إسم الكتاب : رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء ( عدد الصفحات : 538)


رسائل إخوان الصفاء
3


رسائل إخوان الصفاء 3

1


< صفحة فارغة >
صفحة بيضاء
< / صفحة فارغة >


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >

2


رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
المجلد الثالث
الجسمانيات الطبيعيات
والنفسانيات العقليات
دار صادر للطباعة والنشر
دار بيروت للطباعة والنشر
بيروت
1376 ه‍ 1957 م


رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء المجلد الثالث الجسمانيات الطبيعيات والنفسانيات العقليات دار صادر للطباعة والنشر دار بيروت للطباعة والنشر بيروت 1376 ه‍ 1957 م

3


دار صادر
ص . ب . رقم 10
بيروت
Dar SADER
B . P . 10
Beyrouth


دار صادر ص . ب . رقم 10 بيروت Dar SADER B . P . 10 Beyrouth

4



الرسالة الثالثة عشرة
من الجسمانيات الطبيعيات
في كيفية نشوء الأنفس الجزئية في الأجساد البشرية الطبيعية
وهي الرسالة السابعة والعشرون من رسائل إخوان الصفاء
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أيها الأخ البار الرحيم أيدك الله وإيانا بروح منه أنه لما فرغنا من بيان قول الحكماء إن الإنسان عالم صغير نريد أن نذكر في هذه الرسالة كيفية نشوء الأنفس الجزئية فنقول :
اعلم أن هذا الجسد لهذه الأنفس في المثال بمنزلة الرَّحِم للجنين وذلك أنَّ الجنين إذا استتمّت في الرَّحِم بنيتُه وتكمَّلت هناك صورته خرج إلى هذه الدار تامّ الخلقة سالم الحواس وانتفع بالحياة فيها وتمتع بنعيمها إلى وقت معلوم فهكذا يكون حال الأنفس في الدار الآخرة وذلك أن الأنفس الجزئية إذا استتمت ذواتها بالخروج من القوة إلى حيز الفعل بما تستفيده من العلوم والمعرف بطريق الحواس واستكملت صورتها بما تكتسب من الفضائل بطريق المعقولات والتجارب والرياضات وما يدبَّر في


الرسالة الثالثة عشرة من الجسمانيات الطبيعيات في كيفية نشوء الأنفس الجزئية في الأجساد البشرية الطبيعية وهي الرسالة السابعة والعشرون من رسائل إخوان الصفاء بسم الله الرحمن الرحيم اعلم أيها الأخ البار الرحيم أيدك الله وإيانا بروح منه أنه لما فرغنا من بيان قول الحكماء إن الإنسان عالم صغير نريد أن نذكر في هذه الرسالة كيفية نشوء الأنفس الجزئية فنقول :
اعلم أن هذا الجسد لهذه الأنفس في المثال بمنزلة الرَّحِم للجنين وذلك أنَّ الجنين إذا استتمّت في الرَّحِم بنيتُه وتكمَّلت هناك صورته خرج إلى هذه الدار تامّ الخلقة سالم الحواس وانتفع بالحياة فيها وتمتع بنعيمها إلى وقت معلوم فهكذا يكون حال الأنفس في الدار الآخرة وذلك أن الأنفس الجزئية إذا استتمت ذواتها بالخروج من القوة إلى حيز الفعل بما تستفيده من العلوم والمعرف بطريق الحواس واستكملت صورتها بما تكتسب من الفضائل بطريق المعقولات والتجارب والرياضات وما يدبَّر في

5


هذه الدار من السياسات من إصلاح أمر المعاش على الطريقة الوسطى وتمهيد أمر المعاد على سنن الهدى وتهذيب النفس بالأخلاق الجميلة والآراء الصحيحة والأعمال الصالحة كلُّ ذلك بتوسيط هذا الجسد المؤلف من الدم واللحم .
ثم إن فارقته على بصيرة منها ومن أمرها وقد عرفتْ جوهرها وتصوَّرت ذاتها وتبيَّنت أمر عالمها ومبدئها ومعادها كارهةً للكون مع الجسد بقيت عند ذلك مفارقة للهيُولى واستقلَّت بذاتها واستغنت بجوهرها عن التعلق بالأجسام فعند ذلك ترتقي إلى الملأ الأعلى وتدخل في زمرة الملائكة وتشاهد تلك الأمور الروحانية وتعاين تلك الصور النورانية التي لا تدركها بالحواس الخمس ولا تتصور في الأوهام البشرية كما ذكر هذا في الرموزات النبوية أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم واللذة والسرور والفرح والرَّوح والريحان كما قال الله تعالى : " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين وأنتم فيها خالدون " وقال : " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرَّة أعين جزاء بما كانوا يعملون " .
فأما إذا لم تستتمَّ خلقةُ الجنين في الرحم ولا استكملت هناك صورته أو عرض له عارض من النفس والاعوجاج في عضوٍ من الأعضاء فإنه لا ينتفع بالحياة في هذه الدار على التمام ولا يكملُ له نعيمها كالعميان والخرس والطّرشان والزَّمنى والمفاليج وأشباههم فهكذا تكون حال النفوس الجزئية عند مفارقة الأجساد البشرية .
و ذلك أن الجزئية إذا لم تستتمّ بالعلوم والمعارف فإنها ما دامت مرتبطة بالأجساد البشرية متهيئاً لها إدراك المحسوسات فلا تستكمل صورها بمعرفة حقائق الأشياء ما دام لها العقل والتمييز والرويَّة ولا هي تهذبت بالأخلاق الجميلة ما دام يمكنها الاجتهاد والعزيمة ولا هي قوَّمت اعوجاجها من الآراء الفاسدة وقد أرهقتها أعمالها السيئة وأثقلتها أفعالها القبيحة فإنها


هذه الدار من السياسات من إصلاح أمر المعاش على الطريقة الوسطى وتمهيد أمر المعاد على سنن الهدى وتهذيب النفس بالأخلاق الجميلة والآراء الصحيحة والأعمال الصالحة كلُّ ذلك بتوسيط هذا الجسد المؤلف من الدم واللحم .
ثم إن فارقته على بصيرة منها ومن أمرها وقد عرفتْ جوهرها وتصوَّرت ذاتها وتبيَّنت أمر عالمها ومبدئها ومعادها كارهةً للكون مع الجسد بقيت عند ذلك مفارقة للهيُولى واستقلَّت بذاتها واستغنت بجوهرها عن التعلق بالأجسام فعند ذلك ترتقي إلى الملأ الأعلى وتدخل في زمرة الملائكة وتشاهد تلك الأمور الروحانية وتعاين تلك الصور النورانية التي لا تدركها بالحواس الخمس ولا تتصور في الأوهام البشرية كما ذكر هذا في الرموزات النبوية أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم واللذة والسرور والفرح والرَّوح والريحان كما قال الله تعالى : " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين وأنتم فيها خالدون " وقال : " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرَّة أعين جزاء بما كانوا يعملون " .
فأما إذا لم تستتمَّ خلقةُ الجنين في الرحم ولا استكملت هناك صورته أو عرض له عارض من النفس والاعوجاج في عضوٍ من الأعضاء فإنه لا ينتفع بالحياة في هذه الدار على التمام ولا يكملُ له نعيمها كالعميان والخرس والطّرشان والزَّمنى والمفاليج وأشباههم فهكذا تكون حال النفوس الجزئية عند مفارقة الأجساد البشرية .
و ذلك أن الجزئية إذا لم تستتمّ بالعلوم والمعارف فإنها ما دامت مرتبطة بالأجساد البشرية متهيئاً لها إدراك المحسوسات فلا تستكمل صورها بمعرفة حقائق الأشياء ما دام لها العقل والتمييز والرويَّة ولا هي تهذبت بالأخلاق الجميلة ما دام يمكنها الاجتهاد والعزيمة ولا هي قوَّمت اعوجاجها من الآراء الفاسدة وقد أرهقتها أعمالها السيئة وأثقلتها أفعالها القبيحة فإنها

6


عند مفارقة الأجساد لا تنتفع بجوهرها ولا تستقلّ بذاتها ولا يمكنها النهوض إلى الملأ الأعلى من ثقل أوزارها ولا يعرج بها إلى ملكوت السماء ولا تستأهل للدخول في زمر الملائكة وتغلَّق دونها أبواب السماء ويفوتها ذلك الرَّوح والريحان كما ذكر الله عز وجل : " لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " لأنه لا يليق بها ذلك المكان الشريف ما دامت النفس مذمومة بهذه الصفات غير مهذبة بالأخلاق الجميلة مقيَّدة بأخلاق دنيَّة وسيرة جائرة وعادات رديئة واعتقادات فاسدة وجهالات متراكمة وأعمال سيئة تبقى مربوطة محبوسة لأنه لا يليق بها ذلك المنزل النُّوراني والعالم الروحاني كما لا يليق بالعميان والزَّمنى والجهال والبكماء مجالس الملوك ومنادمتهم لنقصانهم فإذا فاتها ذلك المكان الشريف بقيت مقيَّدةً في الهواء تهوي دون السماء وتجرّها شياطينها التي تتعلق عليها من الشهوات الجسمانية والآراء الفاسدة والاهتمام بالأمور الهيولانية راجعةً إلى قعر الأجسام المدلهمَّة وأسر الطبيعة الجسدانية وتدفعها أمواج الشهوات المحرقة المؤدٍّية إلى أودية الهاوية حيث لا أنيس لها وتجرها الشياطين كما تجرّ العميان والزَّمْنى متجنَّبين طرقات الناس كما ذكر الله تعالى عز وجل : " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيًّض له شيطانا فهو له قرين " وقال : " وقيَّضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين
أيديهم " وقال : " وقال قرينه هذا ما لدي عتيد " فيصيبها عند ذلك وهج الأثير تارةً وبرد الزَّمهرير تارةً ووحشة الظلام والألم والعذاب إلى أن تقوم القيامة . يكون ذلك حالها كما ذكر الله عز وجل : " النار يُعرَضون عليها غدواً وعشيّاً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدَّ العذاب " وقال : " ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " كل ذلك لشدة شوقها إلى الجسمانية التي قد أعادتها وقد فارقتها ولم تحصل لها اللذات الروحانية وقد خسرت الدنيا والآخرة " ذلك هو الخسران المبين " .


عند مفارقة الأجساد لا تنتفع بجوهرها ولا تستقلّ بذاتها ولا يمكنها النهوض إلى الملأ الأعلى من ثقل أوزارها ولا يعرج بها إلى ملكوت السماء ولا تستأهل للدخول في زمر الملائكة وتغلَّق دونها أبواب السماء ويفوتها ذلك الرَّوح والريحان كما ذكر الله عز وجل : " لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " لأنه لا يليق بها ذلك المكان الشريف ما دامت النفس مذمومة بهذه الصفات غير مهذبة بالأخلاق الجميلة مقيَّدة بأخلاق دنيَّة وسيرة جائرة وعادات رديئة واعتقادات فاسدة وجهالات متراكمة وأعمال سيئة تبقى مربوطة محبوسة لأنه لا يليق بها ذلك المنزل النُّوراني والعالم الروحاني كما لا يليق بالعميان والزَّمنى والجهال والبكماء مجالس الملوك ومنادمتهم لنقصانهم فإذا فاتها ذلك المكان الشريف بقيت مقيَّدةً في الهواء تهوي دون السماء وتجرّها شياطينها التي تتعلق عليها من الشهوات الجسمانية والآراء الفاسدة والاهتمام بالأمور الهيولانية راجعةً إلى قعر الأجسام المدلهمَّة وأسر الطبيعة الجسدانية وتدفعها أمواج الشهوات المحرقة المؤدٍّية إلى أودية الهاوية حيث لا أنيس لها وتجرها الشياطين كما تجرّ العميان والزَّمْنى متجنَّبين طرقات الناس كما ذكر الله تعالى عز وجل : " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيًّض له شيطانا فهو له قرين " وقال : " وقيَّضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم " وقال : " وقال قرينه هذا ما لدي عتيد " فيصيبها عند ذلك وهج الأثير تارةً وبرد الزَّمهرير تارةً ووحشة الظلام والألم والعذاب إلى أن تقوم القيامة . يكون ذلك حالها كما ذكر الله عز وجل : " النار يُعرَضون عليها غدواً وعشيّاً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشدَّ العذاب " وقال : " ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " كل ذلك لشدة شوقها إلى الجسمانية التي قد أعادتها وقد فارقتها ولم تحصل لها اللذات الروحانية وقد خسرت الدنيا والآخرة " ذلك هو الخسران المبين " .

7


فصل
اعلم أيها الأخ الكريم البار الرحيم أيدك الله وإيانا بروح منه أن العلم والحكمة للنفس كتناول وذلك أن الأجساد ترضع أولاً ثم تتناول الطعام والشراب اللذين هما غذاء الأجساد لينشو صغيرها وينمو ناقصها ويسمن مهزولها ويقوى ضعيفها ويكتسي رونقها وكمالها ويبلغ إلى أقصى مدى غاياتها ومنتهى نهاياتها ومحاسنها باللبن ثم بالطعام والشراب اللذين هما غذاؤها ومادتها . فهكذا أيضاً حالات الأنفس مماثلة لحالات الأجساد بالطعام والشراب الذي هو غذاؤها ومادتها في تصاريفها لاقتران ما بينهم في كون الحياة .
و ذلك أن الأنفس الجزئية تتصور بالعلوم جواهرها وتنمو بالحكمة ذواتها وتضئ بالمعارف صورها وتقوى بالرياضات فكرها وتنير بالآداب خواطرها وتتسع لقبول الصور المجردة الروحانية عقولها وتعلو إلى اشتياق الأمور الخالدة همَّتها ويشتد على البلوغ إلى أقصى مدًّ غاياتها عزماتها من الترقي في المراتب العالية بالنظر في العلوم الإلهية والسُّلوك في المذاهب الروحانية الربَّانية والتعبّد في الأمور الشريفة من الحكمة على المذهب البُّقراطي والتصوّف والتزهّد والترهّب على المنهج المسيحي والتعلق بالدين الحنيفي وهو التشبه بجوهرها الكلي ولحوقها بعالمها العلوي والتوصل إلى علتها الأولى والاعتصام بحبل عصمته وابتغاء مرضاته وطلب الزُّلفى لديه بالاتحاد بأبناء جنسها في عالمها الروحاني ومحلّها النوراني في دارها الحيواني كما قال الله تعالى : " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون " .
فإذا كانت الدار هي الحيوان فما ظنّك يا أخي بأهل الدار كيف تكون صفتهم ونعيمهم إلاَّ كما قال الله تعالى وتقدس : " في مقعد صدق عند


فصل اعلم أيها الأخ الكريم البار الرحيم أيدك الله وإيانا بروح منه أن العلم والحكمة للنفس كتناول وذلك أن الأجساد ترضع أولاً ثم تتناول الطعام والشراب اللذين هما غذاء الأجساد لينشو صغيرها وينمو ناقصها ويسمن مهزولها ويقوى ضعيفها ويكتسي رونقها وكمالها ويبلغ إلى أقصى مدى غاياتها ومنتهى نهاياتها ومحاسنها باللبن ثم بالطعام والشراب اللذين هما غذاؤها ومادتها . فهكذا أيضاً حالات الأنفس مماثلة لحالات الأجساد بالطعام والشراب الذي هو غذاؤها ومادتها في تصاريفها لاقتران ما بينهم في كون الحياة .
و ذلك أن الأنفس الجزئية تتصور بالعلوم جواهرها وتنمو بالحكمة ذواتها وتضئ بالمعارف صورها وتقوى بالرياضات فكرها وتنير بالآداب خواطرها وتتسع لقبول الصور المجردة الروحانية عقولها وتعلو إلى اشتياق الأمور الخالدة همَّتها ويشتد على البلوغ إلى أقصى مدًّ غاياتها عزماتها من الترقي في المراتب العالية بالنظر في العلوم الإلهية والسُّلوك في المذاهب الروحانية الربَّانية والتعبّد في الأمور الشريفة من الحكمة على المذهب البُّقراطي والتصوّف والتزهّد والترهّب على المنهج المسيحي والتعلق بالدين الحنيفي وهو التشبه بجوهرها الكلي ولحوقها بعالمها العلوي والتوصل إلى علتها الأولى والاعتصام بحبل عصمته وابتغاء مرضاته وطلب الزُّلفى لديه بالاتحاد بأبناء جنسها في عالمها الروحاني ومحلّها النوراني في دارها الحيواني كما قال الله تعالى : " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون " .
فإذا كانت الدار هي الحيوان فما ظنّك يا أخي بأهل الدار كيف تكون صفتهم ونعيمهم إلاَّ كما قال الله تعالى وتقدس : " في مقعد صدق عند

8


مليك مقتدر " فافهم هذه الإشارات والمرامي والمرموزات .
ثم اعلم أن النفس إذا انتبهت من نوم الغفلة واستيقظت من رقدة الجهالة واجتهدت وألقت من ذاتها القشور الجسمانية والغشاوة الجرمانية والعادات الطبيعية والأخلاق السَّبعيَّة والآراء الجاهلية وصفت من درن الشهوات الهيولانية تخلصت وانبعثت وقامت فاستنارت عند ذلك ذاتها وأضاء جوهرها وأشرقت أنوارها واحتد بصرها . فعند ذلك ترى تلك الصورة الروحانية وتعاين تلك الجواهر النورانية وتشاهد تلك الأمور الخفيَّة والأسرار المكنونة التي لا يمكن إدراكها بالحواسّ الجسمانية والمشاعر الجرمانية ولا يشاهدها إلا من تخلصت نفسه بتهذيب خلقه إذا لم تكن مربوطة بإرادة طبيعية ومقيدةً بشهوات جسمانية يلوح فيها فيعاينها .
فإذا عاينتْ تلك الأمور تعلقتْ بها تعلق العاشق بالمعشوق والتزمتها التزام الحبيب المحبوب واتحدت بها اتحاد النور بالنور فتبقى معها ببقائها وتدوم مع دوامها وتفرح بروحها وريحانها وتشم بنفحتها وتلذ بلذاتها التي عجزت الألسن الإنسانية عن التعبير عنها وقصَّرت أوهام المتفكرين عن أن تتصورها بكنه صفاتها كما قال الله تعالى : " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرَّة أعين جزاء بما كانوا يعملون " وقال : " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين وأنتم فيها خالدون " .


مليك مقتدر " فافهم هذه الإشارات والمرامي والمرموزات .
ثم اعلم أن النفس إذا انتبهت من نوم الغفلة واستيقظت من رقدة الجهالة واجتهدت وألقت من ذاتها القشور الجسمانية والغشاوة الجرمانية والعادات الطبيعية والأخلاق السَّبعيَّة والآراء الجاهلية وصفت من درن الشهوات الهيولانية تخلصت وانبعثت وقامت فاستنارت عند ذلك ذاتها وأضاء جوهرها وأشرقت أنوارها واحتد بصرها . فعند ذلك ترى تلك الصورة الروحانية وتعاين تلك الجواهر النورانية وتشاهد تلك الأمور الخفيَّة والأسرار المكنونة التي لا يمكن إدراكها بالحواسّ الجسمانية والمشاعر الجرمانية ولا يشاهدها إلا من تخلصت نفسه بتهذيب خلقه إذا لم تكن مربوطة بإرادة طبيعية ومقيدةً بشهوات جسمانية يلوح فيها فيعاينها .
فإذا عاينتْ تلك الأمور تعلقتْ بها تعلق العاشق بالمعشوق والتزمتها التزام الحبيب المحبوب واتحدت بها اتحاد النور بالنور فتبقى معها ببقائها وتدوم مع دوامها وتفرح بروحها وريحانها وتشم بنفحتها وتلذ بلذاتها التي عجزت الألسن الإنسانية عن التعبير عنها وقصَّرت أوهام المتفكرين عن أن تتصورها بكنه صفاتها كما قال الله تعالى : " فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرَّة أعين جزاء بما كانوا يعملون " وقال : " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين وأنتم فيها خالدون " .

9


فصل
ثم اعلم أنه إذا خرج الجنين من الرَّحم سالماً من الآفات العارضة صحيح الحواسّ قويّ البدن واشتدت أركانه وانبسطت قوى النفس في الجسد باشرت القوى الحساسة ذوات المحسوسات وإدراكها على هيئاتها . ثم أدت رسومها إلى القوة المتخيلة التي في مقدَّم الدماغ ودفعتها المتخيلة إلى المفكرة . ثم غابت المحسوسات عن مشاهدة الحواسّ وبقيت آثار تلك الرسوم مصوَّرةً في فكرة النفس فاستقلت بذاتها واستغنت بجوهرها عن حواسها وتصرفت فيها من غير أن يشاركها شيء خارج من ذاتها ويتأملها من غير أن يحتاج إلى غير نفسها . فإذا تأملتها النفس وميَّزتها بعقلها لا تجد شيئا سوى صور تلك المحسوسات منتزعة من هيولاتها ومصورةً في جوهر النفس فيكون جوهر النفس لتلك المصوَّرة في ذاتها كالهيولى وتلك الرسوم فيها كالصورة .
و هكذا أيضا حكم صور المعقولات في النفس وذلك أنها ليست شيئاً سوى صور الأجناس والأنواع انتزعتها النفس بقوتها المتفكرة وصوًّرتها في ذاتها وحملتها كما حمل الهواء صوت المسموعات وذلك أن الهواء يحمل الأصوات والنغمات المختلفة ويؤديها إلى المسامع ويحمل أيضاً الروائح ويؤديها إلى المشامّ بهيئاتها لا يغير منها شيئاً إلا بعارض يعرض لها لأن الهواء جسم لطيف روحاني حافظ للصورة . وهكذا الضياء أيضاً يحمل الأشكال والألوان ويؤدِّيها إلى الأبصار ولا يخلط بعضها ببعض . فهكذا أيضاً النفس تقبل صور المعلومات من المحسوسات والمعقولات في ذاتها وتصوِّرها بفكرها وتحفظها بالقوة الحافظة من غير أن تخلط بعضها ببعض لأن جوهر النفس أشدُّ روحانية من جوهر الهواء وجوهر الضياء جميعاً فاستغنت بنفسها واستقلَّت بذاتها وفرحت بنجاتها واستبشرت


فصل ثم اعلم أنه إذا خرج الجنين من الرَّحم سالماً من الآفات العارضة صحيح الحواسّ قويّ البدن واشتدت أركانه وانبسطت قوى النفس في الجسد باشرت القوى الحساسة ذوات المحسوسات وإدراكها على هيئاتها . ثم أدت رسومها إلى القوة المتخيلة التي في مقدَّم الدماغ ودفعتها المتخيلة إلى المفكرة . ثم غابت المحسوسات عن مشاهدة الحواسّ وبقيت آثار تلك الرسوم مصوَّرةً في فكرة النفس فاستقلت بذاتها واستغنت بجوهرها عن حواسها وتصرفت فيها من غير أن يشاركها شيء خارج من ذاتها ويتأملها من غير أن يحتاج إلى غير نفسها . فإذا تأملتها النفس وميَّزتها بعقلها لا تجد شيئا سوى صور تلك المحسوسات منتزعة من هيولاتها ومصورةً في جوهر النفس فيكون جوهر النفس لتلك المصوَّرة في ذاتها كالهيولى وتلك الرسوم فيها كالصورة .
و هكذا أيضا حكم صور المعقولات في النفس وذلك أنها ليست شيئاً سوى صور الأجناس والأنواع انتزعتها النفس بقوتها المتفكرة وصوًّرتها في ذاتها وحملتها كما حمل الهواء صوت المسموعات وذلك أن الهواء يحمل الأصوات والنغمات المختلفة ويؤديها إلى المسامع ويحمل أيضاً الروائح ويؤديها إلى المشامّ بهيئاتها لا يغير منها شيئاً إلا بعارض يعرض لها لأن الهواء جسم لطيف روحاني حافظ للصورة . وهكذا الضياء أيضاً يحمل الأشكال والألوان ويؤدِّيها إلى الأبصار ولا يخلط بعضها ببعض . فهكذا أيضاً النفس تقبل صور المعلومات من المحسوسات والمعقولات في ذاتها وتصوِّرها بفكرها وتحفظها بالقوة الحافظة من غير أن تخلط بعضها ببعض لأن جوهر النفس أشدُّ روحانية من جوهر الهواء وجوهر الضياء جميعاً فاستغنت بنفسها واستقلَّت بذاتها وفرحت بنجاتها واستبشرت

10

لا يتم تسجيل الدخول!