إسم الكتاب : نهاية المرام في علم الكلام ( عدد الصفحات : 717)


الجميع ، فبعث أبو جعفر ولده مكانه ، فقدم الشام وتسامع الناس بقدومه لمخاصمة القدرية ، فقال عبد
الملك لأبي عبد اللّه : إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري ، فقال الإمام : « إنّ اللّه يكفيناه » فلما اجتمعوا ، قال
القدري لأبي عبد اللّه - عليه السَّلام - : سل عمّا شئت ؟ فقال له : « اقرأ سورة الحمد » . قال : فقرأها ، فلمّا بلغ
قول اللّه تبارك وتعالى : ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) فقال جعفر : « قف ! من تستعين ؟ وما حاجتك إلى
المؤونة أنّ الأمر إليك » ، فبهت الرجل ( 1 ) .
إنّ القدرية هم أسلاف المعتزلة ، وقد تبنّت فكرة استغناء الممكن في فعله ( لا في ذاته ) في عصر خلافة
عبد الملك ( 65 - 86 ه‍ ) وكان لها دويّ في عصره ، وقد أخذتها المعتزلة عنهم وصقلتها وجعلتها من
توابع القول بالعدل وغفلت عن أنّ القول بالحرية إلى حدّ الاستغناء عن الواجب ينسجم مع التنزيه
لكنه يهدم التوحيد الذاتي ، فيكون الممكن مثل الواجب في الاستغناء عن غيره في مقام الإيجاد ،
ولأجل ذلك تضافرت عن أئمّة أهل البيت - عليهم السَّلام - :
« لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين » ( 2 ) .
احتجاج الإمام الرضا - عليه السَّلام - مع أبي قرّة :
قال أبو قرّة للإمام الرضا - عليه السَّلام - : إنّا روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسّم الرؤية والكلام بين اثنين ، فقسّم
لموسى - عليه السَّلام - الكلام ، ولمحمّد - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - الرؤية . فقال أبو الحسن - عليه السَّلام - : « فمن
المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين : الجن والإنس ( لا تُدْرِكُهُ الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصار ) ( 3 ) و ( ولا
يُحيطونَ بهِ علماً ) ( 4 ) و ( ليسَ كمثلهِ شيء ) ( 5 )


الجميع ، فبعث أبو جعفر ولده مكانه ، فقدم الشام وتسامع الناس بقدومه لمخاصمة القدرية ، فقال عبد الملك لأبي عبد اللّه : إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري ، فقال الإمام : « إنّ اللّه يكفيناه » فلما اجتمعوا ، قال القدري لأبي عبد اللّه - عليه السَّلام - : سل عمّا شئت ؟ فقال له : « اقرأ سورة الحمد » . قال : فقرأها ، فلمّا بلغ قول اللّه تبارك وتعالى : ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) فقال جعفر : « قف ! من تستعين ؟ وما حاجتك إلى المؤونة أنّ الأمر إليك » ، فبهت الرجل ( 1 ) .
إنّ القدرية هم أسلاف المعتزلة ، وقد تبنّت فكرة استغناء الممكن في فعله ( لا في ذاته ) في عصر خلافة عبد الملك ( 65 - 86 ه‍ ) وكان لها دويّ في عصره ، وقد أخذتها المعتزلة عنهم وصقلتها وجعلتها من توابع القول بالعدل وغفلت عن أنّ القول بالحرية إلى حدّ الاستغناء عن الواجب ينسجم مع التنزيه لكنه يهدم التوحيد الذاتي ، فيكون الممكن مثل الواجب في الاستغناء عن غيره في مقام الإيجاد ، ولأجل ذلك تضافرت عن أئمّة أهل البيت - عليهم السَّلام - :
« لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين » ( 2 ) .
احتجاج الإمام الرضا - عليه السَّلام - مع أبي قرّة :
قال أبو قرّة للإمام الرضا - عليه السَّلام - : إنّا روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسّم الرؤية والكلام بين اثنين ، فقسّم لموسى - عليه السَّلام - الكلام ، ولمحمّد - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - الرؤية . فقال أبو الحسن - عليه السَّلام - : « فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين : الجن والإنس ( لا تُدْرِكُهُ الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصار ) ( 3 ) و ( ولا يُحيطونَ بهِ علماً ) ( 4 ) و ( ليسَ كمثلهِ شيء ) ( 5 )

--------------------------------------------------------------------------

1 . المجلسي : البحار : 5 / 55 - 56 .
2 . الصدوق : التوحيد : 362 .
3 . الأنعام : 103 .
4 . طه : 110 .
5 . الشورى : 11 .

1 . المجلسي : البحار : 5 / 55 - 56 . 2 . الصدوق : التوحيد : 362 . 3 . الأنعام : 103 . 4 . طه : 110 . 5 . الشورى : 11 .

مقدمة المشرف 9


أليس محمّداً - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ؟ ! » قال : بلى . قال : « فكيف يجي رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه
جاء من عند اللّه ، وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول : ( لا تدركهُ الأبصارُ وهو يدركُ الأبصار ) و
( ولا يحيطونَ بهِ علماً ) و ( ليسَ كمثلهِ شيء ) ثم يقول : أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً ، وهو على
صورة البشر ! أمّا تستحيون ، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا : أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ، ثم يأتي
بخلافه من وجه ( 1 ) آخر » .
ومن وقف على كتب أهل الحديث والأشاعرة ، يقف على أنّ لهم في إثبات الرؤية ، صخباً وهياجاً
وإصراراً منقطع النظير ، وترى أنّ الإمام كيف قطع الطريق على أبي قرّة الذي اغترّ بأحاديث مدسوسة
اختلقتها اليهود وأنصارهم وبثّوها بين المسلمين ، ولولا ضيق المجال لنقلت قسماً وافراً من خطبهم
ومناظراتهم - عليهم السَّلام - في مجال العقائد حتى تقف على أنّ حديثهم هو المنطلق الرابع لنشوء علم
الكلام ونضوجه وتكامله .
فمن المؤسف جداً أن يتّهم شيعة العترة الطاهرة بما في كلام المستشرق ( آدم متز ) فقد وصفهم بأنّه لم
يكن للشيعة مذهب كلامي إلى القرن الرابع ، مع أنّ فيهم أئمّة المسلمين وقادة الأُمّة الذين يصدق فيهم
قول الشاعر :
من تلق منهم ، تلق كهلاً أو فتىً * * علم الهدى بحر الندى المورودا
إلى هنا ، تبيّن أنّ أحد الأسباب لنشوء علم الكلام هو العامل الداخلي الذي لا يتجاوز عن إطار القرآن
والسنّة النبوية وكلمات العترة الطاهرة ، وهناك عامل خارجي صار سبباً لنموّ الأفكار الكلامية
المأخوذة عن الأُصول الموجودة في الكتاب والسنّة وهو وجود الصراع الفكري بين المسلمين
وغيرهم ، وإليك بيانه :


أليس محمّداً - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ؟ ! » قال : بلى . قال : « فكيف يجي رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه ، وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول : ( لا تدركهُ الأبصارُ وهو يدركُ الأبصار ) و ( ولا يحيطونَ بهِ علماً ) و ( ليسَ كمثلهِ شيء ) ثم يقول : أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً ، وهو على صورة البشر ! أمّا تستحيون ، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا : أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ، ثم يأتي بخلافه من وجه ( 1 ) آخر » .
ومن وقف على كتب أهل الحديث والأشاعرة ، يقف على أنّ لهم في إثبات الرؤية ، صخباً وهياجاً وإصراراً منقطع النظير ، وترى أنّ الإمام كيف قطع الطريق على أبي قرّة الذي اغترّ بأحاديث مدسوسة اختلقتها اليهود وأنصارهم وبثّوها بين المسلمين ، ولولا ضيق المجال لنقلت قسماً وافراً من خطبهم ومناظراتهم - عليهم السَّلام - في مجال العقائد حتى تقف على أنّ حديثهم هو المنطلق الرابع لنشوء علم الكلام ونضوجه وتكامله .
فمن المؤسف جداً أن يتّهم شيعة العترة الطاهرة بما في كلام المستشرق ( آدم متز ) فقد وصفهم بأنّه لم يكن للشيعة مذهب كلامي إلى القرن الرابع ، مع أنّ فيهم أئمّة المسلمين وقادة الأُمّة الذين يصدق فيهم قول الشاعر :
من تلق منهم ، تلق كهلاً أو فتىً * * علم الهدى بحر الندى المورودا إلى هنا ، تبيّن أنّ أحد الأسباب لنشوء علم الكلام هو العامل الداخلي الذي لا يتجاوز عن إطار القرآن والسنّة النبوية وكلمات العترة الطاهرة ، وهناك عامل خارجي صار سبباً لنموّ الأفكار الكلامية المأخوذة عن الأُصول الموجودة في الكتاب والسنّة وهو وجود الصراع الفكري بين المسلمين وغيرهم ، وإليك بيانه :

--------------------------------------------------------------------------

1 . الصدوق : التوحيد : 110 - 111 ح 9 .

1 . الصدوق : التوحيد : 110 - 111 ح 9 .

مقدمة المشرف 10


الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري :
إذا كان الكتاب والسنّة وحديث العترة الطاهرة هو المنطلق لنشوء علم الكلام وظهوره بين المسلمين ،
فقد كان للاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري دور خاص في ذلك المجال ، وهو أنّه دفع عجلة علم
الكلام إلى الأمام ، وصار سبباً لنموه ونضوجه بين المسلمين بأقصر مدة ، ولولا هذا الصراع الفكري لما
نمت تلك البذور الطيبة الكامنة في الكتاب والسنّة ، وما استوت على سوقه ، وهذان العاملان ( الداخلي
والخارجي ) وإن صارا سبباً لنشوء هذا العلم وتكامله إلاّ أنّ دور الأوّل ، يخالف دور الثاني ، فالأوّل يعد
مصادر علم الكلام ومنابعه ومناشئه ، وأمّا الثاني ، فهو الذي أيقظ المفكرين من المسلمين حتّى ينمّوا
ما تعلموه في مدرسة الدين من الأُصول والعقائد ، وإليك بيان ذلك العامل الخارجي .
بُعِثَ النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بدين عالمي ، ونبوة خاتمة ، وكتاب خاتم للكتب ، والمهيمن عليها ،
وبثّ شريعته الغراء في ربوع الجزيرة العربية في بضع سنين ، إلى أن مضى إلى جوار ربّه ، وراية
الإسلام خفّاقة عالية ، تدين أهلها بالتوحيد ، وتكافح الثنوية ، وتُؤمن بالحياة الأُخروية وتعمل بسنن
الإسلام وطقوسه .
وقد أحسّ المسلمون بواجبهم بعد رحلته ، وهو نشر الإسلام وبسطه في العالم كلِّهِ ودعوة جميع
البشر على مختلف قومياتهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، ثم كسر
الأصنام والأوثان بالجهاد المتواصل ، وبذل النفس والنفيس في سبيله ، حتى تُصْبِح الأجواء صافية ،
والظروف حرّة ، وترتفع العوائق والموانع بغية دخول الناس في دين اللّه زرافات ووحداناً عن طوع
ورغبة ، بلا خوف ولا رهبة من طواغيت العصر .
قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد ، ونشروا الثقافة الإسلامية بين الأُمم


الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري :
إذا كان الكتاب والسنّة وحديث العترة الطاهرة هو المنطلق لنشوء علم الكلام وظهوره بين المسلمين ، فقد كان للاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري دور خاص في ذلك المجال ، وهو أنّه دفع عجلة علم الكلام إلى الأمام ، وصار سبباً لنموه ونضوجه بين المسلمين بأقصر مدة ، ولولا هذا الصراع الفكري لما نمت تلك البذور الطيبة الكامنة في الكتاب والسنّة ، وما استوت على سوقه ، وهذان العاملان ( الداخلي والخارجي ) وإن صارا سبباً لنشوء هذا العلم وتكامله إلاّ أنّ دور الأوّل ، يخالف دور الثاني ، فالأوّل يعد مصادر علم الكلام ومنابعه ومناشئه ، وأمّا الثاني ، فهو الذي أيقظ المفكرين من المسلمين حتّى ينمّوا ما تعلموه في مدرسة الدين من الأُصول والعقائد ، وإليك بيان ذلك العامل الخارجي .
بُعِثَ النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بدين عالمي ، ونبوة خاتمة ، وكتاب خاتم للكتب ، والمهيمن عليها ، وبثّ شريعته الغراء في ربوع الجزيرة العربية في بضع سنين ، إلى أن مضى إلى جوار ربّه ، وراية الإسلام خفّاقة عالية ، تدين أهلها بالتوحيد ، وتكافح الثنوية ، وتُؤمن بالحياة الأُخروية وتعمل بسنن الإسلام وطقوسه .
وقد أحسّ المسلمون بواجبهم بعد رحلته ، وهو نشر الإسلام وبسطه في العالم كلِّهِ ودعوة جميع البشر على مختلف قومياتهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، ثم كسر الأصنام والأوثان بالجهاد المتواصل ، وبذل النفس والنفيس في سبيله ، حتى تُصْبِح الأجواء صافية ، والظروف حرّة ، وترتفع العوائق والموانع بغية دخول الناس في دين اللّه زرافات ووحداناً عن طوع ورغبة ، بلا خوف ولا رهبة من طواغيت العصر .
قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد ، ونشروا الثقافة الإسلامية بين الأُمم

مقدمة المشرف 11


المتحضرة والتي كانت تتمتّع - وراء الآداب والفنون والعلوم والصناعات - بمناهج فلسفية ، وآراء
كلامية لا يذعن بها الإسلام .
وقد كان في ذلك الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري تأثير بالغ عاد على الإسلام والمسلمين بالخير
الكثير إلاّ أنّ هذا الاحتكاك لا يخلو عن مضاعفات ، وهي انتقال تلك الآراء والأفكار إلى الأوساط
الإسلامية وهم غير متدرّعين تجاه تلك الشبهات والمشاكل .
وأعان على ذلك أمر ثان وهو انتقال عدة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية فانتقلوا إليها بآرائهم
وأفكارهم وعقائدهم المضادّة للإسلام وأُسِسِه ، وكان بين المسلمين من لم يتورّع في أخذ هاتيك
العقائد الفاسدة ، نظراء : عبد الكريم ابن أبي العوجاء ، وحماد بن عجرد ، ويحيى بن زياد ، ومطيع بن
اياس ، وعبد اللّه بن المقفّع إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع ، فأوجد ذلك قلقاً ووحشة بين
المسلمين .
أضف إلى ذلك أمراً ثالثاً كان له التأثير الحاسم في بسط الإلحاد والزندقة وهو نقل الكتب الرومانية
واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة ورقابة وجعلها في متناول أيدي الناس ، وقد ذكر
ابن النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال :
« كان خالد بن يزيد بن معاوية محِبّاً للعلوم ، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل
مدينة مصر ، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي ، وهذا أوّل نقل
كان في الإسلام من لغة إلى لغة ، ثم نقل الديوان وكان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج ، وكان
أمر الترجمة يتقدم ببطء ، إلى أن ظهر المأمون في ساحة الخلافة ، فراسل ملك الروم يسأله الاذن في
انفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة ، المدّخرة في بلد الروم ،


المتحضرة والتي كانت تتمتّع - وراء الآداب والفنون والعلوم والصناعات - بمناهج فلسفية ، وآراء كلامية لا يذعن بها الإسلام .
وقد كان في ذلك الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري تأثير بالغ عاد على الإسلام والمسلمين بالخير الكثير إلاّ أنّ هذا الاحتكاك لا يخلو عن مضاعفات ، وهي انتقال تلك الآراء والأفكار إلى الأوساط الإسلامية وهم غير متدرّعين تجاه تلك الشبهات والمشاكل .
وأعان على ذلك أمر ثان وهو انتقال عدة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية فانتقلوا إليها بآرائهم وأفكارهم وعقائدهم المضادّة للإسلام وأُسِسِه ، وكان بين المسلمين من لم يتورّع في أخذ هاتيك العقائد الفاسدة ، نظراء : عبد الكريم ابن أبي العوجاء ، وحماد بن عجرد ، ويحيى بن زياد ، ومطيع بن اياس ، وعبد اللّه بن المقفّع إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع ، فأوجد ذلك قلقاً ووحشة بين المسلمين .
أضف إلى ذلك أمراً ثالثاً كان له التأثير الحاسم في بسط الإلحاد والزندقة وهو نقل الكتب الرومانية واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة ورقابة وجعلها في متناول أيدي الناس ، وقد ذكر ابن النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال :
« كان خالد بن يزيد بن معاوية محِبّاً للعلوم ، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل مدينة مصر ، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي ، وهذا أوّل نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة ، ثم نقل الديوان وكان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج ، وكان أمر الترجمة يتقدم ببطء ، إلى أن ظهر المأمون في ساحة الخلافة ، فراسل ملك الروم يسأله الاذن في انفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة ، المدّخرة في بلد الروم ،

مقدمة المشرف 12


فأجاب إلى ذلك بعد امتناع ، فبعث المأمون جماعة ، منهم : الحجاج بن مطر ، وابن بطريق ، ومحمد بن
أحمد والحسين بنو شاكر المنجّم ، فجاءوا بطرائف الكتب ، وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة
وغيرهما » ، ثم ذكر ابن النديم أسماء النقلة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية ، وجاء بأسماء كميّة
هائلة ( 1 ) فأخذوا يصبون ما وجدوه من غث وسمين في كتب الوثنيين والمسيحيين على رؤوس
المسلمين ، وهم غير متدرّعين وغير واقفين على جذور هذه الشبه ، مع أنّها كانت تزعزع أركان
الإسلام .
فقد أثار انتقال هذه الشبه والعقائد والآراء إلى أوساط المسلمين ضجّة كبرى بينهم ، فافترقوا إلى
فرقتين :
فرقة اقتصرت في الذب عن حياض الإسلام بتضليلهم وتكفيرهم وتوصيفهم بالزندقة وتحذير
المسلمين من الالتقاء بهم وقراءة كتبهم والاستماع إلى كلامهم ، إلى غير ذلك مما كان يعدّ مكافحة
سلبية التي لها الأثر القليل في مقابل ذلك السيل الجارف .
وفرقة قد أحسّوا بخطورة الموقف وأنّ المكافحة السلبية لها أثرها المؤقت ، وإنّ ذلك الداء لو لم يعالج
بالدواء الناجع سوف يعمّ المجتمع كلّه أو أكثره ، فقاموا بمكافحة إيجابية أي الدعوة بالحكمة
والموعظة الحسنة والجدال الذي يستحسنه الإسلام ، فأزالوا شبهاتهم ، ونقدوا أفكارهم في ضوء
العقل والبرهان ، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً ، وهؤلاء المناضلون هم الشيعة خرّيجو مدرسة
أهل البيت أوّلاً ، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء ثانياً الذين أخذوا أُصول مذهبهم عن علي - عليه السَّلام -
بواسطتين :


فأجاب إلى ذلك بعد امتناع ، فبعث المأمون جماعة ، منهم : الحجاج بن مطر ، وابن بطريق ، ومحمد بن أحمد والحسين بنو شاكر المنجّم ، فجاءوا بطرائف الكتب ، وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة وغيرهما » ، ثم ذكر ابن النديم أسماء النقلة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية ، وجاء بأسماء كميّة هائلة ( 1 ) فأخذوا يصبون ما وجدوه من غث وسمين في كتب الوثنيين والمسيحيين على رؤوس المسلمين ، وهم غير متدرّعين وغير واقفين على جذور هذه الشبه ، مع أنّها كانت تزعزع أركان الإسلام .
فقد أثار انتقال هذه الشبه والعقائد والآراء إلى أوساط المسلمين ضجّة كبرى بينهم ، فافترقوا إلى فرقتين :
فرقة اقتصرت في الذب عن حياض الإسلام بتضليلهم وتكفيرهم وتوصيفهم بالزندقة وتحذير المسلمين من الالتقاء بهم وقراءة كتبهم والاستماع إلى كلامهم ، إلى غير ذلك مما كان يعدّ مكافحة سلبية التي لها الأثر القليل في مقابل ذلك السيل الجارف .
وفرقة قد أحسّوا بخطورة الموقف وأنّ المكافحة السلبية لها أثرها المؤقت ، وإنّ ذلك الداء لو لم يعالج بالدواء الناجع سوف يعمّ المجتمع كلّه أو أكثره ، فقاموا بمكافحة إيجابية أي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الذي يستحسنه الإسلام ، فأزالوا شبهاتهم ، ونقدوا أفكارهم في ضوء العقل والبرهان ، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً ، وهؤلاء المناضلون هم الشيعة خرّيجو مدرسة أهل البيت أوّلاً ، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء ثانياً الذين أخذوا أُصول مذهبهم عن علي - عليه السَّلام - بواسطتين :

--------------------------------------------------------------------------

1 . ابن النديم : الفهرست : 352 ، 356 .

1 . ابن النديم : الفهرست : 352 ، 356 .

مقدمة المشرف 13


1 . أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية .
2 . محمّد بن الحنفية ابن علي بن أبي طالب .
ففي تلك الأجواء المشحونة بالبحث والجدل استفحل أمر الكلام ، أي العلم الباحث عن المبدأ
وأسمائه وصفاته وأفعاله لغاية الذب عن الإسلام ، فكان علم الكلام وليد الحاجة ، ورهن الصراع
الفكري مع التيارات الإلحادية المتحديّة للإسلام والمسلمين ، ففي هذه الظروف العصيبة قام أهل
البيت - عليهم السَّلام - بتربية جموع غفيرة من أصحاب المواهب للذب عن الإسلام وأُصوله أوّلاً ، وحريم
الولاية ثانياً ، في ضوء العقل والبرهان ، فصاروا يناظرون كل فرقة ونحلة بأمتن البراهين وأسلمها ،
وكانت أئمّة أهل البيت كافلين بتدريبهم وتعليمهم كيفيّة مناظرتهم ، وقد حفظ التاريخ أسماء لفيف من
الرافلين في حلل الفضائل والمعارف ، وسوف يوافيك أسماؤهم لاحقاً .


1 . أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية .
2 . محمّد بن الحنفية ابن علي بن أبي طالب .
ففي تلك الأجواء المشحونة بالبحث والجدل استفحل أمر الكلام ، أي العلم الباحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله لغاية الذب عن الإسلام ، فكان علم الكلام وليد الحاجة ، ورهن الصراع الفكري مع التيارات الإلحادية المتحديّة للإسلام والمسلمين ، ففي هذه الظروف العصيبة قام أهل البيت - عليهم السَّلام - بتربية جموع غفيرة من أصحاب المواهب للذب عن الإسلام وأُصوله أوّلاً ، وحريم الولاية ثانياً ، في ضوء العقل والبرهان ، فصاروا يناظرون كل فرقة ونحلة بأمتن البراهين وأسلمها ، وكانت أئمّة أهل البيت كافلين بتدريبهم وتعليمهم كيفيّة مناظرتهم ، وقد حفظ التاريخ أسماء لفيف من الرافلين في حلل الفضائل والمعارف ، وسوف يوافيك أسماؤهم لاحقاً .

مقدمة المشرف 14


بدايات المسائل الكلامية في القرنين الأوّلين
قد عرفت أنّ القرآن والسنّة ، وأحاديث العترة الطاهرة هي المنطلق الحقيقي لنشوء علم الكلام وأنّ
المسلمين بطوائفهم المختلفة كانوا يصدرون عنها ، نعم كان للّقاء الحضاري والاحتكاك الثقافي دور
في تكامل علم الكلام وكثرة مسائله ، فالكتاب والسنّة كانا مرجعين للاهتداء إلى موقف الإسلام فيها ،
واللّقاء الحضاري كان سبباً لطرح المسائل في الأوساط ، وانتقال الأذهان إليها ، وعلى كل حال أصبح
الأمران سبباً لنشوء علم الكلام ونضوجه بين المسلمين على نزعاتهم المختلفة .
إنّ كتّاب الملل والنحل يصرّون على أنّ الاختلاف في الإمامة كان أوّل اختلاف ديني وأعظم خلاف بين
الأُمّة .
يقول الإمام أبو الحسن الأشعري : أوّل ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد وفاة نبيّهم اختلافهم
في الإمامة ( 1 ) .
ويقول الشهرستاني : إنّ الاختلاف في الإمامة أعظم خلاف بين الأُمّة ، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على
قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان ( 2 ) .
يلاحظ عليه : أنّ الاختلاف في الإمامة بعد أيام الخلفاء وإن أصبح اختلافاً كلامياً ، فذهبت الشيعة إلى
أنّها تنصيصية والسنّة إلى غيرها ، لكن الاختلاف يوم ارتحل الرسول لم يكن اختلافاً في قاعدة دينية ،
وجدالاً في مسألة كلامية بل كان جدالاً سياسياً محضاً ، لم يكن مبنياً على قاعدة دينية ، إذ كان علي - عليه
السَّلام - وأهل بيت النبي ولفيف من شيعة الإمام بعيدين عن السقيفة وما جرى فيها ، مشغولين


بدايات المسائل الكلامية في القرنين الأوّلين قد عرفت أنّ القرآن والسنّة ، وأحاديث العترة الطاهرة هي المنطلق الحقيقي لنشوء علم الكلام وأنّ المسلمين بطوائفهم المختلفة كانوا يصدرون عنها ، نعم كان للّقاء الحضاري والاحتكاك الثقافي دور في تكامل علم الكلام وكثرة مسائله ، فالكتاب والسنّة كانا مرجعين للاهتداء إلى موقف الإسلام فيها ، واللّقاء الحضاري كان سبباً لطرح المسائل في الأوساط ، وانتقال الأذهان إليها ، وعلى كل حال أصبح الأمران سبباً لنشوء علم الكلام ونضوجه بين المسلمين على نزعاتهم المختلفة .
إنّ كتّاب الملل والنحل يصرّون على أنّ الاختلاف في الإمامة كان أوّل اختلاف ديني وأعظم خلاف بين الأُمّة .
يقول الإمام أبو الحسن الأشعري : أوّل ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد وفاة نبيّهم اختلافهم في الإمامة ( 1 ) .
ويقول الشهرستاني : إنّ الاختلاف في الإمامة أعظم خلاف بين الأُمّة ، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان ( 2 ) .
يلاحظ عليه : أنّ الاختلاف في الإمامة بعد أيام الخلفاء وإن أصبح اختلافاً كلامياً ، فذهبت الشيعة إلى أنّها تنصيصية والسنّة إلى غيرها ، لكن الاختلاف يوم ارتحل الرسول لم يكن اختلافاً في قاعدة دينية ، وجدالاً في مسألة كلامية بل كان جدالاً سياسياً محضاً ، لم يكن مبنياً على قاعدة دينية ، إذ كان علي - عليه السَّلام - وأهل بيت النبي ولفيف من شيعة الإمام بعيدين عن السقيفة وما جرى فيها ، مشغولين

--------------------------------------------------------------------------

1 . مقالات الاسلاميين واختلاف المصلّين : 1 / 34 ، نشرة محيي الدين عبد الحميد .
2 . الملل والنحل : 1 / 24 .

1 . مقالات الاسلاميين واختلاف المصلّين : 1 / 34 ، نشرة محيي الدين عبد الحميد . 2 . الملل والنحل : 1 / 24 .

مقدمة المشرف 15


بتجهيز النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ، وأمّا الأنصار فكانوا يرون أنفسهم أولى بإدارة الأُمور لأنّهم آووا
النبي ونصروه ، وكان المهاجرون يرون أنفسهم أولى بها لأنّهم أصل النبي وعشيرته ، من دون أن يبحث
أحد من الفئتين عن القاعدة الدينية في مجال الإمامة ، وأنّها هل هي التنصيص ، أو الشورى أو غيرهما ،
وما هو الملاك فيها ؟ بل كانت هذه الأُمور مغفولاً عنها يوم ذاك ، وكان الهدف هو تسنّم منصّة الخلافة
وتداول كرتها بين أبنائهم وعشيرتهم ، حتى لو لم تكن حكومة الرسول حكومة دينية وكان الرسول
قائداً بشرياً مات عنها ، لقام المهاجرون والأنصار بنفس ذلك الجدال ، وكلٌّ سعى إلى جرّ النار إلى
قرصه .
فما في أكثر الكتب الكلامية من تصوير الاختلاف في مسألة الإمامة ، اختلافاً كلامياً ناشئ عن النظر
إليها فيما بعد السقيفة ، وأمّا إذا نظرنا إليها من منظار المهاجرين والأنصار ، فالاختلاف بينهم لم يكن
نزاعاً كلامياً ودينياً بل سياسياً بحتاً ، مبنياً على تناسي النص ، وتصوير الخلافة الإسلامية كخلافة
موروثة من القائد لأُمّته ، وإلاّ فلو كان النزاع على أساس دينيّ ، لما كان للاختلاف مجال ، وكفتهم
هتافات الرسول في بدء الدعوة ، ويوم ترك المدينة لغزوة تبوك ، ويوم الغدير وغيرها ، هذا وللبحث
صلة تطلب من محلّه .
وإليك نماذج من بدايات المسائل الكلامية في القرنين الأوّلين :
1 . مسألة التحكيم :
إنّ أوّل خلاف ظهر بين المسلمين ، وصيّرهم فرقتين ، هو مسألة التحكيم في وقعة صفين ، والمسألة
يوم ذاك وإن اصطبغت بصبغة سياسية لكن كان لها أساس دينيّ ، وهو أنّ الخوارج خالفوا علياً وانعزلوا
عن جنده بحجّة أنّ حكم اللّه في الباغي ، هو مواصلة الحرب والجهاد حتى يفي إلى حكم اللّه لا
التصالح وإيقاف الحرب ، وحجّتهم وإن كانت مردودة لأجل أنّ التحكيم إنّما فُرِض على


بتجهيز النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ، وأمّا الأنصار فكانوا يرون أنفسهم أولى بإدارة الأُمور لأنّهم آووا النبي ونصروه ، وكان المهاجرون يرون أنفسهم أولى بها لأنّهم أصل النبي وعشيرته ، من دون أن يبحث أحد من الفئتين عن القاعدة الدينية في مجال الإمامة ، وأنّها هل هي التنصيص ، أو الشورى أو غيرهما ، وما هو الملاك فيها ؟ بل كانت هذه الأُمور مغفولاً عنها يوم ذاك ، وكان الهدف هو تسنّم منصّة الخلافة وتداول كرتها بين أبنائهم وعشيرتهم ، حتى لو لم تكن حكومة الرسول حكومة دينية وكان الرسول قائداً بشرياً مات عنها ، لقام المهاجرون والأنصار بنفس ذلك الجدال ، وكلٌّ سعى إلى جرّ النار إلى قرصه .
فما في أكثر الكتب الكلامية من تصوير الاختلاف في مسألة الإمامة ، اختلافاً كلامياً ناشئ عن النظر إليها فيما بعد السقيفة ، وأمّا إذا نظرنا إليها من منظار المهاجرين والأنصار ، فالاختلاف بينهم لم يكن نزاعاً كلامياً ودينياً بل سياسياً بحتاً ، مبنياً على تناسي النص ، وتصوير الخلافة الإسلامية كخلافة موروثة من القائد لأُمّته ، وإلاّ فلو كان النزاع على أساس دينيّ ، لما كان للاختلاف مجال ، وكفتهم هتافات الرسول في بدء الدعوة ، ويوم ترك المدينة لغزوة تبوك ، ويوم الغدير وغيرها ، هذا وللبحث صلة تطلب من محلّه .
وإليك نماذج من بدايات المسائل الكلامية في القرنين الأوّلين :
1 . مسألة التحكيم :
إنّ أوّل خلاف ظهر بين المسلمين ، وصيّرهم فرقتين ، هو مسألة التحكيم في وقعة صفين ، والمسألة يوم ذاك وإن اصطبغت بصبغة سياسية لكن كان لها أساس دينيّ ، وهو أنّ الخوارج خالفوا علياً وانعزلوا عن جنده بحجّة أنّ حكم اللّه في الباغي ، هو مواصلة الحرب والجهاد حتى يفي إلى حكم اللّه لا التصالح وإيقاف الحرب ، وحجّتهم وإن كانت مردودة لأجل أنّ التحكيم إنّما فُرِض على

مقدمة المشرف 16


الإمام ، لا أنّه قبله عن اختيار وحرية ، والخوارج هم الذين فرضوه عليه ، ولم يكتفوا بذلك حتى فرضوا
عليه صيغة التحكيم ووثيقته ، وحتى المُحكِّم الذي يشارك فيه مع مندوب معاوية ، إلاّ أنّ هذا
الاعوجاج الفكري صار سبباً لتشكّل فرقتين متخاصمتين إلى عهود وقرون .
وبذلك يفترق اختلافهم مع اختلاف أمثال طلحة والزبير ومعاوية إذ لم يكن اختلافهم حول المبادئ
وإنّما طمعوا أن يكونوا خلفاء و . . . ولذلك لم يثيروا إلاّ مشاكل سياسية دموية ، بخلاف اختلاف
الخوارج فإنّ اختلافهم كان حول المبادئ وكانوا يردّدون كلمة « لا حكم إلاّ للّه » وكان علي وحواريّه
الجليل ابن عباس يحتجّان عليهم بالقرآن والسنّة .
وبظهور الخوارج على الصعيد الإسلامي ، ورفضهم التحكيم ، طرحت مسائل أُخرى بين المسلمين
شكّلت مسائل كلامية عبر القرون ، وهي :
2 . حكم مرتكب الكبيرة :
إنّ الخوارج كانوا يحبّون الشيخين ويبغضون الصهرين ، بمعنى أنّهم كانوا يوافقون عثمان في سني
خلافته إلى ستّ سنين ، ولمّا ظهر منه التطرّف والجنوح إلى النزعة الأموية ، واستئثار الأموال أبغضوه ،
وأمّا علي - عليه السَّلام - فقد كانوا مصدّقيه إلى قضية التحكيم ، فلما فُرض عليه التحكيم وقبل هو ذلك
المخطّط عن ضرورة واضطرار ، خالفوه ووصفوه باقتراف الكبيرة ، - فعند ذاك - نجمت مسألة كلامية
وهي ما هو حكم مرتكب الكبيرة ؟ وقد استفحل أمرها أيام محاربة الخوارج مع الأمويين الذين كانوا
معروفين بالفسق والفجور ، وسفك الدماء وغصب الأموال ، فكان الخوارج يحاربونهم بحجّة أنّهم
كفرة لا حرمة لدمائهم ولا أعراضهم ولا نفوسهم لاقترافهم الكبائر .


الإمام ، لا أنّه قبله عن اختيار وحرية ، والخوارج هم الذين فرضوه عليه ، ولم يكتفوا بذلك حتى فرضوا عليه صيغة التحكيم ووثيقته ، وحتى المُحكِّم الذي يشارك فيه مع مندوب معاوية ، إلاّ أنّ هذا الاعوجاج الفكري صار سبباً لتشكّل فرقتين متخاصمتين إلى عهود وقرون .
وبذلك يفترق اختلافهم مع اختلاف أمثال طلحة والزبير ومعاوية إذ لم يكن اختلافهم حول المبادئ وإنّما طمعوا أن يكونوا خلفاء و . . . ولذلك لم يثيروا إلاّ مشاكل سياسية دموية ، بخلاف اختلاف الخوارج فإنّ اختلافهم كان حول المبادئ وكانوا يردّدون كلمة « لا حكم إلاّ للّه » وكان علي وحواريّه الجليل ابن عباس يحتجّان عليهم بالقرآن والسنّة .
وبظهور الخوارج على الصعيد الإسلامي ، ورفضهم التحكيم ، طرحت مسائل أُخرى بين المسلمين شكّلت مسائل كلامية عبر القرون ، وهي :
2 . حكم مرتكب الكبيرة :
إنّ الخوارج كانوا يحبّون الشيخين ويبغضون الصهرين ، بمعنى أنّهم كانوا يوافقون عثمان في سني خلافته إلى ستّ سنين ، ولمّا ظهر منه التطرّف والجنوح إلى النزعة الأموية ، واستئثار الأموال أبغضوه ، وأمّا علي - عليه السَّلام - فقد كانوا مصدّقيه إلى قضية التحكيم ، فلما فُرض عليه التحكيم وقبل هو ذلك المخطّط عن ضرورة واضطرار ، خالفوه ووصفوه باقتراف الكبيرة ، - فعند ذاك - نجمت مسألة كلامية وهي ما هو حكم مرتكب الكبيرة ؟ وقد استفحل أمرها أيام محاربة الخوارج مع الأمويين الذين كانوا معروفين بالفسق والفجور ، وسفك الدماء وغصب الأموال ، فكان الخوارج يحاربونهم بحجّة أنّهم كفرة لا حرمة لدمائهم ولا أعراضهم ولا نفوسهم لاقترافهم الكبائر .

مقدمة المشرف 17


وعلى أي تقدير ففي المسألة أقوال :
ألف . مرتكب الكبيرة كافر .
ب . مرتكب الكبيرة فاسق منافق .
ج . مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق .
د . مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل منزلة بين المنزلتين .
فالأوّل خيرة الخوارج ، والثاني مختار الحسن البصري ، والثالث مختار الإمامية والأشاعرة ، والرابع
نظرية المعتزلة .
3 . تحديد مفهوم الإيمان :
وقد انبثق من هذا النزاع ، نزاع كلامي آخر وهو : تحديد مفهوم الإيمان ، وإنّ العمل داخل في حقيقة
الإيمان أو لا ؟ فعلى قول الخوارج والمعتزلة ، فالعمل مقوّم للإيمان ، بخلافه على القول الآخر ، وقد
صارت تلك المسألة ذات أهميّة في الأوساط الإسلامية وانتهت إلى مسألة أُخرى ، وهي زيادة الإيمان
ونقصه بصالح الأعمال وعدمها .
4 . الإرجاء والمرجئة :
كان هناك رجال يعانون من سفك الدماء ، والحروب الدامية فالتجأوا إلى فرضية كلامية وهي إرجاء
حكم مرتكب الكبيرة إلى اللّه سبحانه تعالى ، أو إرجاء حكم الصهرين إلى اللّه سبحانه ، حتى لا ينبس
فيهما المسلم ببنت شفة ، وأخذت تلك الفكرة تنمو حتى تحوّلت إلى الإباحية التي تنزع التقوى من
المسلم وتفتح في وجهه أبواب المعاصي ، وهو تقديم الإيمان وتأخير العمل ، وإنّ المهم هو الاعتقاد
القلبي والعمل ليس شيئاً يعتدّ به ، وإنّ التعذيب على الكفر ، وإمّا التعذيب على


وعلى أي تقدير ففي المسألة أقوال :
ألف . مرتكب الكبيرة كافر .
ب . مرتكب الكبيرة فاسق منافق .
ج . مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق .
د . مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل منزلة بين المنزلتين .
فالأوّل خيرة الخوارج ، والثاني مختار الحسن البصري ، والثالث مختار الإمامية والأشاعرة ، والرابع نظرية المعتزلة .
3 . تحديد مفهوم الإيمان :
وقد انبثق من هذا النزاع ، نزاع كلامي آخر وهو : تحديد مفهوم الإيمان ، وإنّ العمل داخل في حقيقة الإيمان أو لا ؟ فعلى قول الخوارج والمعتزلة ، فالعمل مقوّم للإيمان ، بخلافه على القول الآخر ، وقد صارت تلك المسألة ذات أهميّة في الأوساط الإسلامية وانتهت إلى مسألة أُخرى ، وهي زيادة الإيمان ونقصه بصالح الأعمال وعدمها .
4 . الإرجاء والمرجئة :
كان هناك رجال يعانون من سفك الدماء ، والحروب الدامية فالتجأوا إلى فرضية كلامية وهي إرجاء حكم مرتكب الكبيرة إلى اللّه سبحانه تعالى ، أو إرجاء حكم الصهرين إلى اللّه سبحانه ، حتى لا ينبس فيهما المسلم ببنت شفة ، وأخذت تلك الفكرة تنمو حتى تحوّلت إلى الإباحية التي تنزع التقوى من المسلم وتفتح في وجهه أبواب المعاصي ، وهو تقديم الإيمان وتأخير العمل ، وإنّ المهم هو الاعتقاد القلبي والعمل ليس شيئاً يعتدّ به ، وإنّ التعذيب على الكفر ، وإمّا التعذيب على

مقدمة المشرف 18

لا يتم تسجيل الدخول!