إسم الكتاب : إحياء علوم الدين ( عدد الصفحات : 204)


إحياء علوم الدين
أبو حامد غزالي
الجزء الثاني
دار الكتاب العربي
بيروت


إحياء علوم الدين أبو حامد غزالي الجزء الثاني دار الكتاب العربي بيروت

تعريف الكتاب


< فهرس الموضوعات >
الجزء الثّاني
< / فهرس الموضوعات >
الجزء الثّاني
< فهرس الموضوعات >
[ تتمة ربع العبادات ]
< / فهرس الموضوعات >
[ تتمة ربع العبادات ]
< فهرس الموضوعات >
[ تتمة كتاب قواعد العقائد ]
< / فهرس الموضوعات >
[ تتمة كتاب قواعد العقائد ]
< فهرس الموضوعات >
[ تتمة الفصل الثالث ]
< / فهرس الموضوعات >
[ تتمة الفصل الثالث ]
< فهرس الموضوعات >
الركن الثالث : العلم بأفعال الله تعالى
< / فهرس الموضوعات >
الركن الثالث : العلم بأفعال الله تعالى ، ومداره على عشرة أصول
< فهرس الموضوعات >
الأصل الأول العلم بأن كل حادث في العالم فهو فعله
< / فهرس الموضوعات >
الأصل الأول العلم بأن كل حادث في العالم فهو فعله
وخلقه واختراعه ، لا خالق له سواه ولا محدث له إلا إياه ، خلق الخلق وصنعهم ، وأوجد قدرتهم وحركتهم ، فجميع أفعال عباده مخلوقه له ، ومتعلقة بقدرته ، تصديقا له في قوله تعالى : * ( الله خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) * وفي قوله تعالى : * ( - والله خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ ) * وفي قوله تعالى * ( وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا به إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . أَلا يَعْلَمُ من خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * أمر العباد بالتحرز في أقوالهم وأفعالهم وإسرارهم وإضمارهم ، لعلمه بموارد أفعالهم واستدل على العالم بالخلق ، وكيف لا يكون خالقا لفعل العبد وقدرته تامة لا قصور فيها ، وهي متعلقة بحركة أبدان العباد ، والحركات متماثلة ، وتعلق القدرة بها لذاتها ؟ فما الذي يقصر تعلقها عن بعض الحركات دون البعض مع تماثلها ؟ أو كيف يكون الحيوان مستبدا بالاختراع ويصدر من العنكبوت والنحل وسائر الحيوانات من لطائف الصناعات ما يتحير فيه عقول ذوي الألباب ؟ فكيف انفردت هي باختراعها دون رب الأرباب وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الاكتساب ؟ هيهات هيهات ! ذلت المخلوقات ، وتفرد بالملك والملكوت جبار الأرض والسموات
< فهرس الموضوعات >
الأصل الثاني
< / فهرس الموضوعات >
الأصل الثاني
أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب ، بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعا ، وخلق الاختيار والمختار جميعا . فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له . وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له ، فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه ، وكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة ، فتسمى باعتبار تلك النسبة كسبا ، وكيف تكون جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية ؟ أو كيف يكون خلقا للعبد وهو لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها ، وإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد ، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعا ، وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب ، وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط ، إذ


< فهرس الموضوعات > الجزء الثّاني < / فهرس الموضوعات > الجزء الثّاني < فهرس الموضوعات > [ تتمة ربع العبادات ] < / فهرس الموضوعات > [ تتمة ربع العبادات ] < فهرس الموضوعات > [ تتمة كتاب قواعد العقائد ] < / فهرس الموضوعات > [ تتمة كتاب قواعد العقائد ] < فهرس الموضوعات > [ تتمة الفصل الثالث ] < / فهرس الموضوعات > [ تتمة الفصل الثالث ] < فهرس الموضوعات > الركن الثالث : العلم بأفعال الله تعالى < / فهرس الموضوعات > الركن الثالث : العلم بأفعال الله تعالى ، ومداره على عشرة أصول < فهرس الموضوعات > الأصل الأول العلم بأن كل حادث في العالم فهو فعله < / فهرس الموضوعات > الأصل الأول العلم بأن كل حادث في العالم فهو فعله وخلقه واختراعه ، لا خالق له سواه ولا محدث له إلا إياه ، خلق الخلق وصنعهم ، وأوجد قدرتهم وحركتهم ، فجميع أفعال عباده مخلوقه له ، ومتعلقة بقدرته ، تصديقا له في قوله تعالى : * ( الله خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) * وفي قوله تعالى : * ( - والله خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ ) * وفي قوله تعالى * ( وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا به إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . أَلا يَعْلَمُ من خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * أمر العباد بالتحرز في أقوالهم وأفعالهم وإسرارهم وإضمارهم ، لعلمه بموارد أفعالهم واستدل على العالم بالخلق ، وكيف لا يكون خالقا لفعل العبد وقدرته تامة لا قصور فيها ، وهي متعلقة بحركة أبدان العباد ، والحركات متماثلة ، وتعلق القدرة بها لذاتها ؟ فما الذي يقصر تعلقها عن بعض الحركات دون البعض مع تماثلها ؟ أو كيف يكون الحيوان مستبدا بالاختراع ويصدر من العنكبوت والنحل وسائر الحيوانات من لطائف الصناعات ما يتحير فيه عقول ذوي الألباب ؟ فكيف انفردت هي باختراعها دون رب الأرباب وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الاكتساب ؟ هيهات هيهات ! ذلت المخلوقات ، وتفرد بالملك والملكوت جبار الأرض والسموات < فهرس الموضوعات > الأصل الثاني < / فهرس الموضوعات > الأصل الثاني أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب ، بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعا ، وخلق الاختيار والمختار جميعا . فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له . وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له ، فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه ، وكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة ، فتسمى باعتبار تلك النسبة كسبا ، وكيف تكون جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية ؟ أو كيف يكون خلقا للعبد وهو لا يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها ، وإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد ، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعا ، وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب ، وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط ، إذ

193


قدرة الله تعالى في الأزل قد كانت متعلقة بالعالم ولم يكن الاختراع حاصلا بها ، وهي عند الاختراع متعلقة به نوعا آخر من التعلق . فبه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصا بحصول المقدور بها

الأصل الثالث
أن فعل العبد وإن كان كسبا للعبد فلا يخرج عن كونه مرادا لله سبحانه ، فلا يجرى في الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر إلا بقضاء الله وقدرته ، وبإرادته ومشيئته ، ومنه الشر والخير ، والنفع والضر ، والإسلام والكفر ، والعرفان والنكر ، والفوز والخسران ، والغواية والرشد ، والطاعة والعصيان ، والشرك والإيمان ، لا رادّ لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، يضل من يشاء ويهدى من يشاء ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ويدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة : ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وقول الله عز وجل :
* ( أَنْ لَوْ يَشاءُ الله لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ) * وقوله تعالى : * ( ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) * ويدل عليه من جهة العقل أن المعاصي والجرائم إن كان الله يكرهها ولا يريدها وإنما هي جارية على وفق إرادة العدو إبليس لعنه الله مع أنه عدو لله سبحانه والجاري على وفق إرادة العدو أكثر من الجاري على وفق إرادته تعالى ، فليت شعري ، كيف يستجيز المسلم أن يرد ملك الجبار ذي الجلال والإكرام إلى رتبة لو ردت إليها رياسة زعيم ضيعة لاستنكف منها ! إذ لو كان ما يستمر لعدو الزعيم في القرية أكثر مما يستقيم له لاستنكف من زعامته وتبرأ عن ولايته ، والمعصية هي الغالبة على الخلق ، وكل ذلك جار عند المبتدعة على خلاف إرادة الحق تعالى . وهذا غاية الضعف والعجز ، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علوا كبيرا .
ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة لله صح أنها مرادة له فإن قيل : فكيف ينهى عما يريد ويأمر بما لا يريد ؟ قلنا الأمر غير الارادة ، ولذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان عليه فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذبه السّلطان فأراد إظهار حجته بأن يأمر العبد بفعل ويخالفه بين يديه ، فقال له : أسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان فهو يأمره بما لا يريد امتثاله ، ولو لم يكن آمرا لما كان عذره عند السلطان ممهدا ، ولو كان مريدا لامتثاله لكان مريدا لهلاك نفسه ، وهو محال


قدرة الله تعالى في الأزل قد كانت متعلقة بالعالم ولم يكن الاختراع حاصلا بها ، وهي عند الاختراع متعلقة به نوعا آخر من التعلق . فبه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصا بحصول المقدور بها الأصل الثالث أن فعل العبد وإن كان كسبا للعبد فلا يخرج عن كونه مرادا لله سبحانه ، فلا يجرى في الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر إلا بقضاء الله وقدرته ، وبإرادته ومشيئته ، ومنه الشر والخير ، والنفع والضر ، والإسلام والكفر ، والعرفان والنكر ، والفوز والخسران ، والغواية والرشد ، والطاعة والعصيان ، والشرك والإيمان ، لا رادّ لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، يضل من يشاء ويهدى من يشاء ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ويدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة : ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وقول الله عز وجل :
* ( أَنْ لَوْ يَشاءُ الله لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ) * وقوله تعالى : * ( ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) * ويدل عليه من جهة العقل أن المعاصي والجرائم إن كان الله يكرهها ولا يريدها وإنما هي جارية على وفق إرادة العدو إبليس لعنه الله مع أنه عدو لله سبحانه والجاري على وفق إرادة العدو أكثر من الجاري على وفق إرادته تعالى ، فليت شعري ، كيف يستجيز المسلم أن يرد ملك الجبار ذي الجلال والإكرام إلى رتبة لو ردت إليها رياسة زعيم ضيعة لاستنكف منها ! إذ لو كان ما يستمر لعدو الزعيم في القرية أكثر مما يستقيم له لاستنكف من زعامته وتبرأ عن ولايته ، والمعصية هي الغالبة على الخلق ، وكل ذلك جار عند المبتدعة على خلاف إرادة الحق تعالى . وهذا غاية الضعف والعجز ، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علوا كبيرا .
ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة لله صح أنها مرادة له فإن قيل : فكيف ينهى عما يريد ويأمر بما لا يريد ؟ قلنا الأمر غير الارادة ، ولذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان عليه فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذبه السّلطان فأراد إظهار حجته بأن يأمر العبد بفعل ويخالفه بين يديه ، فقال له : أسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان فهو يأمره بما لا يريد امتثاله ، ولو لم يكن آمرا لما كان عذره عند السلطان ممهدا ، ولو كان مريدا لامتثاله لكان مريدا لهلاك نفسه ، وهو محال

194


< فهرس الموضوعات >
الأصل الرابع
< / فهرس الموضوعات >
الأصل الرابع
أن الله تعالى متفضل بالخلق والاختراع ، ومتطوّل بتكليف العباد ، ولم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه . وقالت المعتزلة : وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد ، وهو محال ، إذ هو الموجب والآمر والناهي ، وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب ؟ والمراد بالواجب أحد أمرين : إما الفعل الذي في تركه ضرر . إما آجل كما يقال : يجب على العبد أن يطيع الله حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار ، أو ضرر عاجل كما يقال : يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت ، وإما أن يراد به الذي يؤدى عدمه إلى محال ، كما يقال : وجود المعلوم واجب ، إذ عدمه يؤدى إلى محال وهو أن يصير العلم جهلا ، فان أراد الخصم بأن الخلق واجب على الله بالمعنى الأول فقد عرضه للضرر ، وأن أراد به المعنى الثاني فهو مسلَّم ، إذ بعد سبق العلم لا بد من وجود المعلوم . وإن أراد به معنى ثالثا فهو غير مفهوم . وقوله : يجب لمصلحة عباده ، كلام فاسد ، فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد لم يكن للوجوب في حقه معنى . ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة ، فأما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يهدفهم لخطر العقاب وهول العرض والحساب ، فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب
< فهرس الموضوعات >
الأصل الخامس
< / فهرس الموضوعات >
الأصل الخامس
أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه ، خلافا للمعتزلة ، ولو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه ، وقد سألوا ذلك فقالوا : * ( رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به ) * ولأن الله تعالى أخبر نبيه صلَّى الله عليه وسلم بأن أبا جهل لا يصدّقه ثم أمره بأن يأمره بأن يصدّقه في جميع أقواله ، وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه ، فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه ؟ وهل هذا الامحال وجوده ؟
< فهرس الموضوعات >
الأصل السادس
< / فهرس الموضوعات >
الأصل السادس
أن لله عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ، ومن غير ثواب لا حق ، خلافا للمعتزلة ، لأنه متصرف في ملكه ، ولا يتصوّر أن يعدو تصرفه ملكه ، والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه ، وهو محال على الله تعالى ، فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما . ويدل على جواز ذلك وجوده ، فان ذبح البهائم إيلام لها ، وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة


< فهرس الموضوعات > الأصل الرابع < / فهرس الموضوعات > الأصل الرابع أن الله تعالى متفضل بالخلق والاختراع ، ومتطوّل بتكليف العباد ، ولم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه . وقالت المعتزلة : وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد ، وهو محال ، إذ هو الموجب والآمر والناهي ، وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب ؟ والمراد بالواجب أحد أمرين : إما الفعل الذي في تركه ضرر . إما آجل كما يقال : يجب على العبد أن يطيع الله حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار ، أو ضرر عاجل كما يقال : يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت ، وإما أن يراد به الذي يؤدى عدمه إلى محال ، كما يقال : وجود المعلوم واجب ، إذ عدمه يؤدى إلى محال وهو أن يصير العلم جهلا ، فان أراد الخصم بأن الخلق واجب على الله بالمعنى الأول فقد عرضه للضرر ، وأن أراد به المعنى الثاني فهو مسلَّم ، إذ بعد سبق العلم لا بد من وجود المعلوم . وإن أراد به معنى ثالثا فهو غير مفهوم . وقوله : يجب لمصلحة عباده ، كلام فاسد ، فإنه إذا لم يتضرر بترك مصلحة العباد لم يكن للوجوب في حقه معنى . ثم إن مصلحة العباد في أن يخلقهم في الجنة ، فأما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يهدفهم لخطر العقاب وهول العرض والحساب ، فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب < فهرس الموضوعات > الأصل الخامس < / فهرس الموضوعات > الأصل الخامس أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه ، خلافا للمعتزلة ، ولو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه ، وقد سألوا ذلك فقالوا : * ( رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به ) * ولأن الله تعالى أخبر نبيه صلَّى الله عليه وسلم بأن أبا جهل لا يصدّقه ثم أمره بأن يأمره بأن يصدّقه في جميع أقواله ، وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه ، فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه ؟ وهل هذا الامحال وجوده ؟
< فهرس الموضوعات > الأصل السادس < / فهرس الموضوعات > الأصل السادس أن لله عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ، ومن غير ثواب لا حق ، خلافا للمعتزلة ، لأنه متصرف في ملكه ، ولا يتصوّر أن يعدو تصرفه ملكه ، والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه ، وهو محال على الله تعالى ، فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما . ويدل على جواز ذلك وجوده ، فان ذبح البهائم إيلام لها ، وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة

195


فإن قيل : إن الله تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ، ويجب ذلك على الله سبحانه فنقول : من زعم أنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت ، وكل بقة عركت حتى يثيبها على آلامها ، فقد خرج عن الشرع والعقل ، إذ يقال : وصف الثواب والحشر بكونه واجبا عليه إن كان المراد به أنه يتضرر بتركه ، فهو محال ، وإن أريد به غيره فقد سبق أنه غير مفهوم إذا خرج عن المعاني المذكورة للواجب

الأصل السابع أنه تعالى يفعل بعباده ما يشاء
، فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده لما ذكرناه من أنه لا يجب عليه سبحانه شيء ، بل لا يعقل في حقه الوجوب ، فإنه * ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ ) * .
وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله : إن الاصلح واجب عليه في مسألة نعرضها عليه ، وهو أن يفرض مناظرة في الآخرة بين صبي وبين بالغ ماتا مسلمين فإن الله سبحانه يزيد في درجات البالغ ويفضله عن الصبي لأنه تعب بالايمان والطاعات بعد البلوغ ، ويجب عليه ذلك عند المعتزلي ، فلو قال الصبي : يا رب لم رفعت منزلته علي ؟ فيقول : لأنه بلغ واجتهد في الطاعات ويقول الصبي : أنت أمتنى في الصبا فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى أبلغ فأجتهد فقد عدلت عن العدل في التفضيل عليه بطول العمر له دوني فلم فضلته ؟ فيقول الله تعالى : لأني علمت أنك لو بلغت لأشركت أو عصيت فكان الأصلح لك الموت في الصبا . هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل ، وعند هذا ينادى الكفار من دركات لظى ويقولون : يا رب أما علمت أننا إذا بلغنا أشركنا فهلا أمتنا في الصبا فانا رضينا بما دون منزلة الصبي المسلم : فبما ذا يجاب عن ذلك ؟
وهل يجب عند هذا إلا القطع بأن الأمور الإلهية تتعالى بحكم الجلال عن أن توزن بميزان أهل الاعتزال فان قيل : مهما قدر على رعاية الأصلح للعباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب كان ذلك قبيحا لا يليق بالحكمة قلنا : القبيح ما لا يوافق الغرض ، حتى إنه قد يكون الشيء قبيحا عند شخص حسنا عند غيره إذا وافق غرض أحدهما دون الآخر ، حتى يستقبح قتل الشخص أولياؤه ويستحسنه


فإن قيل : إن الله تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ، ويجب ذلك على الله سبحانه فنقول : من زعم أنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت ، وكل بقة عركت حتى يثيبها على آلامها ، فقد خرج عن الشرع والعقل ، إذ يقال : وصف الثواب والحشر بكونه واجبا عليه إن كان المراد به أنه يتضرر بتركه ، فهو محال ، وإن أريد به غيره فقد سبق أنه غير مفهوم إذا خرج عن المعاني المذكورة للواجب الأصل السابع أنه تعالى يفعل بعباده ما يشاء ، فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده لما ذكرناه من أنه لا يجب عليه سبحانه شيء ، بل لا يعقل في حقه الوجوب ، فإنه * ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ ) * .
وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله : إن الاصلح واجب عليه في مسألة نعرضها عليه ، وهو أن يفرض مناظرة في الآخرة بين صبي وبين بالغ ماتا مسلمين فإن الله سبحانه يزيد في درجات البالغ ويفضله عن الصبي لأنه تعب بالايمان والطاعات بعد البلوغ ، ويجب عليه ذلك عند المعتزلي ، فلو قال الصبي : يا رب لم رفعت منزلته علي ؟ فيقول : لأنه بلغ واجتهد في الطاعات ويقول الصبي : أنت أمتنى في الصبا فكان يجب عليك أن تديم حياتي حتى أبلغ فأجتهد فقد عدلت عن العدل في التفضيل عليه بطول العمر له دوني فلم فضلته ؟ فيقول الله تعالى : لأني علمت أنك لو بلغت لأشركت أو عصيت فكان الأصلح لك الموت في الصبا . هذا عذر المعتزلي عن الله عز وجل ، وعند هذا ينادى الكفار من دركات لظى ويقولون : يا رب أما علمت أننا إذا بلغنا أشركنا فهلا أمتنا في الصبا فانا رضينا بما دون منزلة الصبي المسلم : فبما ذا يجاب عن ذلك ؟
وهل يجب عند هذا إلا القطع بأن الأمور الإلهية تتعالى بحكم الجلال عن أن توزن بميزان أهل الاعتزال فان قيل : مهما قدر على رعاية الأصلح للعباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب كان ذلك قبيحا لا يليق بالحكمة قلنا : القبيح ما لا يوافق الغرض ، حتى إنه قد يكون الشيء قبيحا عند شخص حسنا عند غيره إذا وافق غرض أحدهما دون الآخر ، حتى يستقبح قتل الشخص أولياؤه ويستحسنه

196


أعداؤه ، فان أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال ، إذ لا غرض له ، فلا يتصور منه قبيح ، كما لا يتصور منه ظلم ، إذ لا يتصور منه التصرف في ملك الغير . وإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم إن ذلك عليه محال ؟ وهل هذا إلا مجرد تشهي يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار ؟ ثم الحكيم معناه العالم بحقائق الأشياء القادر على فعلها على وفق إرادته ، وهذا من أين يوجب رعاية الأصلح ، وأما الحكيم منا يراعي الأصلح نظرا لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناء وفي الآخرة ثوابا ، أو يدفع به عن نفسه آفة ، وكل ذلك على الله سبحانه وتعالى محال

الأصل الثامن أن معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة
بإيجاب الله تعالى وشرعه ، لا بالعقل ، خلافا للمعتزلة لأن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن يوجبها لغير فائدة وهو محال ، فان العقل لا يوجب العبث ، وإما أن يوجبها لفائدة وغرض ، وذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود وذلك محال في حقه تعالى ، فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد ، بل الكفر والإيمان والطاعة والعصيان في حقه تعالى سيّان . وإما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد وهو أيضا محال لأنه لا غرض له في الحال ، بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه ، وليس في المآل إلا الثواب والعقاب . ومن أين يعلم أن الله تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما مع أن الطاعة والمعصية في حقه يتساويان ، إذ ليس له إلى أحدهما ميل ولا به لأحدهما اختصاص وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع ؟ ولقد ذل من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق والمخلوق حيث يفرق بين الشكر والكفران لما له من الارتياح والاهتزاز والتلذذ بأحدهما دون الآخر فإن قيل : فإذا لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر ما لم ينظر المكلف فيه ، فإذا قال المكلف للنبيّ : إن العقل ليس يوجب على النظر والشرع لا يثبت عندي إلا بالنظر ، ولست أقدم على النظر ، أدّى ذلك إلى إفحام الرسول صلَّى الله عليه وسلم قلنا : هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع : إن وراءك سبعا ضاريا فإن لم تبرح عن المكان قتلك ، وإن التفتّ وراءك ونظرت عرفت صدقى . فيقول الواقف :


أعداؤه ، فان أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال ، إذ لا غرض له ، فلا يتصور منه قبيح ، كما لا يتصور منه ظلم ، إذ لا يتصور منه التصرف في ملك الغير . وإن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم إن ذلك عليه محال ؟ وهل هذا إلا مجرد تشهي يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار ؟ ثم الحكيم معناه العالم بحقائق الأشياء القادر على فعلها على وفق إرادته ، وهذا من أين يوجب رعاية الأصلح ، وأما الحكيم منا يراعي الأصلح نظرا لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناء وفي الآخرة ثوابا ، أو يدفع به عن نفسه آفة ، وكل ذلك على الله سبحانه وتعالى محال الأصل الثامن أن معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب الله تعالى وشرعه ، لا بالعقل ، خلافا للمعتزلة لأن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن يوجبها لغير فائدة وهو محال ، فان العقل لا يوجب العبث ، وإما أن يوجبها لفائدة وغرض ، وذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود وذلك محال في حقه تعالى ، فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد ، بل الكفر والإيمان والطاعة والعصيان في حقه تعالى سيّان . وإما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد وهو أيضا محال لأنه لا غرض له في الحال ، بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه ، وليس في المآل إلا الثواب والعقاب . ومن أين يعلم أن الله تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما مع أن الطاعة والمعصية في حقه يتساويان ، إذ ليس له إلى أحدهما ميل ولا به لأحدهما اختصاص وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع ؟ ولقد ذل من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق والمخلوق حيث يفرق بين الشكر والكفران لما له من الارتياح والاهتزاز والتلذذ بأحدهما دون الآخر فإن قيل : فإذا لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر ما لم ينظر المكلف فيه ، فإذا قال المكلف للنبيّ : إن العقل ليس يوجب على النظر والشرع لا يثبت عندي إلا بالنظر ، ولست أقدم على النظر ، أدّى ذلك إلى إفحام الرسول صلَّى الله عليه وسلم قلنا : هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع : إن وراءك سبعا ضاريا فإن لم تبرح عن المكان قتلك ، وإن التفتّ وراءك ونظرت عرفت صدقى . فيقول الواقف :

197


لا يثبت صدقك ما لم ألتفت ورائي ، ولا ألتفت ورائي ولا أنظر ما لم يثبت صدقك فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتهدفه للهلاك ، ولا ضرر فيه على الهادي المرشد ، فكذلك النبي صلَّى الله عليه وسلم يقول إن وراءكم الموت ، ودونه السباع الضارية والنيران المحرقة إن لم تأخذوا منها حذركم وتعرفوا لي صدقى بالالتفات إلى معجزتي وإلا هلكتم ، فمن التفت عرف واحترز ونجا ، ومن لم يلتفت وأصر هلك وتردى ، ولا ضرر علىّ إن هلك الناس كلهم أجمعون ، وإنما علىّ البلاغ المبين . فالشرع يعرف وجود السباع الضارية بعد الموت ، والعقل يفيد فهم كلامه والإحاطة بإمكان ما يقوله في المستقبل ، والطبع يستحث على الحذر من الضرر ومعنى كون الشيء واجبا أن في تركه ضررا . ومعنى كون الشرع موجبا أنه معرف للضرر المتوقع ، فان العقل لا يهدى إلى التهدف للضرر بعد الموت عند اتباع الشهوات . فهذا معنى الشرع والعقل وتأثيرهما في تقدير الواجب . ولو لا خوف العقاب على ترك ما أمر به لم يكن الوجوب ثابتا ، إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ضرر في الآخرة
< فهرس الموضوعات >
الأصل التاسع أنه ليس يستحيل بعثة الأنبياء عليهم السلام
< / فهرس الموضوعات >
الأصل التاسع أنه ليس يستحيل بعثة الأنبياء عليهم السلام
، خلافا للبراهمة حيث قالوا : لا فائدة في بعثتهم إذ في العقل مندوحة عنهم ، لأن العقل لا يهدى إلى الأفعال المنجية في الآخرة كما لا يهدى إلى الأدوية المفيدة للصحة ، فحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء ، ولكن يعرف صدق الطبيب بالتجربة ، ويعرف صدق النبي بالمعجزة
< فهرس الموضوعات >
الأصل العاشر
< / فهرس الموضوعات >
الأصل العاشر
أن الله سبحانه قد أرسل محمدا صلَّى الله عليه وسلم خاتما للنبيين ، وناسخا لما قبله من شرائع اليهود والنصارى والصابئين ، وأيده بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة [ 1 ] « كانشقاق القمر » [ 2 ] « وتسبيح الحصى » [ 3 ] « وإنطاق العجماء وما تفجّر من بين أصابعه من الماء »


لا يثبت صدقك ما لم ألتفت ورائي ، ولا ألتفت ورائي ولا أنظر ما لم يثبت صدقك فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتهدفه للهلاك ، ولا ضرر فيه على الهادي المرشد ، فكذلك النبي صلَّى الله عليه وسلم يقول إن وراءكم الموت ، ودونه السباع الضارية والنيران المحرقة إن لم تأخذوا منها حذركم وتعرفوا لي صدقى بالالتفات إلى معجزتي وإلا هلكتم ، فمن التفت عرف واحترز ونجا ، ومن لم يلتفت وأصر هلك وتردى ، ولا ضرر علىّ إن هلك الناس كلهم أجمعون ، وإنما علىّ البلاغ المبين . فالشرع يعرف وجود السباع الضارية بعد الموت ، والعقل يفيد فهم كلامه والإحاطة بإمكان ما يقوله في المستقبل ، والطبع يستحث على الحذر من الضرر ومعنى كون الشيء واجبا أن في تركه ضررا . ومعنى كون الشرع موجبا أنه معرف للضرر المتوقع ، فان العقل لا يهدى إلى التهدف للضرر بعد الموت عند اتباع الشهوات . فهذا معنى الشرع والعقل وتأثيرهما في تقدير الواجب . ولو لا خوف العقاب على ترك ما أمر به لم يكن الوجوب ثابتا ، إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ضرر في الآخرة < فهرس الموضوعات > الأصل التاسع أنه ليس يستحيل بعثة الأنبياء عليهم السلام < / فهرس الموضوعات > الأصل التاسع أنه ليس يستحيل بعثة الأنبياء عليهم السلام ، خلافا للبراهمة حيث قالوا : لا فائدة في بعثتهم إذ في العقل مندوحة عنهم ، لأن العقل لا يهدى إلى الأفعال المنجية في الآخرة كما لا يهدى إلى الأدوية المفيدة للصحة ، فحاجة الخلق إلى الأنبياء كحاجتهم إلى الأطباء ، ولكن يعرف صدق الطبيب بالتجربة ، ويعرف صدق النبي بالمعجزة < فهرس الموضوعات > الأصل العاشر < / فهرس الموضوعات > الأصل العاشر أن الله سبحانه قد أرسل محمدا صلَّى الله عليه وسلم خاتما للنبيين ، وناسخا لما قبله من شرائع اليهود والنصارى والصابئين ، وأيده بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة [ 1 ] « كانشقاق القمر » [ 2 ] « وتسبيح الحصى » [ 3 ] « وإنطاق العجماء وما تفجّر من بين أصابعه من الماء »

198


ومن آياته الظاهرة التي تحدّى بها مع كافة العرب القرءان العظيم ، فإنهم مع تميزهم بالفصاحة والبلاغة تهدّفوا لسبيه ونهبه وقتله وإخراجه كما أخبر الله عز وجل عنهم ، ولم يقدروا على معارضته بمثل القرءان ، إذ لم يكن في قدرة البشر الجمع بين جزالة القرءان ونظمه ، هذا مع ما فيه من أخبار الأولين ، مع كونه أميا غير ممارس للكتب ، والإنباء عن الغيب في أمور تحقق صدقه فيها في الاستقبال ، كقوله تعالى : * ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ ) * وكقوله تعالى : * ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الأَرْضِ وهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ ) * ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسل أن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا فعلا لله تعالى ، فمهما كان مقرونا بتحدى النبي صلَّى الله عليه وسلم ينزّل منزلة قوله : صدقت ، وذلك مثل القائم بين أيدي الملك المدعى على رعيته أنه رسول الملك إليهم ، فإنه مهما قال للملك إن كنت صادقا فقم على سريرك ثلاثا واقعد على خلاف عادتك ففعل الملك ذلك ، حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله صدقت
< فهرس الموضوعات >
الركن الرابع في السمعيات وتصديقه صلَّى الله عليه وسلم
< / فهرس الموضوعات >
الركن الرابع في السمعيات وتصديقه صلَّى الله عليه وسلم
فيما أخبر عنه ومداره على عشرة أصول
< فهرس الموضوعات >
الأصل الأول « الحشر والنّشر »
< / فهرس الموضوعات >
الأصل الأول « الحشر والنّشر »
[ 1 ] وقد ورد بهما الشرع ، وهو حق ، والتصديق بهما واجب لأنه في العقل ممكن . ومعناه الإعادة بعد الافناء ، وذلك مقدور لله تعالى ، كابتداء الانشاء ، قال الله تعالى : * ( قالَ من يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * فاستدل بالابتداء على الإعادة . وقال عز وجل : * ( ما خَلْقُكُمْ ولا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ) * والإعادة ابتداء ثان ، فهو ممكن كالابتداء الأول


ومن آياته الظاهرة التي تحدّى بها مع كافة العرب القرءان العظيم ، فإنهم مع تميزهم بالفصاحة والبلاغة تهدّفوا لسبيه ونهبه وقتله وإخراجه كما أخبر الله عز وجل عنهم ، ولم يقدروا على معارضته بمثل القرءان ، إذ لم يكن في قدرة البشر الجمع بين جزالة القرءان ونظمه ، هذا مع ما فيه من أخبار الأولين ، مع كونه أميا غير ممارس للكتب ، والإنباء عن الغيب في أمور تحقق صدقه فيها في الاستقبال ، كقوله تعالى : * ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ ) * وكقوله تعالى : * ( الم غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الأَرْضِ وهُمْ من بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ ) * ووجه دلالة المعجزة على صدق الرسل أن كل ما عجز عنه البشر لم يكن إلا فعلا لله تعالى ، فمهما كان مقرونا بتحدى النبي صلَّى الله عليه وسلم ينزّل منزلة قوله : صدقت ، وذلك مثل القائم بين أيدي الملك المدعى على رعيته أنه رسول الملك إليهم ، فإنه مهما قال للملك إن كنت صادقا فقم على سريرك ثلاثا واقعد على خلاف عادتك ففعل الملك ذلك ، حصل للحاضرين علم ضروري بأن ذلك نازل منزلة قوله صدقت < فهرس الموضوعات > الركن الرابع في السمعيات وتصديقه صلَّى الله عليه وسلم < / فهرس الموضوعات > الركن الرابع في السمعيات وتصديقه صلَّى الله عليه وسلم فيما أخبر عنه ومداره على عشرة أصول < فهرس الموضوعات > الأصل الأول « الحشر والنّشر » < / فهرس الموضوعات > الأصل الأول « الحشر والنّشر » [ 1 ] وقد ورد بهما الشرع ، وهو حق ، والتصديق بهما واجب لأنه في العقل ممكن . ومعناه الإعادة بعد الافناء ، وذلك مقدور لله تعالى ، كابتداء الانشاء ، قال الله تعالى : * ( قالَ من يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * فاستدل بالابتداء على الإعادة . وقال عز وجل : * ( ما خَلْقُكُمْ ولا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ) * والإعادة ابتداء ثان ، فهو ممكن كالابتداء الأول

199


< فهرس الموضوعات >
الأصل الثاني « سؤال منكر ونكير »
< / فهرس الموضوعات >
الأصل الثاني « سؤال منكر ونكير »
[ 1 ] وقد وردت به الأخبار ، فيجب التصديق به ، لأنه ممكن ، إذ ليس يستدعى إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب ، وذلك ممكن في نفسه ، ولا يدفع ذلك ما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال له ، فان النائم ساكن بظاهره ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس بتأثيره عند التنبه ، وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « يسمع كلام جبريل عليه السّلام ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يرونه ولا يحيطون بشيء من علمه إلَّا بما شاء »
فإذا لم يخلق لهم السمع والرؤية لم يدركوه
< فهرس الموضوعات >
الأصل الثالث « عذاب القبر »
< / فهرس الموضوعات >
الأصل الثالث « عذاب القبر »
وقد ورد الشرع به قال الله تعالى [ 2 ] * ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ )
واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح الاستعاذة من عذاب القبر [ 3 ]
، وهو ممكن ، فيجب التصديق به ، ولا يمنع من التصديق الصالح به تفرق أجزاء الميت في بطون السباع وحواصل الطيور ، فان المدرك لألم العذاب من الحيوان أجزاء مخصوصة يقدر الله تعالى على إعادة الإدراك إليها
< فهرس الموضوعات >
الأصل الرابع الميزان
< / فهرس الموضوعات >
الأصل الرابع الميزان
، وهو حق ، قال الله تعالى : * ( ونَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) * . وقال تعالى :
* ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . ومن خَفَّتْ مَوازِينُه ) * الآية . ووجهه أن الله تعالى يحدث في صحائف الأعمال وزنا بحسب درجات الأعمال عند الله تعالى ، فتصير مقادير أعمال العباد معلومة للعباد ، حتى يظهر لهم العدل في العقاب ، أو الفضل في العفو وتضعيف الثواب


< فهرس الموضوعات > الأصل الثاني « سؤال منكر ونكير » < / فهرس الموضوعات > الأصل الثاني « سؤال منكر ونكير » [ 1 ] وقد وردت به الأخبار ، فيجب التصديق به ، لأنه ممكن ، إذ ليس يستدعى إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب ، وذلك ممكن في نفسه ، ولا يدفع ذلك ما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم سماعنا للسؤال له ، فان النائم ساكن بظاهره ويدرك بباطنه من الآلام واللذات ما يحس بتأثيره عند التنبه ، وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « يسمع كلام جبريل عليه السّلام ويشاهده ومن حوله لا يسمعونه ولا يرونه ولا يحيطون بشيء من علمه إلَّا بما شاء » فإذا لم يخلق لهم السمع والرؤية لم يدركوه < فهرس الموضوعات > الأصل الثالث « عذاب القبر » < / فهرس الموضوعات > الأصل الثالث « عذاب القبر » وقد ورد الشرع به قال الله تعالى [ 2 ] * ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ) واشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح الاستعاذة من عذاب القبر [ 3 ] ، وهو ممكن ، فيجب التصديق به ، ولا يمنع من التصديق الصالح به تفرق أجزاء الميت في بطون السباع وحواصل الطيور ، فان المدرك لألم العذاب من الحيوان أجزاء مخصوصة يقدر الله تعالى على إعادة الإدراك إليها < فهرس الموضوعات > الأصل الرابع الميزان < / فهرس الموضوعات > الأصل الرابع الميزان ، وهو حق ، قال الله تعالى : * ( ونَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) * . وقال تعالى :
* ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . ومن خَفَّتْ مَوازِينُه ) * الآية . ووجهه أن الله تعالى يحدث في صحائف الأعمال وزنا بحسب درجات الأعمال عند الله تعالى ، فتصير مقادير أعمال العباد معلومة للعباد ، حتى يظهر لهم العدل في العقاب ، أو الفضل في العفو وتضعيف الثواب

200


< فهرس الموضوعات >
الأصل الخامس الصراط
< / فهرس الموضوعات >
الأصل الخامس الصراط
، وهو جسر ممدود على متن جهنم ، أرق من الشعرة وأحدّ من السيف ، قال الله تعالى : * ( فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ، وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) * . وهذا ممكن ، فيجب التصديق به ، فان القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط
< فهرس الموضوعات >
الأصل السادس أن الجنة والنار مخلوقتان
< / فهرس الموضوعات >
الأصل السادس أن الجنة والنار مخلوقتان
، قال الله تعالى : * ( وسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) * . فقوله تعالى : * ( أُعِدَّتْ ) * ، دليل علي أنها مخلوقة ، فيجب إجراؤه على الظاهر إذ لا استحالة فيه . ولا يقال : لا فائدة في خلقهما قبل يوم الجزاء لأن الله تعالى : * ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ ) *
< فهرس الموضوعات >
الأصل السابع أن الإمام الحق
< / فهرس الموضوعات >
الأصل السابع أن الإمام الحق
بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم على رضي الله عنهم ، ولم يكن نص رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على إمام أصلا ، إذ لو كان لكان أولى بالظهور من نصبه آحاد الولاة والأمراء على الجنود في البلاد ، ولم يخف ذلك ، فكيف خفي هذا ؟ وإن ظهر فكيف اندرس حتى لم ينقل إلينا ؟ فلم يكن أبو بكر إماما إلا بالاختيار والبيعة . وأما تقدير النص على غيره فهو نسبة للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرق الإجماع ، وذلك مما لا يستجرئ على اختراعه إلا الروافض . واعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . وما جرى بين معاوية وعلى رضى الله عنهما كان مبنيا على الاجتهاد لا منازعة من معاوية في الإمامة ، إذ ظن على رضى الله عنه أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدى إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها ، فرأى التأخير أصوب ، وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمة ويعرّض الدماء للسفك . وقد قال أفاضل العلماء :
كل مجتهد مصيب . وقال قائلون : المصيب واحد ، ولم يذهب إلى تخطئة عليّ ذو تحصيل أصلا


< فهرس الموضوعات > الأصل الخامس الصراط < / فهرس الموضوعات > الأصل الخامس الصراط ، وهو جسر ممدود على متن جهنم ، أرق من الشعرة وأحدّ من السيف ، قال الله تعالى : * ( فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ، وقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) * . وهذا ممكن ، فيجب التصديق به ، فان القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط < فهرس الموضوعات > الأصل السادس أن الجنة والنار مخلوقتان < / فهرس الموضوعات > الأصل السادس أن الجنة والنار مخلوقتان ، قال الله تعالى : * ( وسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) * . فقوله تعالى : * ( أُعِدَّتْ ) * ، دليل علي أنها مخلوقة ، فيجب إجراؤه على الظاهر إذ لا استحالة فيه . ولا يقال : لا فائدة في خلقهما قبل يوم الجزاء لأن الله تعالى : * ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ ) * < فهرس الموضوعات > الأصل السابع أن الإمام الحق < / فهرس الموضوعات > الأصل السابع أن الإمام الحق بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم على رضي الله عنهم ، ولم يكن نص رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على إمام أصلا ، إذ لو كان لكان أولى بالظهور من نصبه آحاد الولاة والأمراء على الجنود في البلاد ، ولم يخف ذلك ، فكيف خفي هذا ؟ وإن ظهر فكيف اندرس حتى لم ينقل إلينا ؟ فلم يكن أبو بكر إماما إلا بالاختيار والبيعة . وأما تقدير النص على غيره فهو نسبة للصحابة كلهم إلى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرق الإجماع ، وذلك مما لا يستجرئ على اختراعه إلا الروافض . واعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . وما جرى بين معاوية وعلى رضى الله عنهما كان مبنيا على الاجتهاد لا منازعة من معاوية في الإمامة ، إذ ظن على رضى الله عنه أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدى إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها ، فرأى التأخير أصوب ، وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمة ويعرّض الدماء للسفك . وقد قال أفاضل العلماء :
كل مجتهد مصيب . وقال قائلون : المصيب واحد ، ولم يذهب إلى تخطئة عليّ ذو تحصيل أصلا

201

لا يتم تسجيل الدخول!