إسم الكتاب : رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء ( عدد الصفحات : 463)


رسائل إخوان الصفاء
4


رسائل إخوان الصفاء 4

1


< صفحة فارغة >
صفحة بيضاء
< / صفحة فارغة >


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >

2


رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
المجلد الرابع
العلوم الناموسية الإلهية والشرعية الدينية
دار صادر للطباعة والنشر
دار بيروت للطباعة والنشر
بيروت
1376 ه‍ 1957 م


رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء المجلد الرابع العلوم الناموسية الإلهية والشرعية الدينية دار صادر للطباعة والنشر دار بيروت للطباعة والنشر بيروت 1376 ه‍ 1957 م

3


دار صادر
ص . ب . رقم 10
بيروت
Dar SADER
B . P . 10
Beyrouth


دار صادر ص . ب . رقم 10 بيروت Dar SADER B . P . 10 Beyrouth

4



الرسالة الثانية
من العلوم الناموسية والشرعية
في ماهية الطريق إلى الله عز وجل
وهي الرسالة الثالثة والأربعون من رسائل إخوان الصفاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آالله خير أما يشركون ؟
اعلموا أيها الإخوان أيدكم الله وإيانا بروح منه أن الله تبارك وتعالى خلق الخلق وسواه ودبر الأمور وأجراها ثم استوى على العرش وعلاه فكان من فضل رحمته وكما جوده وتمام إحسانه أن اختار طائفة من عباده وأصفاهم وقربهم وناجاهم وكشف لهم عن مكنون علمه وأسرار غيبه ثم بعثهم إلى عباده ليدعوهم إليه وإلى جواره ويخبروهم عن مكنون أسراره لكيما ينتهوا عن نوم الجهالة ويستيقظوا نم رقدة الغفلة ويحيوا حياة العلماء ويعيشوا عيش السعداء ويبلغوا إلى كمال الوجود في دار الخلود كما ذكر في كتبه ووصف على ألسنة أنبيائه صلوات الله عليهم فقال : " إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل عمران على العالمين " ثم قال : " بعث الله النبيين مبشرين


الرسالة الثانية من العلوم الناموسية والشرعية في ماهية الطريق إلى الله عز وجل وهي الرسالة الثالثة والأربعون من رسائل إخوان الصفاء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آالله خير أما يشركون ؟
اعلموا أيها الإخوان أيدكم الله وإيانا بروح منه أن الله تبارك وتعالى خلق الخلق وسواه ودبر الأمور وأجراها ثم استوى على العرش وعلاه فكان من فضل رحمته وكما جوده وتمام إحسانه أن اختار طائفة من عباده وأصفاهم وقربهم وناجاهم وكشف لهم عن مكنون علمه وأسرار غيبه ثم بعثهم إلى عباده ليدعوهم إليه وإلى جواره ويخبروهم عن مكنون أسراره لكيما ينتهوا عن نوم الجهالة ويستيقظوا نم رقدة الغفلة ويحيوا حياة العلماء ويعيشوا عيش السعداء ويبلغوا إلى كمال الوجود في دار الخلود كما ذكر في كتبه ووصف على ألسنة أنبيائه صلوات الله عليهم فقال : " إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل عمران على العالمين " ثم قال : " بعث الله النبيين مبشرين

5


ومنذرين وأنزل معهم الكتاب " ثم قال : " والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " .
واعلموا أيها الإخوان أيدكم الله وإيانا بروح منه أنه لا يمكن الوصول إلى هناك إلا بخلتين : إحداهما صفاء النفس والأخرى استقامة الطريقة .
فأما صفاء النفس فلأنها لب جوهر الإنسان فإن اسم الإنسان إنما هو واقع على النفس والبدن فأما البدن فهو هذا الجسد المرئي المؤلف من اللحم والدم والعظام والعروق والعصب والجلد وما شاكله وهذه كلها أجسام أرضية مظلمة ثقيلة متغيرة فاسدة وأما النفس فإنها جوهرة سماوية روحانية حية نورانية خفيفة متحركة غير فاسدة علامة دراكة لصور الأشياء وإن مثلها في إدراكها صور الموجودات من المحسوسات والمعقولات كمثل المرآة فإن المرآة إذا كانت مستوية الشكل مجلوة الوجه تتراءى فيها صور الأشياء الجسمانية على غير حقيقتها ، وأيضا إن كانت المرآة صدئة الوجه ، فإنه لا يتراءى فيها شيء البتة .
فهكذا أيضاً حال أنفس فإنها إذا كانت عالمة ولم تتراكم عليها الجهالات طاهرة الجوهر لم تتدنس بالأعمال السيئة صافية الذات لم تتصدأ بالأخلاق الرديئة وكانت صحيحة الهمة لتم تعوج بالآراء الفاسدة فإنها تتراءى في ذاتها صور الأشياء الروحانية التي في عالمها فتدركها النفس بحقائقها وتشاهد الأمور الغائبة عن حواسها بعقلها وصفاء جوهرها كما تشاهد الأشياء الجسمانية بحواسها إذا كانت حواسها صحيحة سليمة وأما إذا كانت النفس جاهلة غير صافية الجوهر وقد تدنست بالأعمال السيئة أو صدئت بالأخلاق الرديئة أو اعوجت بالآراء الفاسدة واستمرت على تلك الحال بقيت محجوبة عن إدراك حقائق الأشياء الروحانية وعاجزة عن الوصول إلى الله تعالى ويفوتها نعيم الآخرة كما قال الله تعالى : " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " .


ومنذرين وأنزل معهم الكتاب " ثم قال : " والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " .
واعلموا أيها الإخوان أيدكم الله وإيانا بروح منه أنه لا يمكن الوصول إلى هناك إلا بخلتين : إحداهما صفاء النفس والأخرى استقامة الطريقة .
فأما صفاء النفس فلأنها لب جوهر الإنسان فإن اسم الإنسان إنما هو واقع على النفس والبدن فأما البدن فهو هذا الجسد المرئي المؤلف من اللحم والدم والعظام والعروق والعصب والجلد وما شاكله وهذه كلها أجسام أرضية مظلمة ثقيلة متغيرة فاسدة وأما النفس فإنها جوهرة سماوية روحانية حية نورانية خفيفة متحركة غير فاسدة علامة دراكة لصور الأشياء وإن مثلها في إدراكها صور الموجودات من المحسوسات والمعقولات كمثل المرآة فإن المرآة إذا كانت مستوية الشكل مجلوة الوجه تتراءى فيها صور الأشياء الجسمانية على غير حقيقتها ، وأيضا إن كانت المرآة صدئة الوجه ، فإنه لا يتراءى فيها شيء البتة .
فهكذا أيضاً حال أنفس فإنها إذا كانت عالمة ولم تتراكم عليها الجهالات طاهرة الجوهر لم تتدنس بالأعمال السيئة صافية الذات لم تتصدأ بالأخلاق الرديئة وكانت صحيحة الهمة لتم تعوج بالآراء الفاسدة فإنها تتراءى في ذاتها صور الأشياء الروحانية التي في عالمها فتدركها النفس بحقائقها وتشاهد الأمور الغائبة عن حواسها بعقلها وصفاء جوهرها كما تشاهد الأشياء الجسمانية بحواسها إذا كانت حواسها صحيحة سليمة وأما إذا كانت النفس جاهلة غير صافية الجوهر وقد تدنست بالأعمال السيئة أو صدئت بالأخلاق الرديئة أو اعوجت بالآراء الفاسدة واستمرت على تلك الحال بقيت محجوبة عن إدراك حقائق الأشياء الروحانية وعاجزة عن الوصول إلى الله تعالى ويفوتها نعيم الآخرة كما قال الله تعالى : " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " .

6


واعلموا أيها الإخوان أيدكم الله وإيانا بروح منه أن حجابها عن ربها إنما هو جهالتها بجوهرها وعالمها ومبدئها ومعادها وأن جهالتها إنما هي من الصدأ الذي تركب على ذاتها من سوء أعماله وقبح أفعاله كما قال تبارك وتعالى : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " . وأما اعوجاجها فهو من أجل آرائها الفاسدة وأخلاقها الرديئة كما قال الله تعالى : " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " .
واعلموا أيها الإخوان أيدكم الله بروح منه أن النفس ما دامت على هذه الصفات فإنها لا تبصر ذاتها ولا يتراءى في ذاتها تلك الأشياء الحسنة الشريفة اللذيذة الشهية التي في عالمها كما وصف الله فقال : " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون " وقال : " لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون " .
واعملوا أيها الإخوان أيدكم الله بروح منه أن النفوس ما لم تشاهد تلك الأشياء لا ترغب فيها ولا تطلبها ولا تشتاق إليها وتبقى كأنها عمياء كما قال الله تعالى : " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " .
واعلموا أيها لإخوان أيدكم الله بروح منه أن النفس إذا عميت عن أمر عالمها وتوهمت أنه لا وجود لها إلا على هذه الحال التي هي عليها الآن في دار الدنيا فتحرص عند ذلك على البقاء في الدنيا وتتمنى الخلود فيها وترضى بها وتطمئن إليها وتيأس من الآخرة وتنسى أمر المعاد كما ذكر الله تعالى : " ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها " وقال : " يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور " .
ثم إنها إذا ذكرت بوصية الله التي جاءت على ألسنة أنبيائه عليهم السلام لا تذكر شيئاً كما قال الله تعالى : " وإذا ذكروا لا يذكرون " ثم إنها تبقى في عمايتها وجهالتها وطغيانها إلى الممات مصرة مستكبرة كأن لم


واعلموا أيها الإخوان أيدكم الله وإيانا بروح منه أن حجابها عن ربها إنما هو جهالتها بجوهرها وعالمها ومبدئها ومعادها وأن جهالتها إنما هي من الصدأ الذي تركب على ذاتها من سوء أعماله وقبح أفعاله كما قال تبارك وتعالى : " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " . وأما اعوجاجها فهو من أجل آرائها الفاسدة وأخلاقها الرديئة كما قال الله تعالى : " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " .
واعلموا أيها الإخوان أيدكم الله بروح منه أن النفس ما دامت على هذه الصفات فإنها لا تبصر ذاتها ولا يتراءى في ذاتها تلك الأشياء الحسنة الشريفة اللذيذة الشهية التي في عالمها كما وصف الله فقال : " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون " وقال : " لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون " .
واعملوا أيها الإخوان أيدكم الله بروح منه أن النفوس ما لم تشاهد تلك الأشياء لا ترغب فيها ولا تطلبها ولا تشتاق إليها وتبقى كأنها عمياء كما قال الله تعالى : " فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " .
واعلموا أيها لإخوان أيدكم الله بروح منه أن النفس إذا عميت عن أمر عالمها وتوهمت أنه لا وجود لها إلا على هذه الحال التي هي عليها الآن في دار الدنيا فتحرص عند ذلك على البقاء في الدنيا وتتمنى الخلود فيها وترضى بها وتطمئن إليها وتيأس من الآخرة وتنسى أمر المعاد كما ذكر الله تعالى : " ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها " وقال : " يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور " .
ثم إنها إذا ذكرت بوصية الله التي جاءت على ألسنة أنبيائه عليهم السلام لا تذكر شيئاً كما قال الله تعالى : " وإذا ذكروا لا يذكرون " ثم إنها تبقى في عمايتها وجهالتها وطغيانها إلى الممات مصرة مستكبرة كأن لم

7



تسمعها فإذا جاءت سكرة الموت التي هي مفارقة النفس الجسد وترك
استعمال الجسم وفارقته على كره منها وبقيت عند ذلك فارغة من استعمال البدن وإدراك المحسوسات تراجعت إلى ذاتها لتنهض فلا يمكنها النهوض من ثقل أوزارها ومن أعمالها السيئة وعادتها الرديئة كما قال الله تعالى : " يحملون أوزارهم على ظهورهم " فعند ذلك يتبين لها أنها قد فاتتها اللذات المحسوسات التي كانت لها بتوسط البدن ولم تحصل لها اللذات المعقولات التي في عالمها فعند ذلك تبين لها أنها قد خسرت الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين وقد انقضى .
الفصل الأول
في الحث على تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق
وأما الخلة الأخرى التي هي استقامة الطريق فإن كل قاصد نحو مطلوب من أمور الدنيا فإنه يتحرى في مقصده نحو مطلوبه أقرب الطرقات وأسهلها مسلكاً لأنه قد علم أنه إن لم يكن له طريق قريب فإنه يبطئ في وصوله إلى مطلوبه وأيضاً فإنه إن لم يكن الطريق سهل المسلك فربما يعوق البلوغ إليه أو يتعب في سلوكه وإن أقرب الطرقات ما كان على خط مستقيم وأسهلها مسلكاً هو الذي لا عوائق فيه فهكذا ينبغي أيضاً للقاصدين إلى الله تعالى بعد تصفية نفوسهم والراغبين في نعيم الآخرة في دار السلام والذين يريدون الصعود إلى ملكوت السماء والدخول في جملة الملائكة أن يتحروا في مقاصدهم أقرب الطرقات إليه كما قال الله تعالى : " أولئك تحروا رشداً " وقال سبحانه : " إن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيه ذلكم وصاكم به " وقال تعالى : " قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم " ونحن نريد


تسمعها فإذا جاءت سكرة الموت التي هي مفارقة النفس الجسد وترك استعمال الجسم وفارقته على كره منها وبقيت عند ذلك فارغة من استعمال البدن وإدراك المحسوسات تراجعت إلى ذاتها لتنهض فلا يمكنها النهوض من ثقل أوزارها ومن أعمالها السيئة وعادتها الرديئة كما قال الله تعالى : " يحملون أوزارهم على ظهورهم " فعند ذلك يتبين لها أنها قد فاتتها اللذات المحسوسات التي كانت لها بتوسط البدن ولم تحصل لها اللذات المعقولات التي في عالمها فعند ذلك تبين لها أنها قد خسرت الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين وقد انقضى .
الفصل الأول في الحث على تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق وأما الخلة الأخرى التي هي استقامة الطريق فإن كل قاصد نحو مطلوب من أمور الدنيا فإنه يتحرى في مقصده نحو مطلوبه أقرب الطرقات وأسهلها مسلكاً لأنه قد علم أنه إن لم يكن له طريق قريب فإنه يبطئ في وصوله إلى مطلوبه وأيضاً فإنه إن لم يكن الطريق سهل المسلك فربما يعوق البلوغ إليه أو يتعب في سلوكه وإن أقرب الطرقات ما كان على خط مستقيم وأسهلها مسلكاً هو الذي لا عوائق فيه فهكذا ينبغي أيضاً للقاصدين إلى الله تعالى بعد تصفية نفوسهم والراغبين في نعيم الآخرة في دار السلام والذين يريدون الصعود إلى ملكوت السماء والدخول في جملة الملائكة أن يتحروا في مقاصدهم أقرب الطرقات إليه كما قال الله تعالى : " أولئك تحروا رشداً " وقال سبحانه : " إن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيه ذلكم وصاكم به " وقال تعالى : " قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم " ونحن نريد

8


أن نبين ما الطريق المستقيم الذي وصانا به وأمرنا باتباعه على ألسنة أنبيائه صلوات الله عليهم ونصف أيضاً كيف ينبغي أن نسلكه حتى نصل إلى ما وعدنا ربنا كما قال الله تعالى : " إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم " ولكن لا يمكنا بيان ذلك بالحقيقة إلا بكلام موزون وقياس صحيح ودلائل واضحة على مثل بيان الله تعالى وسنة أنبيائه صلوات الله عليهم بالوصف البليغ لسائر آيات الله في الآفاق وفي أنفسنا حتى يتبين لهم أنه الحق كما قال الله تعالى : " وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون " وإذا فعلنا ذلك تفتحت أبواب العلوم المخزونة والأسرار المكنونة التي لا يمسها إلا المطهرون .
واعلموا أيها الإخوان أيدكم الله تعالى وإيانا بروح منه أنه لا ينبغي أن يتكلم أحد في ذات الباري تعالى ولا في صفاته الحزر والتخمين بل ينبغي له ألا يجادل فيه إلا بعد تصفية النفس فإن ذلك يؤدي إلى الشكوك والحيرة والضلال كما قال الله تعالى : " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير " ونحن نبتدئ أولاً قبل كل شيء فنبين كيف ينبغي أن نصفي النفس من الأخلاق الرديئة التي اعتدناها من الصبا ونجعل لوصفنا ذلك في رسائلنا الرياضية أبواباً شتى ونذكر في كل باب ضروباً من الأمثال لكيما يكون أوضح للبيان وأقرب للفهم وأبلغ في الموعظة ثم بعد ذلك نصف في هذه الرسائل أبواباً أخر يتبين فيها ما الطريق المستقيم إلى الله عز وجل وكيف ينبغي أن تتبع بكلام موزون ودلائل واضحة ليكون منهاجاً للقاصدين وإرشاداً للمريدين ثم نبتدئ بعد هاتين الجهتين بالكشف عن الأمور الإلهية الحية والأسرار المخزونة مما قد عرفناه بإلهام الله تعالى أو مما قد استنبطنا من تفاسير كتب أوليائه وتنزيلات أنبيائه عليهم السلام ومما قد جرى على ألسنة الحكماء في إشاراتهم ورموزاتهم ومن سبب بدء كون العالم بعد أن لم يكن ووقوع النفس


أن نبين ما الطريق المستقيم الذي وصانا به وأمرنا باتباعه على ألسنة أنبيائه صلوات الله عليهم ونصف أيضاً كيف ينبغي أن نسلكه حتى نصل إلى ما وعدنا ربنا كما قال الله تعالى : " إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم " ولكن لا يمكنا بيان ذلك بالحقيقة إلا بكلام موزون وقياس صحيح ودلائل واضحة على مثل بيان الله تعالى وسنة أنبيائه صلوات الله عليهم بالوصف البليغ لسائر آيات الله في الآفاق وفي أنفسنا حتى يتبين لهم أنه الحق كما قال الله تعالى : " وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون " وإذا فعلنا ذلك تفتحت أبواب العلوم المخزونة والأسرار المكنونة التي لا يمسها إلا المطهرون .
واعلموا أيها الإخوان أيدكم الله تعالى وإيانا بروح منه أنه لا ينبغي أن يتكلم أحد في ذات الباري تعالى ولا في صفاته الحزر والتخمين بل ينبغي له ألا يجادل فيه إلا بعد تصفية النفس فإن ذلك يؤدي إلى الشكوك والحيرة والضلال كما قال الله تعالى : " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير " ونحن نبتدئ أولاً قبل كل شيء فنبين كيف ينبغي أن نصفي النفس من الأخلاق الرديئة التي اعتدناها من الصبا ونجعل لوصفنا ذلك في رسائلنا الرياضية أبواباً شتى ونذكر في كل باب ضروباً من الأمثال لكيما يكون أوضح للبيان وأقرب للفهم وأبلغ في الموعظة ثم بعد ذلك نصف في هذه الرسائل أبواباً أخر يتبين فيها ما الطريق المستقيم إلى الله عز وجل وكيف ينبغي أن تتبع بكلام موزون ودلائل واضحة ليكون منهاجاً للقاصدين وإرشاداً للمريدين ثم نبتدئ بعد هاتين الجهتين بالكشف عن الأمور الإلهية الحية والأسرار المخزونة مما قد عرفناه بإلهام الله تعالى أو مما قد استنبطنا من تفاسير كتب أوليائه وتنزيلات أنبيائه عليهم السلام ومما قد جرى على ألسنة الحكماء في إشاراتهم ورموزاتهم ومن سبب بدء كون العالم بعد أن لم يكن ووقوع النفس

9


وغرورها وخلق آدم الأول وسبب عصيانه وحديث الملائكة وسجودهم لآدم وقصة إبليس والجان واستكباره عن السجود وشجرة الخلد والملك الذي لا يبلى وسبب أخذ الميثاق إلى ذرية آدم وأخبار القيامة النفخ في الصور البعث والنشور والحساب وفصل القضاء والجواز على الصراط والنجاة من النار والدخول إلى الجنة وزيارة الرب تبارك وتعالى وما شاكل هذا من الأخبار المذكورة في كتب الأنبياء صلوات الله عليهم وما حقائق معانيها لأن في الناس أقواماً عقلاء مميزين متفلسفين إذا فكروا في هذه الأشياء وقاسوها بعقولهم لا تتصور لهم معانيها الحقيقة وإذا حملوها على ما يدل عليه ظاهر ألفاظ التنزيل لا تقبله عقولهم فيقعون عند ذلك في الشكوك والحيرة وإذا طالت تلك الحيرة بهم أنكروها بقلوبهم وإن كانوا لا يظهرون ذلك باللسان مخافة السيف .
وفي الناس أقوام دونهم في العلم والتمييز يؤمنون ويعلمون أنها الحق وأقوام آخرون يأخذونها تقليداً ولا يتفكرون فيها وفي الناس طائفة إذا سمعوا مثل هذه المسائل نفرت نفوسهم منها واشمأزوا عن ذكرها وينسبون المتكلم أو السائل عنها إلى الكفر والزندقة والتكلف لما لا ينبغي .
فأولئك أقوام قد استغرقت نفوسهم في نوم الجهالة فينبغي للمذكر لهم أن يكون طبيباً رفيقاً حسن أن يداويهم بأرفق ما يقدر عليه من التذكار له بآيات الكتب الإلهية وما في أيديهم من أخبار أنبيائهم وما في أحكام شرائعهم من الحدود والرسوم والأمثلة فإن ذلك كله إشارات للنفس بتذكيرها ما قد غفلت عنه من أمر معادها ومبدئها مثل مقادير الفروض على أعداد مخصوصة ومثل أحكام النبيين على شرائط معلومة ومثل تأديتها في أوقات معروفة ومثل التوجه إلى جهات مختلفة ومثل التعبد على فنون متباينة إن كان هؤلاء من أهل التوراة أو من أهل الإنجيل أو من أهل


وغرورها وخلق آدم الأول وسبب عصيانه وحديث الملائكة وسجودهم لآدم وقصة إبليس والجان واستكباره عن السجود وشجرة الخلد والملك الذي لا يبلى وسبب أخذ الميثاق إلى ذرية آدم وأخبار القيامة النفخ في الصور البعث والنشور والحساب وفصل القضاء والجواز على الصراط والنجاة من النار والدخول إلى الجنة وزيارة الرب تبارك وتعالى وما شاكل هذا من الأخبار المذكورة في كتب الأنبياء صلوات الله عليهم وما حقائق معانيها لأن في الناس أقواماً عقلاء مميزين متفلسفين إذا فكروا في هذه الأشياء وقاسوها بعقولهم لا تتصور لهم معانيها الحقيقة وإذا حملوها على ما يدل عليه ظاهر ألفاظ التنزيل لا تقبله عقولهم فيقعون عند ذلك في الشكوك والحيرة وإذا طالت تلك الحيرة بهم أنكروها بقلوبهم وإن كانوا لا يظهرون ذلك باللسان مخافة السيف .
وفي الناس أقوام دونهم في العلم والتمييز يؤمنون ويعلمون أنها الحق وأقوام آخرون يأخذونها تقليداً ولا يتفكرون فيها وفي الناس طائفة إذا سمعوا مثل هذه المسائل نفرت نفوسهم منها واشمأزوا عن ذكرها وينسبون المتكلم أو السائل عنها إلى الكفر والزندقة والتكلف لما لا ينبغي .
فأولئك أقوام قد استغرقت نفوسهم في نوم الجهالة فينبغي للمذكر لهم أن يكون طبيباً رفيقاً حسن أن يداويهم بأرفق ما يقدر عليه من التذكار له بآيات الكتب الإلهية وما في أيديهم من أخبار أنبيائهم وما في أحكام شرائعهم من الحدود والرسوم والأمثلة فإن ذلك كله إشارات للنفس بتذكيرها ما قد غفلت عنه من أمر معادها ومبدئها مثل مقادير الفروض على أعداد مخصوصة ومثل أحكام النبيين على شرائط معلومة ومثل تأديتها في أوقات معروفة ومثل التوجه إلى جهات مختلفة ومثل التعبد على فنون متباينة إن كان هؤلاء من أهل التوراة أو من أهل الإنجيل أو من أهل

10

لا يتم تسجيل الدخول!