من أجلها ، واختلاف الناس في ذلك .

10

لا يتم تسجيل الدخول!