إسم الكتاب : إحياء علوم الدين ( عدد الصفحات : 192)


إحياء علوم الدين
أبو حامد غزالي
الجزء الأول
دار الكتاب العربي
بيروت


إحياء علوم الدين أبو حامد غزالي الجزء الأول دار الكتاب العربي بيروت

تعريف الكتاب


< فهرس الموضوعات >
الجزء الأول رقم الصفحة من الجزء
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
كلمة الناشر ج حجة الإسلام الغزالي والحافظ العراقي
< / فهرس الموضوعات >
الجزء الأوّل
مقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم
[ 1 ] أحمد الله أوّلا ، حمدا كثيرا متواليا ، وإن كان يتضاءل دون حق جلاله حمد الحامدين .
وأصلي وأسلم على رسله ثانيا ، صلاة تستغرق مع سيد البشر سائر المرسلين . وأستخيره تعالى ثالثا فيما انبعث له عزمي من تحرير كتاب في إحياء علوم الدين . وأنتدب لقطع تعجبك رابعا أيها العاذل المتغالي في العذل من بين زمرة الجاحدين ، المسرف في التقريع والإنكار من بين طبقات المنكرين الغافلين فلقد حلّ عن لساني عقدة الصمت ، وطوقني عهدة الكلام وقلادة النطق ، ما أنت مثابر عليه من العمي عن جلية الحق ، مع اللجاج في نصرة الباطل وتحسين الجهل ، والتشغيب على من آثر النزوع قليلا عن مراسم الخلق ، ومال ميلا يسيرا عن ملازمة الرسم ، إلى العمل بمقتضى العلم . طمعا في نيل ما تعبّده الله تعالى به من تزكية النفس وإصلاح القلب . وتداركا لبعض ما فرط من إضاعة العمر يأسا من تمام التلافى والجبر ، وانحيازا عن غمار من قال فيهم



< فهرس الموضوعات > الجزء الأول رقم الصفحة من الجزء < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > كلمة الناشر ج حجة الإسلام الغزالي والحافظ العراقي < / فهرس الموضوعات > الجزء الأوّل مقدّمة بسم الله الرحمن الرحيم [ 1 ] أحمد الله أوّلا ، حمدا كثيرا متواليا ، وإن كان يتضاءل دون حق جلاله حمد الحامدين .
وأصلي وأسلم على رسله ثانيا ، صلاة تستغرق مع سيد البشر سائر المرسلين . وأستخيره تعالى ثالثا فيما انبعث له عزمي من تحرير كتاب في إحياء علوم الدين . وأنتدب لقطع تعجبك رابعا أيها العاذل المتغالي في العذل من بين زمرة الجاحدين ، المسرف في التقريع والإنكار من بين طبقات المنكرين الغافلين فلقد حلّ عن لساني عقدة الصمت ، وطوقني عهدة الكلام وقلادة النطق ، ما أنت مثابر عليه من العمي عن جلية الحق ، مع اللجاج في نصرة الباطل وتحسين الجهل ، والتشغيب على من آثر النزوع قليلا عن مراسم الخلق ، ومال ميلا يسيرا عن ملازمة الرسم ، إلى العمل بمقتضى العلم . طمعا في نيل ما تعبّده الله تعالى به من تزكية النفس وإصلاح القلب . وتداركا لبعض ما فرط من إضاعة العمر يأسا من تمام التلافى والجبر ، وانحيازا عن غمار من قال فيهم

--------------------------------------------------------------------------

« 1 » أي بعد السبعمائة . وكان رحمه اللَّه إذ ذاك في السابعة والعشرين من عمره . أه مصححه

« 1 » أي بعد السبعمائة . وكان رحمه اللَّه إذ ذاك في السابعة والعشرين من عمره . أه مصححه

1


صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه [ 1 ] : « أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله سبحانه بعمله »
ولعمري إنه لا سبب لإصرارك على التكبر إلا الداء الذي عم الجم الغفير ، بل شمل الجماهير ، من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر ، والجهل بأن الأمر إدّ ، والخطب جد ، والآخرة مقبلة ، والدنيا مدبرة ، والأجل قريب ، والسفر بعيد ، والزاد طفيف والخطر عظيم ، والطريق سد ، وما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد ، وسلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكد فأدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون ، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان ، واستغواهم الطغيان ، وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا ، فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا ، حتى ظل علم الدين مندرسا ، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا . ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام ، عند تهاوش الطغام ، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام ، أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام ، إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام ، وشبكة للحطام فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح ، مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها


صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه [ 1 ] : « أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله سبحانه بعمله » ولعمري إنه لا سبب لإصرارك على التكبر إلا الداء الذي عم الجم الغفير ، بل شمل الجماهير ، من القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر ، والجهل بأن الأمر إدّ ، والخطب جد ، والآخرة مقبلة ، والدنيا مدبرة ، والأجل قريب ، والسفر بعيد ، والزاد طفيف والخطر عظيم ، والطريق سد ، وما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد ، وسلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكد فأدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ، وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون ، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان ، واستغواهم الطغيان ، وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا ، فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا ، حتى ظل علم الدين مندرسا ، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا . ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام ، عند تهاوش الطغام ، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام ، أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام ، إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام ، وشبكة للحطام فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح ، مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها

2


وحكمة ، وعلما وضياء ونورا . وهداية ورشدا ، فقد أصبح من بين الخلق مطويا ، وصار نسيا منسيا ولما كان هذا ثلما في الدين ملمّا ، وخطبا مدلهما ، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهما . إحياء لعلوم الدين ، وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين . وإيضاحا لمناهي العلوم النافعة عند النبيين والسلف الصالحين
وقد أسسته على أربعة أرباع ، وهي : ربع العبادات ، وربع العادات . وربع المهلكات .
وربع المنجيات . وصدّرت الجملة بكتاب العلم لأنه غاية المهم ، لأكشف أولا عن العلم الذي تعبد الله على لسان رسوله صلي الله عليه وسلم الأعيان بطلبه ، إذ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم [ 1 ] طلب العلم فريضة على كلّ مسلم
وأميز فيه العلم النافع من الضار . إذ قال صلى الله عليه وسلم : « نعوذ با لله من علم لا ينفع »
[ 2 ] وأحقق ميل أهل العصر عن شاكلة الصواب . وانخداعهم بلامع السراب ، واقتناعهم من العلوم بالقشر عن اللباب ويشتمل ربع العبادات على عشرة كتب :
كتاب العلم ، وكتاب قواعد العقائد ، وكتاب أسرار الطهارة ، وكتاب أسرار الصلاة وكتاب أسرار الزكاة ، وكتاب أسرار الصيام ، وكتاب أسرار الحج ، وكتاب آداب تلاوة القرءان ، وكتاب الأذكار والدعوات ، وكتاب ترتيب الأوراد في الأوقات وأما ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب :
كتاب آداب الأكل ، وكتاب آداب النكاح ، وكتاب أحكام الكسب ، وكتاب الحلال والحرام ، وكتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق ، وكتاب العزلة ، وكتاب آداب السفر ، وكتاب السماع والوجد ، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة وأما ربع المهلكات فيشتمل علي عشرة كتب :
كتاب شرح عجائب القلب ، وكتاب رياضة النفس ، وكتاب آفات الشهوتين : شهوة البطن ، وشهوة الفرج ، وكتاب آفات اللسان ، وكتاب آفات الغضب والحقد ، والحسد


وحكمة ، وعلما وضياء ونورا . وهداية ورشدا ، فقد أصبح من بين الخلق مطويا ، وصار نسيا منسيا ولما كان هذا ثلما في الدين ملمّا ، وخطبا مدلهما ، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهما . إحياء لعلوم الدين ، وكشفا عن مناهج الأئمة المتقدمين . وإيضاحا لمناهي العلوم النافعة عند النبيين والسلف الصالحين وقد أسسته على أربعة أرباع ، وهي : ربع العبادات ، وربع العادات . وربع المهلكات .
وربع المنجيات . وصدّرت الجملة بكتاب العلم لأنه غاية المهم ، لأكشف أولا عن العلم الذي تعبد الله على لسان رسوله صلي الله عليه وسلم الأعيان بطلبه ، إذ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم [ 1 ] طلب العلم فريضة على كلّ مسلم وأميز فيه العلم النافع من الضار . إذ قال صلى الله عليه وسلم : « نعوذ با لله من علم لا ينفع » [ 2 ] وأحقق ميل أهل العصر عن شاكلة الصواب . وانخداعهم بلامع السراب ، واقتناعهم من العلوم بالقشر عن اللباب ويشتمل ربع العبادات على عشرة كتب :
كتاب العلم ، وكتاب قواعد العقائد ، وكتاب أسرار الطهارة ، وكتاب أسرار الصلاة وكتاب أسرار الزكاة ، وكتاب أسرار الصيام ، وكتاب أسرار الحج ، وكتاب آداب تلاوة القرءان ، وكتاب الأذكار والدعوات ، وكتاب ترتيب الأوراد في الأوقات وأما ربع العادات فيشتمل على عشرة كتب :
كتاب آداب الأكل ، وكتاب آداب النكاح ، وكتاب أحكام الكسب ، وكتاب الحلال والحرام ، وكتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق ، وكتاب العزلة ، وكتاب آداب السفر ، وكتاب السماع والوجد ، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة وأما ربع المهلكات فيشتمل علي عشرة كتب :
كتاب شرح عجائب القلب ، وكتاب رياضة النفس ، وكتاب آفات الشهوتين : شهوة البطن ، وشهوة الفرج ، وكتاب آفات اللسان ، وكتاب آفات الغضب والحقد ، والحسد

3


وكتاب ذم الدنيا ، وكتاب ذم المال والبخل ، وكتاب ذم الجاه والرياء ، وكتاب ذم الكبر ، والعجب ، وكتاب ذم الغرور وأما ربع المنجيات ، فيشتمل علي عشرة كتب :
كتاب التوبة ، وكتاب الصبر والشكر ، وكتاب الخوف والرجاء ، وكتاب الفقر والزهد ، وكتاب التوحيد والتوكل ، وكتاب المحبة والشوق والأنس والرضا ، وكتاب النية والصدق والإخلاص ، وكتاب المراقبة والمحاسبة ، وكتاب التفكر ، وكتاب ذكر الموت فأما ربع العبادات فأذكر فيه من خفايا آدابها ، ودقائق سننها ، وأسرار معانيها ، ما يضطر العالم العامل إليه ، بل لا يكون من علماء الآخرة من لا يطلع عليه . وأكثر ذلك مما أهمل في فن الفقهيات وأما ربع العادات ، فأذكر فيه أسرار المعاملات الجارية بين الخلق ، وأغوارها ، ودقائق سننها . وخفايا الورع في مجاريها ، وهي مما لا يستغنى عنها متدين وأما ربع المهلكات . فأذكر فيه كل خلق مذموم ورد القرءان بإماطته وتزكية النفس عنه وتطهير القلب منه . وأذكر من كل واحد من تلك الأخلاق حده وحقيقته ، ثم أذكر سببه الذي منه يتولد ، ثم الآفات التي عليها تترتب ، ثم العلامات التي بها تتعرف ، ثم طرق المعالجة التي بها منها يتخلص . كل ذلك مقرونا بشواهد الآيات والأخبار والآثار وأما ربع المنجيات ، فأذكر فيه كل خلق محمود وخصلة مرغوب فيها من خصال المقربين والصديقين ، التي بها يتقرب العبد من رب العالمين . وأذكر في كل خصلة حدها وحقيقتها .
وسببها الذي به تجتلب ، وثمرتها التي منها تستفاد ، وعلامتها التي بها تتعرف ، وفضيلتها التي لأجلها فيها يرغب ، مع ما ورد فيها من شواهد الشرع والعقل ولقد صنف الناس في بعض هذه المعاني كتبا ، ولكن يتميز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور : ( الأول ) حمل ما عقدوه وكشف ما أجملوه . ( الثاني ) ترتيب ما بددوه ونظم ما فرقوه ( الثالث ) إيجاز ما طولوه وضبط ما قرروه . ( الرابع ) حذف ما كرروه وإثبات ما حرروه ( الخامس ) تحقيق أمور غامضة اعتاصت علي الأفهام لم يتعرض لها في الكتب أصلا ، إذ الكل وإن تواردوا علي منهج واحد فلا مسكر أن يتفرد كل واحد من السالكين بالتنبيه لأمر يخصه ويغفل عنه رفقاؤه . أو لا يغفل عن التنبيه ولكن يسهو عن إيراده في الكتب


وكتاب ذم الدنيا ، وكتاب ذم المال والبخل ، وكتاب ذم الجاه والرياء ، وكتاب ذم الكبر ، والعجب ، وكتاب ذم الغرور وأما ربع المنجيات ، فيشتمل علي عشرة كتب :
كتاب التوبة ، وكتاب الصبر والشكر ، وكتاب الخوف والرجاء ، وكتاب الفقر والزهد ، وكتاب التوحيد والتوكل ، وكتاب المحبة والشوق والأنس والرضا ، وكتاب النية والصدق والإخلاص ، وكتاب المراقبة والمحاسبة ، وكتاب التفكر ، وكتاب ذكر الموت فأما ربع العبادات فأذكر فيه من خفايا آدابها ، ودقائق سننها ، وأسرار معانيها ، ما يضطر العالم العامل إليه ، بل لا يكون من علماء الآخرة من لا يطلع عليه . وأكثر ذلك مما أهمل في فن الفقهيات وأما ربع العادات ، فأذكر فيه أسرار المعاملات الجارية بين الخلق ، وأغوارها ، ودقائق سننها . وخفايا الورع في مجاريها ، وهي مما لا يستغنى عنها متدين وأما ربع المهلكات . فأذكر فيه كل خلق مذموم ورد القرءان بإماطته وتزكية النفس عنه وتطهير القلب منه . وأذكر من كل واحد من تلك الأخلاق حده وحقيقته ، ثم أذكر سببه الذي منه يتولد ، ثم الآفات التي عليها تترتب ، ثم العلامات التي بها تتعرف ، ثم طرق المعالجة التي بها منها يتخلص . كل ذلك مقرونا بشواهد الآيات والأخبار والآثار وأما ربع المنجيات ، فأذكر فيه كل خلق محمود وخصلة مرغوب فيها من خصال المقربين والصديقين ، التي بها يتقرب العبد من رب العالمين . وأذكر في كل خصلة حدها وحقيقتها .
وسببها الذي به تجتلب ، وثمرتها التي منها تستفاد ، وعلامتها التي بها تتعرف ، وفضيلتها التي لأجلها فيها يرغب ، مع ما ورد فيها من شواهد الشرع والعقل ولقد صنف الناس في بعض هذه المعاني كتبا ، ولكن يتميز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور : ( الأول ) حمل ما عقدوه وكشف ما أجملوه . ( الثاني ) ترتيب ما بددوه ونظم ما فرقوه ( الثالث ) إيجاز ما طولوه وضبط ما قرروه . ( الرابع ) حذف ما كرروه وإثبات ما حرروه ( الخامس ) تحقيق أمور غامضة اعتاصت علي الأفهام لم يتعرض لها في الكتب أصلا ، إذ الكل وإن تواردوا علي منهج واحد فلا مسكر أن يتفرد كل واحد من السالكين بالتنبيه لأمر يخصه ويغفل عنه رفقاؤه . أو لا يغفل عن التنبيه ولكن يسهو عن إيراده في الكتب

4


أو لا يسهو ولكن يصرفه عن كشف الغطاء عنه صارف . فهذه خواص هذا الكتاب ، مع كونه حاويا لمجامع هذه العلوم
وإنما حملني علي تأسيس هذا الكتاب على أربعة أرباع أمران :
( أحدهما وهو الباعث الأصلي ) :
أن هذا الترتيب في التحقيق والتفهيم كالضروري ، لأن العلم الذي يتوجّه به إلى الآخرة ينقسم إلى علم المعاملة ، وعلم المكاشفة ، وأعني بعلم المكاشفة ما يطلب منه كشف المعلوم فقط ، وأعنى بعلم المعاملة ما يطلب منه مع الكشف العمل به .
والمقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب ، وإن كانت هي غاية مقصد الطالبين ، ومطمح نظر الصديقين ، وعلم المعاملة طريق إليه ، ولكن لم يتكلم الأنبياء صلوات الله عليهم مع الخلق إلا في علم الطريق والإرشاد إليه . وأما علم المكاشفة فلم يتكلموا فيه إلا بالرمز والإيماء على سبيل التمثيل والاجمال ، علما منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال ، والعلماء ورثة الأنبياء ، فما لهم سبيل إلى العدول عن نهج التأسى والاقتداء ثم إن علم المعاملة ينقسم إلى علم ظاهر ، أعنى العلم بأعمال الجوارح ، وإلى علم باطن ، أعنى العلم بأعمال القلوب . والجاري على الجوارح إما عادة وإما عبادة ، والوارد على القلوب التي هي بحكم الاحتجاب عن الحواس من عالم الملكوت إما محمود وإما مذموم . فبالواجب انقسم هذا العلم إلى شطرين : ظاهر ، وباطن ، والشطر الظاهر المتعلق بالجوارح انقسم إلى عادة وعبادة ، والشطر الباطن المتعلق بأحوال القلب وأخلاق النفس انقسم إلى مذموم ومحمود ، فكان المجموع أربعة أقسام ، ولا يشذ نظر في علم المعاملة عن هذه الأقسام
( الباعث الثاني ) :
أنى رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف الله سبحانه وتعالى ، المتدرع به إلى المباهاة والاستظهار بجاهه ومنزلته في المنافسات . وهو مرتب علي أربعة أرباع ، والمتزيي بزى المحبوب محبوب ، فلم أبعد أن يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفا في استدراج القلوب . ولهذا تلطف بعض من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب ، فوضعه على هيئة تقويم النجوم ، موضوعا في الجداول والرقوم ، وسماه تقويم الصحة ، ليكون أنسهم بذلك الجنس جاذبا لهم إلى المطالعة ، والتلطف في اجتذاب القلوب إلى العلم الذي يفيد حياة الأبد . أهم من التلطف في اجتذابها إلى الطب الذي لا يفيد إلا صحة الجسد .


أو لا يسهو ولكن يصرفه عن كشف الغطاء عنه صارف . فهذه خواص هذا الكتاب ، مع كونه حاويا لمجامع هذه العلوم وإنما حملني علي تأسيس هذا الكتاب على أربعة أرباع أمران :
( أحدهما وهو الباعث الأصلي ) :
أن هذا الترتيب في التحقيق والتفهيم كالضروري ، لأن العلم الذي يتوجّه به إلى الآخرة ينقسم إلى علم المعاملة ، وعلم المكاشفة ، وأعني بعلم المكاشفة ما يطلب منه كشف المعلوم فقط ، وأعنى بعلم المعاملة ما يطلب منه مع الكشف العمل به .
والمقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب ، وإن كانت هي غاية مقصد الطالبين ، ومطمح نظر الصديقين ، وعلم المعاملة طريق إليه ، ولكن لم يتكلم الأنبياء صلوات الله عليهم مع الخلق إلا في علم الطريق والإرشاد إليه . وأما علم المكاشفة فلم يتكلموا فيه إلا بالرمز والإيماء على سبيل التمثيل والاجمال ، علما منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال ، والعلماء ورثة الأنبياء ، فما لهم سبيل إلى العدول عن نهج التأسى والاقتداء ثم إن علم المعاملة ينقسم إلى علم ظاهر ، أعنى العلم بأعمال الجوارح ، وإلى علم باطن ، أعنى العلم بأعمال القلوب . والجاري على الجوارح إما عادة وإما عبادة ، والوارد على القلوب التي هي بحكم الاحتجاب عن الحواس من عالم الملكوت إما محمود وإما مذموم . فبالواجب انقسم هذا العلم إلى شطرين : ظاهر ، وباطن ، والشطر الظاهر المتعلق بالجوارح انقسم إلى عادة وعبادة ، والشطر الباطن المتعلق بأحوال القلب وأخلاق النفس انقسم إلى مذموم ومحمود ، فكان المجموع أربعة أقسام ، ولا يشذ نظر في علم المعاملة عن هذه الأقسام ( الباعث الثاني ) :
أنى رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف الله سبحانه وتعالى ، المتدرع به إلى المباهاة والاستظهار بجاهه ومنزلته في المنافسات . وهو مرتب علي أربعة أرباع ، والمتزيي بزى المحبوب محبوب ، فلم أبعد أن يكون تصوير الكتاب بصورة الفقه تلطفا في استدراج القلوب . ولهذا تلطف بعض من رام استمالة قلوب الرؤساء إلى الطب ، فوضعه على هيئة تقويم النجوم ، موضوعا في الجداول والرقوم ، وسماه تقويم الصحة ، ليكون أنسهم بذلك الجنس جاذبا لهم إلى المطالعة ، والتلطف في اجتذاب القلوب إلى العلم الذي يفيد حياة الأبد . أهم من التلطف في اجتذابها إلى الطب الذي لا يفيد إلا صحة الجسد .

5


فثمرة هذا العلم طب القلوب والأرواح ، المتوصل به إلى حياة تدوم أبد الآباد ، فأين منه الطب الذي يعالج به الأجساد ، وهي معرضة بالضرورة للفساد في أقرب الآماد ؟ فنسأل الله سبحانه التوفيق للرشاد والسداد ، إنه كريم جواد .


فثمرة هذا العلم طب القلوب والأرواح ، المتوصل به إلى حياة تدوم أبد الآباد ، فأين منه الطب الذي يعالج به الأجساد ، وهي معرضة بالضرورة للفساد في أقرب الآماد ؟ فنسأل الله سبحانه التوفيق للرشاد والسداد ، إنه كريم جواد .

6


[ ربع العبادات ]
كتاب العلم


[ ربع العبادات ] كتاب العلم

7


< فهرس الموضوعات >
مقدمة
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
كتاب العلم
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
الباب الأول : في فضل العلم والتعليم والتعلم وشواهده من النقل والعقل
< / فهرس الموضوعات >
كتاب العلم وفيه سبعة أبواب
( الباب الأول ) في فضل العلم والتعليم والتعلم . ( الباب الثاني ) في فرض العين وفرض الكفاية من العلوم ، وبيان حد الفقه والكلام من علم الدين ، وبيان علم الآخرة وعلم الدنيا ( الباب الثالث ) فيما تعده العامة من علوم الدين وليس منها ، وفيه بيان جنس العلم المذموم وقدره ( الباب الرابع ) في آفات المناظرة وسبب اشتغال الناس بالخلاف والجدل . ( الباب الخامس ) في آداب المعلم والمتعلم . ( الباب السادس ) في آفات العلم والعلماء ، والعلامات الفارقة بين علماء الدنيا والآخرة . ( الباب السابع ) في العقل وفضله وأقسامه وما جاء فيه من الأخبار .
الباب الأوّل في فضل العلم والتعليم والتعلم وشواهده من النقل والعقل
فضيلة العلم
شواهدها من القرءان
قوله عز وجل : * ( شَهِدَ الله أَنَّه لا إِله إِلَّا هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ) * . فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه ، وثنّى بالملائكة ، وثلَّث بأهل العلم . وناهيك بهذا شرفا وفضلا ، وجلاء ونبلا . وقال الله تعالى * ( يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) * . قال ابن عباس رضى الله عنهما : « للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام » . وقال عز وجل : * ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) * . وقال تعالى : * ( إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِه الْعُلَماءُ ) * . وقال تعالى : * ( قُلْ كَفى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومن عِنْدَه عِلْمُ الْكِتابِ ) * . وقال تعالى : * ( قالَ الَّذِي عِنْدَه عِلْمٌ من الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ به ) * تنبيها على أنه اقتدر بقوة العلم . وقال عز وجل :
* ( وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ الله خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ) * بين أن عظم


< فهرس الموضوعات > مقدمة < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > كتاب العلم < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > الباب الأول : في فضل العلم والتعليم والتعلم وشواهده من النقل والعقل < / فهرس الموضوعات > كتاب العلم وفيه سبعة أبواب ( الباب الأول ) في فضل العلم والتعليم والتعلم . ( الباب الثاني ) في فرض العين وفرض الكفاية من العلوم ، وبيان حد الفقه والكلام من علم الدين ، وبيان علم الآخرة وعلم الدنيا ( الباب الثالث ) فيما تعده العامة من علوم الدين وليس منها ، وفيه بيان جنس العلم المذموم وقدره ( الباب الرابع ) في آفات المناظرة وسبب اشتغال الناس بالخلاف والجدل . ( الباب الخامس ) في آداب المعلم والمتعلم . ( الباب السادس ) في آفات العلم والعلماء ، والعلامات الفارقة بين علماء الدنيا والآخرة . ( الباب السابع ) في العقل وفضله وأقسامه وما جاء فيه من الأخبار .
الباب الأوّل في فضل العلم والتعليم والتعلم وشواهده من النقل والعقل فضيلة العلم شواهدها من القرءان قوله عز وجل : * ( شَهِدَ الله أَنَّه لا إِله إِلَّا هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ ) * . فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه ، وثنّى بالملائكة ، وثلَّث بأهل العلم . وناهيك بهذا شرفا وفضلا ، وجلاء ونبلا . وقال الله تعالى * ( يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) * . قال ابن عباس رضى الله عنهما : « للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام » . وقال عز وجل : * ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) * . وقال تعالى : * ( إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِه الْعُلَماءُ ) * . وقال تعالى : * ( قُلْ كَفى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومن عِنْدَه عِلْمُ الْكِتابِ ) * . وقال تعالى : * ( قالَ الَّذِي عِنْدَه عِلْمٌ من الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ به ) * تنبيها على أنه اقتدر بقوة العلم . وقال عز وجل :
* ( وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ الله خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ) * بين أن عظم

8


قدر الآخرة يعلم بالعلم . وقال تعالى : * ( وتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ) * وقال تعالى : * ( ولَوْ رَدُّوه إِلَى الرَّسُولِ وإِلى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَه الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه مِنْهُمْ ) * ردّ حكمه في الوقائع إلى استنباطهم ، وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله وقيل في قوله تعالى * ( يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ ) * يعنى العلم * ( ورِيشاً ) * يعنى اليقين * ( ولِباسُ التَّقْوى ) * يعنى الحياء .
وقال عز وجل : * ( ولَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناه عَلى عِلْمٍ ) * . وقال تعالى : * ( فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ) * . وقال عز وجل : * ( بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) * . وقال تعالى : * ( خَلَقَ الإِنْسانَ عَلَّمَه الْبَيانَ ) * . وإنما ذكر ذلك في معرض الامتنان
( وأما الأخبار )
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين ويلهمه رشده » .
وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « العلماء ورثة الأنبياء » .
ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة ، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة . و
قال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « يستغفر للعالم ما في السّموات والأرض » .
وأيّ منصب يزيد على منصب من تشتغل ملائكة السموات والأرض بالاستغفار له ، فهو مشغول بنفسه وهم مشغولون بالاستغفار له . و
قال صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « إنّ الحكمة تزيد الشّريف شرفا ، وترفع المملوك حتّى يدرك مدارك الملوك » .
وقد نبه بهذا على ثمرته في الدنيا ، ومعلوم أن الآخرة خير وأبقى و
قال صلى الله عليه وسلم [ 5 ] « خصلتان لا يكونان في منافق : حسن سمت ، وفقه في الدّين » .
ولا تشكنّ في الحديث لنفاق بعض فقهاء الزمان ، فإنه ما أراد به الفقه الذي ظننته ،


قدر الآخرة يعلم بالعلم . وقال تعالى : * ( وتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ) * وقال تعالى : * ( ولَوْ رَدُّوه إِلَى الرَّسُولِ وإِلى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَه الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه مِنْهُمْ ) * ردّ حكمه في الوقائع إلى استنباطهم ، وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله وقيل في قوله تعالى * ( يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ ) * يعنى العلم * ( ورِيشاً ) * يعنى اليقين * ( ولِباسُ التَّقْوى ) * يعنى الحياء .
وقال عز وجل : * ( ولَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناه عَلى عِلْمٍ ) * . وقال تعالى : * ( فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ) * . وقال عز وجل : * ( بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) * . وقال تعالى : * ( خَلَقَ الإِنْسانَ عَلَّمَه الْبَيانَ ) * . وإنما ذكر ذلك في معرض الامتنان ( وأما الأخبار ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين ويلهمه رشده » .
وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « العلماء ورثة الأنبياء » .
ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة ، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة . و قال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « يستغفر للعالم ما في السّموات والأرض » .
وأيّ منصب يزيد على منصب من تشتغل ملائكة السموات والأرض بالاستغفار له ، فهو مشغول بنفسه وهم مشغولون بالاستغفار له . و قال صلى الله عليه وسلم [ 4 ] « إنّ الحكمة تزيد الشّريف شرفا ، وترفع المملوك حتّى يدرك مدارك الملوك » .
وقد نبه بهذا على ثمرته في الدنيا ، ومعلوم أن الآخرة خير وأبقى و قال صلى الله عليه وسلم [ 5 ] « خصلتان لا يكونان في منافق : حسن سمت ، وفقه في الدّين » .
ولا تشكنّ في الحديث لنفاق بعض فقهاء الزمان ، فإنه ما أراد به الفقه الذي ظننته ،

9

لا يتم تسجيل الدخول!