إسم الكتاب : شرح فصوص الحكم ( عدد الصفحات : 347)


شرح
الأستاذ الفاضل والعالم الكامل
الشيخ عبد الرزاق القاشاني
على فصوص الحكم
للشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي
المتوفى سنة 938 هجرية


شرح الأستاذ الفاضل والعالم الكامل الشيخ عبد الرزاق القاشاني على فصوص الحكم للشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي المتوفى سنة 938 هجرية

1


الكتاب : شرح فصوص الحكم
المؤلف : عبد الرزاق القاشاني ( ره )
الطبعة : الرابعة
المطبعة : أمير - قم
عدد المطبوع : 1000 نسخة
التاريخ : 1370 - ه . ش
الناشر : انتشارات بيدار - قم - تلفن : 34305
الثمن : 2400 ريالا


الكتاب : شرح فصوص الحكم المؤلف : عبد الرزاق القاشاني ( ره ) الطبعة : الرابعة المطبعة : أمير - قم عدد المطبوع : 1000 نسخة التاريخ : 1370 - ه . ش الناشر : انتشارات بيدار - قم - تلفن : 34305 الثمن : 2400 ريالا

2



* ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه ) * قرآن كريم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الأحد بذاته وكبريائه ، الواحد بصفاته وأسمائه ، المتعالي عن أن يتكثر بكثرة النسب والتعينات ، المتجلى بأحديته في صورة الأكوان والكثرات ، فلا كثرة في المظاهر والأسماء تكثره ولا تكرر في تعاقب تارات التجلي تكرره ، تجلى بذاته لذاته وظهرت الحقائق والأعيان وجعلها براقع وجهه بوجوده ، وعلمنا بعلمه فأشهدنا ذاته بشهوده .
والصلاة والسلام على من جمع فيه مراتب الوجود بأسرها ، وجعل في يده مفاتح الغيوب فأوحى إليه بنشرها ، محمد الذي أوتى جوامع الكلم ليكمل بها طوائف الأمم ، ويعلم جميع الخلائق لطائف الحكم ، فختم به ما أودع من الكمال عالم التكوين والإبداع ، وضبط بوجوده نظام الكل من الأصناف والأنواع ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين كشفوا الحجب عن جمال وجهه الباقي ، فتلألأت سبحانه متساطعة إلى يوم التلاقي .
( وبعد ) فان الزمان لما تقاصرت أذياله ، وكادت يرتفع بانكشاف الحق أسباله ، ونطق الحق على لسان الخلق بأسراره ، وزهق الباطل بتشعشع أنواره ، واقتضت الحقيقة أن تهتك أستارها ، وطفقت في كل سمع يحدث أخبارها ، أقبل على جماعة من إخوان الصدق والصفا ، وأرباب الفتوة والوفاء ، من أهل العرفان والتحقيق ، ومن أيدته العناية بالتوفيق ، خصوصا كالصاحب المعظم العالم العارف الموحد المحقق شمس الملة والدين ، قدوة أرباب اليقين ، محمد بن مصلح المشتهر بالتبريزى متعه الله بما فيه وأطلعه على خوافيه ، أن أشرح لهم كتاب [ فصوص الحكم ] المنسوب إلى الشيخ الكامل المكمل البحر الخضم ، محيى الملة والدين أبى عبد الله محمد بن على المعروف بابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسى ، قدس الله روحه ، وكثر من عنده فتوحه ، شارطين على أن لا أكتم شيئا من جواهر كنوزه ، وأبرز ما أمكن من معضلات مخفياته ورموزه ، فأسعفتهم إلى ملتمسهم وصرفت عنان همتى إلى تسهيل مقتبسهم ، مجتهدا في حل ألفاظ الكتاب ، بقدر ما يسر الله لي من فهم ما هو الحق والصواب ، معتصما باللَّه فيما أتصدى من المرام ، فإنه أصعب ما يقصد من مطالب الأنام ،


* ( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه ) * قرآن كريم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الأحد بذاته وكبريائه ، الواحد بصفاته وأسمائه ، المتعالي عن أن يتكثر بكثرة النسب والتعينات ، المتجلى بأحديته في صورة الأكوان والكثرات ، فلا كثرة في المظاهر والأسماء تكثره ولا تكرر في تعاقب تارات التجلي تكرره ، تجلى بذاته لذاته وظهرت الحقائق والأعيان وجعلها براقع وجهه بوجوده ، وعلمنا بعلمه فأشهدنا ذاته بشهوده .
والصلاة والسلام على من جمع فيه مراتب الوجود بأسرها ، وجعل في يده مفاتح الغيوب فأوحى إليه بنشرها ، محمد الذي أوتى جوامع الكلم ليكمل بها طوائف الأمم ، ويعلم جميع الخلائق لطائف الحكم ، فختم به ما أودع من الكمال عالم التكوين والإبداع ، وضبط بوجوده نظام الكل من الأصناف والأنواع ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين كشفوا الحجب عن جمال وجهه الباقي ، فتلألأت سبحانه متساطعة إلى يوم التلاقي .
( وبعد ) فان الزمان لما تقاصرت أذياله ، وكادت يرتفع بانكشاف الحق أسباله ، ونطق الحق على لسان الخلق بأسراره ، وزهق الباطل بتشعشع أنواره ، واقتضت الحقيقة أن تهتك أستارها ، وطفقت في كل سمع يحدث أخبارها ، أقبل على جماعة من إخوان الصدق والصفا ، وأرباب الفتوة والوفاء ، من أهل العرفان والتحقيق ، ومن أيدته العناية بالتوفيق ، خصوصا كالصاحب المعظم العالم العارف الموحد المحقق شمس الملة والدين ، قدوة أرباب اليقين ، محمد بن مصلح المشتهر بالتبريزى متعه الله بما فيه وأطلعه على خوافيه ، أن أشرح لهم كتاب [ فصوص الحكم ] المنسوب إلى الشيخ الكامل المكمل البحر الخضم ، محيى الملة والدين أبى عبد الله محمد بن على المعروف بابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسى ، قدس الله روحه ، وكثر من عنده فتوحه ، شارطين على أن لا أكتم شيئا من جواهر كنوزه ، وأبرز ما أمكن من معضلات مخفياته ورموزه ، فأسعفتهم إلى ملتمسهم وصرفت عنان همتى إلى تسهيل مقتبسهم ، مجتهدا في حل ألفاظ الكتاب ، بقدر ما يسر الله لي من فهم ما هو الحق والصواب ، معتصما باللَّه فيما أتصدى من المرام ، فإنه أصعب ما يقصد من مطالب الأنام ،

3


سائلا إياه أن لا يكلني فيما أعانيه إلى نفسى ، وأن يكلأنى بإلهامه الحق عن تصرفات عقلى وحدسى ، وأن يلقى إلى قلبى ما ألقاه إلى من يلقاه ، ويحفظني عن الخطأ والزلل فيما أطلبه وألقاه .
وقد قدمت أمام الكلام ثلاث مقدمات تحتوى على أصول فصوص الحكم هذه الكلمات .
< فهرس الموضوعات >
الأولى : في تحقيق حقيقة الذات الأحدية
< / فهرس الموضوعات >
الأولى : في تحقيق حقيقة الذات الأحدية
، حقيقة الحق المسماة بالذات الأحدية ، ليست غير الوجود البحت من حيث هو وجود ، لا بشرط اللاتعين ولا بشرط التعين ، فهو من حيث هو مقدس عن النعوت والأسماء لا نعت له ولا رسم ولا اسم ، ولا اعتبار للكثرة فيه بوجه من الوجوه ، وليس هو بجوهر ولا عرض ، فإن الجوهر له ماهية غير الوجود وهو بها جوهر ممتاز عن غيره من الموجودات والعرض كذلك ، وهو مع ذلك محتاج إلى موضع موجود يحل فيه ، وما عدا الواجب فهو إما جوهر وإما عرض ، فالوجود من حيث هو وجود ليس مما عدا الواجب وكل ما هو وجود مقيد فهو به موجود ، بل هو هو باعتبار الحقيقة ، غيره باعتبار التعين فلا شيء غيره بحسب الحقيقة . وإذا كان كذلك فوجوده عين ذاته ، إذ ما عدا الوجود من حيث هو وجود عدم صرف ، والوجود لا يحتاج في امتيازه عن العدم إلى تعين نفى امتناع اشتراكهما في شيء إذ العدم لا شيء محض ولا يقبل العدم وإلا لكان بعد القبول وجودا معدوما ، كما لا يقبل العدم الصرف الوجود كذلك ، ولو قبل أحدهما نقيضه ، لكان من حيث هو بالفعل نقيضه وهو محال ، ولاقتضاء القابلية التعدد فيه ولا تعدد في حقيقة الوجود من حيث هو وجود ، بل القابلة لهما الأعيان وأحوالها الثابتة في العالم العقلي يظهر بالوجود ويخفى بالعدم ، وكل شيء موجود بالوجود فعينه غير وجوده فلم يكن وجودا ، وإلا فإذا وجد كان للوجود وجود قبل وجود وجوده ، والوجود بذاته موجود فوجوده عينه وإلا لكان ماهيته غير الوجود فلم يكن وجودا ، وإلا فإذا وجد كان للوجود وجود قبل الوجود وذلك محال ، فالوجود بذاته واجب أن يوجد بعينه لا بوجود غيره ، وهو المقوم لكل موجود سواه لأنه موجود بالوجود ، وإلا لكان لا شيئا محضا ، فهو الغنى بذاته عن كل شيء والكل مفتقر إليه وهو الأحد الصمد القيوم ، - * ( أَولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) * - .
< فهرس الموضوعات >
الثانية : في بيان حقائق الأسماء ولا تناهيها
< / فهرس الموضوعات >
الثانية : في بيان حقائق الأسماء ولا تناهيها
. اعلم أن ذات الحق تعالى من حيث هي هي يقتضي علمه بذاته بعين ذاته لا بصورة زائدة على ذاته وعلمه بذاته يقتضي علمه بجميع الأشياء على ما هي عليه في ذاته وذلك الاقتضاء هو المشيئة ، وقد تطلق عليها الإرادة لكن الإرادة أخص منها فإنها قد تتعلق بالزيادة والنقصان على سهيل الحدوث والظهور والكون في المظاهر الكونية في العالم الأعلى والأسفل بالإيجاد والإعدام ، والإرادة إنما تتعلق بالإيجاد


سائلا إياه أن لا يكلني فيما أعانيه إلى نفسى ، وأن يكلأنى بإلهامه الحق عن تصرفات عقلى وحدسى ، وأن يلقى إلى قلبى ما ألقاه إلى من يلقاه ، ويحفظني عن الخطأ والزلل فيما أطلبه وألقاه .
وقد قدمت أمام الكلام ثلاث مقدمات تحتوى على أصول فصوص الحكم هذه الكلمات .
< فهرس الموضوعات > الأولى : في تحقيق حقيقة الذات الأحدية < / فهرس الموضوعات > الأولى : في تحقيق حقيقة الذات الأحدية ، حقيقة الحق المسماة بالذات الأحدية ، ليست غير الوجود البحت من حيث هو وجود ، لا بشرط اللاتعين ولا بشرط التعين ، فهو من حيث هو مقدس عن النعوت والأسماء لا نعت له ولا رسم ولا اسم ، ولا اعتبار للكثرة فيه بوجه من الوجوه ، وليس هو بجوهر ولا عرض ، فإن الجوهر له ماهية غير الوجود وهو بها جوهر ممتاز عن غيره من الموجودات والعرض كذلك ، وهو مع ذلك محتاج إلى موضع موجود يحل فيه ، وما عدا الواجب فهو إما جوهر وإما عرض ، فالوجود من حيث هو وجود ليس مما عدا الواجب وكل ما هو وجود مقيد فهو به موجود ، بل هو هو باعتبار الحقيقة ، غيره باعتبار التعين فلا شيء غيره بحسب الحقيقة . وإذا كان كذلك فوجوده عين ذاته ، إذ ما عدا الوجود من حيث هو وجود عدم صرف ، والوجود لا يحتاج في امتيازه عن العدم إلى تعين نفى امتناع اشتراكهما في شيء إذ العدم لا شيء محض ولا يقبل العدم وإلا لكان بعد القبول وجودا معدوما ، كما لا يقبل العدم الصرف الوجود كذلك ، ولو قبل أحدهما نقيضه ، لكان من حيث هو بالفعل نقيضه وهو محال ، ولاقتضاء القابلية التعدد فيه ولا تعدد في حقيقة الوجود من حيث هو وجود ، بل القابلة لهما الأعيان وأحوالها الثابتة في العالم العقلي يظهر بالوجود ويخفى بالعدم ، وكل شيء موجود بالوجود فعينه غير وجوده فلم يكن وجودا ، وإلا فإذا وجد كان للوجود وجود قبل وجود وجوده ، والوجود بذاته موجود فوجوده عينه وإلا لكان ماهيته غير الوجود فلم يكن وجودا ، وإلا فإذا وجد كان للوجود وجود قبل الوجود وذلك محال ، فالوجود بذاته واجب أن يوجد بعينه لا بوجود غيره ، وهو المقوم لكل موجود سواه لأنه موجود بالوجود ، وإلا لكان لا شيئا محضا ، فهو الغنى بذاته عن كل شيء والكل مفتقر إليه وهو الأحد الصمد القيوم ، - * ( أَولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) * - .
< فهرس الموضوعات > الثانية : في بيان حقائق الأسماء ولا تناهيها < / فهرس الموضوعات > الثانية : في بيان حقائق الأسماء ولا تناهيها . اعلم أن ذات الحق تعالى من حيث هي هي يقتضي علمه بذاته بعين ذاته لا بصورة زائدة على ذاته وعلمه بذاته يقتضي علمه بجميع الأشياء على ما هي عليه في ذاته وذلك الاقتضاء هو المشيئة ، وقد تطلق عليها الإرادة لكن الإرادة أخص منها فإنها قد تتعلق بالزيادة والنقصان على سهيل الحدوث والظهور والكون في المظاهر الكونية في العالم الأعلى والأسفل بالإيجاد والإعدام ، والإرادة إنما تتعلق بالإيجاد

4


ولا يقع بالإرادة إلا مقتضى المشيئة الأولى كما أشار إليه في الفص اللقمانى في عموم المشيئة وخصوص الإرادة ، فنسبة الصفات الذات الأحدية إلى الصور العلمية المتعينة بعد التعين الأول الثابت للجوهر الأول وهي النسب الأسمائية ، لأن كل نسبة صفة والذات مع أية صفة كانت اسم وأولاها النسبة العلمية التي تعينت بها الأعيان ، لكن العلم لا يتصور إلا بالحياة فالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام أمهات الصفات ، وهي نسبة ذاتية إذا اعتبرت مع الذات حصلت الأسماء السبعة التي سماها الشيخ في الفتوحات الأئمة السبعة ، فالذات بحسب هذه النسب اقتضت الجوهر الأول ، وظهرت الموجدية والأولية والخلق والمبدئية والأمر وسائر الأسماء المنسوبة إلى الإبداء ، فالسبعة الأولى تسمى الأسماء الإلهية ، والثانية تسمى التالية لأنها توابع الأولى فظهرت بتعيين الجوهر الأول الذي ينفصل عنه حقائق الأعيان نسب الذات إلى كل متعين علمى ، وتعدد النسبة بتعدد الحقائق وأحوالها وأحكامها فتعددت الصفات والأسماء وهي أسماء الربوبية وحضرتها أي حضرة الأسماء الحضرة الواحدية ، ولكل اسم من السبعة نسبة إلى كل عين فللذات بحسب كل عين اسم وتلك الأعيان أيضا أسام لكونها عين الذات مع التعين ، ولكل عين إلى جزئياتها الحادثة في العالم نسبة والحوادث غير متناهية فأسماؤه تعالى غير متناهية ، ولهذا وصفها بأنها لا يبلغها الإحصاء ، وهي تقتضي وجود العالم بل هي ملكوتها التي يدبر الله الملك الحق بها ملك العالم وكل اسم رب الملكوت الذي هو مقتضاه لأن الله تعالى يرب الأكوان بها ، فاعلم بأن هذا الأصل نافع في حل أكثر فصوص الكتاب والله الهادي .

الثالثة : في بيان الشأن الإلهي
. اعلم أن الشأن الإلهي والأمر التدبيرى دورى ، فإن الحضرة الأحدية إذا اقتضت العين الأول والعين الواحدة المسماة بلسان أهل الذوق البرزخ بين أحكام الوجوب والإمكان المحيط بالطرفين كانت الذات الأحدية باعتبار الشئون الأسمائية الحضرة الإلهية والواحدية ، وتلك العين هي القلم الأعلى ، وتتشعب إلى عقول كثيرة لا يعلمها إلا الله ثم النفوس والأفلاك ، وتتفاوت مراتبها في الإحاطة بحسب تفاوت العقول التي تفيض منها وقلة الوسائط بينها وبين الذات وكثرتها ، وإذا سمى العقل الأول القلم الأعلى سميت النفس الكلية باللوح المحفوظ ، لانتقاشها بما يفيض من القلم عليها من العلوم والنقوش المنطبعة في الأفلاك ، المنتقشة بصور الحوادث الجزئية الزمانية بمجموعها اللوح القدري ، وينتهى إلى العناصر ثم يرجع إليه بالتركيب والتمزيج في صور المواليد الثلاثة ومراتبها ، حتى يصل إلى الإنسان منصبغا بصبغ جميع المراتب ، فإن ترقى بالعلم والعمل وسلك حتى انتهى إلى الأفق الأعلى ورجع إلى البرزخ الجامع كما نزل منه بلغ الحضرة الإلهية ، واتصف بصفات الله بحسب ما قدر له من الإمكان وسبق العلم به عند تعين عينه ،


ولا يقع بالإرادة إلا مقتضى المشيئة الأولى كما أشار إليه في الفص اللقمانى في عموم المشيئة وخصوص الإرادة ، فنسبة الصفات الذات الأحدية إلى الصور العلمية المتعينة بعد التعين الأول الثابت للجوهر الأول وهي النسب الأسمائية ، لأن كل نسبة صفة والذات مع أية صفة كانت اسم وأولاها النسبة العلمية التي تعينت بها الأعيان ، لكن العلم لا يتصور إلا بالحياة فالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام أمهات الصفات ، وهي نسبة ذاتية إذا اعتبرت مع الذات حصلت الأسماء السبعة التي سماها الشيخ في الفتوحات الأئمة السبعة ، فالذات بحسب هذه النسب اقتضت الجوهر الأول ، وظهرت الموجدية والأولية والخلق والمبدئية والأمر وسائر الأسماء المنسوبة إلى الإبداء ، فالسبعة الأولى تسمى الأسماء الإلهية ، والثانية تسمى التالية لأنها توابع الأولى فظهرت بتعيين الجوهر الأول الذي ينفصل عنه حقائق الأعيان نسب الذات إلى كل متعين علمى ، وتعدد النسبة بتعدد الحقائق وأحوالها وأحكامها فتعددت الصفات والأسماء وهي أسماء الربوبية وحضرتها أي حضرة الأسماء الحضرة الواحدية ، ولكل اسم من السبعة نسبة إلى كل عين فللذات بحسب كل عين اسم وتلك الأعيان أيضا أسام لكونها عين الذات مع التعين ، ولكل عين إلى جزئياتها الحادثة في العالم نسبة والحوادث غير متناهية فأسماؤه تعالى غير متناهية ، ولهذا وصفها بأنها لا يبلغها الإحصاء ، وهي تقتضي وجود العالم بل هي ملكوتها التي يدبر الله الملك الحق بها ملك العالم وكل اسم رب الملكوت الذي هو مقتضاه لأن الله تعالى يرب الأكوان بها ، فاعلم بأن هذا الأصل نافع في حل أكثر فصوص الكتاب والله الهادي .
الثالثة : في بيان الشأن الإلهي . اعلم أن الشأن الإلهي والأمر التدبيرى دورى ، فإن الحضرة الأحدية إذا اقتضت العين الأول والعين الواحدة المسماة بلسان أهل الذوق البرزخ بين أحكام الوجوب والإمكان المحيط بالطرفين كانت الذات الأحدية باعتبار الشئون الأسمائية الحضرة الإلهية والواحدية ، وتلك العين هي القلم الأعلى ، وتتشعب إلى عقول كثيرة لا يعلمها إلا الله ثم النفوس والأفلاك ، وتتفاوت مراتبها في الإحاطة بحسب تفاوت العقول التي تفيض منها وقلة الوسائط بينها وبين الذات وكثرتها ، وإذا سمى العقل الأول القلم الأعلى سميت النفس الكلية باللوح المحفوظ ، لانتقاشها بما يفيض من القلم عليها من العلوم والنقوش المنطبعة في الأفلاك ، المنتقشة بصور الحوادث الجزئية الزمانية بمجموعها اللوح القدري ، وينتهى إلى العناصر ثم يرجع إليه بالتركيب والتمزيج في صور المواليد الثلاثة ومراتبها ، حتى يصل إلى الإنسان منصبغا بصبغ جميع المراتب ، فإن ترقى بالعلم والعمل وسلك حتى انتهى إلى الأفق الأعلى ورجع إلى البرزخ الجامع كما نزل منه بلغ الحضرة الإلهية ، واتصف بصفات الله بحسب ما قدر له من الإمكان وسبق العلم به عند تعين عينه ،

5


واتسم بما أمكن به من الأسماء الإلهية التي هي مفاتيح عيبه ، واطلع على ما في تلك الخزائن من العلوم ولم يبق بينه وبين الحضرة الأحدية حجاب فناسب بأحدية جمعيته البرزخ الجامع ، واتصل بالنقطة الأحدية وتم به دائرة الوجود ، فكان أولا باعتبار حقيقته وآخرا بانتهاء أحكام الكل إليه ، إذ كان من الدائرة بمثابة النقطة التي انتهت الدائرة بها إلى أولها .
ولما كانت الموجودات بأسرها كدائرة هو نقطتها الأخيرة وهو جزء من العالم أشبه العالم بالخاتم فإنه حلقة ، ومن حيث أن الإنسان من جملة أجزاء العالم انتقش بنقش العلوم التي في الحضرة الإلهية ، وجعل سر أسمائه وصفاته وختم به العالم بأسره ، شبه بالفص من الخاتم فالحق تعالى بحسب أسمائه الحسنى يدبر أمر الوجود باقتضاء هذه الأسماء أكوان العالم ، ويرب بالأسماء التالية التي أسماء الربوبية كلها بما يحتاج إليها وتطلبها ويمدها ويبلغها إلى كمالاتها التي هي معانى الأسماء الإلهية في الإنسان الكامل البالغ إلى الحقيقة الإلهية فيربيه الأسماء الإلهية حتى تتصف بها ، وهذه الإضافات والإمدادات هي الشئون الإلهية ، ثم يتولى بذاته ربوبية هذا الإنسان ويؤيده جميع أسمائه ، فيعبده هذا الإنسان حق عبادته بالعبودية الذاتية وليس وراء عبادة الله قربة .


واتسم بما أمكن به من الأسماء الإلهية التي هي مفاتيح عيبه ، واطلع على ما في تلك الخزائن من العلوم ولم يبق بينه وبين الحضرة الأحدية حجاب فناسب بأحدية جمعيته البرزخ الجامع ، واتصل بالنقطة الأحدية وتم به دائرة الوجود ، فكان أولا باعتبار حقيقته وآخرا بانتهاء أحكام الكل إليه ، إذ كان من الدائرة بمثابة النقطة التي انتهت الدائرة بها إلى أولها .
ولما كانت الموجودات بأسرها كدائرة هو نقطتها الأخيرة وهو جزء من العالم أشبه العالم بالخاتم فإنه حلقة ، ومن حيث أن الإنسان من جملة أجزاء العالم انتقش بنقش العلوم التي في الحضرة الإلهية ، وجعل سر أسمائه وصفاته وختم به العالم بأسره ، شبه بالفص من الخاتم فالحق تعالى بحسب أسمائه الحسنى يدبر أمر الوجود باقتضاء هذه الأسماء أكوان العالم ، ويرب بالأسماء التالية التي أسماء الربوبية كلها بما يحتاج إليها وتطلبها ويمدها ويبلغها إلى كمالاتها التي هي معانى الأسماء الإلهية في الإنسان الكامل البالغ إلى الحقيقة الإلهية فيربيه الأسماء الإلهية حتى تتصف بها ، وهذه الإضافات والإمدادات هي الشئون الإلهية ، ثم يتولى بذاته ربوبية هذا الإنسان ويؤيده جميع أسمائه ، فيعبده هذا الإنسان حق عبادته بالعبودية الذاتية وليس وراء عبادة الله قربة .

6



بسم الله الرحمن الرحيم
( الحمد لله ) حمدا لله على ما أنعم به من معرفة الحكم المنزلة على قلوب أنبيائه ، التي بيتها وفصلها في فصوص كتابه ، فلذلك وصفه بما دل على مقصده ، مراعاة لبراعة الاستهلال وهو قوله ( منزل الحكم على قلوب الكلم ) ، والحكم جمع الحكمة وهي العلم بحقائق الأشياء وأوصافها وأحكامها على ما هي عليه بالأقوال والأفعال الإرادية المقتضى لسدادها وصوابها ، فإن من العلوم ما لا يتعلق بالأفعال كمعرفة الله تعالى والحقائق المجردة من الأسماء الإلهية ، وعلوم المشاهدات والمعارف الذوقية من المعاني الكلية ، وهي علوم الأرواح .
ومنها ما يتعلق بها ولا يقتضي إتقانها وسدادها كعلوم النفوس الجزئية المذكرة بقواها . ومنها الجامعة للكليات والجزئيات الفائضة أصولها من الأرواح المضبوطة جزئياتها وفروعاتها ، المحكمة بانطباق كلياتها على جزئياتها ، المبقية جزئياتها بكلياتها وهي حكم القلوب المتوسطة بين الأرواح والنفوس والكلم مستعارة لذوات الأنبياء والأرواح المجردة عن عالم الجبروت المسمى باصطلاح الإشراقيين الأنوار القاهرة إما لأنهم وسائط بين الحق والخلق تصل بتوسطهم المعاني التي في ذاته تعالى إليهم كالكلمات المتوسطة بين المتكلم والسامع لإفادة المعنى الذي في نفس المتكلم للسامع أو لتجردها عن المواد وتعينها بالإبداع وتقدسها عن الزمان والمكان الموجودة بكلمة كن في عالم الأمر إطلاقا لاسم السبب على المسبب ، والدليل على الاستعمال بالمعنى المذكور قوله تعالى - * ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وكَلِمَتُه ) * - وقوله عن الملائكة - * ( إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْه ) * - وقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعواته « أعوذ بكلمات الله التامات ، وأعوذ باسمك الأعظم وبكلمتك التامة » وهنا مخصوصة بذوات الأنبياء بقرينة إضافة القلوب إليها . وقد تطلق الكلمة على كل موجود يصدر من الله تعالى لدلالتها على معان في ذاته ولهذا قيد المجردات بالتامات ( بأحدية الطريق الأمم ) الطريق الأمم :
الصراط المستقيم لأن الأمم القرب وأقرب الطرق المستقيم ولا يكون إلا واحدا أي الطريق التوحيد الذاتي المشار إليه في سورة هود بقوله تعالى - * ( ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * - يعنى بالقائها ( من المقام الأقدم ) الذي هو أحدية الذات المنزهة عن تكثر الأسماء والصفات إلى قلوبهم بلا واسطة ، فإن الأحدية سارية في الكل وسريانه بذاته صراطه المستقيم ، ولا أقدم من الذات فوصف الطريق بالأمم وصف بالمصدر ، كما


بسم الله الرحمن الرحيم ( الحمد لله ) حمدا لله على ما أنعم به من معرفة الحكم المنزلة على قلوب أنبيائه ، التي بيتها وفصلها في فصوص كتابه ، فلذلك وصفه بما دل على مقصده ، مراعاة لبراعة الاستهلال وهو قوله ( منزل الحكم على قلوب الكلم ) ، والحكم جمع الحكمة وهي العلم بحقائق الأشياء وأوصافها وأحكامها على ما هي عليه بالأقوال والأفعال الإرادية المقتضى لسدادها وصوابها ، فإن من العلوم ما لا يتعلق بالأفعال كمعرفة الله تعالى والحقائق المجردة من الأسماء الإلهية ، وعلوم المشاهدات والمعارف الذوقية من المعاني الكلية ، وهي علوم الأرواح .
ومنها ما يتعلق بها ولا يقتضي إتقانها وسدادها كعلوم النفوس الجزئية المذكرة بقواها . ومنها الجامعة للكليات والجزئيات الفائضة أصولها من الأرواح المضبوطة جزئياتها وفروعاتها ، المحكمة بانطباق كلياتها على جزئياتها ، المبقية جزئياتها بكلياتها وهي حكم القلوب المتوسطة بين الأرواح والنفوس والكلم مستعارة لذوات الأنبياء والأرواح المجردة عن عالم الجبروت المسمى باصطلاح الإشراقيين الأنوار القاهرة إما لأنهم وسائط بين الحق والخلق تصل بتوسطهم المعاني التي في ذاته تعالى إليهم كالكلمات المتوسطة بين المتكلم والسامع لإفادة المعنى الذي في نفس المتكلم للسامع أو لتجردها عن المواد وتعينها بالإبداع وتقدسها عن الزمان والمكان الموجودة بكلمة كن في عالم الأمر إطلاقا لاسم السبب على المسبب ، والدليل على الاستعمال بالمعنى المذكور قوله تعالى - * ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وكَلِمَتُه ) * - وقوله عن الملائكة - * ( إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْه ) * - وقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعواته « أعوذ بكلمات الله التامات ، وأعوذ باسمك الأعظم وبكلمتك التامة » وهنا مخصوصة بذوات الأنبياء بقرينة إضافة القلوب إليها . وقد تطلق الكلمة على كل موجود يصدر من الله تعالى لدلالتها على معان في ذاته ولهذا قيد المجردات بالتامات ( بأحدية الطريق الأمم ) الطريق الأمم :
الصراط المستقيم لأن الأمم القرب وأقرب الطرق المستقيم ولا يكون إلا واحدا أي الطريق التوحيد الذاتي المشار إليه في سورة هود بقوله تعالى - * ( ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * - يعنى بالقائها ( من المقام الأقدم ) الذي هو أحدية الذات المنزهة عن تكثر الأسماء والصفات إلى قلوبهم بلا واسطة ، فإن الأحدية سارية في الكل وسريانه بذاته صراطه المستقيم ، ولا أقدم من الذات فوصف الطريق بالأمم وصف بالمصدر ، كما

7


يقال طريق قصد ، قال تعالى - * ( وعَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ ) * - وقوله بأحدية متعلق بمنزل إما بمعنى الظرفية كقولك حجبت بطريق الكوفة ، وإما بمعنى اللام وتضمين الإنزال معنى الإخبار ، والأمر كقولك أنزل القرآن بتحليل البيع وتحريم الربا ، أي آمرا ومخبرا بأن الطريق الأقرب واحد ليس إلا التوحيد الذاتي ، كقوله تعالى - * ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ) * - الآية .
قوله ( وإن اختلف الملل والنحل ) إشارة إلى اعتراض جوابه ( لاختلاف الأمم ) كأنه قيل إن كان طريق نزول الحكم إلى قلوب الأنبياء هو المراد من إنزال الحكم طريقا واحدا فلم اختلفت أديانهم ؟ فأجيب بأنه لاختلاف استعدادات الأمم اختلفت صور سلوك طريق التوحيد وكيفية سلوكها ، مع أن المقصد والمراد وحقيقة الطريق واحد كالخطوط الواصلة بين المركز ونقط المحيط ، فإنها طرق شتى باعتبار اختلافات محاذيات المركز لكل واحدة من النقط المفروضة في المحيط ، مع أن الكل طريق من المحيط إلى المركز ، وكالمعالجات المختلفة التي يعالج بها طبيب واحد لأمراض مختلفة ، فإن المراد واحد وهو الصحة وكلها في كونها طريقا في رد المرض إلى الصحة واحد ، فطريق نزول الحكم إلى الأنبياء واحد والمراد منه هو الهداية إلى الحق ، فطريق التوحيد واحد لكن اختلاف استعداداتهم اقتضى اختلاف الملل والنحل ، فإن إصلاح كل أمة يكون بإزالة فساد يختص بها ، وهدايتهم إنما تكون من مراكزهم ومراتبهم المختلفة بحسب طباعهم ونفوسهم ( وصلى الله على ممد الهمم من خزائن الجود والكرم ) الهمة قوة القصد في طلب كمال يليق بحال العبد ، فعلة من الهم بمعنى القصد ، أي نوع منه كالجلسة من الجلوس ولكل طالب استعداد خاص يطلب بهويته لما يليق به وتلك الاستعدادات من مقتضيات أسماء الله تعالى وكل اسم يقتضي استعدادا خاصا فهو خزانة كمال يقتضيه ذلك الاستعداد في الحضرة الواحدية التي ظهرت فيها الأعيان وفصلت فتلك الأسماء خزائن الجود والكرم . ولما كان محمد الخاتم صلى الله عليه وسلم ، صاحب الاسم الأعظم الشامل لحقائق جميع الأسماء ، كان ممد الكل همة بما في خزانة الاسم الذي يرب الحق تعالى صاحب تلك الهمة به .
قوله ( بالقيل الأقوم ) متعلق بالممد فهو القول الحق الذي هو أعدل الأقوال ، من قام إذا اعدل واستوى ، يقال أقام العود إذا قومه وعدله ويسمى القيام من الركوع الاعتدال ( محمد وعلى آله وسلم ) وإنما كان قوله أقوم الأقوال ، وإن كان قول كل نبى حقا لأنه


يقال طريق قصد ، قال تعالى - * ( وعَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ ) * - وقوله بأحدية متعلق بمنزل إما بمعنى الظرفية كقولك حجبت بطريق الكوفة ، وإما بمعنى اللام وتضمين الإنزال معنى الإخبار ، والأمر كقولك أنزل القرآن بتحليل البيع وتحريم الربا ، أي آمرا ومخبرا بأن الطريق الأقرب واحد ليس إلا التوحيد الذاتي ، كقوله تعالى - * ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ ) * - الآية .
قوله ( وإن اختلف الملل والنحل ) إشارة إلى اعتراض جوابه ( لاختلاف الأمم ) كأنه قيل إن كان طريق نزول الحكم إلى قلوب الأنبياء هو المراد من إنزال الحكم طريقا واحدا فلم اختلفت أديانهم ؟ فأجيب بأنه لاختلاف استعدادات الأمم اختلفت صور سلوك طريق التوحيد وكيفية سلوكها ، مع أن المقصد والمراد وحقيقة الطريق واحد كالخطوط الواصلة بين المركز ونقط المحيط ، فإنها طرق شتى باعتبار اختلافات محاذيات المركز لكل واحدة من النقط المفروضة في المحيط ، مع أن الكل طريق من المحيط إلى المركز ، وكالمعالجات المختلفة التي يعالج بها طبيب واحد لأمراض مختلفة ، فإن المراد واحد وهو الصحة وكلها في كونها طريقا في رد المرض إلى الصحة واحد ، فطريق نزول الحكم إلى الأنبياء واحد والمراد منه هو الهداية إلى الحق ، فطريق التوحيد واحد لكن اختلاف استعداداتهم اقتضى اختلاف الملل والنحل ، فإن إصلاح كل أمة يكون بإزالة فساد يختص بها ، وهدايتهم إنما تكون من مراكزهم ومراتبهم المختلفة بحسب طباعهم ونفوسهم ( وصلى الله على ممد الهمم من خزائن الجود والكرم ) الهمة قوة القصد في طلب كمال يليق بحال العبد ، فعلة من الهم بمعنى القصد ، أي نوع منه كالجلسة من الجلوس ولكل طالب استعداد خاص يطلب بهويته لما يليق به وتلك الاستعدادات من مقتضيات أسماء الله تعالى وكل اسم يقتضي استعدادا خاصا فهو خزانة كمال يقتضيه ذلك الاستعداد في الحضرة الواحدية التي ظهرت فيها الأعيان وفصلت فتلك الأسماء خزائن الجود والكرم . ولما كان محمد الخاتم صلى الله عليه وسلم ، صاحب الاسم الأعظم الشامل لحقائق جميع الأسماء ، كان ممد الكل همة بما في خزانة الاسم الذي يرب الحق تعالى صاحب تلك الهمة به .
قوله ( بالقيل الأقوم ) متعلق بالممد فهو القول الحق الذي هو أعدل الأقوال ، من قام إذا اعدل واستوى ، يقال أقام العود إذا قومه وعدله ويسمى القيام من الركوع الاعتدال ( محمد وعلى آله وسلم ) وإنما كان قوله أقوم الأقوال ، وإن كان قول كل نبى حقا لأنه

8


أكملهم وأمته خير الأمم ومصدر قوله التوحيد الذاتي من مقام - * ( قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِه ما أَوْحى ) * - وهو المقام الأقدم المقوم لكل اسم ، فيفيض بقوله منه ما في كل اسم من المعاني والحقائق على كل استعداد ما يطلب بهمته ، وأما سائر الأنبياء فيفيض كل منهم بقوله ما في بعض الأسماء ، فعسى أن يكون في أمته من يطلب بهمته معنى لم يكن عند سائرهم فيقوم قوله بحاجة البعض دون البعض ، وأما نبينا صلى الله عليه وسلَّم فيقوم بمطلوب الكل فيكون قوله أقوم .
( أما بعد : فإنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في مبشرة أديتها في العشر الأخر من المحرم ، سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق وبيده صلى الله عليه وسلَّم كتاب ، فقال لي : هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به ، فقلت : السمع والطاعة لله ولرسوله وأولى الامر منا ) المبشرة في الأصل صفة الرؤيا ، وهي من الصفات الغالبة التي تقوم مقام الموصوف فلا يذكر معه الموصوف كالبطحاء فلا يقال رؤيا مبشرة كما لا يقال أرض بطحاء .
قوله ( كما أمرنا ) أشار إلى قوله تعالى - * ( أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) * - قوله ( فحققت الأمنية ) أي جعلت أمنيتى حقا كأنه كان يتمنى أن يأخذ من الرسول هذا العلم والإذن بإفشائه ، فإذا رأى هذه الرؤيا تحققت أمنيته ، إذ كان الكتاب الذي أعطاه في المنام صورة هذا العلم الذي فاض من روحه عليه الصلاة والسلام عليه ( وأخلصت النية وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي رسول الله من غير زيادة ولا نقصان وسألت الله أن يجعلني فيه ) أي في هذا الكتاب ( وفي جميع أحوالى من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ، وأن يخصني في جميع ما يرقمه بنانى وينطق به لسانى وينطوى جنانى بالإلقاء السبوحى والنفث الروحي ) أي يخصني فيما أكتب وأقول ، ويقع في قلبى بالخاطر الحقانى السبوحى من الحضرة الأحدية بلا واسطة وبواسطة الروح وهو الملك كما قال صلى الله عليه وسلم « نفث روح القدس في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها » والخواطر أربعة : الحقانى والملكي وهما اللذان سألهما في دعائه ، والشيطاني وهو الذي اعتصم باللَّه منه في قوله وأن يجعلني فيه وفي جميع أحوالى من عباده الذين ليس للشيطان عليه سلطان ، أي


أكملهم وأمته خير الأمم ومصدر قوله التوحيد الذاتي من مقام - * ( قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِه ما أَوْحى ) * - وهو المقام الأقدم المقوم لكل اسم ، فيفيض بقوله منه ما في كل اسم من المعاني والحقائق على كل استعداد ما يطلب بهمته ، وأما سائر الأنبياء فيفيض كل منهم بقوله ما في بعض الأسماء ، فعسى أن يكون في أمته من يطلب بهمته معنى لم يكن عند سائرهم فيقوم قوله بحاجة البعض دون البعض ، وأما نبينا صلى الله عليه وسلَّم فيقوم بمطلوب الكل فيكون قوله أقوم .
( أما بعد : فإنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في مبشرة أديتها في العشر الأخر من المحرم ، سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق وبيده صلى الله عليه وسلَّم كتاب ، فقال لي : هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به ، فقلت : السمع والطاعة لله ولرسوله وأولى الامر منا ) المبشرة في الأصل صفة الرؤيا ، وهي من الصفات الغالبة التي تقوم مقام الموصوف فلا يذكر معه الموصوف كالبطحاء فلا يقال رؤيا مبشرة كما لا يقال أرض بطحاء .
قوله ( كما أمرنا ) أشار إلى قوله تعالى - * ( أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) * - قوله ( فحققت الأمنية ) أي جعلت أمنيتى حقا كأنه كان يتمنى أن يأخذ من الرسول هذا العلم والإذن بإفشائه ، فإذا رأى هذه الرؤيا تحققت أمنيته ، إذ كان الكتاب الذي أعطاه في المنام صورة هذا العلم الذي فاض من روحه عليه الصلاة والسلام عليه ( وأخلصت النية وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي رسول الله من غير زيادة ولا نقصان وسألت الله أن يجعلني فيه ) أي في هذا الكتاب ( وفي جميع أحوالى من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ، وأن يخصني في جميع ما يرقمه بنانى وينطق به لسانى وينطوى جنانى بالإلقاء السبوحى والنفث الروحي ) أي يخصني فيما أكتب وأقول ، ويقع في قلبى بالخاطر الحقانى السبوحى من الحضرة الأحدية بلا واسطة وبواسطة الروح وهو الملك كما قال صلى الله عليه وسلم « نفث روح القدس في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها » والخواطر أربعة : الحقانى والملكي وهما اللذان سألهما في دعائه ، والشيطاني وهو الذي اعتصم باللَّه منه في قوله وأن يجعلني فيه وفي جميع أحوالى من عباده الذين ليس للشيطان عليه سلطان ، أي

9


تسلط بوسوسة ، والنفساني هو الذي احترز منه بقوله ( في الروع النفسي ) إذ الروع هو القلب الخائف ولا يكون الخوف إلا في الجهة التي تلى النفس منه وهو المسماة بالصدر ، فنسبه إلى النفس طلبا لأن يبلغ الإلقاء أو النفث ذلك الوجه الذي يليها فينور ويشغله بالمعنى الغيبى ويتأثر منه النفس فلا تؤثر فيه بالوسوسة إذ لا تكون في حالة التأثر مؤثرة ولذلك قيد التخصيص بالإلقاء ( بالتأييد الاعتصامى ) فإنه لو لا تأييده تعالى وتوفيقه للاعتصام لاستولت النفس عليه فصارت مؤثرة فيه لا متأثرة ( حتى أكون مترجما لا متحكما ليتحقق من يقف عليه من أهل الله أصحاب القلوب أنه من مقام التقديس ) أي الحضرة الأحدية والروحية المقدسة ( المنزه عن الأغراض النفسية التي يدخلها التلبيس ) أي الأغراض الدنيوية التي يمكن أن تلبس بإظهار أنه لوجه الله ويلحقها الرياء والنفاق ( وأرجو أن يكون الحق لما سمع دعائى قد أجاب ندائى ، فما ألقى إلا ما يلقى إلى ) ثم لما كان قوله أن يخصني بالإلقاء السبوحى والنفث الروحي ، وقوله ( لا أنزل في هذا المسطور إلا ما ينزل به على ) توهم أنه كان يدعى النبوة احترز عنه بقوله ( ولست بنبي ولا رسول ولكني وارث ) للعلم من النبي ببركة صحة المتابعة لقوله عليه الصلاة والسلام « العلماء ورثة الأنبياء » ( ولآخرتي حارث ) أي لا أريد بإظهار هذا العلم الحظ الدنيوي بل الأخروى :
< شعر >
فمن الله فاسمعوا
وإلى الله فارجعوا
فإذا ما سمعتم
ما أتيت به فعوا
ثم بالفهم فصلوا
مجمل القول واجمعوا
ثم منوا به على
طالبيه لا تمنعوا
هذه الرحمة التي
وسعتكم فوسعوا
< / شعر >
والفاء في البيت الأول للسببية وتقديم الصلة للتخصيص ، أي إذا كان ما أقوله إنما يكون بالإلقاء السبوحى فلا تسمعوه إلا من الله لا منى وإليه فارجعوا لا إلى قوله ( ومن الله أرجو أن أكون ممن أيد فتأيد وأيد وقيد بالشرع المحمدي المطهر فتقيد وقيد ، وأن يحشرنا في زمرته كما جعلنا من أمته ) ظاهر ( فأول ما ألقاه المالك على العبد من ذلك ) .


تسلط بوسوسة ، والنفساني هو الذي احترز منه بقوله ( في الروع النفسي ) إذ الروع هو القلب الخائف ولا يكون الخوف إلا في الجهة التي تلى النفس منه وهو المسماة بالصدر ، فنسبه إلى النفس طلبا لأن يبلغ الإلقاء أو النفث ذلك الوجه الذي يليها فينور ويشغله بالمعنى الغيبى ويتأثر منه النفس فلا تؤثر فيه بالوسوسة إذ لا تكون في حالة التأثر مؤثرة ولذلك قيد التخصيص بالإلقاء ( بالتأييد الاعتصامى ) فإنه لو لا تأييده تعالى وتوفيقه للاعتصام لاستولت النفس عليه فصارت مؤثرة فيه لا متأثرة ( حتى أكون مترجما لا متحكما ليتحقق من يقف عليه من أهل الله أصحاب القلوب أنه من مقام التقديس ) أي الحضرة الأحدية والروحية المقدسة ( المنزه عن الأغراض النفسية التي يدخلها التلبيس ) أي الأغراض الدنيوية التي يمكن أن تلبس بإظهار أنه لوجه الله ويلحقها الرياء والنفاق ( وأرجو أن يكون الحق لما سمع دعائى قد أجاب ندائى ، فما ألقى إلا ما يلقى إلى ) ثم لما كان قوله أن يخصني بالإلقاء السبوحى والنفث الروحي ، وقوله ( لا أنزل في هذا المسطور إلا ما ينزل به على ) توهم أنه كان يدعى النبوة احترز عنه بقوله ( ولست بنبي ولا رسول ولكني وارث ) للعلم من النبي ببركة صحة المتابعة لقوله عليه الصلاة والسلام « العلماء ورثة الأنبياء » ( ولآخرتي حارث ) أي لا أريد بإظهار هذا العلم الحظ الدنيوي بل الأخروى :
< شعر > فمن الله فاسمعوا وإلى الله فارجعوا فإذا ما سمعتم ما أتيت به فعوا ثم بالفهم فصلوا مجمل القول واجمعوا ثم منوا به على طالبيه لا تمنعوا هذه الرحمة التي وسعتكم فوسعوا < / شعر > والفاء في البيت الأول للسببية وتقديم الصلة للتخصيص ، أي إذا كان ما أقوله إنما يكون بالإلقاء السبوحى فلا تسمعوه إلا من الله لا منى وإليه فارجعوا لا إلى قوله ( ومن الله أرجو أن أكون ممن أيد فتأيد وأيد وقيد بالشرع المحمدي المطهر فتقيد وقيد ، وأن يحشرنا في زمرته كما جعلنا من أمته ) ظاهر ( فأول ما ألقاه المالك على العبد من ذلك ) .

10

لا يتم تسجيل الدخول!