إسم الكتاب : كتاب الأم ( عدد الصفحات : 330)


الأم


الأم

1


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >

2


الأم
تأليف الامام أبي عبد الله محمد بن إدريس
الشافعي
150 - 204
الجزء الأول
دار الفكر
للطباعة والنشر والتوزيع


الأم تأليف الامام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي 150 - 204 الجزء الأول دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع

3


الطبعة الأولى 1400 ه‍ 1980 م
الطبعة الثانية : 1403 ه‍ 1983 م
بيروت - حارة حريك - شارع عبد النور
هاتف 273650 - 273487 - ص ب 7061
برقيا : فكسي - تلكس : LE 41392 فكر


الطبعة الأولى 1400 ه‍ 1980 م الطبعة الثانية : 1403 ه‍ 1983 م بيروت - حارة حريك - شارع عبد النور هاتف 273650 - 273487 - ص ب 7061 برقيا : فكسي - تلكس : LE 41392 فكر

4


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين . وصلوات الله وسلامه على سيد الخلق وإمام الحق ، قائد الغر المحجلين ،
وشفيع المذنبين بإذن من الله يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته البررة
الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وبذلوا النفس والنفيس في سبيل نصرة هذا الدين المبين .
أما بعد فلا يخفى على ذوي العقول والبصائر النيرة مكانة الفقه بالنسبة لسائر العلوم فهو الذي أشاد
الله بشرفه في كتابه حيث قال .
" فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم
يحذرون " لذلك دأب العلماء وتسابقوا في القيام بالرحلات العلمية ليفوزوا بالخير الذي سمعوا البشارة به
من النبي صلى الله عليه وسلم حين تحدث عن مكانة الفقه وقيمته بقوله " من يرد الله به خيرا يفقهه
في الدين " فأكثروا التنقل في البلاد للقاء العلماء والاخذ عنهم ، ومن أبرز الأئمة الذين أكثروا من
التطواف والرحلات في مختلف الأقطار الإمام الشافعي رضي الله عنه . فقام برحلته العلمية بادئ بدء
إلى الامام مالك في المدينة فلما أترع عقله ولبه من علومه رحل إلى العراق فطوف هناك في المدن ولقى
الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وأبا يوسف القاضي وغيرهما ثم رحل إلى البلاد الفارسية
فالتقى بعلمائها ثم طاف شمال العراق فاخترق ساحل الفرات وبعض المدن سورية حتى ألقى عصا
التسيار بمدينة " الرملة " كل هذا ولم يجاوز العشرين سنة من عمره فما فتئ بعد مدة وجيزة من إقامته في
الرملة أن اعتزم الرحلة ثانيا إلى الامام مالك وبقي معه في المدينة إلى أن مات ثم توجه إلى اليمن فاكتسب
هناك علم الفراسة وازداد تفقها ثم اعتقل بتهمة التشيع للعلويين ضد العباسيين فكانت نتيجة التحقيق أن
ظهرت براءته فأطلقه الخليفة هارون الرشيد وعرف له فضله ونبوغه في شتى العلوم لا سيما فقه الكتاب
والسنة ونفوذ النظر فيهما مع دقة الاستنباط وقوة العارضة ونور البصيرة والابداع في إقامة الحجة ، فلم
يقو أحد على مناظرته ، والذي أوصل الشافعي إلى هذه الدرجة تلك الخطوات المحكمة التي انتهجها في
حياته العلمية ، ذلك أنه تأدب بأدب البادية ووقف على علوم اللغة العربية فصيحها وغريبها وحفظ
أشعار الغرب وأيامهم فأصبح حجة في اللغة وخصوصا أشعار الهذليين .
ثم إنه تلقى علوم أهل الحضر واجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث فتصرف في ذلك حتى
أصل الأصول وقعد القواعد ، فعلا ذكره واشتهر أمره ، حتى صار أعجوبة الدنيا في عصره ، وأخذ
بعد ذلك يؤلف المؤلفات ويودع حصيلته العلمية في كتب خاصة :
ومن أجمع تلك المؤلفات التي وصلت إلينا كتاب " الام " الذي نقدم له هذه المقدمة المتواضعة ،
فسيرى القارئ فيه علما غزيرا ، يتعلم منه كيف يكفر ، وكيف يحتج وكيف يناظر ، وكيف يتعلم حرية
الرأي فرحم الله الشافعي حيث رسم للناس الطريق السوي للاجتهاد ونبذ التقليد ، فملا طباق الأرض
علما .


بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله رب العالمين . وصلوات الله وسلامه على سيد الخلق وإمام الحق ، قائد الغر المحجلين ، وشفيع المذنبين بإذن من الله يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته البررة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وبذلوا النفس والنفيس في سبيل نصرة هذا الدين المبين .
أما بعد فلا يخفى على ذوي العقول والبصائر النيرة مكانة الفقه بالنسبة لسائر العلوم فهو الذي أشاد الله بشرفه في كتابه حيث قال .
" فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " لذلك دأب العلماء وتسابقوا في القيام بالرحلات العلمية ليفوزوا بالخير الذي سمعوا البشارة به من النبي صلى الله عليه وسلم حين تحدث عن مكانة الفقه وقيمته بقوله " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " فأكثروا التنقل في البلاد للقاء العلماء والاخذ عنهم ، ومن أبرز الأئمة الذين أكثروا من التطواف والرحلات في مختلف الأقطار الإمام الشافعي رضي الله عنه . فقام برحلته العلمية بادئ بدء إلى الامام مالك في المدينة فلما أترع عقله ولبه من علومه رحل إلى العراق فطوف هناك في المدن ولقى الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وأبا يوسف القاضي وغيرهما ثم رحل إلى البلاد الفارسية فالتقى بعلمائها ثم طاف شمال العراق فاخترق ساحل الفرات وبعض المدن سورية حتى ألقى عصا التسيار بمدينة " الرملة " كل هذا ولم يجاوز العشرين سنة من عمره فما فتئ بعد مدة وجيزة من إقامته في الرملة أن اعتزم الرحلة ثانيا إلى الامام مالك وبقي معه في المدينة إلى أن مات ثم توجه إلى اليمن فاكتسب هناك علم الفراسة وازداد تفقها ثم اعتقل بتهمة التشيع للعلويين ضد العباسيين فكانت نتيجة التحقيق أن ظهرت براءته فأطلقه الخليفة هارون الرشيد وعرف له فضله ونبوغه في شتى العلوم لا سيما فقه الكتاب والسنة ونفوذ النظر فيهما مع دقة الاستنباط وقوة العارضة ونور البصيرة والابداع في إقامة الحجة ، فلم يقو أحد على مناظرته ، والذي أوصل الشافعي إلى هذه الدرجة تلك الخطوات المحكمة التي انتهجها في حياته العلمية ، ذلك أنه تأدب بأدب البادية ووقف على علوم اللغة العربية فصيحها وغريبها وحفظ أشعار الغرب وأيامهم فأصبح حجة في اللغة وخصوصا أشعار الهذليين .
ثم إنه تلقى علوم أهل الحضر واجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث فتصرف في ذلك حتى أصل الأصول وقعد القواعد ، فعلا ذكره واشتهر أمره ، حتى صار أعجوبة الدنيا في عصره ، وأخذ بعد ذلك يؤلف المؤلفات ويودع حصيلته العلمية في كتب خاصة :
ومن أجمع تلك المؤلفات التي وصلت إلينا كتاب " الام " الذي نقدم له هذه المقدمة المتواضعة ، فسيرى القارئ فيه علما غزيرا ، يتعلم منه كيف يكفر ، وكيف يحتج وكيف يناظر ، وكيف يتعلم حرية الرأي فرحم الله الشافعي حيث رسم للناس الطريق السوي للاجتهاد ونبذ التقليد ، فملا طباق الأرض علما .

5


ترجمه
نقلا عن تاريخ الشافعي بقلمه ، رواية أبي بكر محمد بن المنذر ، وعن مناقب الشافعي للرازي
وعن شذرات الذهب لابن العماد ، ووفيات الأعيان لابن خلكان ، ورحلة الإمام الشافعي ، ك‍ " منير
أدهم " .
اسمه : محمد ، ويكنى ، أبو عبد الله .
نسبه من جهة أبيه : هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد
بن عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف .
نسبه من جهة أمه : القول المشهور أن أم الشافعي كانت امرأة من الأزد ، وروى أنس بن
مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الأزد أزد الله " وهذا يدل على مزيد الشرف بسبب هذه الإضافة الدالة
على الاختصاص كقولنا " بيت الله " و " ناقة الله " .
زواجه ومتى كان : تزوج الشافعي بالسيدة حميدة بنت نافع حفيدة عثمان بن عفان بعد وفاة
الامام مالك سنة 197 ه‍ وكان عمره إذ ذاك ما يقرب من ثلاثين سنة كما أنه كانت له سرية من
الإماء .
أولاده : رزق من امرأته العثمانية أبو عثمان محمد ، وابنتان ، فاطمة وزينب وقد ارتقى أبو عثمان
محمد في المناصب حتى كان قاضيا لمدينة حلب .
ورزق من سريته ابن آخر يقال له : الحسن بن محمد بن إدريس ، مات وهو طفل .
صفاته وحليته : كان رجلا طويلا حسن الخلق محببا إلى الناس نظيف الثياب فصيح اللسان
شديد المهابة كثير الاحسان إلى الخلق وكان يستعمل الخضاب بالحمرة عملا بالسنة وكان جميل
الصوت في القراءة حتى أن علماء مكة كانوا وهو في الثالثة عشرة من العمر إذا أرادوا البكاء من
خشية الله اجتمعوا وقالوا : هيا بنا إلى ذلك الصبي المطلبي ليسمعنا القرآن فيبكينا ، فإذا جاؤوا وسمعوه
تساقطوا بين يديه من كثرة البكاء ، وكان إذا رأى منهم ذلك أمسك عن القراءة شفقة عليهم
متى وأين ولد : في شهر رجب من سنة 150 ه‍ 767 من ولدت السيدة فاطمة أم حبيبة
الأزدية غلاما سمعته محمدا ( وهو الإمام الشافعي ) .
أما والده المذكور فكان رجلا حجازيا فقيرا ، خرج مهاجرا من مكة إلى الشام وأقام ب‍ " غزة "
و " عسقلان " ببلاد فلسطين ثم مات بعد ولادة الشافعي بقليل فكفلته أمه .
كبر الغلام وبلغ من العمر سنتين وأصبح قرة عين والدته ، فرأت أمه أن تحمله إلى مكة المكرمة
صونا لنسبه من الضياع إذا بقي في " غزة " ونزلت بجوار الحرم بحي يقال له " شعب الخيف " .


ترجمه نقلا عن تاريخ الشافعي بقلمه ، رواية أبي بكر محمد بن المنذر ، وعن مناقب الشافعي للرازي وعن شذرات الذهب لابن العماد ، ووفيات الأعيان لابن خلكان ، ورحلة الإمام الشافعي ، ك‍ " منير أدهم " .
اسمه : محمد ، ويكنى ، أبو عبد الله .
نسبه من جهة أبيه : هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف .
نسبه من جهة أمه : القول المشهور أن أم الشافعي كانت امرأة من الأزد ، وروى أنس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الأزد أزد الله " وهذا يدل على مزيد الشرف بسبب هذه الإضافة الدالة على الاختصاص كقولنا " بيت الله " و " ناقة الله " .
زواجه ومتى كان : تزوج الشافعي بالسيدة حميدة بنت نافع حفيدة عثمان بن عفان بعد وفاة الامام مالك سنة 197 ه‍ وكان عمره إذ ذاك ما يقرب من ثلاثين سنة كما أنه كانت له سرية من الإماء .
أولاده : رزق من امرأته العثمانية أبو عثمان محمد ، وابنتان ، فاطمة وزينب وقد ارتقى أبو عثمان محمد في المناصب حتى كان قاضيا لمدينة حلب .
ورزق من سريته ابن آخر يقال له : الحسن بن محمد بن إدريس ، مات وهو طفل .
صفاته وحليته : كان رجلا طويلا حسن الخلق محببا إلى الناس نظيف الثياب فصيح اللسان شديد المهابة كثير الاحسان إلى الخلق وكان يستعمل الخضاب بالحمرة عملا بالسنة وكان جميل الصوت في القراءة حتى أن علماء مكة كانوا وهو في الثالثة عشرة من العمر إذا أرادوا البكاء من خشية الله اجتمعوا وقالوا : هيا بنا إلى ذلك الصبي المطلبي ليسمعنا القرآن فيبكينا ، فإذا جاؤوا وسمعوه تساقطوا بين يديه من كثرة البكاء ، وكان إذا رأى منهم ذلك أمسك عن القراءة شفقة عليهم متى وأين ولد : في شهر رجب من سنة 150 ه‍ 767 من ولدت السيدة فاطمة أم حبيبة الأزدية غلاما سمعته محمدا ( وهو الإمام الشافعي ) .
أما والده المذكور فكان رجلا حجازيا فقيرا ، خرج مهاجرا من مكة إلى الشام وأقام ب‍ " غزة " و " عسقلان " ببلاد فلسطين ثم مات بعد ولادة الشافعي بقليل فكفلته أمه .
كبر الغلام وبلغ من العمر سنتين وأصبح قرة عين والدته ، فرأت أمه أن تحمله إلى مكة المكرمة صونا لنسبه من الضياع إذا بقي في " غزة " ونزلت بجوار الحرم بحي يقال له " شعب الخيف " .

6


بدء تعلمه : ولما ترعرع أرسلته أمه إلى الكتاب ولما لم يكن في طاقة أهله القيام بنفقات تعليمه
أهمله المعلم وانصرف عنه
إن المعلم والطبيب كلاهما * لا ينصحان إذا هما لم يكرما
إلا أن هذا التقصير من المعلم كان سببا في نبوغ الصبي لأنه اجتهد أن يكون دائما وقت الدرس
قريبا من المعلم وكان يستوعب بحافظته النادرة جميع ما يحفظه المعلم للصبيان حتى إذا ذهب المعلم
لقضاء حاجة أخذ الشافعي يحفظ التلاميذ ما حفظه من المعلم ، وبهذه الوسيلة قويت حافظة الإمام الشافعي تدريجيا ، فأحبه التلاميذ والتفوا حوله ورفعوا مكانته وصاروا طوع أمره .
ولما رأى المعلم من الشافعي هذه الحال وانه يجنى من ورائه أضعاف ما كان يطمع فيه من الاجر ،
صرف عنه المطالبة بالمصروفات واعتبره في كتابه مجانا .
ولما بلغ الشافعي من العمر سبع أو تسع سنوات كان قد أتم القرآن الكريم كله . فرأى أنه لا فائدة
من بقائه في الكتاب فتركه ودخل المسجد الحرام وأقبل على علوم اللغة ودراستها أياما فبرع فيها كلها .
وبرع في لهجات العرب بسبب تلقيه اللغة عن شتى قبائل البادية فلما حصل له من ذلك الحظ الأوفر
قيل له : لو ضممت إلى ذلك ، الفقه وعلوم القرآن والحديث ؟ ! فانصرف إليها .
شيوخه بمكة : دخل المسجد الحرام وصار يجالس العلماء ويحفظ الحديث وعلوم القرآن ، فقرأ
القرآن على إسماعيل بن قسطنطين وقرأ الحديث على سفيان بن عيينة ، ومسلم بن خالد الزنجي ، وسعيد
بن سالم القداح ، وداود بن عبد الرحمن العطار ، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد .
شيوخه بالمدينة : وتلقى العلم بالسنة في المدينة على الامام مالك بن أنس ، وإبراهيم بن سعد
الأنصاري وعبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وإبراهيم بن أبي يحيى الأسامي ، ومحمد بن سعيد بن
أبي فديك ، وعبد الله بن نافع الصائغ .
شيوخ باليمن : وسمع الحديث والفقه في اليمن ، من مطرف بن مازن ، وهشام بن يوسف
قاضي " صنعاء " وعمرو بن أبي سلمة صاحب الأوزاعي ، ويحيى بن حسان صاحب الليث بن سد
شيوخه بالعراق : وسمع الحديث والفقه وعلو القرآن في العراق من وكيع بن الجراح ، وأبو
أسامة حماد بن أسامة الكوفيان ، وإسماعيل بن علية ، وعبد الوهاب بن عبد المجيد البصريان .
فيكون عدد شيوخه على هذا تسعة عشرة ، خمسة من مكة ، وستة من المدينة وأربعة
من اليمن ، وأربعة من العراق . هذا ما أفاده الرازي في مناقب الإمام الشافعي .
تلاميذه : نبغ على الشافعي كثير من الناس ، في مقدمتهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل ،
والحسن ابن محمد الصباح الزعفراني ، والحسين الكرابيسي ، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ، وأبو
إبراهيم إسماعيل ابن يحيى المزني ، وأبو محمد الربيع بن سليمان المرادي ، والربيع بن سليمان الجيزي ، وأبو
يعقوب يوسف بن يحيى البويطي ، وأبو حفص حرملة بن يحيى بن عبد الله التجيبي ، وأبو يوسف يونس
بن عبد الأعلى ، ومحمد بن عبد الله ابن عبد الحكم المصري ، وعبد الله بن الزبير الحميدي .
رحلاته العلمية : كانت الرحلة على ما فيها من المشاق في سبيل تلقي العلم ديدن
العلماء ، حيث يكون التلاقي بين رواد العلم والعلماء ويحصل التبحر في العلم . فلذا نرى الإمام الشافعي


بدء تعلمه : ولما ترعرع أرسلته أمه إلى الكتاب ولما لم يكن في طاقة أهله القيام بنفقات تعليمه أهمله المعلم وانصرف عنه إن المعلم والطبيب كلاهما * لا ينصحان إذا هما لم يكرما إلا أن هذا التقصير من المعلم كان سببا في نبوغ الصبي لأنه اجتهد أن يكون دائما وقت الدرس قريبا من المعلم وكان يستوعب بحافظته النادرة جميع ما يحفظه المعلم للصبيان حتى إذا ذهب المعلم لقضاء حاجة أخذ الشافعي يحفظ التلاميذ ما حفظه من المعلم ، وبهذه الوسيلة قويت حافظة الإمام الشافعي تدريجيا ، فأحبه التلاميذ والتفوا حوله ورفعوا مكانته وصاروا طوع أمره .
ولما رأى المعلم من الشافعي هذه الحال وانه يجنى من ورائه أضعاف ما كان يطمع فيه من الاجر ، صرف عنه المطالبة بالمصروفات واعتبره في كتابه مجانا .
ولما بلغ الشافعي من العمر سبع أو تسع سنوات كان قد أتم القرآن الكريم كله . فرأى أنه لا فائدة من بقائه في الكتاب فتركه ودخل المسجد الحرام وأقبل على علوم اللغة ودراستها أياما فبرع فيها كلها .
وبرع في لهجات العرب بسبب تلقيه اللغة عن شتى قبائل البادية فلما حصل له من ذلك الحظ الأوفر قيل له : لو ضممت إلى ذلك ، الفقه وعلوم القرآن والحديث ؟ ! فانصرف إليها .
شيوخه بمكة : دخل المسجد الحرام وصار يجالس العلماء ويحفظ الحديث وعلوم القرآن ، فقرأ القرآن على إسماعيل بن قسطنطين وقرأ الحديث على سفيان بن عيينة ، ومسلم بن خالد الزنجي ، وسعيد بن سالم القداح ، وداود بن عبد الرحمن العطار ، وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد .
شيوخه بالمدينة : وتلقى العلم بالسنة في المدينة على الامام مالك بن أنس ، وإبراهيم بن سعد الأنصاري وعبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وإبراهيم بن أبي يحيى الأسامي ، ومحمد بن سعيد بن أبي فديك ، وعبد الله بن نافع الصائغ .
شيوخ باليمن : وسمع الحديث والفقه في اليمن ، من مطرف بن مازن ، وهشام بن يوسف قاضي " صنعاء " وعمرو بن أبي سلمة صاحب الأوزاعي ، ويحيى بن حسان صاحب الليث بن سد شيوخه بالعراق : وسمع الحديث والفقه وعلو القرآن في العراق من وكيع بن الجراح ، وأبو أسامة حماد بن أسامة الكوفيان ، وإسماعيل بن علية ، وعبد الوهاب بن عبد المجيد البصريان .
فيكون عدد شيوخه على هذا تسعة عشرة ، خمسة من مكة ، وستة من المدينة وأربعة من اليمن ، وأربعة من العراق . هذا ما أفاده الرازي في مناقب الإمام الشافعي .
تلاميذه : نبغ على الشافعي كثير من الناس ، في مقدمتهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل ، والحسن ابن محمد الصباح الزعفراني ، والحسين الكرابيسي ، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ، وأبو إبراهيم إسماعيل ابن يحيى المزني ، وأبو محمد الربيع بن سليمان المرادي ، والربيع بن سليمان الجيزي ، وأبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي ، وأبو حفص حرملة بن يحيى بن عبد الله التجيبي ، وأبو يوسف يونس بن عبد الأعلى ، ومحمد بن عبد الله ابن عبد الحكم المصري ، وعبد الله بن الزبير الحميدي .
رحلاته العلمية : كانت الرحلة على ما فيها من المشاق في سبيل تلقي العلم ديدن العلماء ، حيث يكون التلاقي بين رواد العلم والعلماء ويحصل التبحر في العلم . فلذا نرى الإمام الشافعي

7


ينهج هذا السبيل وأول رحلاته كانت إلى المدينة لما سمع بالامام مالك ، فسمع الموطأ وحفظه ولقي من
الامام مالك إكراما وإجلالا حتى إنه أجلسه في مجلسه وكلفه أن يقرأ الموطأ على الناس ويمليه عليهم ،
فأقام هكذا ضيفا عند الامام مالك ثمانية أشهر .
رحلته الأولى إلى بغداد : كان من عادة المصريين ان يتوجهوا إلى المدينة بعد أداء فريضة الحج
للصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولسماع الموطأ على الامام مالك . قال الشافعي :
فأحليت الموطأ عليهم حفظا ، منهم عبد الله بن عبد الحكم وأشهب بن القاسم ( قال الربيع : وأحسب
أنه ذكر الليث بن سعد ) ثم قدم بعد ذلك أهل العراق المسجد للصلاة فيه وزائرين نبيهم .
قال الشافعي : فرأيت بين القبر والمنبر فتى جميل الوجه ، نظيف الثياب ، حسن الصلاة ،
فتوسمت فيه خيرا ، فسألته عن اسمه ، فأخبرني ، وسألته عن بلده فقال لي : العراق .
قال الشافعي : فقلت ، أي العراق ؟ فقال : في الكوفة . فقلت : من العالم بها والمتكلم في نص
كتاب الله عز وجل والمفتي بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لي : محمد بن الحسن ،
وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة .
قال الشافعي : فقلت : ومتى عزمتم تظعنون ؟ فقال لي : غداة غد عند انفجار الفجر .
فعدت إلى مالك فقلت له : قد خرجت من مكة في طلب العلم بغير استئذان العجوز ، فأعود إليها
أو أرحل في طلب العلم . ؟ فقال لي : العلم فائدة يرجع منها إلى عائدة ، ألم تعلم بأن الملائكة تضع
أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب ؟
قال الشافعي : فلما أزمعت على السفر زودني مالك بصاع من أقط وصاع من شعير وصاع من تمر
وسقاء ماء . فلما كان السحر وانفجر الفجر حمل بعض الإداوة وسار معي مشيعا إلى البقيع فصاح
بعلو صوته : من معه كرى راحلة إلى الكوفة ؟ فأقبلت عليه فقلت له : لم تكتري ولا شئ معك ولا
شئ معي ؟ فقال لي : لما انصرفت البارحة عنك بعد صلاة العشاء الآخرة إذ قرع علي قارع الباب
فخرجت إليه فأصبت عبد الرحمن بن القاسم المصري ، فسألني قبول هديته فقبلتها . فدفع إلي صرة
فيها مائة مثقال ، وقد أتيتك بنصفها وجعلت النصف لعيالي .
وبعد أربعة وعشرين يوما وصل ركب الحاج العراقي إلى الكوفة ، وهناك اجتمع بالامامين ، أبي
يوسف ، ومحمد ، وحصل بين الشافعي وبينهما محادثات ومناظرات علمية ، لا يتسع المقام لذكر
تفاصيلها .
وقد أكرم الإمام محمد مثوى الشافعي ، وعرف قدره ، وأكرم ضيافته .
أقام الشافعي مدة في الكوفة ضيفا على محمد بن الحسن نسخ في خلالها كثيرا من الكتب ، وتلقى
العلم عليه وكتب عنه حمل بعير من الكتب .
ثم بدا للشافعي أن يطوف في بلاد فارس وما حولها من بلاد الأعاجم وأن يطوف البلاد العراقية
فدخل بغداد وغيرها ، ثم سافر إلى ديار ربيعة ومضر ومنها رحل إلى شمال العراق حتى وصل إلى جنوب
بلاد الروم ( الأناضول ) وعرج على " حران " وأقام بها زمنا ، ثم سافر إلى فلسطين وأقام ب‍ ( الرملة )
واستغرقت هذه الرحلة سنتين بدأها سنة 172 ه‍ وانتهت سنة 174 ه‍ ازداد فيها علما ووقف على أمور


ينهج هذا السبيل وأول رحلاته كانت إلى المدينة لما سمع بالامام مالك ، فسمع الموطأ وحفظه ولقي من الامام مالك إكراما وإجلالا حتى إنه أجلسه في مجلسه وكلفه أن يقرأ الموطأ على الناس ويمليه عليهم ، فأقام هكذا ضيفا عند الامام مالك ثمانية أشهر .
رحلته الأولى إلى بغداد : كان من عادة المصريين ان يتوجهوا إلى المدينة بعد أداء فريضة الحج للصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولسماع الموطأ على الامام مالك . قال الشافعي :
فأحليت الموطأ عليهم حفظا ، منهم عبد الله بن عبد الحكم وأشهب بن القاسم ( قال الربيع : وأحسب أنه ذكر الليث بن سعد ) ثم قدم بعد ذلك أهل العراق المسجد للصلاة فيه وزائرين نبيهم .
قال الشافعي : فرأيت بين القبر والمنبر فتى جميل الوجه ، نظيف الثياب ، حسن الصلاة ، فتوسمت فيه خيرا ، فسألته عن اسمه ، فأخبرني ، وسألته عن بلده فقال لي : العراق .
قال الشافعي : فقلت ، أي العراق ؟ فقال : في الكوفة . فقلت : من العالم بها والمتكلم في نص كتاب الله عز وجل والمفتي بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال لي : محمد بن الحسن ، وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة .
قال الشافعي : فقلت : ومتى عزمتم تظعنون ؟ فقال لي : غداة غد عند انفجار الفجر .
فعدت إلى مالك فقلت له : قد خرجت من مكة في طلب العلم بغير استئذان العجوز ، فأعود إليها أو أرحل في طلب العلم . ؟ فقال لي : العلم فائدة يرجع منها إلى عائدة ، ألم تعلم بأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب ؟
قال الشافعي : فلما أزمعت على السفر زودني مالك بصاع من أقط وصاع من شعير وصاع من تمر وسقاء ماء . فلما كان السحر وانفجر الفجر حمل بعض الإداوة وسار معي مشيعا إلى البقيع فصاح بعلو صوته : من معه كرى راحلة إلى الكوفة ؟ فأقبلت عليه فقلت له : لم تكتري ولا شئ معك ولا شئ معي ؟ فقال لي : لما انصرفت البارحة عنك بعد صلاة العشاء الآخرة إذ قرع علي قارع الباب فخرجت إليه فأصبت عبد الرحمن بن القاسم المصري ، فسألني قبول هديته فقبلتها . فدفع إلي صرة فيها مائة مثقال ، وقد أتيتك بنصفها وجعلت النصف لعيالي .
وبعد أربعة وعشرين يوما وصل ركب الحاج العراقي إلى الكوفة ، وهناك اجتمع بالامامين ، أبي يوسف ، ومحمد ، وحصل بين الشافعي وبينهما محادثات ومناظرات علمية ، لا يتسع المقام لذكر تفاصيلها .
وقد أكرم الإمام محمد مثوى الشافعي ، وعرف قدره ، وأكرم ضيافته .
أقام الشافعي مدة في الكوفة ضيفا على محمد بن الحسن نسخ في خلالها كثيرا من الكتب ، وتلقى العلم عليه وكتب عنه حمل بعير من الكتب .
ثم بدا للشافعي أن يطوف في بلاد فارس وما حولها من بلاد الأعاجم وأن يطوف البلاد العراقية فدخل بغداد وغيرها ، ثم سافر إلى ديار ربيعة ومضر ومنها رحل إلى شمال العراق حتى وصل إلى جنوب بلاد الروم ( الأناضول ) وعرج على " حران " وأقام بها زمنا ، ثم سافر إلى فلسطين وأقام ب‍ ( الرملة ) واستغرقت هذه الرحلة سنتين بدأها سنة 172 ه‍ وانتهت سنة 174 ه‍ ازداد فيها علما ووقف على أمور

8


العباد وعرف طبائع سكان تلك البلاد التي زارها وأخلاقهم وعاداتهم ، ولغاتهم كما تعرف على كثير ممن
أملى عليهم الموطأ وهو في المدينة فكانوا خير معين له في هذه السياحة .
رحلته الثانية إلى المدينة : وبينما هو في " الرملة " ذات يوم إذ أقبل ركب المدينة من الحجاز فسألهم
الشافعي عن مالك فقالوا : إنه بخير وقد اتسعت أرزاقه فاشتاق الشافعي لرؤية الامام مالك في حال
غناه كما رآه في حال فقره من المال ، فركب راحلته ووصل المدينة بعد سبعة وعشرين يوما . فوافق
دخوله ساعة العصر 174 ه‍ وقصد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وصلى العصر فرأى كرسيا من
الحديد عليه مخدة وحول الكرسي نحو أربعمائة دفتر ، وبينما هو كذلك إذ رأى مالكا داخلا وقد فاح عطره
في المسجد وحوله جماعة يحملون ذيله حتى جلس على الكرسي ، ثم طرح مسألة إثر مسألة في جراح
العمد على الموجودين فلم يجب أحد . فضاق صدر الشافعي ونظر إلى رجل كان بجانبه وهمس إليه في
أذنه بالجواب ، فقال الرجل : الجواب كذا وكذا كما سمعه من الشافعي ، ولما تكررت إجابة هذا
الرجل بالصواب في كل مسألة قال له مالك : من أين لك هذا العلم ؟ فقال الرجل : إن بجانبي شابا
يقول لي : الجواب كذا وكذا ، فاستدعى الامام مالك الشاب فإذا هو الشافعي ، فضمنه مالك إلى
صدره ونزل عن كرسيه وقال له : أتمم أنت هذا الباب .
وبعد أن أتم الشافعي الدرس أخذه الامام مالك إلى بيته ، ولم يمض على عودة الشافعي إلى المدينة
زمن طويل حتى جاءت الاخبار من مصر بوفاة الامام الليث بن سعد في نصف شعبان سنة 175 ه‍
فحزن لوفاته مالك والشافعي .
أقام الشافعي بعد ذلك في المدينة المنورة أربع سنوات وأشهرا ملحوظا بعين الامام مالك إلى أن
توفي الامام مالك في شهر ربيع الأول سنة 197 ه‍ ودفن بالبقيع وبقي الشافعي في المدينة ولا معين له
إلا الله تعالى ، وكان عمره عامئذ 29 سنة تقريبا .
رحلته إلى اليمن : وصادف بعد وفاة الامام مالك أن جاء والي اليمن إلى المدينة فكلمه
جماعة من قريش ، فأخذه إلى صنعاء اليمن وقلده عملا مستقلا أحسن الشافعي إدارته ونال ثناء الناس
عليه وأحبه الوالي وتعلم علم الفراسة من أهل اليمن الذين كانوا يجيدون فقهها حتى تفوق فيه .
محنته وأسبابها : وهي الرحلة الثانية إلى العراق لما لمع نجمه في اليمن نظرا لعلو كعبه في مختلف
العلوم وما أحرزه من المكانة العالية عند الوالي حسده الحاسدون وحقد عليه الحاقدون ، فوشوا به عند
الخليفة هارون الرشيد في بغداد واتهموه بأنه رئيس حزب العلويين وأنه يدعو إلى عبد الله بن المحض
الحسن المثنى بن الحسين السبط .
فأرسل هارون الرشيد أحد قواده إلى اليمن ، فبعث له ذلك القائد بكتاب يخوفه ما العلويين
ويذكر له فيه الشافعي ويقول عنه : إنه يعمل بلسانه ما لا يقدر المقاتل عليه بحسامه وسناه ، وإن
أردت يا أمير المؤمنين ان تبقى الحجاز عليك فاحملهم إليك .
فبعث الرشيد إلى والي اليمن يأمره بأن يحمل العلويين إلى بغداد ومعهم الشافعي مكبلا بالحديد .
فاعتقلهم الوالي ومعهم الشافعي ، ووضع في رجليه الحديد تنفيذا لأمر الخليفة ، وأرسلهم إلى
بغداد ، فدخلوها في غسق الليل وأحضروهم بين يدي هارون الرشيد وكان جالسا وراء ستارة وكانوا


العباد وعرف طبائع سكان تلك البلاد التي زارها وأخلاقهم وعاداتهم ، ولغاتهم كما تعرف على كثير ممن أملى عليهم الموطأ وهو في المدينة فكانوا خير معين له في هذه السياحة .
رحلته الثانية إلى المدينة : وبينما هو في " الرملة " ذات يوم إذ أقبل ركب المدينة من الحجاز فسألهم الشافعي عن مالك فقالوا : إنه بخير وقد اتسعت أرزاقه فاشتاق الشافعي لرؤية الامام مالك في حال غناه كما رآه في حال فقره من المال ، فركب راحلته ووصل المدينة بعد سبعة وعشرين يوما . فوافق دخوله ساعة العصر 174 ه‍ وقصد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وصلى العصر فرأى كرسيا من الحديد عليه مخدة وحول الكرسي نحو أربعمائة دفتر ، وبينما هو كذلك إذ رأى مالكا داخلا وقد فاح عطره في المسجد وحوله جماعة يحملون ذيله حتى جلس على الكرسي ، ثم طرح مسألة إثر مسألة في جراح العمد على الموجودين فلم يجب أحد . فضاق صدر الشافعي ونظر إلى رجل كان بجانبه وهمس إليه في أذنه بالجواب ، فقال الرجل : الجواب كذا وكذا كما سمعه من الشافعي ، ولما تكررت إجابة هذا الرجل بالصواب في كل مسألة قال له مالك : من أين لك هذا العلم ؟ فقال الرجل : إن بجانبي شابا يقول لي : الجواب كذا وكذا ، فاستدعى الامام مالك الشاب فإذا هو الشافعي ، فضمنه مالك إلى صدره ونزل عن كرسيه وقال له : أتمم أنت هذا الباب .
وبعد أن أتم الشافعي الدرس أخذه الامام مالك إلى بيته ، ولم يمض على عودة الشافعي إلى المدينة زمن طويل حتى جاءت الاخبار من مصر بوفاة الامام الليث بن سعد في نصف شعبان سنة 175 ه‍ فحزن لوفاته مالك والشافعي .
أقام الشافعي بعد ذلك في المدينة المنورة أربع سنوات وأشهرا ملحوظا بعين الامام مالك إلى أن توفي الامام مالك في شهر ربيع الأول سنة 197 ه‍ ودفن بالبقيع وبقي الشافعي في المدينة ولا معين له إلا الله تعالى ، وكان عمره عامئذ 29 سنة تقريبا .
رحلته إلى اليمن : وصادف بعد وفاة الامام مالك أن جاء والي اليمن إلى المدينة فكلمه جماعة من قريش ، فأخذه إلى صنعاء اليمن وقلده عملا مستقلا أحسن الشافعي إدارته ونال ثناء الناس عليه وأحبه الوالي وتعلم علم الفراسة من أهل اليمن الذين كانوا يجيدون فقهها حتى تفوق فيه .
محنته وأسبابها : وهي الرحلة الثانية إلى العراق لما لمع نجمه في اليمن نظرا لعلو كعبه في مختلف العلوم وما أحرزه من المكانة العالية عند الوالي حسده الحاسدون وحقد عليه الحاقدون ، فوشوا به عند الخليفة هارون الرشيد في بغداد واتهموه بأنه رئيس حزب العلويين وأنه يدعو إلى عبد الله بن المحض الحسن المثنى بن الحسين السبط .
فأرسل هارون الرشيد أحد قواده إلى اليمن ، فبعث له ذلك القائد بكتاب يخوفه ما العلويين ويذكر له فيه الشافعي ويقول عنه : إنه يعمل بلسانه ما لا يقدر المقاتل عليه بحسامه وسناه ، وإن أردت يا أمير المؤمنين ان تبقى الحجاز عليك فاحملهم إليك .
فبعث الرشيد إلى والي اليمن يأمره بأن يحمل العلويين إلى بغداد ومعهم الشافعي مكبلا بالحديد .
فاعتقلهم الوالي ومعهم الشافعي ، ووضع في رجليه الحديد تنفيذا لأمر الخليفة ، وأرسلهم إلى بغداد ، فدخلوها في غسق الليل وأحضروهم بين يدي هارون الرشيد وكان جالسا وراء ستارة وكانوا

9


يقدمون إليه واحدا واحدا ، وكل من تقدم منهم قطع رأسه . كل ذلك والشافعي يدع ربه بدعائه
المشهور عنه " اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير " يكرره مرارا .
ولما جاء دوره حملوه إلى الخليفة وهو مثقل بالحديد ، فرمى من بحضرة الخليفة بأبصارهم إليه .
فقال الشافعي : السلام عليك يا أمير المؤمنين وبركاته ولم يقل " رحمة الله " .
فقال الرشيد : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، بدأت بسنة لم تؤمر بإقامتها ، ورددنا عليك
فريضة قامت بذاتها ، ومن العجب أن تتكلم في مجلسي بغير أمري .
فقال الشافعي : إن الله تعالى قال في كتابه العزيز ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من
بعد خوفهم أمنا ) وهو الذي إذا وعد وفى ، فقد مكنك في أرضه وأمنني بعد خوفي حيت رددت على
السلاة بقولك " وعليك رحمة الله " فقد شملتني رحمة الله بفضلك يا أمير المؤمنين .
فقال الرشيد : وما عذرك من بعد ما ظهر أن صاحبك ( يريد عبد الله بن الحسن ) طغى علينا وبغى
واتبعه الأرذلون وكنت أنت الرئيس عليهم .
فقال الشافعي : أما وقد استنطقتني يا أمير المؤمنين فسأتكلم بالعدل والانصاف ، لكن الكلام مع
ثقل الحديد صعب ، فإن جدت علي بفكه عن قدمي جثيت على ركبتي كسيرة آبائي عند آبائك
وأفصحت عن نفسي ، وإن كانت الأخرى فيدك العليا ويدي السفلى والله غني حميد
فالتفت الرشيد إلى غلامه " سراج " وقال له : حل عنه فأخذ سراج ما في قدميه من الحديد فجثى
الشافعي على ركبتيه وقال ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) حاشا لله أن أكون ذلك
الرجل ، لقد أفك المبلغ فيما بلغك به ، إن لي حرمة الاسلام وذمة النسب ، وكفى بهما وسيلة ، وأنت
أحق من أخذ بأدب كتاب الله ، أنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذاب عن دينه ، المحامي عن ملته .
فتهلل وجه الرشيد ثم قال : ليفرج روعك فإنا نراعي حق قرابتك وعلمك ثم أمره بالقعود فقعد .
وقال الرشيد : كيف علمك ؟ يا شافعي بكتاب الله عز وجل ؟ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به .
فقال الشافعي : عن أي كتاب من كتب الله تعالى تسألني يا أمير المؤمنين ؟ فإن الله قد أنزل كتبا كثيرة .
قال الرشيد : أحسنت . لكن إنما سألت عن كتاب الله تعالى المنزل على ابن عمي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال الشافعي : إن علوم القرآن كثيرة ، فهل تسألني عن محكمه أو متشابهه أو عن تقديمه أو تأخيره
أو عن ناسخه أو منسوخه ، وصار يعرض عليه علوم القرآن ما أعجب به هارون الرشيد والحاضرون
وأدهشهم .
فغير الرشيد سؤاله إلى العلوم المتنوعة من فلك وطب وفراسة وما إليها ، فكان الشافعي يجيب على
كل سؤال ما يسر الخليفة .
ثم قال الرشيد : عظني يا شافعي ، فأخذ الشافعي يعظ الرشيد وعظا تصعدت له القلوب حتى
اشتد بكاء الرشيد ، فهاج الحاضرون فنظر إليهم الشافعي غضبا واستمر في وعظه . وقد حصلت


يقدمون إليه واحدا واحدا ، وكل من تقدم منهم قطع رأسه . كل ذلك والشافعي يدع ربه بدعائه المشهور عنه " اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير " يكرره مرارا .
ولما جاء دوره حملوه إلى الخليفة وهو مثقل بالحديد ، فرمى من بحضرة الخليفة بأبصارهم إليه .
فقال الشافعي : السلام عليك يا أمير المؤمنين وبركاته ولم يقل " رحمة الله " .
فقال الرشيد : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، بدأت بسنة لم تؤمر بإقامتها ، ورددنا عليك فريضة قامت بذاتها ، ومن العجب أن تتكلم في مجلسي بغير أمري .
فقال الشافعي : إن الله تعالى قال في كتابه العزيز ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) وهو الذي إذا وعد وفى ، فقد مكنك في أرضه وأمنني بعد خوفي حيت رددت على السلاة بقولك " وعليك رحمة الله " فقد شملتني رحمة الله بفضلك يا أمير المؤمنين .
فقال الرشيد : وما عذرك من بعد ما ظهر أن صاحبك ( يريد عبد الله بن الحسن ) طغى علينا وبغى واتبعه الأرذلون وكنت أنت الرئيس عليهم .
فقال الشافعي : أما وقد استنطقتني يا أمير المؤمنين فسأتكلم بالعدل والانصاف ، لكن الكلام مع ثقل الحديد صعب ، فإن جدت علي بفكه عن قدمي جثيت على ركبتي كسيرة آبائي عند آبائك وأفصحت عن نفسي ، وإن كانت الأخرى فيدك العليا ويدي السفلى والله غني حميد فالتفت الرشيد إلى غلامه " سراج " وقال له : حل عنه فأخذ سراج ما في قدميه من الحديد فجثى الشافعي على ركبتيه وقال ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) حاشا لله أن أكون ذلك الرجل ، لقد أفك المبلغ فيما بلغك به ، إن لي حرمة الاسلام وذمة النسب ، وكفى بهما وسيلة ، وأنت أحق من أخذ بأدب كتاب الله ، أنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذاب عن دينه ، المحامي عن ملته .
فتهلل وجه الرشيد ثم قال : ليفرج روعك فإنا نراعي حق قرابتك وعلمك ثم أمره بالقعود فقعد .
وقال الرشيد : كيف علمك ؟ يا شافعي بكتاب الله عز وجل ؟ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به .
فقال الشافعي : عن أي كتاب من كتب الله تعالى تسألني يا أمير المؤمنين ؟ فإن الله قد أنزل كتبا كثيرة .
قال الرشيد : أحسنت . لكن إنما سألت عن كتاب الله تعالى المنزل على ابن عمي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال الشافعي : إن علوم القرآن كثيرة ، فهل تسألني عن محكمه أو متشابهه أو عن تقديمه أو تأخيره أو عن ناسخه أو منسوخه ، وصار يعرض عليه علوم القرآن ما أعجب به هارون الرشيد والحاضرون وأدهشهم .
فغير الرشيد سؤاله إلى العلوم المتنوعة من فلك وطب وفراسة وما إليها ، فكان الشافعي يجيب على كل سؤال ما يسر الخليفة .
ثم قال الرشيد : عظني يا شافعي ، فأخذ الشافعي يعظ الرشيد وعظا تصعدت له القلوب حتى اشتد بكاء الرشيد ، فهاج الحاضرون فنظر إليهم الشافعي غضبا واستمر في وعظه . وقد حصلت

10

لا يتم تسجيل الدخول!