إسم الكتاب : نهاية المرام في علم الكلام ( عدد الصفحات : 717)



تقديم
بقلم جعفر السبحاني
علم الكلام
وعوامل نشأته
إنّ علم الكلام كسائر العلوم الإنسانية ، ظاهرة علمية نشأت بين المسلمين في ظلّ أسباب سيوافيك
بيانها ، ولا يقتصر هذا العلم على المسلمين فحسب بل كانت للأُمم السابقة مذاهب كلامية ومدارس
دينية يُبحث فيها عن اللاهوت والناسوت ، وقد ألّف غير واحد من علماء اليهود والنصارى كتباً كلامية
يرجع تاريخها إلى القرنين الخامس والسادس . وأمّا عوامل نشأته بين المسلمين فتتلخّص في عامل
داخلي وآخر خارجي ، وإليك البيان :
1 . القرآن هو المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام :
إنّ القرآن المجيد هو المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام ونضجه وارتقائه عند المسلمين ، وإليه يرجع
كل متكلّم إسلاميّ باحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وقد تضمّن القرآن إشارات فلسفية
وعقلية قامت على أُسس منطقية مذكورة في نفس الآيات أو معلومة من القرائن . فمن سبر القرآن
الكريم فيما يرجع إلى التوحيد بأنواعه يجد الحجج الملزمة ، والبيّنات المسلّمة التي لا تدع لباحث


تقديم بقلم جعفر السبحاني علم الكلام وعوامل نشأته إنّ علم الكلام كسائر العلوم الإنسانية ، ظاهرة علمية نشأت بين المسلمين في ظلّ أسباب سيوافيك بيانها ، ولا يقتصر هذا العلم على المسلمين فحسب بل كانت للأُمم السابقة مذاهب كلامية ومدارس دينية يُبحث فيها عن اللاهوت والناسوت ، وقد ألّف غير واحد من علماء اليهود والنصارى كتباً كلامية يرجع تاريخها إلى القرنين الخامس والسادس . وأمّا عوامل نشأته بين المسلمين فتتلخّص في عامل داخلي وآخر خارجي ، وإليك البيان :
1 . القرآن هو المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام :
إنّ القرآن المجيد هو المنطلق الأوّل لنشوء علم الكلام ونضجه وارتقائه عند المسلمين ، وإليه يرجع كل متكلّم إسلاميّ باحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وقد تضمّن القرآن إشارات فلسفية وعقلية قامت على أُسس منطقية مذكورة في نفس الآيات أو معلومة من القرائن . فمن سبر القرآن الكريم فيما يرجع إلى التوحيد بأنواعه يجد الحجج الملزمة ، والبيّنات المسلّمة التي لا تدع لباحث

مقدمة المشرف 5


الشك فيها . كما أنّه أرفق الدعوة إلى المعاد والحياة الأُخروية بالبراهين المشرقة ، والدلائل الواضحة
التي لا تقبل الخدش .
إنّ القصص الواردة في القرآن الكريم تتضمّن احتجاجات الأنبياء وصراعهم الفكري مع الوثنيين
والمعاندين من أهل اللجاج ، فهي ممّا يستند إليها المتكلّم في آرائه الكلامية . كما تتضمن بحوثاً في
الإنسان وأفعاله ومسيره ومصيره ، وغير ذلك ممّا جعل القرآن الكريم المنطلق الأوّل لنشأة علم الكلام
في الإسلام .
2 . السنّة هي المنطلق الثاني :
إنّ النبيّ - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ناظر المشركين وأهل الكتاب بمرأىً ومسمع من المسلمين ، وهذه
احتجاجاته مع نصارى نجران في العام العاشر من الهجرة ، حتى أنّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بعدما أفحمهم
دعاهم إلى المباهلة ، وقد حفل التاريخ وكتب السير والتفسير بما دار بين الرسول وبطارقة نجران
وقساوستهم ، وقد استدلّوا على أُلوهيّة المسيح بقولهم : هل رأيت ولداً من غير ذكر ؟ فأفحمهم رسول
اللّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بإيحاء من اللّه : إنّ مثل عيسى في عالم الخلقة كمثل آدم ، وقد خُلِق من غير أب
ولا أُمّ ، فليس هو أبدع ولا أعجب منه ( 1 ) .
إنّ النهي عن كتابة الحديث نجم عنه خسارة فادحة أدت إلى ضياع الكثير من احتجاجات النبي - صلَّى الله
عليه وآله وسلَّم - ومناظراته مع المشركين وأهل الكتاب ، فقد ذهبت كذهاب سائر خطبه ، ولكن الشيعة
اقتداءً بالعترة احتفظت بكثير من هذه المناظرات في كتبهم الحديثية ، فمن سبرها يرى فيها بحوثاً
ومناظرات تصلح لأن


الشك فيها . كما أنّه أرفق الدعوة إلى المعاد والحياة الأُخروية بالبراهين المشرقة ، والدلائل الواضحة التي لا تقبل الخدش .
إنّ القصص الواردة في القرآن الكريم تتضمّن احتجاجات الأنبياء وصراعهم الفكري مع الوثنيين والمعاندين من أهل اللجاج ، فهي ممّا يستند إليها المتكلّم في آرائه الكلامية . كما تتضمن بحوثاً في الإنسان وأفعاله ومسيره ومصيره ، وغير ذلك ممّا جعل القرآن الكريم المنطلق الأوّل لنشأة علم الكلام في الإسلام .
2 . السنّة هي المنطلق الثاني :
إنّ النبيّ - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ناظر المشركين وأهل الكتاب بمرأىً ومسمع من المسلمين ، وهذه احتجاجاته مع نصارى نجران في العام العاشر من الهجرة ، حتى أنّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بعدما أفحمهم دعاهم إلى المباهلة ، وقد حفل التاريخ وكتب السير والتفسير بما دار بين الرسول وبطارقة نجران وقساوستهم ، وقد استدلّوا على أُلوهيّة المسيح بقولهم : هل رأيت ولداً من غير ذكر ؟ فأفحمهم رسول اللّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بإيحاء من اللّه : إنّ مثل عيسى في عالم الخلقة كمثل آدم ، وقد خُلِق من غير أب ولا أُمّ ، فليس هو أبدع ولا أعجب منه ( 1 ) .
إنّ النهي عن كتابة الحديث نجم عنه خسارة فادحة أدت إلى ضياع الكثير من احتجاجات النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ومناظراته مع المشركين وأهل الكتاب ، فقد ذهبت كذهاب سائر خطبه ، ولكن الشيعة اقتداءً بالعترة احتفظت بكثير من هذه المناظرات في كتبهم الحديثية ، فمن سبرها يرى فيها بحوثاً ومناظرات تصلح لأن

--------------------------------------------------------------------------

1 . لاحظ تفسير قوله سبحانه : ( إنّ مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب ثمّ قال له كن فيكون ) ( آل
عمران / 59 ) .

1 . لاحظ تفسير قوله سبحانه : ( إنّ مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب ثمّ قال له كن فيكون ) ( آل عمران / 59 ) .

مقدمة المشرف 6


تكون هي المنطلق في الصدر الأوّل لأهل الكلام من الشيعة وغيرهم ( 1 ) .
3 . خطب الإمام علي - عليه السَّلام - هي المنطلق الثالث :
إنّ خطب الإمام ورسائله وكلمه القصار ، التي حفظها التاريخ عن العصف والضياع لأوضح دليل على
أنّ الإمام كان هو المؤسس للأُصول الكلامية خصوصاً فيما يرجع إلى التوحيد والعدل ، وبين يديك
نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي ممّا وصل إليه من خطبه ، تجد فيه من الأُصول الكلامية ما لا
تجده في غيره ، وإلى ذلك يشير السيد المرتضى في أماليه فيقول : « اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل
مأخوذة من كلام أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - وخطبه ، فإنّها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه ولا
غاية وراءه . ومن تأمّل المأثور من كلامه ، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعده في تصنيفه
وجمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأُصول ، وروي عن الأئمّة من أبنائه في ذلك ما لا
يكاد يحاط به كثرة ، ومن أحبّ الوقوف عليه فطلبه من مظانّه أصاب منه الكثير الغزير الذي في بعضه
شفاء للصدور السقيمة ولقاح للعقول العقيمة » ( 2 ) .
وقال ابن أبي الحديد : « إنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي ، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه
أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف ، ومن كلامه - عليه السَّلام - اقتبس ، وعنه نقل ، ومنه ابتدئ وإليه
انتهي ، فإنّ المعتزلة - الذين هم أصل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم من تعلّم الناس هذا الفن -
تلامذته وأصحابه ، لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن


تكون هي المنطلق في الصدر الأوّل لأهل الكلام من الشيعة وغيرهم ( 1 ) .
3 . خطب الإمام علي - عليه السَّلام - هي المنطلق الثالث :
إنّ خطب الإمام ورسائله وكلمه القصار ، التي حفظها التاريخ عن العصف والضياع لأوضح دليل على أنّ الإمام كان هو المؤسس للأُصول الكلامية خصوصاً فيما يرجع إلى التوحيد والعدل ، وبين يديك نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي ممّا وصل إليه من خطبه ، تجد فيه من الأُصول الكلامية ما لا تجده في غيره ، وإلى ذلك يشير السيد المرتضى في أماليه فيقول : « اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - وخطبه ، فإنّها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه ولا غاية وراءه . ومن تأمّل المأثور من كلامه ، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلّمون من بعده في تصنيفه وجمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأُصول ، وروي عن الأئمّة من أبنائه في ذلك ما لا يكاد يحاط به كثرة ، ومن أحبّ الوقوف عليه فطلبه من مظانّه أصاب منه الكثير الغزير الذي في بعضه شفاء للصدور السقيمة ولقاح للعقول العقيمة » ( 2 ) .
وقال ابن أبي الحديد : « إنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي ، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف ، ومن كلامه - عليه السَّلام - اقتبس ، وعنه نقل ، ومنه ابتدئ وإليه انتهي ، فإنّ المعتزلة - الذين هم أصل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم من تعلّم الناس هذا الفن - تلامذته وأصحابه ، لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمّد بن

--------------------------------------------------------------------------

1 . لاحظ احتجاجات النبي في كتاب الاحتجاج للشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب المعروف بالطبرسي المتوفّى حدود عام
( 550 ه‍ ) .
2 . الشريف المرتضى : غرر الفوائد : 1 / 148 .

1 . لاحظ احتجاجات النبي في كتاب الاحتجاج للشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب المعروف بالطبرسي المتوفّى حدود عام ( 550 ه‍ ) . 2 . الشريف المرتضى : غرر الفوائد : 1 / 148 .

مقدمة المشرف 7


الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه ، وأمّا الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن
إسماعيل بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة
فالأشعرية ينتهون بالآخرة ( 1 ) إلى أُستاذ المعتزلة ومعلّمهم ، وهو علي بن أبي طالب » ( 2 ) .
4 . العترة الطاهرة ودورهم في نشوء هذا العلم :
إنّ العترة الطاهرة وإن أُقصيت عن القيادة الإسلامية ، إلاّ أنّه أُتيحت لهم الفرصة في آخر عهد الأمويين
وأوائل حكومة العباسيين ، في شرح المعارف وتوضيح الحقائق وتربية رواد الفكر ، وارشاد الحكيم
إلى دلائل وبراهين لا يقف عليها إلاّ الأوحدي من الناس والتلميح إلى نكات عرفانية ، لا يدركها إلاّ
العارف المتألّه . ففي أدعية الإمام زين العابدين إشارات كلامية وتلميحات عرفانية ، كما أنّ في
الأحاديث المرويّة عن الصادقين والكاظمين كميّة هائلة من البحوث الكلامية ، والمناظرات العلمية
التي أدّت إلى نضوج علم الكلام الإسلامي بوجه واضح ، وها نحن نذكر احتجاجين قصيرين للإمامين
الصادق والرضا - عليهما السَّلام - ليكونا نموذجين لما لم نذكره :
مناظرة الإمام الصادق مع أحد القدرية :
روى العياشي : أنّه طلب عبد الملك بن مروان من عامله بالمدينة أن يوجه إليه محمّد بن علي بن
الحسين ( الباقر ) - عليه السَّلام - حتى يناظر رجلاً من القدرية وقد أعيا


الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه ، وأمّا الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية ينتهون بالآخرة ( 1 ) إلى أُستاذ المعتزلة ومعلّمهم ، وهو علي بن أبي طالب » ( 2 ) .
4 . العترة الطاهرة ودورهم في نشوء هذا العلم :
إنّ العترة الطاهرة وإن أُقصيت عن القيادة الإسلامية ، إلاّ أنّه أُتيحت لهم الفرصة في آخر عهد الأمويين وأوائل حكومة العباسيين ، في شرح المعارف وتوضيح الحقائق وتربية رواد الفكر ، وارشاد الحكيم إلى دلائل وبراهين لا يقف عليها إلاّ الأوحدي من الناس والتلميح إلى نكات عرفانية ، لا يدركها إلاّ العارف المتألّه . ففي أدعية الإمام زين العابدين إشارات كلامية وتلميحات عرفانية ، كما أنّ في الأحاديث المرويّة عن الصادقين والكاظمين كميّة هائلة من البحوث الكلامية ، والمناظرات العلمية التي أدّت إلى نضوج علم الكلام الإسلامي بوجه واضح ، وها نحن نذكر احتجاجين قصيرين للإمامين الصادق والرضا - عليهما السَّلام - ليكونا نموذجين لما لم نذكره :
مناظرة الإمام الصادق مع أحد القدرية :
روى العياشي : أنّه طلب عبد الملك بن مروان من عامله بالمدينة أن يوجه إليه محمّد بن علي بن الحسين ( الباقر ) - عليه السَّلام - حتى يناظر رجلاً من القدرية وقد أعيا

--------------------------------------------------------------------------

1 . والصحيح أن يقول : أخيراً ، وقد تسرّب هذا اللحن إلى الكتب العربية حتى استعمله سعد الدين التفتازاني في مطوّله .
2 . شرح ابن أبي الحديد : 1 / 17 .

1 . والصحيح أن يقول : أخيراً ، وقد تسرّب هذا اللحن إلى الكتب العربية حتى استعمله سعد الدين التفتازاني في مطوّله . 2 . شرح ابن أبي الحديد : 1 / 17 .

مقدمة المشرف 8


الجميع ، فبعث أبو جعفر ولده مكانه ، فقدم الشام وتسامع الناس بقدومه لمخاصمة القدرية ، فقال عبد
الملك لأبي عبد اللّه : إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري ، فقال الإمام : « إنّ اللّه يكفيناه » فلما اجتمعوا ، قال
القدري لأبي عبد اللّه - عليه السَّلام - : سل عمّا شئت ؟ فقال له : « اقرأ سورة الحمد » . قال : فقرأها ، فلمّا بلغ
قول اللّه تبارك وتعالى : ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) فقال جعفر : « قف ! من تستعين ؟ وما حاجتك إلى
المؤونة أنّ الأمر إليك » ، فبهت الرجل ( 1 ) .
إنّ القدرية هم أسلاف المعتزلة ، وقد تبنّت فكرة استغناء الممكن في فعله ( لا في ذاته ) في عصر خلافة
عبد الملك ( 65 - 86 ه‍ ) وكان لها دويّ في عصره ، وقد أخذتها المعتزلة عنهم وصقلتها وجعلتها من
توابع القول بالعدل وغفلت عن أنّ القول بالحرية إلى حدّ الاستغناء عن الواجب ينسجم مع التنزيه
لكنه يهدم التوحيد الذاتي ، فيكون الممكن مثل الواجب في الاستغناء عن غيره في مقام الإيجاد ،
ولأجل ذلك تضافرت عن أئمّة أهل البيت - عليهم السَّلام - :
« لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين » ( 2 ) .
احتجاج الإمام الرضا - عليه السَّلام - مع أبي قرّة :
قال أبو قرّة للإمام الرضا - عليه السَّلام - : إنّا روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسّم الرؤية والكلام بين اثنين ، فقسّم
لموسى - عليه السَّلام - الكلام ، ولمحمّد - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - الرؤية . فقال أبو الحسن - عليه السَّلام - : « فمن
المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين : الجن والإنس ( لا تُدْرِكُهُ الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصار ) ( 3 ) و ( ولا
يُحيطونَ بهِ علماً ) ( 4 ) و ( ليسَ كمثلهِ شيء ) ( 5 )


الجميع ، فبعث أبو جعفر ولده مكانه ، فقدم الشام وتسامع الناس بقدومه لمخاصمة القدرية ، فقال عبد الملك لأبي عبد اللّه : إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري ، فقال الإمام : « إنّ اللّه يكفيناه » فلما اجتمعوا ، قال القدري لأبي عبد اللّه - عليه السَّلام - : سل عمّا شئت ؟ فقال له : « اقرأ سورة الحمد » . قال : فقرأها ، فلمّا بلغ قول اللّه تبارك وتعالى : ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) فقال جعفر : « قف ! من تستعين ؟ وما حاجتك إلى المؤونة أنّ الأمر إليك » ، فبهت الرجل ( 1 ) .
إنّ القدرية هم أسلاف المعتزلة ، وقد تبنّت فكرة استغناء الممكن في فعله ( لا في ذاته ) في عصر خلافة عبد الملك ( 65 - 86 ه‍ ) وكان لها دويّ في عصره ، وقد أخذتها المعتزلة عنهم وصقلتها وجعلتها من توابع القول بالعدل وغفلت عن أنّ القول بالحرية إلى حدّ الاستغناء عن الواجب ينسجم مع التنزيه لكنه يهدم التوحيد الذاتي ، فيكون الممكن مثل الواجب في الاستغناء عن غيره في مقام الإيجاد ، ولأجل ذلك تضافرت عن أئمّة أهل البيت - عليهم السَّلام - :
« لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين » ( 2 ) .
احتجاج الإمام الرضا - عليه السَّلام - مع أبي قرّة :
قال أبو قرّة للإمام الرضا - عليه السَّلام - : إنّا روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسّم الرؤية والكلام بين اثنين ، فقسّم لموسى - عليه السَّلام - الكلام ، ولمحمّد - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - الرؤية . فقال أبو الحسن - عليه السَّلام - : « فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين : الجن والإنس ( لا تُدْرِكُهُ الأبصارُ وهو يُدرِكُ الأبصار ) ( 3 ) و ( ولا يُحيطونَ بهِ علماً ) ( 4 ) و ( ليسَ كمثلهِ شيء ) ( 5 )

--------------------------------------------------------------------------

1 . المجلسي : البحار : 5 / 55 - 56 .
2 . الصدوق : التوحيد : 362 .
3 . الأنعام : 103 .
4 . طه : 110 .
5 . الشورى : 11 .

1 . المجلسي : البحار : 5 / 55 - 56 . 2 . الصدوق : التوحيد : 362 . 3 . الأنعام : 103 . 4 . طه : 110 . 5 . الشورى : 11 .

مقدمة المشرف 9


أليس محمّداً - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ؟ ! » قال : بلى . قال : « فكيف يجي رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه
جاء من عند اللّه ، وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول : ( لا تدركهُ الأبصارُ وهو يدركُ الأبصار ) و
( ولا يحيطونَ بهِ علماً ) و ( ليسَ كمثلهِ شيء ) ثم يقول : أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً ، وهو على
صورة البشر ! أمّا تستحيون ، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا : أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ، ثم يأتي
بخلافه من وجه ( 1 ) آخر » .
ومن وقف على كتب أهل الحديث والأشاعرة ، يقف على أنّ لهم في إثبات الرؤية ، صخباً وهياجاً
وإصراراً منقطع النظير ، وترى أنّ الإمام كيف قطع الطريق على أبي قرّة الذي اغترّ بأحاديث مدسوسة
اختلقتها اليهود وأنصارهم وبثّوها بين المسلمين ، ولولا ضيق المجال لنقلت قسماً وافراً من خطبهم
ومناظراتهم - عليهم السَّلام - في مجال العقائد حتى تقف على أنّ حديثهم هو المنطلق الرابع لنشوء علم
الكلام ونضوجه وتكامله .
فمن المؤسف جداً أن يتّهم شيعة العترة الطاهرة بما في كلام المستشرق ( آدم متز ) فقد وصفهم بأنّه لم
يكن للشيعة مذهب كلامي إلى القرن الرابع ، مع أنّ فيهم أئمّة المسلمين وقادة الأُمّة الذين يصدق فيهم
قول الشاعر :
من تلق منهم ، تلق كهلاً أو فتىً * * علم الهدى بحر الندى المورودا
إلى هنا ، تبيّن أنّ أحد الأسباب لنشوء علم الكلام هو العامل الداخلي الذي لا يتجاوز عن إطار القرآن
والسنّة النبوية وكلمات العترة الطاهرة ، وهناك عامل خارجي صار سبباً لنموّ الأفكار الكلامية
المأخوذة عن الأُصول الموجودة في الكتاب والسنّة وهو وجود الصراع الفكري بين المسلمين
وغيرهم ، وإليك بيانه :


أليس محمّداً - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ؟ ! » قال : بلى . قال : « فكيف يجي رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه ، وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول : ( لا تدركهُ الأبصارُ وهو يدركُ الأبصار ) و ( ولا يحيطونَ بهِ علماً ) و ( ليسَ كمثلهِ شيء ) ثم يقول : أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً ، وهو على صورة البشر ! أمّا تستحيون ، ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا : أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ، ثم يأتي بخلافه من وجه ( 1 ) آخر » .
ومن وقف على كتب أهل الحديث والأشاعرة ، يقف على أنّ لهم في إثبات الرؤية ، صخباً وهياجاً وإصراراً منقطع النظير ، وترى أنّ الإمام كيف قطع الطريق على أبي قرّة الذي اغترّ بأحاديث مدسوسة اختلقتها اليهود وأنصارهم وبثّوها بين المسلمين ، ولولا ضيق المجال لنقلت قسماً وافراً من خطبهم ومناظراتهم - عليهم السَّلام - في مجال العقائد حتى تقف على أنّ حديثهم هو المنطلق الرابع لنشوء علم الكلام ونضوجه وتكامله .
فمن المؤسف جداً أن يتّهم شيعة العترة الطاهرة بما في كلام المستشرق ( آدم متز ) فقد وصفهم بأنّه لم يكن للشيعة مذهب كلامي إلى القرن الرابع ، مع أنّ فيهم أئمّة المسلمين وقادة الأُمّة الذين يصدق فيهم قول الشاعر :
من تلق منهم ، تلق كهلاً أو فتىً * * علم الهدى بحر الندى المورودا إلى هنا ، تبيّن أنّ أحد الأسباب لنشوء علم الكلام هو العامل الداخلي الذي لا يتجاوز عن إطار القرآن والسنّة النبوية وكلمات العترة الطاهرة ، وهناك عامل خارجي صار سبباً لنموّ الأفكار الكلامية المأخوذة عن الأُصول الموجودة في الكتاب والسنّة وهو وجود الصراع الفكري بين المسلمين وغيرهم ، وإليك بيانه :

--------------------------------------------------------------------------

1 . الصدوق : التوحيد : 110 - 111 ح 9 .

1 . الصدوق : التوحيد : 110 - 111 ح 9 .

مقدمة المشرف 10


الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري :
إذا كان الكتاب والسنّة وحديث العترة الطاهرة هو المنطلق لنشوء علم الكلام وظهوره بين المسلمين ،
فقد كان للاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري دور خاص في ذلك المجال ، وهو أنّه دفع عجلة علم
الكلام إلى الأمام ، وصار سبباً لنموه ونضوجه بين المسلمين بأقصر مدة ، ولولا هذا الصراع الفكري لما
نمت تلك البذور الطيبة الكامنة في الكتاب والسنّة ، وما استوت على سوقه ، وهذان العاملان ( الداخلي
والخارجي ) وإن صارا سبباً لنشوء هذا العلم وتكامله إلاّ أنّ دور الأوّل ، يخالف دور الثاني ، فالأوّل يعد
مصادر علم الكلام ومنابعه ومناشئه ، وأمّا الثاني ، فهو الذي أيقظ المفكرين من المسلمين حتّى ينمّوا
ما تعلموه في مدرسة الدين من الأُصول والعقائد ، وإليك بيان ذلك العامل الخارجي .
بُعِثَ النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بدين عالمي ، ونبوة خاتمة ، وكتاب خاتم للكتب ، والمهيمن عليها ،
وبثّ شريعته الغراء في ربوع الجزيرة العربية في بضع سنين ، إلى أن مضى إلى جوار ربّه ، وراية
الإسلام خفّاقة عالية ، تدين أهلها بالتوحيد ، وتكافح الثنوية ، وتُؤمن بالحياة الأُخروية وتعمل بسنن
الإسلام وطقوسه .
وقد أحسّ المسلمون بواجبهم بعد رحلته ، وهو نشر الإسلام وبسطه في العالم كلِّهِ ودعوة جميع
البشر على مختلف قومياتهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، ثم كسر
الأصنام والأوثان بالجهاد المتواصل ، وبذل النفس والنفيس في سبيله ، حتى تُصْبِح الأجواء صافية ،
والظروف حرّة ، وترتفع العوائق والموانع بغية دخول الناس في دين اللّه زرافات ووحداناً عن طوع
ورغبة ، بلا خوف ولا رهبة من طواغيت العصر .
قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد ، ونشروا الثقافة الإسلامية بين الأُمم


الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري :
إذا كان الكتاب والسنّة وحديث العترة الطاهرة هو المنطلق لنشوء علم الكلام وظهوره بين المسلمين ، فقد كان للاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري دور خاص في ذلك المجال ، وهو أنّه دفع عجلة علم الكلام إلى الأمام ، وصار سبباً لنموه ونضوجه بين المسلمين بأقصر مدة ، ولولا هذا الصراع الفكري لما نمت تلك البذور الطيبة الكامنة في الكتاب والسنّة ، وما استوت على سوقه ، وهذان العاملان ( الداخلي والخارجي ) وإن صارا سبباً لنشوء هذا العلم وتكامله إلاّ أنّ دور الأوّل ، يخالف دور الثاني ، فالأوّل يعد مصادر علم الكلام ومنابعه ومناشئه ، وأمّا الثاني ، فهو الذي أيقظ المفكرين من المسلمين حتّى ينمّوا ما تعلموه في مدرسة الدين من الأُصول والعقائد ، وإليك بيان ذلك العامل الخارجي .
بُعِثَ النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بدين عالمي ، ونبوة خاتمة ، وكتاب خاتم للكتب ، والمهيمن عليها ، وبثّ شريعته الغراء في ربوع الجزيرة العربية في بضع سنين ، إلى أن مضى إلى جوار ربّه ، وراية الإسلام خفّاقة عالية ، تدين أهلها بالتوحيد ، وتكافح الثنوية ، وتُؤمن بالحياة الأُخروية وتعمل بسنن الإسلام وطقوسه .
وقد أحسّ المسلمون بواجبهم بعد رحلته ، وهو نشر الإسلام وبسطه في العالم كلِّهِ ودعوة جميع البشر على مختلف قومياتهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام ، بالحكمة والموعظة الحسنة ، ثم كسر الأصنام والأوثان بالجهاد المتواصل ، وبذل النفس والنفيس في سبيله ، حتى تُصْبِح الأجواء صافية ، والظروف حرّة ، وترتفع العوائق والموانع بغية دخول الناس في دين اللّه زرافات ووحداناً عن طوع ورغبة ، بلا خوف ولا رهبة من طواغيت العصر .
قام المسلمون بواجبهم ففتحوا البلاد ، ونشروا الثقافة الإسلامية بين الأُمم

مقدمة المشرف 11


المتحضرة والتي كانت تتمتّع - وراء الآداب والفنون والعلوم والصناعات - بمناهج فلسفية ، وآراء
كلامية لا يذعن بها الإسلام .
وقد كان في ذلك الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري تأثير بالغ عاد على الإسلام والمسلمين بالخير
الكثير إلاّ أنّ هذا الاحتكاك لا يخلو عن مضاعفات ، وهي انتقال تلك الآراء والأفكار إلى الأوساط
الإسلامية وهم غير متدرّعين تجاه تلك الشبهات والمشاكل .
وأعان على ذلك أمر ثان وهو انتقال عدة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية فانتقلوا إليها بآرائهم
وأفكارهم وعقائدهم المضادّة للإسلام وأُسِسِه ، وكان بين المسلمين من لم يتورّع في أخذ هاتيك
العقائد الفاسدة ، نظراء : عبد الكريم ابن أبي العوجاء ، وحماد بن عجرد ، ويحيى بن زياد ، ومطيع بن
اياس ، وعبد اللّه بن المقفّع إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع ، فأوجد ذلك قلقاً ووحشة بين
المسلمين .
أضف إلى ذلك أمراً ثالثاً كان له التأثير الحاسم في بسط الإلحاد والزندقة وهو نقل الكتب الرومانية
واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة ورقابة وجعلها في متناول أيدي الناس ، وقد ذكر
ابن النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال :
« كان خالد بن يزيد بن معاوية محِبّاً للعلوم ، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل
مدينة مصر ، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي ، وهذا أوّل نقل
كان في الإسلام من لغة إلى لغة ، ثم نقل الديوان وكان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج ، وكان
أمر الترجمة يتقدم ببطء ، إلى أن ظهر المأمون في ساحة الخلافة ، فراسل ملك الروم يسأله الاذن في
انفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة ، المدّخرة في بلد الروم ،


المتحضرة والتي كانت تتمتّع - وراء الآداب والفنون والعلوم والصناعات - بمناهج فلسفية ، وآراء كلامية لا يذعن بها الإسلام .
وقد كان في ذلك الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري تأثير بالغ عاد على الإسلام والمسلمين بالخير الكثير إلاّ أنّ هذا الاحتكاك لا يخلو عن مضاعفات ، وهي انتقال تلك الآراء والأفكار إلى الأوساط الإسلامية وهم غير متدرّعين تجاه تلك الشبهات والمشاكل .
وأعان على ذلك أمر ثان وهو انتقال عدة من الأسرى إلى العواصم الإسلامية فانتقلوا إليها بآرائهم وأفكارهم وعقائدهم المضادّة للإسلام وأُسِسِه ، وكان بين المسلمين من لم يتورّع في أخذ هاتيك العقائد الفاسدة ، نظراء : عبد الكريم ابن أبي العوجاء ، وحماد بن عجرد ، ويحيى بن زياد ، ومطيع بن اياس ، وعبد اللّه بن المقفّع إلى غير ذلك بين غير متدرّع أو غير متورّع ، فأوجد ذلك قلقاً ووحشة بين المسلمين .
أضف إلى ذلك أمراً ثالثاً كان له التأثير الحاسم في بسط الإلحاد والزندقة وهو نقل الكتب الرومانية واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية من دون نظارة ورقابة وجعلها في متناول أيدي الناس ، وقد ذكر ابن النديم تاريخ ترجمة تلك الكتب فقال :
« كان خالد بن يزيد بن معاوية محِبّاً للعلوم ، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممّن كان ينزل مدينة مصر ، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي ، وهذا أوّل نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة ، ثم نقل الديوان وكان باللغة الفارسية إلى العربية في أيام الحجاج ، وكان أمر الترجمة يتقدم ببطء ، إلى أن ظهر المأمون في ساحة الخلافة ، فراسل ملك الروم يسأله الاذن في انفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة ، المدّخرة في بلد الروم ،

مقدمة المشرف 12


فأجاب إلى ذلك بعد امتناع ، فبعث المأمون جماعة ، منهم : الحجاج بن مطر ، وابن بطريق ، ومحمد بن
أحمد والحسين بنو شاكر المنجّم ، فجاءوا بطرائف الكتب ، وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة
وغيرهما » ، ثم ذكر ابن النديم أسماء النقلة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية ، وجاء بأسماء كميّة
هائلة ( 1 ) فأخذوا يصبون ما وجدوه من غث وسمين في كتب الوثنيين والمسيحيين على رؤوس
المسلمين ، وهم غير متدرّعين وغير واقفين على جذور هذه الشبه ، مع أنّها كانت تزعزع أركان
الإسلام .
فقد أثار انتقال هذه الشبه والعقائد والآراء إلى أوساط المسلمين ضجّة كبرى بينهم ، فافترقوا إلى
فرقتين :
فرقة اقتصرت في الذب عن حياض الإسلام بتضليلهم وتكفيرهم وتوصيفهم بالزندقة وتحذير
المسلمين من الالتقاء بهم وقراءة كتبهم والاستماع إلى كلامهم ، إلى غير ذلك مما كان يعدّ مكافحة
سلبية التي لها الأثر القليل في مقابل ذلك السيل الجارف .
وفرقة قد أحسّوا بخطورة الموقف وأنّ المكافحة السلبية لها أثرها المؤقت ، وإنّ ذلك الداء لو لم يعالج
بالدواء الناجع سوف يعمّ المجتمع كلّه أو أكثره ، فقاموا بمكافحة إيجابية أي الدعوة بالحكمة
والموعظة الحسنة والجدال الذي يستحسنه الإسلام ، فأزالوا شبهاتهم ، ونقدوا أفكارهم في ضوء
العقل والبرهان ، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً ، وهؤلاء المناضلون هم الشيعة خرّيجو مدرسة
أهل البيت أوّلاً ، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء ثانياً الذين أخذوا أُصول مذهبهم عن علي - عليه السَّلام -
بواسطتين :


فأجاب إلى ذلك بعد امتناع ، فبعث المأمون جماعة ، منهم : الحجاج بن مطر ، وابن بطريق ، ومحمد بن أحمد والحسين بنو شاكر المنجّم ، فجاءوا بطرائف الكتب ، وغرائب المصنّفات في الفلسفة والهندسة وغيرهما » ، ثم ذكر ابن النديم أسماء النقلة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية ، وجاء بأسماء كميّة هائلة ( 1 ) فأخذوا يصبون ما وجدوه من غث وسمين في كتب الوثنيين والمسيحيين على رؤوس المسلمين ، وهم غير متدرّعين وغير واقفين على جذور هذه الشبه ، مع أنّها كانت تزعزع أركان الإسلام .
فقد أثار انتقال هذه الشبه والعقائد والآراء إلى أوساط المسلمين ضجّة كبرى بينهم ، فافترقوا إلى فرقتين :
فرقة اقتصرت في الذب عن حياض الإسلام بتضليلهم وتكفيرهم وتوصيفهم بالزندقة وتحذير المسلمين من الالتقاء بهم وقراءة كتبهم والاستماع إلى كلامهم ، إلى غير ذلك مما كان يعدّ مكافحة سلبية التي لها الأثر القليل في مقابل ذلك السيل الجارف .
وفرقة قد أحسّوا بخطورة الموقف وأنّ المكافحة السلبية لها أثرها المؤقت ، وإنّ ذلك الداء لو لم يعالج بالدواء الناجع سوف يعمّ المجتمع كلّه أو أكثره ، فقاموا بمكافحة إيجابية أي الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الذي يستحسنه الإسلام ، فأزالوا شبهاتهم ، ونقدوا أفكارهم في ضوء العقل والبرهان ، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً ، وهؤلاء المناضلون هم الشيعة خرّيجو مدرسة أهل البيت أوّلاً ، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء ثانياً الذين أخذوا أُصول مذهبهم عن علي - عليه السَّلام - بواسطتين :

--------------------------------------------------------------------------

1 . ابن النديم : الفهرست : 352 ، 356 .

1 . ابن النديم : الفهرست : 352 ، 356 .

مقدمة المشرف 13


1 . أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية .
2 . محمّد بن الحنفية ابن علي بن أبي طالب .
ففي تلك الأجواء المشحونة بالبحث والجدل استفحل أمر الكلام ، أي العلم الباحث عن المبدأ
وأسمائه وصفاته وأفعاله لغاية الذب عن الإسلام ، فكان علم الكلام وليد الحاجة ، ورهن الصراع
الفكري مع التيارات الإلحادية المتحديّة للإسلام والمسلمين ، ففي هذه الظروف العصيبة قام أهل
البيت - عليهم السَّلام - بتربية جموع غفيرة من أصحاب المواهب للذب عن الإسلام وأُصوله أوّلاً ، وحريم
الولاية ثانياً ، في ضوء العقل والبرهان ، فصاروا يناظرون كل فرقة ونحلة بأمتن البراهين وأسلمها ،
وكانت أئمّة أهل البيت كافلين بتدريبهم وتعليمهم كيفيّة مناظرتهم ، وقد حفظ التاريخ أسماء لفيف من
الرافلين في حلل الفضائل والمعارف ، وسوف يوافيك أسماؤهم لاحقاً .


1 . أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية .
2 . محمّد بن الحنفية ابن علي بن أبي طالب .
ففي تلك الأجواء المشحونة بالبحث والجدل استفحل أمر الكلام ، أي العلم الباحث عن المبدأ وأسمائه وصفاته وأفعاله لغاية الذب عن الإسلام ، فكان علم الكلام وليد الحاجة ، ورهن الصراع الفكري مع التيارات الإلحادية المتحديّة للإسلام والمسلمين ، ففي هذه الظروف العصيبة قام أهل البيت - عليهم السَّلام - بتربية جموع غفيرة من أصحاب المواهب للذب عن الإسلام وأُصوله أوّلاً ، وحريم الولاية ثانياً ، في ضوء العقل والبرهان ، فصاروا يناظرون كل فرقة ونحلة بأمتن البراهين وأسلمها ، وكانت أئمّة أهل البيت كافلين بتدريبهم وتعليمهم كيفيّة مناظرتهم ، وقد حفظ التاريخ أسماء لفيف من الرافلين في حلل الفضائل والمعارف ، وسوف يوافيك أسماؤهم لاحقاً .

مقدمة المشرف 14

لا يتم تسجيل الدخول!