إسم الكتاب : رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء ( عدد الصفحات : 452)


رسائل إخوان الصفاء
1


رسائل إخوان الصفاء 1

1


< صفحة فارغة >
صفحة بيضاء
< / صفحة فارغة >


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >

2


رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
المجلد الأول
القسم الرياضي
دار صادر للطباعة والنشر
دار بيروت للطباعة والنشر
بيروت
1376 ه‍ 1957 م


رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء المجلد الأول القسم الرياضي دار صادر للطباعة والنشر دار بيروت للطباعة والنشر بيروت 1376 ه‍ 1957 م

3


< صفحة فارغة >
صفحة بيضاء
< / صفحة فارغة >


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >

4



إخوان الصفاء
الجماعة وأشخاصها
تألّفت هذه الجماعة في القرن الرابع الهجري ( القرن العاشر للميلاد ) وكان موطنها البصرة ، ولها فرع في بغداد ، ولم يُعرف من أشخاصها سوى خمسة يتغشاهم الغموض والشك ، ولا يسفر اليقين عن حقيقة أمرهم بما يطمئن إليه الخاطر وينشرح له الصدر لما كانوا عليه من التستر والاكتتام ، فقد ذكرت أسماؤهم وكأنها لم تذكر ، لجهلنا أخبارهم وأحوالهم ، فقيل إن أحدهم هو أبو سليمان محمد بن معشر البستي المعروف بالمقدسي ، والآخر أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني ، ثم أبو أحمد المهرجاني ، ويسميه المستشرق دي بور محمد بن أحمد النهرجوري ، فأبو الحسن العوفي ، فزيد بن رفاعة . ويؤخذ من كلام لأبي حيّان التوحيدي أثبته أحمد زكي باشا في مقدمته لرسائل الإخوان ، أن زيد بن رفاعة كان متهماً بمذهبه ، وأن الوزير صمصام الدولة بن عضد الدولة سأله عنه ، فقال : « إني لا أزال أسمع من زيد بن رفاعة قولاً يريبني ، ومذهباً لا عهد لي به ، وكناية عما لا أحقّه ، وإشارة إلى ما لا يتوضح شيء منه . يذكر الحروف ويذكر اللفظ ، ويزعم أن الباء لم تنقط من تحت واحدةً إلا لسبب ، والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لعلة ، والألف لم تهمل إلا لغرض ، وأشباه هذا . » فأطرى أبو حيان ذكاءه وأدبه وعلمه ، وتبصره في الآراء والديانات ، وتصرّفه في كل فن : « إما بالشدو ( 1 ) الموهيم ، وإما بالتوسط المفهم ، وإما بالتناهي المفحم . »


إخوان الصفاء الجماعة وأشخاصها تألّفت هذه الجماعة في القرن الرابع الهجري ( القرن العاشر للميلاد ) وكان موطنها البصرة ، ولها فرع في بغداد ، ولم يُعرف من أشخاصها سوى خمسة يتغشاهم الغموض والشك ، ولا يسفر اليقين عن حقيقة أمرهم بما يطمئن إليه الخاطر وينشرح له الصدر لما كانوا عليه من التستر والاكتتام ، فقد ذكرت أسماؤهم وكأنها لم تذكر ، لجهلنا أخبارهم وأحوالهم ، فقيل إن أحدهم هو أبو سليمان محمد بن معشر البستي المعروف بالمقدسي ، والآخر أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني ، ثم أبو أحمد المهرجاني ، ويسميه المستشرق دي بور محمد بن أحمد النهرجوري ، فأبو الحسن العوفي ، فزيد بن رفاعة . ويؤخذ من كلام لأبي حيّان التوحيدي أثبته أحمد زكي باشا في مقدمته لرسائل الإخوان ، أن زيد بن رفاعة كان متهماً بمذهبه ، وأن الوزير صمصام الدولة بن عضد الدولة سأله عنه ، فقال : « إني لا أزال أسمع من زيد بن رفاعة قولاً يريبني ، ومذهباً لا عهد لي به ، وكناية عما لا أحقّه ، وإشارة إلى ما لا يتوضح شيء منه . يذكر الحروف ويذكر اللفظ ، ويزعم أن الباء لم تنقط من تحت واحدةً إلا لسبب ، والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لعلة ، والألف لم تهمل إلا لغرض ، وأشباه هذا . » فأطرى أبو حيان ذكاءه وأدبه وعلمه ، وتبصره في الآراء والديانات ، وتصرّفه في كل فن : « إما بالشدو ( 1 ) الموهيم ، وإما بالتوسط المفهم ، وإما بالتناهي المفحم . »

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) بالشدو : في الأصل بالشد .

( 1 ) بالشدو : في الأصل بالشد .

5


ثم سأله عن مذهبه ، فقال : « لا ينسب إلى شيء ، ولا يعرف له حال ، حيث أنه تكلم في كل شيء ، وغليانه في كل باب ، ولاختلاف ما يبدو من بسطته ببيانه وسطوته بلسانه . » وقال أيضاً إنه أقام بالبصرة وصادق بها جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة ، وذكر أسماء الأربعة الآخرين ؛ وإن زيد بن رفاعة صحبهم وخدمهم ، مما يدل على أنه كان دونهم منزلة ، وعلماً ، مع ما هو عليه من المعرفة وسعة الاطلاع . ثم أبان عن أمر هذه الجماعة فقال :
« وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة . فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله . وذلك أنهم قالوا إن الشريعة قد دنّست بالجهالات ، واختلطت بالضلالات ، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة ، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية . وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة الاجتهادية اليونانية ، والشريعة العربية فقد حصل الكمال . »
وسأله الوزير عن المقدسي ، وما يقول في الشريعة والفلسفة ، فروى حديثاً له يستدل منه أنه يؤثر الفلسفة على الشريعة ، حيث يقول :
« الشريعة طبّ المرضى ، والفلسفة طب الأصحاء ، والأنبياء يطبّون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم ، وحتى يزول المرض بالعافية فقط . وأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها ، حتى لا يعتريهم مرض أصلاً . فبين مدبّر المريض وبين مدير الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف ، لأن غاية قابلاً ، والطبيب ناصحاً . وغاية تدبير الصحيح أن يحفظ الصحة ، وإذا حفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل وفرّغه لها وعرّضه لاقتنائها ، وصاحب هذه الحال فائز بالسعادة العظمى ، وقد صار مستحقّاً للحياة الإلهية . والحياة الإلهية هي الخلود والديمومة . وإن كسب من يبرؤ من المرض بطب صاحبه الفضائل أيضاً ، فليست تلك الفضائل من جنس هذه الفضائل ، لأن إحداهما تقليدية


ثم سأله عن مذهبه ، فقال : « لا ينسب إلى شيء ، ولا يعرف له حال ، حيث أنه تكلم في كل شيء ، وغليانه في كل باب ، ولاختلاف ما يبدو من بسطته ببيانه وسطوته بلسانه . » وقال أيضاً إنه أقام بالبصرة وصادق بها جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة ، وذكر أسماء الأربعة الآخرين ؛ وإن زيد بن رفاعة صحبهم وخدمهم ، مما يدل على أنه كان دونهم منزلة ، وعلماً ، مع ما هو عليه من المعرفة وسعة الاطلاع . ثم أبان عن أمر هذه الجماعة فقال :
« وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة . فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله . وذلك أنهم قالوا إن الشريعة قد دنّست بالجهالات ، واختلطت بالضلالات ، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة ، لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية . وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة الاجتهادية اليونانية ، والشريعة العربية فقد حصل الكمال . » وسأله الوزير عن المقدسي ، وما يقول في الشريعة والفلسفة ، فروى حديثاً له يستدل منه أنه يؤثر الفلسفة على الشريعة ، حيث يقول :
« الشريعة طبّ المرضى ، والفلسفة طب الأصحاء ، والأنبياء يطبّون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم ، وحتى يزول المرض بالعافية فقط . وأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها ، حتى لا يعتريهم مرض أصلاً . فبين مدبّر المريض وبين مدير الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف ، لأن غاية قابلاً ، والطبيب ناصحاً . وغاية تدبير الصحيح أن يحفظ الصحة ، وإذا حفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل وفرّغه لها وعرّضه لاقتنائها ، وصاحب هذه الحال فائز بالسعادة العظمى ، وقد صار مستحقّاً للحياة الإلهية . والحياة الإلهية هي الخلود والديمومة . وإن كسب من يبرؤ من المرض بطب صاحبه الفضائل أيضاً ، فليست تلك الفضائل من جنس هذه الفضائل ، لأن إحداهما تقليدية

6


والأخرى برهانية ، وهذه مظنونة وهذه مستيقنة ، وهذه روحانية وهذه جسمانية ، وهذه دهرية وهذه زمانية . »
ومن كلام أحمد زكي باشا في مقدمته قوله :
« وقد ساعدتني المقادير ، أثناء البحث الطويل والمراجعة المتوالية ، فرأيت صاحب « كشف الظنون » يقول إن لأبي الحسن العوفي ( وهو من أصحاب إخوان الصفاء ) رسالة في « أقسام الموجودات وتفسيرها » قال : وهي لطيفة ذكرها الشهر زوري في تاريخ الحكماء . »
فهذا جلّ ما انتهى إلينا من أخبار هؤلاء الإخوان وأحوالهم ، مع ما حام عليهم من الشبهات ، فقد نسبوهم إلى القرامطة وهم الإسماعيليون أصلاً ، وذكروا أن سنان بن سليمان الملقب برشيد الدين من عظماء الإسماعيلية ورؤسائها ، كان يكبّ على مطالعة رسائل إخوان الصفاء . وزعم ابن تيمية في فتواه عن طائفة النصيريّة أن الإخوان من أئمتهم . ويقول المستشرق دي بور : « إن آراء إخوان الصفاء ظهرت في جملتها من جديد عند فرق كثيرة في العالم الإسلامي : كالباطنية والإسماعيلية والحشاشين والدروز ، وقد أفلحت الحكمة اليونانية في أن نستوطن الشرق وذلك عن طريق إخوان الصفاء . » ( 1 )
مراتب الإخوان
وتتألف جماعة الإخوان من أربع مراتب أولاها مرتبة ذوي الصنائع ، وتكون من الشبان الذين أتموا الخامسة عشرة ، لما هم عليه من صفاء جوهر النفس ، وجودة القبول وسرعة التصور ، ويسمونهم الإخوان الأبرار والرحماء . والثانية مرتبة الرؤساء ذوي السياسات ، وتكون من الذين أتموا الثلاثين ، وعرفوا بالحكمة والعقل ، ويسمونهم الإخوان الأخيار والفضلاء . والثالثة مرتبة الملوك ذوي السلطان ، وتكون من الذين أتموا الأربعين ، وعرفوا


والأخرى برهانية ، وهذه مظنونة وهذه مستيقنة ، وهذه روحانية وهذه جسمانية ، وهذه دهرية وهذه زمانية . » ومن كلام أحمد زكي باشا في مقدمته قوله :
« وقد ساعدتني المقادير ، أثناء البحث الطويل والمراجعة المتوالية ، فرأيت صاحب « كشف الظنون » يقول إن لأبي الحسن العوفي ( وهو من أصحاب إخوان الصفاء ) رسالة في « أقسام الموجودات وتفسيرها » قال : وهي لطيفة ذكرها الشهر زوري في تاريخ الحكماء . » فهذا جلّ ما انتهى إلينا من أخبار هؤلاء الإخوان وأحوالهم ، مع ما حام عليهم من الشبهات ، فقد نسبوهم إلى القرامطة وهم الإسماعيليون أصلاً ، وذكروا أن سنان بن سليمان الملقب برشيد الدين من عظماء الإسماعيلية ورؤسائها ، كان يكبّ على مطالعة رسائل إخوان الصفاء . وزعم ابن تيمية في فتواه عن طائفة النصيريّة أن الإخوان من أئمتهم . ويقول المستشرق دي بور : « إن آراء إخوان الصفاء ظهرت في جملتها من جديد عند فرق كثيرة في العالم الإسلامي : كالباطنية والإسماعيلية والحشاشين والدروز ، وقد أفلحت الحكمة اليونانية في أن نستوطن الشرق وذلك عن طريق إخوان الصفاء . » ( 1 ) مراتب الإخوان وتتألف جماعة الإخوان من أربع مراتب أولاها مرتبة ذوي الصنائع ، وتكون من الشبان الذين أتموا الخامسة عشرة ، لما هم عليه من صفاء جوهر النفس ، وجودة القبول وسرعة التصور ، ويسمونهم الإخوان الأبرار والرحماء . والثانية مرتبة الرؤساء ذوي السياسات ، وتكون من الذين أتموا الثلاثين ، وعرفوا بالحكمة والعقل ، ويسمونهم الإخوان الأخيار والفضلاء . والثالثة مرتبة الملوك ذوي السلطان ، وتكون من الذين أتموا الأربعين ، وعرفوا

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) دي بور : تاريخ الفلسفة في الإسلام ص 113 . الترجمة العربية : محمد عبد الهادي أبو ريدة .

( 1 ) دي بور : تاريخ الفلسفة في الإسلام ص 113 . الترجمة العربية : محمد عبد الهادي أبو ريدة .

7


بالقيام على حفظ الناموس الإلهي ، ويسمونهم الإخوان الفضلاء الكرام . والرابعة هي المرتبة العليا التي يدعون إليها إخوانهم كلهم في أي مرتبة كانوا ، وتكون من الذين أتموا الخمسين ، وأشبهوا الملائكة بقبول التأييد ومشاهدة الحق عياناً ، والوقوف على أحوال الآخرة .
فمن النظر إلى هذه المراتب الأربع نرى بعد انظار الإخوان في بث دعوتهم في مختلف الطبقات لتعميم آرائهم وعقائدهم ؛ واعتمدوا في المرتبة الأولى على الشبان خصوصاً لسلامة صدورهم وشدة اندفاعهم في تأييد ما تستمال إليه قلوبهم ، مع ما هم عليه من مزيّة الارتياض بالطاعة وقبول العلم والإرشاد . ونجدهم في رسائلهم يبعثون مندوبين من قبلهم إلى أشخاص من ذوي الرئاسة والجاه والمال ، ويوصونهم أن يتلطفوا في دعوتهم واستمالتهم إلى مذهبهم ليكونوا لهم سنداً تشتدّ به قواهم ، لما نالهم من الاضطهاد وسوء القالة ، فاستتروا تقية من السلطان ورجال الدين لئلاًّ يتعرضوا لأخطار تؤذيهم ولا تجديهم فتيلاً ، فإنهم وإن كانوا من أهل الدعوات الباطنية ، ولهم قرابة بالقرامطة أو الإسماعيلية ، لقد خالفوهم في عقيدة الخروج على أولي الأمر ، والاستنصار بالفتك والترويع والاستيلاء على البلدان لبلوغ غاياتهم . وأحمدوا الإخلاد إلى السكينة ، وانتظار الوقت الملائم للثورة والعصيان . وتداعوا إلى العمل الصالح في تثقيف العقول والنفوس بمذهب بجمع الفلسفة والدين موفقاً بينهما في طريق المحبة وصفاء الأخوّة فيزول ما علق بالشريعة من الجهالات والضلالات ، ويحصل الكمال للإنسان .
عصرهم ؛ مذهبهم
وكان عصرهم ، بحالتيه السياسية والفكرية ، يساعدهم على بث آرائهم في المجتمع الإسلامي ، فإن ضعف الدولة العباسية سجع العلويين على طلب الاستقلال وموالاة الثورات والفتن ، فظهر دعاتهم في المغرب والعراق ، واستولوا على النواحي القاصية ، وأسسوا لهم ممالك فيها ، فكان منهم الأدارسة


بالقيام على حفظ الناموس الإلهي ، ويسمونهم الإخوان الفضلاء الكرام . والرابعة هي المرتبة العليا التي يدعون إليها إخوانهم كلهم في أي مرتبة كانوا ، وتكون من الذين أتموا الخمسين ، وأشبهوا الملائكة بقبول التأييد ومشاهدة الحق عياناً ، والوقوف على أحوال الآخرة .
فمن النظر إلى هذه المراتب الأربع نرى بعد انظار الإخوان في بث دعوتهم في مختلف الطبقات لتعميم آرائهم وعقائدهم ؛ واعتمدوا في المرتبة الأولى على الشبان خصوصاً لسلامة صدورهم وشدة اندفاعهم في تأييد ما تستمال إليه قلوبهم ، مع ما هم عليه من مزيّة الارتياض بالطاعة وقبول العلم والإرشاد . ونجدهم في رسائلهم يبعثون مندوبين من قبلهم إلى أشخاص من ذوي الرئاسة والجاه والمال ، ويوصونهم أن يتلطفوا في دعوتهم واستمالتهم إلى مذهبهم ليكونوا لهم سنداً تشتدّ به قواهم ، لما نالهم من الاضطهاد وسوء القالة ، فاستتروا تقية من السلطان ورجال الدين لئلاًّ يتعرضوا لأخطار تؤذيهم ولا تجديهم فتيلاً ، فإنهم وإن كانوا من أهل الدعوات الباطنية ، ولهم قرابة بالقرامطة أو الإسماعيلية ، لقد خالفوهم في عقيدة الخروج على أولي الأمر ، والاستنصار بالفتك والترويع والاستيلاء على البلدان لبلوغ غاياتهم . وأحمدوا الإخلاد إلى السكينة ، وانتظار الوقت الملائم للثورة والعصيان . وتداعوا إلى العمل الصالح في تثقيف العقول والنفوس بمذهب بجمع الفلسفة والدين موفقاً بينهما في طريق المحبة وصفاء الأخوّة فيزول ما علق بالشريعة من الجهالات والضلالات ، ويحصل الكمال للإنسان .
عصرهم ؛ مذهبهم وكان عصرهم ، بحالتيه السياسية والفكرية ، يساعدهم على بث آرائهم في المجتمع الإسلامي ، فإن ضعف الدولة العباسية سجع العلويين على طلب الاستقلال وموالاة الثورات والفتن ، فظهر دعاتهم في المغرب والعراق ، واستولوا على النواحي القاصية ، وأسسوا لهم ممالك فيها ، فكان منهم الأدارسة

8


في المغرب الأقصى ، والعبيديون أو الفاطميون بالقيروان ثم بمصر ، والقرامطة بالبحرين ، والدواعي بطبرستان ثم فيها من بعدهم الديلم والأطروش ؛ وانبسط سلطان البويهيين على فارس والعراق ، وسلطان الحمدانيين على سورية الشمالية يضم إليه الجزيرة ما بين دجلة والفرات ، إلى العاصي في حماة وحمص . فخروج العلويين المتواصل مكّن لهم في كثير من الولايات فسيطروا واستقلوا حتى غلبوا العباسيين على أمرهم في بغداد ، وصار الأمر لبني بويه . ورافقتهم في ثوراتهم وفتنهم الدعوات الباطنية تنتشر في الأمصار داعية للرضا من أبناء علي ، أو مبشرة الناس بظهور المهدي ليطهر الأرض من الجور والفساد ، حتى باتت الخواطر على تنظّر دائم لرسول تبعثه السماء ، ولخارجي مغامر يملك الأرض ويحتل مكان مالك آخر ( 1 ) .
على أن هذه الحالة السياسية المضطربة ، وإن جاءت منذرة بسوء المصير ، لم تحل دون تقدم الفكر الإسلامي ، فإن الأمراء المستقلين كانوا يتنافسون في تقريب العلماء والأدباء ، ويتعهدون دور التدريس بالبذل والعناية ؛ وكانت العلوم الدخيلة قد انتشرت منذ صدر الدولة العباسية ، وتداول الناس كتبها المنقولة يتدارسونها ، ويشرحونها ويعلّقون عليها ، حتى اختمرت بها العقول ، فشرع المفكرون في التصنيف بدلاً من النقل ، فظهر الفلاسفة والعلماء المسلمون ، وأصبحت الأفكار معدة لقبول المباحث الطبيعية والغيبية تأنس بها وترتاح إليها ، وتجادل فيها موافقة أو معارضة ، مؤمنة أو منكرة ، فكانت التربة صالحة للزرع سياسيّاً وفكريّاً عندما حمل إخوان الصفاء أنفسهم على تقويم العقول وتهذيب النفوس بآرائهم لاستثارتها عند الحاجة إليها . يحاولون توفيق الفلسفة اليونانية التقليدية وظاهر الشريعة الإسلامية في تأويل الآيات والأحاديث على ما يناسب عقائدهم . ويميلون في رسائلهم إلى العلوية ميلاً ظاهراً ، ويتكتمون في دعوتهم شأن الفرق الباطنية ؛ ولكنهم لا يتعصبون لمذهب على


في المغرب الأقصى ، والعبيديون أو الفاطميون بالقيروان ثم بمصر ، والقرامطة بالبحرين ، والدواعي بطبرستان ثم فيها من بعدهم الديلم والأطروش ؛ وانبسط سلطان البويهيين على فارس والعراق ، وسلطان الحمدانيين على سورية الشمالية يضم إليه الجزيرة ما بين دجلة والفرات ، إلى العاصي في حماة وحمص . فخروج العلويين المتواصل مكّن لهم في كثير من الولايات فسيطروا واستقلوا حتى غلبوا العباسيين على أمرهم في بغداد ، وصار الأمر لبني بويه . ورافقتهم في ثوراتهم وفتنهم الدعوات الباطنية تنتشر في الأمصار داعية للرضا من أبناء علي ، أو مبشرة الناس بظهور المهدي ليطهر الأرض من الجور والفساد ، حتى باتت الخواطر على تنظّر دائم لرسول تبعثه السماء ، ولخارجي مغامر يملك الأرض ويحتل مكان مالك آخر ( 1 ) .
على أن هذه الحالة السياسية المضطربة ، وإن جاءت منذرة بسوء المصير ، لم تحل دون تقدم الفكر الإسلامي ، فإن الأمراء المستقلين كانوا يتنافسون في تقريب العلماء والأدباء ، ويتعهدون دور التدريس بالبذل والعناية ؛ وكانت العلوم الدخيلة قد انتشرت منذ صدر الدولة العباسية ، وتداول الناس كتبها المنقولة يتدارسونها ، ويشرحونها ويعلّقون عليها ، حتى اختمرت بها العقول ، فشرع المفكرون في التصنيف بدلاً من النقل ، فظهر الفلاسفة والعلماء المسلمون ، وأصبحت الأفكار معدة لقبول المباحث الطبيعية والغيبية تأنس بها وترتاح إليها ، وتجادل فيها موافقة أو معارضة ، مؤمنة أو منكرة ، فكانت التربة صالحة للزرع سياسيّاً وفكريّاً عندما حمل إخوان الصفاء أنفسهم على تقويم العقول وتهذيب النفوس بآرائهم لاستثارتها عند الحاجة إليها . يحاولون توفيق الفلسفة اليونانية التقليدية وظاهر الشريعة الإسلامية في تأويل الآيات والأحاديث على ما يناسب عقائدهم . ويميلون في رسائلهم إلى العلوية ميلاً ظاهراً ، ويتكتمون في دعوتهم شأن الفرق الباطنية ؛ ولكنهم لا يتعصبون لمذهب على

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) بطرس البستاني : أدباء العرب في الأعصر العباسية ص 330 .

( 1 ) بطرس البستاني : أدباء العرب في الأعصر العباسية ص 330 .

9


آخر ، بل يقبلون جميع المذاهب والأديان ويرجعون بها إلى مبدأ واحد وعلة واحدة ، فمذهبهم يستغرق المذاهب كلها كما يزعمون :
« وبالجملة ينبغي لإخواننا ، أيّدهم الله تعالى ، أن لا يعادوا علماً من العلوم ، أو يهجروا كتاباً من الكتب ، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب ، لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم جميعها ، وذلك أنه هو النظر في جميع الموجودات بأسرها ، الحسيّة والعقلية ، من أولها إلى آخرها ، ظاهرها وباطنها ، جليّها وخفيّها ، بعين الحقيقة من حيث هي كلها من مبدأ واحد ، وعلة واحدة ، وعالم واحد ، ونفس واحدة محيطة جواهرها المختلفة ، وأجناسها المتباينة ، وأنواعها المفنّنة ، وجزئياتها المتغيرة . »
وقادهم ذلك إلى القول بصحة الأديان جميعاً ، مشيرين برموز لا يطمئن إليها رجال الدين ، بل يجدون فيها إلحاداً ، وخروجاً على العقيدة الإسلامية ، فإذا اتهموا أصحابها ونسبوا إليهم الكفر ، فإنهم لم يبتعدوا عن الحقيقة لأن الإخوان أخذوا الإسلام لتأليف مذهبهم الشامل لا لكي ينتحلوه ديناً خالصاً قائماً برأسه ، فمزجوه بغيره مزجاً غريباً أبعده عن أصوله ، وصبغوه بألوان مختلفة غيّرت لونه الخاص ، كما نرى في الرسالة الرابعة والأربعين حيث يقولون : « أو هل لك ، يا أخي ، أن تصنع ما عمل فيه القوم كي ينفخ فيك الروح ، فيذهب عنك اللوم ، حتى ترى الإيسوع عن ميمنة عرش الرب قد قرّب مثواه كما يقرّب ابن الأب ، أو ترى من حوله من الناظرين ؟ »
« أو هل لك أن تخرج من ظلمة أهر من حتى ترى اليزدان قد أشرق منه النور في فسحة افريحون . »
« أو هل لك أن تدخل إلى هيكل عاديمون ، حتى ترى الأفلاك يحيكها أفلاطون ، وإنما هي أفلاك روحانية ، لا ما يشير إليه المنجمون ؟ وذلك أن علم الله تعالى محيط بما يحوي العقل من المعقولات . والعقل محيط بما تحوي النفس من الصور . والنفس محيطة بما تحوي الطبيعة من الكائنات . والطبيعة


آخر ، بل يقبلون جميع المذاهب والأديان ويرجعون بها إلى مبدأ واحد وعلة واحدة ، فمذهبهم يستغرق المذاهب كلها كما يزعمون :
« وبالجملة ينبغي لإخواننا ، أيّدهم الله تعالى ، أن لا يعادوا علماً من العلوم ، أو يهجروا كتاباً من الكتب ، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب ، لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم جميعها ، وذلك أنه هو النظر في جميع الموجودات بأسرها ، الحسيّة والعقلية ، من أولها إلى آخرها ، ظاهرها وباطنها ، جليّها وخفيّها ، بعين الحقيقة من حيث هي كلها من مبدأ واحد ، وعلة واحدة ، وعالم واحد ، ونفس واحدة محيطة جواهرها المختلفة ، وأجناسها المتباينة ، وأنواعها المفنّنة ، وجزئياتها المتغيرة . » وقادهم ذلك إلى القول بصحة الأديان جميعاً ، مشيرين برموز لا يطمئن إليها رجال الدين ، بل يجدون فيها إلحاداً ، وخروجاً على العقيدة الإسلامية ، فإذا اتهموا أصحابها ونسبوا إليهم الكفر ، فإنهم لم يبتعدوا عن الحقيقة لأن الإخوان أخذوا الإسلام لتأليف مذهبهم الشامل لا لكي ينتحلوه ديناً خالصاً قائماً برأسه ، فمزجوه بغيره مزجاً غريباً أبعده عن أصوله ، وصبغوه بألوان مختلفة غيّرت لونه الخاص ، كما نرى في الرسالة الرابعة والأربعين حيث يقولون : « أو هل لك ، يا أخي ، أن تصنع ما عمل فيه القوم كي ينفخ فيك الروح ، فيذهب عنك اللوم ، حتى ترى الإيسوع عن ميمنة عرش الرب قد قرّب مثواه كما يقرّب ابن الأب ، أو ترى من حوله من الناظرين ؟ » « أو هل لك أن تخرج من ظلمة أهر من حتى ترى اليزدان قد أشرق منه النور في فسحة افريحون . » « أو هل لك أن تدخل إلى هيكل عاديمون ، حتى ترى الأفلاك يحيكها أفلاطون ، وإنما هي أفلاك روحانية ، لا ما يشير إليه المنجمون ؟ وذلك أن علم الله تعالى محيط بما يحوي العقل من المعقولات . والعقل محيط بما تحوي النفس من الصور . والنفس محيطة بما تحوي الطبيعة من الكائنات . والطبيعة

10

لا يتم تسجيل الدخول!