إسم الكتاب : إحياء علوم الدين ( عدد الصفحات : 206)


إحياء علوم الدين
أبو حامد غزالي
الجزء الثالث
دار الكتاب العربي
بيروت


إحياء علوم الدين أبو حامد غزالي الجزء الثالث دار الكتاب العربي بيروت

تعريف الكتاب


الجزء الثّالث
< صفحة فارغة > [ تتمة ربع العبادات ] < / صفحة فارغة >
< صفحة فارغة > [ تتمة كتاب أسرار الزكاة ] < / صفحة فارغة >
< صفحة فارغة > [ تتمة الفصل الثاني ] < / صفحة فارغة >
< صفحة فارغة > [ تتمة بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة ] < / صفحة فارغة >

الوظيفة الثالثة : الإسرار ، فان ذلك أبعد عن الرياء والسمعة قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] : « أفضل الصّدقة جهد المقلّ إلى فقير في سرّ » وقال بعض العلماء [ 2 ] « ثلاث من كنوز البرّ منها إخفاء الصّدقة » وقد روى أيضا مسندا وقال صلَّى الله عليه وسلَّم : [ 3 ] « إنّ العبد ليعمل عملا في السّرّ فيكتبه الله له سرّا ، فإن أظهره نقل من السّرّ وكتب في العلانية ، فإن تحدّث به نقل من السّرّ والعلانية وكتب رياء » وفي الحديث المشهور : [ 4 ] « سبعة يظلَّهم الله يوم لا ظلّ إلَّا ظلَّه أحدهم رجل تصدّق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطت يمينه » وفي الخبر : [ 5 ] « صدقة السّرّ تطفئ غضب الرّبّ » وقال تعالى : * ( وإِنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) * « 1 » وفائدة الإخفاء الخلاص من آفات الرياء والسمعة ، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 6 ] : « لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منّان » والمتحدث بصدقته يطلب السمعة ، والمعطى في ملأ من الناس يبغى الرياء ، والإخفاء والسكوت هو المخلص منه .

وقد بالغ في فضل الإخفاء جماعة حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطى ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى ، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطى ، وبعضهم كان يضره في ثوب الفقير وهو نائم ، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطى وكان يستكتم المتوسط شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه ، كل ذلك توصلا إلى إطفاء غضب الرب سبحانه ، واحترازا من الرياء والسمعة


الجزء الثّالث < صفحة فارغة > [ تتمة ربع العبادات ] < / صفحة فارغة > < صفحة فارغة > [ تتمة كتاب أسرار الزكاة ] < / صفحة فارغة > < صفحة فارغة > [ تتمة الفصل الثاني ] < / صفحة فارغة > < صفحة فارغة > [ تتمة بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة ] < / صفحة فارغة > الوظيفة الثالثة : الإسرار ، فان ذلك أبعد عن الرياء والسمعة قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] : « أفضل الصّدقة جهد المقلّ إلى فقير في سرّ » وقال بعض العلماء [ 2 ] « ثلاث من كنوز البرّ منها إخفاء الصّدقة » وقد روى أيضا مسندا وقال صلَّى الله عليه وسلَّم : [ 3 ] « إنّ العبد ليعمل عملا في السّرّ فيكتبه الله له سرّا ، فإن أظهره نقل من السّرّ وكتب في العلانية ، فإن تحدّث به نقل من السّرّ والعلانية وكتب رياء » وفي الحديث المشهور : [ 4 ] « سبعة يظلَّهم الله يوم لا ظلّ إلَّا ظلَّه أحدهم رجل تصدّق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطت يمينه » وفي الخبر : [ 5 ] « صدقة السّرّ تطفئ غضب الرّبّ » وقال تعالى : * ( وإِنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) * « 1 » وفائدة الإخفاء الخلاص من آفات الرياء والسمعة ، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 6 ] : « لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منّان » والمتحدث بصدقته يطلب السمعة ، والمعطى في ملأ من الناس يبغى الرياء ، والإخفاء والسكوت هو المخلص منه .
وقد بالغ في فضل الإخفاء جماعة حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطى ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى ، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطى ، وبعضهم كان يضره في ثوب الفقير وهو نائم ، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطى وكان يستكتم المتوسط شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه ، كل ذلك توصلا إلى إطفاء غضب الرب سبحانه ، واحترازا من الرياء والسمعة

--------------------------------------------------------------------------

« 1 » البقرة 271

« 1 » البقرة 271

391


ومهما لم يتمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد فتسليمه إلى وكيل ليسلم إلى المسكين والمسكين لا يعرف أولى ، إذ في معرفة المسكين الرياء والمنة جميعا ، وليس في معرفة المتوسط إلا الرياء ، ومهما كانت الشهرة مقصودة له حبط عمله لأن الزكاة إزالة للبخل وتضعيف لحب المال ، وحب الجاه أشد استيلاء على النفس من حب المال ، وكل واحد منهما مهلك في الآخرة ولكن صفة البخل تنقلب في القبر في حكم المثال عقربا لادغا ، وصفة الرياء تنقلب في القبر أفعى من الأفاعي ، وهو مأمور بتضعيفهما أو قتلهما لدفع أذاهما أو تخفيف أذاهما ، فمهما قصد الرياء والسمعة فكأنه جعل بعض أطراف العقرب مقويا للحية ، فبقدر ما ضعف من العقرب زاد في قوة الحية ، ولو ترك الأمر كما كان لكان الأمر أهون عليه ، وقوّة هذه الصفات التي بها قوّتها العمل بمقتضاها ، وضعف هذه الصفات بمجاهدتها ومخالفتها ، والعمل بخلاف مقتضاها ، فأي فائدة في أن يخالف دواعي البخل ويجيب دواعي الرياء فيضعف الأدنى ويقوى الأقوى . وستأتي أسرار هذه المعاني في ربع المهلكات

الوظيفة الرابعة : أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا
للناس في الاقتداء ، ويحرس سره من داعية الرياء بالطريق الذي سنذكره في معالجة الرياء في كتاب الرياء ، فقد قال الله عز وجل : * ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) * « 1 » وذلك حيث يقتضي الحال الابداء ، إما للاقتداء ، وإما لأن السائل إنما سأل على ملأ من الناس ، فلا ينبغي أن يترك التصدق خيفة من الرياء في الإظهار ، بل ينبغي أن يتصدق ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان ، وهذا لأن في الإظهار محذورا ثالثا سوى المنّ والرياء وهو هتك ستر الفقير ، فإنه ربما يتأذى بأن يرى في صورة المحتاج ، فمن أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر هذا المعنى في إظهاره ، وهو كإظهار الفسق على من تستر به فإنه محظور ، والتجسس فيه والاعتياد بذكره منهي عنه ، فأما من أظهره فاقامة الحد عليه إشاعة ، ولكن هو السبب فيها ، وبمثل هذا المعنى قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] « من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له » وقد قال الله تعالى * ( وأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً ) * « 2 » ندب إلى العلانية أيضا لما فيها من فائدة الترغيب ، فليكن العبد دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيه ، فإن ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص



ومهما لم يتمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد فتسليمه إلى وكيل ليسلم إلى المسكين والمسكين لا يعرف أولى ، إذ في معرفة المسكين الرياء والمنة جميعا ، وليس في معرفة المتوسط إلا الرياء ، ومهما كانت الشهرة مقصودة له حبط عمله لأن الزكاة إزالة للبخل وتضعيف لحب المال ، وحب الجاه أشد استيلاء على النفس من حب المال ، وكل واحد منهما مهلك في الآخرة ولكن صفة البخل تنقلب في القبر في حكم المثال عقربا لادغا ، وصفة الرياء تنقلب في القبر أفعى من الأفاعي ، وهو مأمور بتضعيفهما أو قتلهما لدفع أذاهما أو تخفيف أذاهما ، فمهما قصد الرياء والسمعة فكأنه جعل بعض أطراف العقرب مقويا للحية ، فبقدر ما ضعف من العقرب زاد في قوة الحية ، ولو ترك الأمر كما كان لكان الأمر أهون عليه ، وقوّة هذه الصفات التي بها قوّتها العمل بمقتضاها ، وضعف هذه الصفات بمجاهدتها ومخالفتها ، والعمل بخلاف مقتضاها ، فأي فائدة في أن يخالف دواعي البخل ويجيب دواعي الرياء فيضعف الأدنى ويقوى الأقوى . وستأتي أسرار هذه المعاني في ربع المهلكات الوظيفة الرابعة : أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا للناس في الاقتداء ، ويحرس سره من داعية الرياء بالطريق الذي سنذكره في معالجة الرياء في كتاب الرياء ، فقد قال الله عز وجل : * ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) * « 1 » وذلك حيث يقتضي الحال الابداء ، إما للاقتداء ، وإما لأن السائل إنما سأل على ملأ من الناس ، فلا ينبغي أن يترك التصدق خيفة من الرياء في الإظهار ، بل ينبغي أن يتصدق ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان ، وهذا لأن في الإظهار محذورا ثالثا سوى المنّ والرياء وهو هتك ستر الفقير ، فإنه ربما يتأذى بأن يرى في صورة المحتاج ، فمن أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر هذا المعنى في إظهاره ، وهو كإظهار الفسق على من تستر به فإنه محظور ، والتجسس فيه والاعتياد بذكره منهي عنه ، فأما من أظهره فاقامة الحد عليه إشاعة ، ولكن هو السبب فيها ، وبمثل هذا المعنى قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] « من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له » وقد قال الله تعالى * ( وأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وعَلانِيَةً ) * « 2 » ندب إلى العلانية أيضا لما فيها من فائدة الترغيب ، فليكن العبد دقيق التأمل في وزن هذه الفائدة بالمحذور الذي فيه ، فإن ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص

--------------------------------------------------------------------------

« 1 » البقرة 271
« 2 » فاطر 28

« 1 » البقرة 271 « 2 » فاطر 28

392


فقد يكون الاعلان في بعض الأحوال لبعض الأشخاص أفضل ، ومن عرف الفوائد والغوائل ولم ينظر بعين الشهوة ، اتضح له الأولى والأليق بكل حال

الوظيفة الخامسة : أن لا يفسد صدقته بالمنّ والأذى
قال الله تعالى * ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأَذى ) * « 1 » واختلفوا في حقيقة المنّ والأذى ، فقيل المنّ أن يذكرها ، والأذى أن يظهرها . قال سفيان : من من فسدت صدقته ، فقيل له كيف المنّ ؟ فقال : أن يذكره ويتحدث به . وقيل المنّ أن يستخدمه بالعطاء ، والأذى أن يعيره بالفقر . وقيل المنّ أن يتكبر عليه لأجل عطائه ، والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة ، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] « لا يقبل الله صدقة منّان » وعندي أن المنّ له أصل ومغرس ، وهو من أحوال القلب وصفاته ، ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح ، فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما عليه ، وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه الذي هو طهرته ونجاته من النار ، وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به ، فحقه أن يتقلد منة الفقير إذ جعل كفه نائبا عن الله عز وجل في قبض حق الله عز وجل ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : [ 2 ] « إن الصّدقة تقع بيد الله عزّ وجلّ قبل أن تقع في يد السّائل » . فليتحقق أنه مسلم إلى الله عز وجل حقه ، والفقير آخذ من الله تعالى رزقه بعد صيرورته إلى الله عز وجل ، ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدى الدين كون القابض تحت منته سفها وجهلا ، فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه ، أما برزقه ، أما هو فإنما يقضى الذي لزمه بشراء ما أحبه فهو ساع في حق نفسه فلم يمنّ به على غيره ، ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها في فهم وجوب الزكاة أو أحدها لم ير نفسه محسنا إلا إلى نفسه ، إما ببذل ماله إظهارا لحب الله تعالى ، أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل : أو شكرا على نعمة المال طلبا للمريد ، وكيفما كان فلا معاملة بينه وبين الفقير حتى يرى نفسه محسنا إليه ، ومهما حصل هذا الجهل بأن رأى



فقد يكون الاعلان في بعض الأحوال لبعض الأشخاص أفضل ، ومن عرف الفوائد والغوائل ولم ينظر بعين الشهوة ، اتضح له الأولى والأليق بكل حال الوظيفة الخامسة : أن لا يفسد صدقته بالمنّ والأذى قال الله تعالى * ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأَذى ) * « 1 » واختلفوا في حقيقة المنّ والأذى ، فقيل المنّ أن يذكرها ، والأذى أن يظهرها . قال سفيان : من من فسدت صدقته ، فقيل له كيف المنّ ؟ فقال : أن يذكره ويتحدث به . وقيل المنّ أن يستخدمه بالعطاء ، والأذى أن يعيره بالفقر . وقيل المنّ أن يتكبر عليه لأجل عطائه ، والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة ، وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] « لا يقبل الله صدقة منّان » وعندي أن المنّ له أصل ومغرس ، وهو من أحوال القلب وصفاته ، ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح ، فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما عليه ، وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه الذي هو طهرته ونجاته من النار ، وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به ، فحقه أن يتقلد منة الفقير إذ جعل كفه نائبا عن الله عز وجل في قبض حق الله عز وجل ، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : [ 2 ] « إن الصّدقة تقع بيد الله عزّ وجلّ قبل أن تقع في يد السّائل » . فليتحقق أنه مسلم إلى الله عز وجل حقه ، والفقير آخذ من الله تعالى رزقه بعد صيرورته إلى الله عز وجل ، ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدى الدين كون القابض تحت منته سفها وجهلا ، فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه ، أما برزقه ، أما هو فإنما يقضى الذي لزمه بشراء ما أحبه فهو ساع في حق نفسه فلم يمنّ به على غيره ، ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها في فهم وجوب الزكاة أو أحدها لم ير نفسه محسنا إلا إلى نفسه ، إما ببذل ماله إظهارا لحب الله تعالى ، أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل : أو شكرا على نعمة المال طلبا للمريد ، وكيفما كان فلا معاملة بينه وبين الفقير حتى يرى نفسه محسنا إليه ، ومهما حصل هذا الجهل بأن رأى

--------------------------------------------------------------------------

« 1 » البقرة : 264

« 1 » البقرة : 264

393


نفسه محسنا إليه تفرع منه على ظاهره ما ذكر في معنى المنّ ، وهو التحدث به ، وإظهاره ، وطلب المكافأة منه ، بالشكر والدعاء ، والخدمة والتوقير ، والتعظيم والقيام بالحقوق ، والتقديم في المجالس ، والمتابعة في الأمور . فهذه كلها ثمرات المنة : ومعنى المنة في الباطن ما ذكرناه وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتقطيب الوجه وهتك الستر بالإظهار وفنون الاستخفاف ، وباطنه وهو منبعه أمران ( أحدهما ) كراهيته لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه ، فان ذلك يضيق الخلق لا محالة و ( الثاني ) رؤيته أنه خير من الفقير ، وأن الفقير لسبب حاجته أخس منه ، وكلاهما منشؤه الجهل . أما كراهية تسليم المال فهو حمق ، لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يساوى ألفا فهو شديد الحمق ، ومعلوم أنه يبذل المال بطلب رضا الله عز وجل والثواب في الدار الآخرة ، وذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل أو شكرا لطلب المزيد ، وكيفما فرض فالكراهة لا وجه لها . وأما الثاني فهو أيضا جهل ، لأنه لو عرف فضل الفقر على الغنى وعرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير ، بل تبرك به وتمنى درجته ، فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام ، ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم « هم الأخسرون وربّ الكعبة . فقال أبو ذرّ : من هم ؟ قال : هم الأكثرون أموالا » الحديث . ثم كيف يستحقر الفقير وقد جعله الله تعالى متجرة له ، إذ يكتسب المال بجهده ، ويستكثر منه ، ويجتهد في حفظه بمقدار الحاجة . وقد ألزم أن يسلم إلى الفقير قدر حاجته ، ويكف عنه الفاضل الذي يضره لو سلم إليه فالغنى مستخدم للسعي في رزق الفقير ، ويتميز عليه بتقليد المظالم والتزام المشاق وحراسة الفضلات ، إلى أن يموت فيأكله أعداؤه ، فاذن مهما انتقلت الكراهية وتبدلت بالسرور والفرح بتوفيق الله تعالى له في أداء الواجب وتقبيضه الفقير حتى يخلصه عن عهدته بقبوله منه ، انتفى الأذى والتوبيخ وتقطيب الوجه ، وتبدل بالاستبشار والثناء وقبول المنة . فهذا منشأ المن والأذى فإن قلت : فرؤيته نفسه في درجة المحسن أمر غامض ، فهل من علامة يمتحن بها قلبه فيعرف بها أنه لم ير نفسه محسنا ؟


نفسه محسنا إليه تفرع منه على ظاهره ما ذكر في معنى المنّ ، وهو التحدث به ، وإظهاره ، وطلب المكافأة منه ، بالشكر والدعاء ، والخدمة والتوقير ، والتعظيم والقيام بالحقوق ، والتقديم في المجالس ، والمتابعة في الأمور . فهذه كلها ثمرات المنة : ومعنى المنة في الباطن ما ذكرناه وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتقطيب الوجه وهتك الستر بالإظهار وفنون الاستخفاف ، وباطنه وهو منبعه أمران ( أحدهما ) كراهيته لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه ، فان ذلك يضيق الخلق لا محالة و ( الثاني ) رؤيته أنه خير من الفقير ، وأن الفقير لسبب حاجته أخس منه ، وكلاهما منشؤه الجهل . أما كراهية تسليم المال فهو حمق ، لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يساوى ألفا فهو شديد الحمق ، ومعلوم أنه يبذل المال بطلب رضا الله عز وجل والثواب في الدار الآخرة ، وذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل أو شكرا لطلب المزيد ، وكيفما فرض فالكراهة لا وجه لها . وأما الثاني فهو أيضا جهل ، لأنه لو عرف فضل الفقر على الغنى وعرف خطر الأغنياء لما استحقر الفقير ، بل تبرك به وتمنى درجته ، فصلحاء الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام ، ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم « هم الأخسرون وربّ الكعبة . فقال أبو ذرّ : من هم ؟ قال : هم الأكثرون أموالا » الحديث . ثم كيف يستحقر الفقير وقد جعله الله تعالى متجرة له ، إذ يكتسب المال بجهده ، ويستكثر منه ، ويجتهد في حفظه بمقدار الحاجة . وقد ألزم أن يسلم إلى الفقير قدر حاجته ، ويكف عنه الفاضل الذي يضره لو سلم إليه فالغنى مستخدم للسعي في رزق الفقير ، ويتميز عليه بتقليد المظالم والتزام المشاق وحراسة الفضلات ، إلى أن يموت فيأكله أعداؤه ، فاذن مهما انتقلت الكراهية وتبدلت بالسرور والفرح بتوفيق الله تعالى له في أداء الواجب وتقبيضه الفقير حتى يخلصه عن عهدته بقبوله منه ، انتفى الأذى والتوبيخ وتقطيب الوجه ، وتبدل بالاستبشار والثناء وقبول المنة . فهذا منشأ المن والأذى فإن قلت : فرؤيته نفسه في درجة المحسن أمر غامض ، فهل من علامة يمتحن بها قلبه فيعرف بها أنه لم ير نفسه محسنا ؟

394


فاعلم أن له علامة دقيقة واضحة ، وهو أن يقدر أن الفقير لو جنى عليه جناية أو مالأ عدوا له عليه مثلا ، هل كان يزيد استنكاره واستبعاده له على استنكاره قبل التصدق ؟ فان زاد لم تخل صدقته عن شائبة المنة ، لأنه توقع بسببه ما لم يكن يتوقعه قبل ذلك فان قلت : فهذا أمر غامض ولا ينفك قلب أحد عنه ، فما دواؤه ؟
فاعلم أن له دواء باطنا ودواء ظاهرا ، أما الباطن فالمعرفة بالحقائق التي ذكرناها في فهم الوجوب ، وأن الفقير هو المحسن إليه في تطهيره بالقبول . وأما الظاهر فالأعمال التي يتعاطاها متقلد المنة ، فإن الأفعال التي تصدر عن الأخلاق تصبغ القلب بالأخلاق كما سيأتي أسراره في الشطر الأخير من الكتاب ، ولهذا كان بعضهم يضع الصدقة بين يدي الفقير ويتمثل قائما بين يديه يسأله قبولها حتى يكون هو في صورة السائلين ، وهو يستشعر مع ذلك كراهية لو ردّه وكان بعضهم يبسط كفه ليأخذ الفقير من كفه وتكون يد الفقير هي العليا وكانت عائشة وأم سلمة رضى الله عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا للرسول : احفظ ما يدعو به ، ثم كانتا تردان عليه مثل قوله وتقولان : هذا بذلك حتى تخلص لنا صدقتنا .
فكانوا لا يتوقعون الدعاء لأنه شبه المكافأة ، وكانوا يقابلون الدعاء بمثله . وهكذا فعل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضى الله عنهما ، وهكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل والتواضع وقبول المنة ، ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها ، هذا من حيث العمل وذلك من حيث العلم ، ولا يعالج القلب إلا بمعجون العلم والعمل . وهذه الشريطة من الزكوات تجرى مجرى الخشوع من الصلاة وثبت ذلك بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم : [ 1 ] « ليس للمرء من صلاته إلَّا ما عقل منها » وهذا كقوله صلَّى الله عليه وسلم « لا يتقبّل الله صدقة منّان » وكقوله عز وجل : * ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأَذى ) * « 1 » وأما فتوى الفقيه بوقوعها موقعها وبراءة ذمته عنها دون هذا الشرط فحديث آخر ، وقد أشرنا إلى معناه في كتاب الصلاة



فاعلم أن له علامة دقيقة واضحة ، وهو أن يقدر أن الفقير لو جنى عليه جناية أو مالأ عدوا له عليه مثلا ، هل كان يزيد استنكاره واستبعاده له على استنكاره قبل التصدق ؟ فان زاد لم تخل صدقته عن شائبة المنة ، لأنه توقع بسببه ما لم يكن يتوقعه قبل ذلك فان قلت : فهذا أمر غامض ولا ينفك قلب أحد عنه ، فما دواؤه ؟
فاعلم أن له دواء باطنا ودواء ظاهرا ، أما الباطن فالمعرفة بالحقائق التي ذكرناها في فهم الوجوب ، وأن الفقير هو المحسن إليه في تطهيره بالقبول . وأما الظاهر فالأعمال التي يتعاطاها متقلد المنة ، فإن الأفعال التي تصدر عن الأخلاق تصبغ القلب بالأخلاق كما سيأتي أسراره في الشطر الأخير من الكتاب ، ولهذا كان بعضهم يضع الصدقة بين يدي الفقير ويتمثل قائما بين يديه يسأله قبولها حتى يكون هو في صورة السائلين ، وهو يستشعر مع ذلك كراهية لو ردّه وكان بعضهم يبسط كفه ليأخذ الفقير من كفه وتكون يد الفقير هي العليا وكانت عائشة وأم سلمة رضى الله عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا للرسول : احفظ ما يدعو به ، ثم كانتا تردان عليه مثل قوله وتقولان : هذا بذلك حتى تخلص لنا صدقتنا .
فكانوا لا يتوقعون الدعاء لأنه شبه المكافأة ، وكانوا يقابلون الدعاء بمثله . وهكذا فعل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضى الله عنهما ، وهكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل والتواضع وقبول المنة ، ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها ، هذا من حيث العمل وذلك من حيث العلم ، ولا يعالج القلب إلا بمعجون العلم والعمل . وهذه الشريطة من الزكوات تجرى مجرى الخشوع من الصلاة وثبت ذلك بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم : [ 1 ] « ليس للمرء من صلاته إلَّا ما عقل منها » وهذا كقوله صلَّى الله عليه وسلم « لا يتقبّل الله صدقة منّان » وكقوله عز وجل : * ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأَذى ) * « 1 » وأما فتوى الفقيه بوقوعها موقعها وبراءة ذمته عنها دون هذا الشرط فحديث آخر ، وقد أشرنا إلى معناه في كتاب الصلاة

--------------------------------------------------------------------------

« 1 » البقرة : 264

« 1 » البقرة : 264

395


< فهرس الموضوعات >
الوظيفة السادسة : أن يستصغر العطية
< / فهرس الموضوعات >
الوظيفة السادسة : أن يستصغر العطية
فإنه إن استعظمها أعجب بها ، والعجب من المهلكات وهو محبط للأعمال ، قال تعالى : * ( ويَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ) * « 1 » ويقال إن الطاعة كلما استصغرت عظمت عند الله عز وجل ، والمعصية كلما استعظمت صغرت عند الله عز وجل . وقيل : لا يتم المعروف الا بثلاثة أمور : تصغيره ، وتعجيله ، وستره . وليس الاستعظام هو المنّ والأذى ، فإنه لو صرف ماله إلى عمارة مسجد أو رباط أمكن فيه الاستعظام ، ولا يمكن فيه المنّ والاذى ، بل العجب والاستعظام يجرى في جميع العبادات ودواؤه علم وعمل ، أما العلم فهو أن يعلم أن العشر أو ربع العشر قليل من كثير ، وأنه قد قنع لنفسه بأخس درجات البذل كما ذكرناه في فهم الوجوب ، فهو جدير بأن يستحيي منه ، فكيف يستعظمه وإن ارتقى إلى الدرجة العليا : فبذل كل ماله أو أكثره فليتأمل أنه من أين له المال وإلى ما ذا يصرفه ، فالمال لله عز وجل ، وله المنة عليه إذ أعطاه وو فقه لبذله ، فلم يستعظم في حق الله تعالى ما هو عين حق الله سبحانه ، وإن كان مقامه يقتضي أن ينظر إلى الآخرة وأنه يبذله للثواب فلم يستعظم بذل ما ينتظر عليه أضعافه . وأما العمل فهو أن يعطيه عطاء الخجل من بخله بإمساك بقية ماله عن الله عز وجل ، فتكون هيئته الانكسار والحياء ، كهيئة من يطالب برد وديعة فيمسك بعضها ويرد البعض ، لأن المال كله لله عز وجل ، وبذل جميعه هو الأحب عند الله سبحانه ، وإنما لم يأمر به عبده لأنه يشق عليه بسبب بخله ، كما قال الله عز وجل : * ( فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا ) * . « 2 »
< فهرس الموضوعات >
الوظيفة السابعة : أن ينتقى من ماله أجوده
< / فهرس الموضوعات >
الوظيفة السابعة : أن ينتقى من ماله أجوده
وأحبه إليه وأجله وأطيبه ، فان الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإذا كان المخرج من شبهة فربما لا يكون ملكا له مطلقا فلا يقع الموقع وفي حديث أبان عن أنس بن مالك [ 1 ] « طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية » وإذا لم يكن المخرج من جيد المال فهو من سوء الأدب ، إذ قد يمسك الجيد لنفسه أو لعبده أو لأهله ، فيكون قد آثر على الله عز وجل غيره ، ولو فعل هذا بضيفه وقدم إليه أردأ طعام



< فهرس الموضوعات > الوظيفة السادسة : أن يستصغر العطية < / فهرس الموضوعات > الوظيفة السادسة : أن يستصغر العطية فإنه إن استعظمها أعجب بها ، والعجب من المهلكات وهو محبط للأعمال ، قال تعالى : * ( ويَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ) * « 1 » ويقال إن الطاعة كلما استصغرت عظمت عند الله عز وجل ، والمعصية كلما استعظمت صغرت عند الله عز وجل . وقيل : لا يتم المعروف الا بثلاثة أمور : تصغيره ، وتعجيله ، وستره . وليس الاستعظام هو المنّ والأذى ، فإنه لو صرف ماله إلى عمارة مسجد أو رباط أمكن فيه الاستعظام ، ولا يمكن فيه المنّ والاذى ، بل العجب والاستعظام يجرى في جميع العبادات ودواؤه علم وعمل ، أما العلم فهو أن يعلم أن العشر أو ربع العشر قليل من كثير ، وأنه قد قنع لنفسه بأخس درجات البذل كما ذكرناه في فهم الوجوب ، فهو جدير بأن يستحيي منه ، فكيف يستعظمه وإن ارتقى إلى الدرجة العليا : فبذل كل ماله أو أكثره فليتأمل أنه من أين له المال وإلى ما ذا يصرفه ، فالمال لله عز وجل ، وله المنة عليه إذ أعطاه وو فقه لبذله ، فلم يستعظم في حق الله تعالى ما هو عين حق الله سبحانه ، وإن كان مقامه يقتضي أن ينظر إلى الآخرة وأنه يبذله للثواب فلم يستعظم بذل ما ينتظر عليه أضعافه . وأما العمل فهو أن يعطيه عطاء الخجل من بخله بإمساك بقية ماله عن الله عز وجل ، فتكون هيئته الانكسار والحياء ، كهيئة من يطالب برد وديعة فيمسك بعضها ويرد البعض ، لأن المال كله لله عز وجل ، وبذل جميعه هو الأحب عند الله سبحانه ، وإنما لم يأمر به عبده لأنه يشق عليه بسبب بخله ، كما قال الله عز وجل : * ( فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا ) * . « 2 » < فهرس الموضوعات > الوظيفة السابعة : أن ينتقى من ماله أجوده < / فهرس الموضوعات > الوظيفة السابعة : أن ينتقى من ماله أجوده وأحبه إليه وأجله وأطيبه ، فان الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإذا كان المخرج من شبهة فربما لا يكون ملكا له مطلقا فلا يقع الموقع وفي حديث أبان عن أنس بن مالك [ 1 ] « طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية » وإذا لم يكن المخرج من جيد المال فهو من سوء الأدب ، إذ قد يمسك الجيد لنفسه أو لعبده أو لأهله ، فيكون قد آثر على الله عز وجل غيره ، ولو فعل هذا بضيفه وقدم إليه أردأ طعام

--------------------------------------------------------------------------

« 1 » التوبة : 25
« 2 » محمد : 37

« 1 » التوبة : 25 « 2 » محمد : 37

396


في بيته لأوغر بذلك صدره . هذا إن كان نظره إلى الله عز وجل ، وإن كان نظره إلى نفسه وثوابه في الآخرة فليس بعاقل من يؤثر غيره على نفسه ، وليس له من ماله إلا ما تصدق به فأبقى ، أو أكل فأفنى ، والذي يأكله قضاء وطرفي الحال ، فليس من العقل قصر النظر على العاجلة وترك الادخار . وقد قال الله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا من طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ من الأَرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْه تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيه إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيه ) * « 1 » أي لا تأخذوه إلا مع كراهية وحياء وهو معنى الإغماض فلا تؤثروا به ربكم . وفي الخبر [ 1 ] « سبق درهم مائة ألف درهم » وذلك بأن يخرجه الإنسان وهو من أحل ماله وأجوده ، فيصدر ذلك عن الرضا والفرح بالبدل ، وقد يخرج مائة ألف درهم مما يكره من ماله فيدل ذلك على أنه ليس يؤثر الله عز وجل بشيء مما يحبه ، وبذلك ذم الله تعالى قوما جعلوا لله ما يكرهون ، فقال تعالى : * ( ويَجْعَلُونَ لِلَّه ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا ) * « 2 » وقف بعض القراء على النفي تكذيبا لهم ، ثم ابتدأ وقال : * ( جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ ) * « 3 » أي كسب لهم جعلهم لله ما يكرهون النار
< فهرس الموضوعات >
الوظيفة الثامنة : أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة
< / فهرس الموضوعات >
الوظيفة الثامنة : أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة ، ولا يكتفى بأن يكون من عموم الأصناف الثمانية ، فان في عمومهم خصوص صفات ، فليراع خصوص تلك الصفات ، وهي ستة :
< فهرس الموضوعات >
الأولى : أن يطلب الأتقياء
< / فهرس الموضوعات >
الأولى : أن يطلب الأتقياء
المعرضين عن الدنيا المتجردين لتجارة الآخرة ، قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « لا تأكل إلَّا طعام تقيّ ولا يأكل طعامك إلَّا تقيّ » . وهذا لأن التقى يستعين به على التقوى ، فتكون شريكا له في طاعته باعانتك إياه . وقال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 3 ] « أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين » وفي لفظ آخر [ 4 ] « أضف بطعامك من تحبّه في الله تعالى » . وكان بعض العلماء يؤثر بالطعام فقراء الصوفية دون غيرهم



في بيته لأوغر بذلك صدره . هذا إن كان نظره إلى الله عز وجل ، وإن كان نظره إلى نفسه وثوابه في الآخرة فليس بعاقل من يؤثر غيره على نفسه ، وليس له من ماله إلا ما تصدق به فأبقى ، أو أكل فأفنى ، والذي يأكله قضاء وطرفي الحال ، فليس من العقل قصر النظر على العاجلة وترك الادخار . وقد قال الله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا من طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ من الأَرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْه تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيه إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيه ) * « 1 » أي لا تأخذوه إلا مع كراهية وحياء وهو معنى الإغماض فلا تؤثروا به ربكم . وفي الخبر [ 1 ] « سبق درهم مائة ألف درهم » وذلك بأن يخرجه الإنسان وهو من أحل ماله وأجوده ، فيصدر ذلك عن الرضا والفرح بالبدل ، وقد يخرج مائة ألف درهم مما يكره من ماله فيدل ذلك على أنه ليس يؤثر الله عز وجل بشيء مما يحبه ، وبذلك ذم الله تعالى قوما جعلوا لله ما يكرهون ، فقال تعالى : * ( ويَجْعَلُونَ لِلَّه ما يَكْرَهُونَ وتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا ) * « 2 » وقف بعض القراء على النفي تكذيبا لهم ، ثم ابتدأ وقال : * ( جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ ) * « 3 » أي كسب لهم جعلهم لله ما يكرهون النار < فهرس الموضوعات > الوظيفة الثامنة : أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة < / فهرس الموضوعات > الوظيفة الثامنة : أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة ، ولا يكتفى بأن يكون من عموم الأصناف الثمانية ، فان في عمومهم خصوص صفات ، فليراع خصوص تلك الصفات ، وهي ستة :
< فهرس الموضوعات > الأولى : أن يطلب الأتقياء < / فهرس الموضوعات > الأولى : أن يطلب الأتقياء المعرضين عن الدنيا المتجردين لتجارة الآخرة ، قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « لا تأكل إلَّا طعام تقيّ ولا يأكل طعامك إلَّا تقيّ » . وهذا لأن التقى يستعين به على التقوى ، فتكون شريكا له في طاعته باعانتك إياه . وقال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 3 ] « أطعموا طعامكم الأتقياء وأولوا معروفكم المؤمنين » وفي لفظ آخر [ 4 ] « أضف بطعامك من تحبّه في الله تعالى » . وكان بعض العلماء يؤثر بالطعام فقراء الصوفية دون غيرهم

--------------------------------------------------------------------------

« 1 » البقرة : 62
« 2 » النحل : 62
« 3 » النحل : 62

« 1 » البقرة : 62 « 2 » النحل : 62 « 3 » النحل : 62

397


فقيل له : لو عممت بمعروفك جميع الفقراء لكان أفضل ، فقال : لا هؤلاء قوم هممهم لله سبحانه فإذا طرقتهم فاقة تشتت همّ أحدهم فلأن أرد همة واحد إلى الله عز وجل أحب إلى من أن أعطى ألفا ممن همته الدنيا ، فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسنه ، وقال هذا :
ولى من أولياء الله تعالى ، وقال : ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا ، ثم حكى أن هذا الرجل اختل حاله وهم بترك الحانوت فبعث إليه الجنيد مالا وقال : اجعله بضاعتك ولا تترك الحانوت فان التجارة لا تضر مثلك . وكان هذا الرجل بقالا لا يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه
< فهرس الموضوعات >
الصفة الثانية : أن يكون من أهل العلم خاصة
< / فهرس الموضوعات >
الصفة الثانية : أن يكون من أهل العلم خاصة ، فان ذلك إعانة له على العلم ، والعلم أشرف العبادات مهما صحت فيه النية . وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم ، فقيل له : لو عممت ! فقال : إنى لا أعرف بعد مقام النبوّة أفضل من مقام العلماء ، فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجة لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم ، فتفريغهم للعلم أفضل
< فهرس الموضوعات >
الصفة الثالثة : أن يكون صادقا في تقواه
< / فهرس الموضوعات >
الصفة الثالثة : أن يكون صادقا في تقواه
وعلمه بالتوحيد ، وتوحيده أنه إذا أخذ العطاء حمد الله عز وجل وشكره ورأى أن النعمة منه ولم ينظر إلى واسطة . فهذا هو أشكر العباد لله سبحانه ، وهو أن يرى أن النعمة كلها منه . وفي وصية لقمان لابنه : لا تجعل بينك وبين الله منعما ، واعدد نعمة غيره عليك مغرما . ومن شكر غير الله سبحانه فكأنه لم يعرف المنعم ولم يتيقن أن الواسطة مقهور مسخر بتسخير الله عز وجل ، إذ سلط الله تعالى عليه دواعي الفعل ويسر له الأسباب فأعطى وهو مقهور ، ولو أراد تركه لم يقدر عليه بعد أن ألقى الله عز وجل في قلبه أن صلاح دينه ودنياه في فعله . فمهما قوى الباعث أوجب ذلك جزم الإرادة وانتهاض القدرة ، ولم يستطع العبد مخالفة الباعث القوى الذي لا تردد فيه ، والله عز وجل خالق للبواعث ومهيجها ، ومزيل للضعف والتردد عنها ، ومسخر القدرة للانتهاض بمقتضى البواعث ، فمن تيقن هذا لم يكن له نظر إلا إلى مسبب الأسباب ، وتيقن مثل هذا العبد أنفع للمعطي من ثناء غيره وشكره ، فذلك حركة لسان يقل في الأكثر جدواه ، وإعانة مثل هذا العبد الموحد لا تضيع . وأما الذي يمدح بالعطاء ويدعو بالخير فسيذم بالمنع ، ويدعو بالشر عند الإيذاء ، وأحواله متفاوتة .


فقيل له : لو عممت بمعروفك جميع الفقراء لكان أفضل ، فقال : لا هؤلاء قوم هممهم لله سبحانه فإذا طرقتهم فاقة تشتت همّ أحدهم فلأن أرد همة واحد إلى الله عز وجل أحب إلى من أن أعطى ألفا ممن همته الدنيا ، فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسنه ، وقال هذا :
ولى من أولياء الله تعالى ، وقال : ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا ، ثم حكى أن هذا الرجل اختل حاله وهم بترك الحانوت فبعث إليه الجنيد مالا وقال : اجعله بضاعتك ولا تترك الحانوت فان التجارة لا تضر مثلك . وكان هذا الرجل بقالا لا يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه < فهرس الموضوعات > الصفة الثانية : أن يكون من أهل العلم خاصة < / فهرس الموضوعات > الصفة الثانية : أن يكون من أهل العلم خاصة ، فان ذلك إعانة له على العلم ، والعلم أشرف العبادات مهما صحت فيه النية . وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم ، فقيل له : لو عممت ! فقال : إنى لا أعرف بعد مقام النبوّة أفضل من مقام العلماء ، فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجة لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم ، فتفريغهم للعلم أفضل < فهرس الموضوعات > الصفة الثالثة : أن يكون صادقا في تقواه < / فهرس الموضوعات > الصفة الثالثة : أن يكون صادقا في تقواه وعلمه بالتوحيد ، وتوحيده أنه إذا أخذ العطاء حمد الله عز وجل وشكره ورأى أن النعمة منه ولم ينظر إلى واسطة . فهذا هو أشكر العباد لله سبحانه ، وهو أن يرى أن النعمة كلها منه . وفي وصية لقمان لابنه : لا تجعل بينك وبين الله منعما ، واعدد نعمة غيره عليك مغرما . ومن شكر غير الله سبحانه فكأنه لم يعرف المنعم ولم يتيقن أن الواسطة مقهور مسخر بتسخير الله عز وجل ، إذ سلط الله تعالى عليه دواعي الفعل ويسر له الأسباب فأعطى وهو مقهور ، ولو أراد تركه لم يقدر عليه بعد أن ألقى الله عز وجل في قلبه أن صلاح دينه ودنياه في فعله . فمهما قوى الباعث أوجب ذلك جزم الإرادة وانتهاض القدرة ، ولم يستطع العبد مخالفة الباعث القوى الذي لا تردد فيه ، والله عز وجل خالق للبواعث ومهيجها ، ومزيل للضعف والتردد عنها ، ومسخر القدرة للانتهاض بمقتضى البواعث ، فمن تيقن هذا لم يكن له نظر إلا إلى مسبب الأسباب ، وتيقن مثل هذا العبد أنفع للمعطي من ثناء غيره وشكره ، فذلك حركة لسان يقل في الأكثر جدواه ، وإعانة مثل هذا العبد الموحد لا تضيع . وأما الذي يمدح بالعطاء ويدعو بالخير فسيذم بالمنع ، ويدعو بالشر عند الإيذاء ، وأحواله متفاوتة .

398


وقد روى « أنّه صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] بعث معروفا إلى بعض الفقراء وقال للرّسول :
احفظ ما يقول فلمّا أخذ قال الحمد لله الَّذي لا ينسى من ذكره ولا يضيّع من شكره ، ثم قال : اللَّهمّ إنّك لم تنس فلانا - يعنى نفسه - فاجعل فلانا لا ينساك يعنى بفلان نفسه فأخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك فسرّ وقال صلَّى الله عليه وسلَّم : علمت أنّه يقول ذلك « فانظر كيف قصر التفاته على الله وحده ! وقال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 2 ] لرجل :
تب ، فقال : أتوب إلى الله وحده ولا أتوب إلى محمّد ، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم :
« عرف الحقّ لأهله » [ 3 ] ولما نزلت براءة عائشة رضى الله عنها في قصة الإفك قال أبو بكر رضى الله عنه قومي فقبّلى رأس رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فقالت :
والله لا أفعل ولا أحمد إلَّا الله ، فقال صلَّى الله عليه وسلم : دعها يا أبا بكر . وفي لفظ آخر :
أنها رضى الله عنها قالت لأبي بكر رضى الله عنه : بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك ، فلم ينكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عليها ذلك ، مع أن الوحي وصل إليها على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، ورؤية الأشياء من غير الله سبحانه وصف الكافرين ،


وقد روى « أنّه صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] بعث معروفا إلى بعض الفقراء وقال للرّسول :
احفظ ما يقول فلمّا أخذ قال الحمد لله الَّذي لا ينسى من ذكره ولا يضيّع من شكره ، ثم قال : اللَّهمّ إنّك لم تنس فلانا - يعنى نفسه - فاجعل فلانا لا ينساك يعنى بفلان نفسه فأخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك فسرّ وقال صلَّى الله عليه وسلَّم : علمت أنّه يقول ذلك « فانظر كيف قصر التفاته على الله وحده ! وقال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 2 ] لرجل :
تب ، فقال : أتوب إلى الله وحده ولا أتوب إلى محمّد ، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم :
« عرف الحقّ لأهله » [ 3 ] ولما نزلت براءة عائشة رضى الله عنها في قصة الإفك قال أبو بكر رضى الله عنه قومي فقبّلى رأس رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فقالت :
والله لا أفعل ولا أحمد إلَّا الله ، فقال صلَّى الله عليه وسلم : دعها يا أبا بكر . وفي لفظ آخر :
أنها رضى الله عنها قالت لأبي بكر رضى الله عنه : بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك ، فلم ينكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عليها ذلك ، مع أن الوحي وصل إليها على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، ورؤية الأشياء من غير الله سبحانه وصف الكافرين ،

399

لا يتم تسجيل الدخول!