إسم الكتاب : الطب النبوي ( عدد الصفحات : 327)


< فهرس الموضوعات >
تصدير الكتاب
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
افتتاحية الكتاب
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
تقسيم المرض إلى مرض القلوب ، ومرض الأبدان
< / فهرس الموضوعات >
الطب النبوي
لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي ابن قيم الجوزية
691 - 751 ه‍
كتب المقدمة وراجع الأصل وصححه وأشرف على التعليقات
عبد الغنى عبد الخالق
أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة الاسلامية
وضع التعاليق الطبية
الدكتور عادل الأزهري
رئيس الأمراض الباطنية بمستشفى الملك
وخرج الأحاديث
محمود فرج العقدة
من علماء الأزهر


< فهرس الموضوعات > تصدير الكتاب < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > افتتاحية الكتاب < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > تقسيم المرض إلى مرض القلوب ، ومرض الأبدان < / فهرس الموضوعات > الطب النبوي لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي ابن قيم الجوزية 691 - 751 ه‍ كتب المقدمة وراجع الأصل وصححه وأشرف على التعليقات عبد الغنى عبد الخالق أستاذ أصول الفقه بكلية الشريعة الاسلامية وضع التعاليق الطبية الدكتور عادل الأزهري رئيس الأمراض الباطنية بمستشفى الملك وخرج الأحاديث محمود فرج العقدة من علماء الأزهر

1


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين ، وصلواته على أشرف المرسلين : محمد خاتم النبيين ، وآله
وصحبه أجمعين .
أما بعد : فهذه فصول نافعة في هديه صلى الله عليه وسلم ، في الطب الذي تطبب به ، ووصفه لغيره .
نبين ( 1 ) ما فيه من الحكمة التي تعجز عقول أكبر ( 2 ) الأطباء عن الوصول إليها ( 3 ) . فنقول
- وبالله نستعين ، ومنه نستمد الحول والقوة - :
( فصل ) المرض نوعان : مرض القلوب ، ومرض الأبدان ( 4 ) . وهما مذكوران في القرآن .


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين ، وصلواته على أشرف المرسلين : محمد خاتم النبيين ، وآله وصحبه أجمعين .
أما بعد : فهذه فصول نافعة في هديه صلى الله عليه وسلم ، في الطب الذي تطبب به ، ووصفه لغيره .
نبين ( 1 ) ما فيه من الحكمة التي تعجز عقول أكبر ( 2 ) الأطباء عن الوصول إليها ( 3 ) . فنقول - وبالله نستعين ، ومنه نستمد الحول والقوة - :
( فصل ) المرض نوعان : مرض القلوب ، ومرض الأبدان ( 4 ) . وهما مذكوران في القرآن .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) في زاد المعاد ( 3 / 63 : ط المصرية ) : " ونبين " وهو ملائم لما ورد فيه قلبه .
( 2 ) في الزاد : " أكثر " . أي : خبرة ومعرفة ، لا عددا .
( 3 ) في الزاد زيادة بعد ذلك ، هي : " وأن نسبة طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم " .
وسيأتى قريبا نحوها .
( 4 ) إن هذا التقسيم فيه من الحكمة الإلهية والاعجاز الكثير ، ما لم يتوصل إليه الأطباء إلا حديثا :
في منتصف القرن الثامن عشر . فقد قسمت الأمراض عموما إلى قسمين :
1 - الأمراض العضوية . وهى : الأمراض التي تنتج من عدم أداء أي جزء من أجزاء الجسم وظيفته
كاملا ، أو توقفه عن العمل بالكلية . أو تنتج من دخول ميكروبات مختلفة الأنواع إلى الجسم ، وتصيب
أي عضو فيه بالتلف . وينتج عن ذلك أعراض المرض . وكل مرض عضوي له أعراض وتاريخ ومواصفات
ومضاعفات خاصة به : بحيث يمكن التفرقة بين الأمراض العضوية ، وتشخيص كل منها .
وهذا هو المقصود بمرض الأبدان ، كما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم .
وأمثال هذه الأمراض هي : الشلل ، الحميات ، الدرن ، الصفراء ، إلخ .
2 - الأمراض النفسية . وهى - في الحقيقة - : أعراض أمراض متنوعة وكثيرة جدا ، يشعر بها
المريض . وبالكشف عليه بواسطة الطبيب ، مع الاستعانة بجميع الأبحاث اللازمة - مثل الأشعة والتحاليل
المختلفة إلخ - يوجد المريض في حالة طبيعية ، أي : عدم وجود مرض عضوي بالجسم .
وهذه الاعراض تنتج عن مؤثرات خارجية في الحياة العامة . مثل : الخوف ، الشك ، الغرام ، عدم
الاكتفاء الجنسي . كثرة الاجهاد ، إلخ .
وهذا هو مرض القلوب ، كما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم . وحكمة تقسيمه إلى أمراض شبه
وشك ، ومرض شهوة وغى ، ففيه كل الحكمة حسب النظريات الحديثة في علم النفس . 1 ه‍ د .

( 1 ) في زاد المعاد ( 3 / 63 : ط المصرية ) : " ونبين " وهو ملائم لما ورد فيه قلبه . ( 2 ) في الزاد : " أكثر " . أي : خبرة ومعرفة ، لا عددا . ( 3 ) في الزاد زيادة بعد ذلك ، هي : " وأن نسبة طبهم إليها كنسبة طب العجائز إلى طبهم " . وسيأتى قريبا نحوها . ( 4 ) إن هذا التقسيم فيه من الحكمة الإلهية والاعجاز الكثير ، ما لم يتوصل إليه الأطباء إلا حديثا : في منتصف القرن الثامن عشر . فقد قسمت الأمراض عموما إلى قسمين : 1 - الأمراض العضوية . وهى : الأمراض التي تنتج من عدم أداء أي جزء من أجزاء الجسم وظيفته كاملا ، أو توقفه عن العمل بالكلية . أو تنتج من دخول ميكروبات مختلفة الأنواع إلى الجسم ، وتصيب أي عضو فيه بالتلف . وينتج عن ذلك أعراض المرض . وكل مرض عضوي له أعراض وتاريخ ومواصفات ومضاعفات خاصة به : بحيث يمكن التفرقة بين الأمراض العضوية ، وتشخيص كل منها . وهذا هو المقصود بمرض الأبدان ، كما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم . وأمثال هذه الأمراض هي : الشلل ، الحميات ، الدرن ، الصفراء ، إلخ . 2 - الأمراض النفسية . وهى - في الحقيقة - : أعراض أمراض متنوعة وكثيرة جدا ، يشعر بها المريض . وبالكشف عليه بواسطة الطبيب ، مع الاستعانة بجميع الأبحاث اللازمة - مثل الأشعة والتحاليل المختلفة إلخ - يوجد المريض في حالة طبيعية ، أي : عدم وجود مرض عضوي بالجسم . وهذه الاعراض تنتج عن مؤثرات خارجية في الحياة العامة . مثل : الخوف ، الشك ، الغرام ، عدم الاكتفاء الجنسي . كثرة الاجهاد ، إلخ . وهذا هو مرض القلوب ، كما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم . وحكمة تقسيمه إلى أمراض شبه وشك ، ومرض شهوة وغى ، ففيه كل الحكمة حسب النظريات الحديثة في علم النفس . 1 ه‍ د .

1



ومرض القلوب نوعان : مرض شبهة وشك ، ومرض شهوة وغى . وكلاهما في القرآن ،
قال تعالى في مرض الشبهة : ( في قلوبهم مرض ، فزادهم الله مرضا ) ، وقال تعالى :
( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون : ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ ) ، وقال
تعالى في حق من دعى إلى تحكيم القرآن والسنة ، فأبى وأعرض : ( وإذا دعوا إلى الله
ورسوله ليحكم بينهم : إذا فريق منهم معرضون . وإن يكن لهم الحق يأتوا
إليه مذعنين . أفى قلوبهم مرض ؟ أم ارتابوا ؟ أم يخافون أن يحيف الله عليهم
ورسوله ؟ بل أولئك هم الظالمون ) . فهذا مرض الشبهات والشكوك .
وأما مرض الشهوات ، فقال تعالى : ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ، إن
اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) . فهذا مرض شهوة الزنا .
والله أعلم .
( فصل ) وأما مرض الأبدان ، فقال تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ، ولا على
الأعرج حرج ، ولا على المريض حرج ) . وذكر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء ،
لسر بديع : يبين لك عظمة القرآن ، والاستغناء به لمن فهمه وعقله ، عن سواه .
وذلك : أن قواعد طب الأبدان ثلاثة : حفظ الصحة ، والحمية عن المؤذى ، واستفراغ
المواد الفاسدة . فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة ، في هذه المواضع الثلاثة ، فقال في آية
الصوم ( 1 ) : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر : فعدة من أيام أخر ) ، فأباح
الفطر للمريض : لعذر المرض ، وللمسافر : طلبا لحفظ صحته وقوته ، لئلا يذهبها الصوم
في السفر : لاجتماع شدة الحركة ، وما يوجبه : من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل ،
فتخور القوة وتضعف . فأباح للمسافر الفطر : حفظا لصحته وقوته ، عما يضعفها .
وقال في آية الحج : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من
صيام أو صدقة أو نسك ) ، فأباح للمريض ومن به أذى من رأسه - : من قمل ، أو حكة ،


ومرض القلوب نوعان : مرض شبهة وشك ، ومرض شهوة وغى . وكلاهما في القرآن ، قال تعالى في مرض الشبهة : ( في قلوبهم مرض ، فزادهم الله مرضا ) ، وقال تعالى :
( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون : ماذا أراد الله بهذا مثلا ؟ ) ، وقال تعالى في حق من دعى إلى تحكيم القرآن والسنة ، فأبى وأعرض : ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم : إذا فريق منهم معرضون . وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين . أفى قلوبهم مرض ؟ أم ارتابوا ؟ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ؟ بل أولئك هم الظالمون ) . فهذا مرض الشبهات والشكوك .
وأما مرض الشهوات ، فقال تعالى : ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ، إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) . فهذا مرض شهوة الزنا .
والله أعلم .
( فصل ) وأما مرض الأبدان ، فقال تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ، ولا على المريض حرج ) . وذكر مرض البدن في الحج والصوم والوضوء ، لسر بديع : يبين لك عظمة القرآن ، والاستغناء به لمن فهمه وعقله ، عن سواه .
وذلك : أن قواعد طب الأبدان ثلاثة : حفظ الصحة ، والحمية عن المؤذى ، واستفراغ المواد الفاسدة . فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة ، في هذه المواضع الثلاثة ، فقال في آية الصوم ( 1 ) : ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر : فعدة من أيام أخر ) ، فأباح الفطر للمريض : لعذر المرض ، وللمسافر : طلبا لحفظ صحته وقوته ، لئلا يذهبها الصوم في السفر : لاجتماع شدة الحركة ، وما يوجبه : من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل ، فتخور القوة وتضعف . فأباح للمسافر الفطر : حفظا لصحته وقوته ، عما يضعفها .
وقال في آية الحج : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) ، فأباح للمريض ومن به أذى من رأسه - : من قمل ، أو حكة ،

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) كذا في الزاد ( ص 64 ) . وفى الأصل : " الطعام " .

( 1 ) كذا في الزاد ( ص 64 ) . وفى الأصل : " الطعام " .

2


أو غيرهما - أن يحلق رأسه في الاحرام : استفراغا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى
في رأسه ، باحتقانها تحت الشعر . فإذا حلق رأسه ففتحت المسام ، فخرجت تلك الأبخرة منها - :
فهذا الاستفراغ ، يقاس عليه كل استفراغ يؤذى انحباسه .
والأشياء التي يؤذى انحباسها ومدافعتها عشرة : الدم إذا هاج ، والمنى إذا تتابع ( 1 ) ،
والبول ، والغائط ، والريح ، والقئ ، والعطاس ، والنوم ، والجوع ، والعطش . وكل واحد
- من هذه العشرة - يوجب حبسه داء من الأدواء بحبسه . وقد نبه سبحانه باستفراغ أدناها
- وهو : البخار المحتقن في الرأس . - على استفراغ ما هو أصعب منه ، كما هي طريقة القرآن :
التنبيه بالأدنى على الاعلى .
وأما الحمية ، فقال تعالى في آية الوضوء : ( وإن كنتم مرضى ، أو على سفر ، أو جاء
أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء ، فلم تجدوا ماء ، : فتيمموا صعيدا طيبا ) ،
فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب : حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه . وهذا تنبيه
على الحمية عن كل مؤذله من داخل أو خارج .
فقد أرشد سبحانه عباده إلى أصول الطب الثلاثة ، ومجامع قواعده .
ونحن نذكر هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ونبين أن هديه فيه أكمل هدى .
فأما طب القلوب ، فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ، ولا سبيل إلى حصوله
إلا من جهتهم وعلى أيديهم ( 2 ) فإن صلاح القلوب : أن تكون عارفة بربها وفاطرها ،
وبأسمائه وصفاته ، وأفعاله وأحكامه ، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ولمحابه ، متجنبة لمناهيه
ومساخطه . ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك ، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل .
وما يظن - : من حصول صحة القلب بدون اتباعهم . - فغلط ممن يظن ذلك . وإنما ذلك :
حياة نفسه البهيمية الشهوانية ، وصحتها وقوتها . وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل .


أو غيرهما - أن يحلق رأسه في الاحرام : استفراغا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه ، باحتقانها تحت الشعر . فإذا حلق رأسه ففتحت المسام ، فخرجت تلك الأبخرة منها - :
فهذا الاستفراغ ، يقاس عليه كل استفراغ يؤذى انحباسه .
والأشياء التي يؤذى انحباسها ومدافعتها عشرة : الدم إذا هاج ، والمنى إذا تتابع ( 1 ) ، والبول ، والغائط ، والريح ، والقئ ، والعطاس ، والنوم ، والجوع ، والعطش . وكل واحد - من هذه العشرة - يوجب حبسه داء من الأدواء بحبسه . وقد نبه سبحانه باستفراغ أدناها - وهو : البخار المحتقن في الرأس . - على استفراغ ما هو أصعب منه ، كما هي طريقة القرآن :
التنبيه بالأدنى على الاعلى .
وأما الحمية ، فقال تعالى في آية الوضوء : ( وإن كنتم مرضى ، أو على سفر ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء ، فلم تجدوا ماء ، : فتيمموا صعيدا طيبا ) ، فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب : حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه . وهذا تنبيه على الحمية عن كل مؤذله من داخل أو خارج .
فقد أرشد سبحانه عباده إلى أصول الطب الثلاثة ، ومجامع قواعده .
ونحن نذكر هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ونبين أن هديه فيه أكمل هدى .
فأما طب القلوب ، فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم ( 2 ) فإن صلاح القلوب : أن تكون عارفة بربها وفاطرها ، وبأسمائه وصفاته ، وأفعاله وأحكامه ، وأن تكون مؤثرة لمرضاته ولمحابه ، متجنبة لمناهيه ومساخطه . ولا صحة لها ولا حياة البتة إلا بذلك ، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل .
وما يظن - : من حصول صحة القلب بدون اتباعهم . - فغلط ممن يظن ذلك . وإنما ذلك :
حياة نفسه البهيمية الشهوانية ، وصحتها وقوتها . وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) كذا في الأصل . وفى الزاد : " سبغ " .
( 2 ) إن الايمان بالله وبرسله ، والعقيدة الراسخة - لمن أهم علاج حالات مرض القلوب ، أي :
المرض النفسي . اه‍ د .

( 1 ) كذا في الأصل . وفى الزاد : " سبغ " . ( 2 ) إن الايمان بالله وبرسله ، والعقيدة الراسخة - لمن أهم علاج حالات مرض القلوب ، أي : المرض النفسي . اه‍ د .

3



ومن لم يميز بين هذا وهذا : فليبك على حياة قلبه : فإنه من الأموات ، وعلى نوره : فإنه
منغمس في بحار الظلمات .
( فصل ) وأما طب الأبدان ، فإنه نوعان : نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقة
وبهيمه ، فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب : كطب الجوع والعطش والبرد والتعب ،
بأضدادها وما يزيلها .
والثاني ما يحتاج إلى فكر وتأمل : كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج ، بحيث
يخرج بها عن الاعتدال : إما إلى حرارة ، أو برودة ، أو يبوسة ، أو رطوبة ، أو ما يتركب
من اثنين منها . وهى نوعان : إما مادية ، وإما كيفية . أعنى : إما أن يكون بانصباب مادة ،
أو بحدوث كيفية . والفرق بينهما : أن أمراض الكيفية تكون بعد زوال المواد التي أوجبتها ،
فتزول موادها ، ويبقى أثرها كيفية في المزاج . وأمراض المادة أسبابها معها تمدها . وإذا كان
سبب المرض معه : فالنظر في السبب ينبغي أن يقع أولا ، ثم في المرض ثانيا ، ثم في الدواء ثالثا .
أو الأمراض الالية ، وهى : التي تخرج العضو عن هيئته : إما في شكل ، أو تجويف ،
أو مجرى ، أو خشونة ، أو ملامسة ، أو عدد ، أو عظم ، أو وضع . فإن هذه الأعضاء إذا
تألفت ، وكان منها ، البدن - سمى تألفها : اتصالا ، والخروج عن الاعتدال فيه يسمى :
تفرق الاتصال .
أو الأمراض العامة : التي نعم المتشابهة والالية .
والأمراض المتشابهة هي : التي يخرج بها المزاج عن الاعتدال ، وهذا الخروج يسمى
مرضا : بعد أن يضر بالفعل إضرارا محسوسا . وهى على ثمانية أضرب : أربعة بسيطة ،
وأربعة مركبة . والبسيطة : البارد ، والحار ، والرطب ، واليابس . والمركبة : الحار الرطب ،
والحار اليابس ، والبارد الرطب ، والبارد اليابس . وهى إما أن تكون بانصباب مادة ،
أو بغير انصباب مادة .
وإن لم يضر المرض بالفعل ( 1 ) ، يسمى خروجا عن الاعتدال صحة .


ومن لم يميز بين هذا وهذا : فليبك على حياة قلبه : فإنه من الأموات ، وعلى نوره : فإنه منغمس في بحار الظلمات .
( فصل ) وأما طب الأبدان ، فإنه نوعان : نوع قد فطر الله عليه الحيوان ناطقة وبهيمه ، فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب : كطب الجوع والعطش والبرد والتعب ، بأضدادها وما يزيلها .
والثاني ما يحتاج إلى فكر وتأمل : كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج ، بحيث يخرج بها عن الاعتدال : إما إلى حرارة ، أو برودة ، أو يبوسة ، أو رطوبة ، أو ما يتركب من اثنين منها . وهى نوعان : إما مادية ، وإما كيفية . أعنى : إما أن يكون بانصباب مادة ، أو بحدوث كيفية . والفرق بينهما : أن أمراض الكيفية تكون بعد زوال المواد التي أوجبتها ، فتزول موادها ، ويبقى أثرها كيفية في المزاج . وأمراض المادة أسبابها معها تمدها . وإذا كان سبب المرض معه : فالنظر في السبب ينبغي أن يقع أولا ، ثم في المرض ثانيا ، ثم في الدواء ثالثا .
أو الأمراض الالية ، وهى : التي تخرج العضو عن هيئته : إما في شكل ، أو تجويف ، أو مجرى ، أو خشونة ، أو ملامسة ، أو عدد ، أو عظم ، أو وضع . فإن هذه الأعضاء إذا تألفت ، وكان منها ، البدن - سمى تألفها : اتصالا ، والخروج عن الاعتدال فيه يسمى :
تفرق الاتصال .
أو الأمراض العامة : التي نعم المتشابهة والالية .
والأمراض المتشابهة هي : التي يخرج بها المزاج عن الاعتدال ، وهذا الخروج يسمى مرضا : بعد أن يضر بالفعل إضرارا محسوسا . وهى على ثمانية أضرب : أربعة بسيطة ، وأربعة مركبة . والبسيطة : البارد ، والحار ، والرطب ، واليابس . والمركبة : الحار الرطب ، والحار اليابس ، والبارد الرطب ، والبارد اليابس . وهى إما أن تكون بانصباب مادة ، أو بغير انصباب مادة .
وإن لم يضر المرض بالفعل ( 1 ) ، يسمى خروجا عن الاعتدال صحة .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) كذا بالزاد ( ص 65 ) . وفى الأصل : " بالعقل " وهو تصحيف .

( 1 ) كذا بالزاد ( ص 65 ) . وفى الأصل : " بالعقل " وهو تصحيف .

4



وللبدن ثلاثة أحوال : حال طبيعية ، وحال خارجة عن الطبيعية ، وحال متوسطة بين
الامرين . فالأولى بها يكون البدن صحيحا ، والثانية يكون بها مريضا ، والحال الثالثة
هي متوسطة بين الحالتين : فإن الضد لا ينتقل إلى ضده إلا بمتوسط ( 1 ) .
وسبب خروج البدن عن طبيعته : إما من داخله ، لأنه مركب من الحار والبارد ،
والرطب واليابس . وإما من خارج : فلان ما يلقاه قد يكون موافقا ، وقد يكون غير موافق .
والضرر الذي يلحق الانسان قد يكون من سوء المزاج : بخروجه عن الاعتدال ، وقد
يكون من فساد العضو ، وقد يكون من ضعف في القوى أو الأرواح الحاملة لها ويرجع
ذلك إلى زيادة ما الاعتدال في عدم زيادته ، أو نقصان ما الاعتدال في عدم نقصانه ،
أو تفرق ما الاعتدال في اتصاله ، أو اتصال ما الاعتدال في تفرقه ، أو امتداد ما الاعتدال
في انقباضه ، أو خروج ذي وضع وشكل عن وضعه وشكله : بحيث يخرجه عن اعتداله .
فالطبيب هو الذي يفرق ما يضر بالانسان جمعه ، أو يجمع فيه ما يضره تفرقه ، أو
ينقص منه ما يضره زيادته ، أو يزيد فيه ما يضره نقصه . فيجلب الصحة المفقودة ، أو
يحفظها بالشكل والشبه ، ويدفع العلة الموجودة بالضد والنقيض ويخرجها ، أو يدفعها بما
يمنع من حصولها بالحمية . وسترى هذا كله في هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم شافيا وكافيا ، بحول الله
وقوته ، وفضله ومعونته .
( فصل ) فكان من هديه صلى الله عليه وسلم : فعل التداوي في نفسه ، والامر به لمن أصابه
مرض من أهله أو أصحابه ( 2 ) . ولكن لم يكن من هديه ولا هدى أصحابه ، استعمال هذه
الأدوية المركبة التي تسمى : أقراباذين ( 2 ) . بل كان غالب أدويتهم بالمفردات ، وربما أضافوا
إلى المفرد ما يعاونه ، أو يكسر سورته . وهذا غالب طب الأمم على اختلاف أجناسها :
من العرب ، والترك ، وأهل البوادي قاطبة . وإنما عنى بالمركبات الروم واليونانيون .
وأكثر طب الهند بالمفردات .


وللبدن ثلاثة أحوال : حال طبيعية ، وحال خارجة عن الطبيعية ، وحال متوسطة بين الامرين . فالأولى بها يكون البدن صحيحا ، والثانية يكون بها مريضا ، والحال الثالثة هي متوسطة بين الحالتين : فإن الضد لا ينتقل إلى ضده إلا بمتوسط ( 1 ) .
وسبب خروج البدن عن طبيعته : إما من داخله ، لأنه مركب من الحار والبارد ، والرطب واليابس . وإما من خارج : فلان ما يلقاه قد يكون موافقا ، وقد يكون غير موافق .
والضرر الذي يلحق الانسان قد يكون من سوء المزاج : بخروجه عن الاعتدال ، وقد يكون من فساد العضو ، وقد يكون من ضعف في القوى أو الأرواح الحاملة لها ويرجع ذلك إلى زيادة ما الاعتدال في عدم زيادته ، أو نقصان ما الاعتدال في عدم نقصانه ، أو تفرق ما الاعتدال في اتصاله ، أو اتصال ما الاعتدال في تفرقه ، أو امتداد ما الاعتدال في انقباضه ، أو خروج ذي وضع وشكل عن وضعه وشكله : بحيث يخرجه عن اعتداله .
فالطبيب هو الذي يفرق ما يضر بالانسان جمعه ، أو يجمع فيه ما يضره تفرقه ، أو ينقص منه ما يضره زيادته ، أو يزيد فيه ما يضره نقصه . فيجلب الصحة المفقودة ، أو يحفظها بالشكل والشبه ، ويدفع العلة الموجودة بالضد والنقيض ويخرجها ، أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحمية . وسترى هذا كله في هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم شافيا وكافيا ، بحول الله وقوته ، وفضله ومعونته .
( فصل ) فكان من هديه صلى الله عليه وسلم : فعل التداوي في نفسه ، والامر به لمن أصابه مرض من أهله أو أصحابه ( 2 ) . ولكن لم يكن من هديه ولا هدى أصحابه ، استعمال هذه الأدوية المركبة التي تسمى : أقراباذين ( 2 ) . بل كان غالب أدويتهم بالمفردات ، وربما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه ، أو يكسر سورته . وهذا غالب طب الأمم على اختلاف أجناسها :
من العرب ، والترك ، وأهل البوادي قاطبة . وإنما عنى بالمركبات الروم واليونانيون .
وأكثر طب الهند بالمفردات .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) كذا بالأصل وفى الزاد : " لمتوسط " . وكلاهما صحيح .
( 2 ) كذا بالأصل . وفى الزاد : " وأصحابه . . أقرباذين " .

( 1 ) كذا بالأصل وفى الزاد : " لمتوسط " . وكلاهما صحيح . ( 2 ) كذا بالأصل . وفى الزاد : " وأصحابه . . أقرباذين " .

5


وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء : لا يعدل إلى الدواء ، ومتى
أمكن بالبسيط : لا يعدل إلى المركب . قالوا : وكل داء قدر على دفعه بالأغذية والحمية ،
لم يحاول دفعه بالأدوية . قالوا : ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقى الأدوية ( 1 ) ، فإن الدواء
إذا لم يجد في البدن داء يحلله ، أو وجد داء لا يوافقه ، أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه
أو كيفيته - : تشبث بالصحة وعبث بها .
وأرباب التجارب من الأطباء طبهم بالمفردات غالبا ، وهم أحد فرق الطب الثلاث :
والتحقيق في ذلك : أن الأدوية من جنس الأغذية ، والأمة والطائفة التي غالب
أغذيتها المفردات : أمراضها ( 2 ) قليلة جدا ، وطبها بالمفردات . وأهل المدن الذين غلبت .
عليهم الأغذية المركبة ، يحتاجون إلى الأدوية المركبة . وسبب ذلك أن أمراضهم في الغالب
مركبة ، فالأدوية المركبة أنفع لها . وأمراض أهل البوادي والصحاري مفردة : فيكفي
في مداواتها الأدوية المفردة . فهذا برهان بحسب الصناعة الطبية .
ونحن نقول : إن ههنا أمرا آخر نسبة طب الأطباء إليه ، كنسبة طب الطرقية
والعجائز إلى طبهم . وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم . فإن ما عندهم من العلم بالطب ( منهم )
من يقول : هو قياس ، ( ومنهم ) من يقول : هو تجربة ، ( ومنهم ) من يقول : إلهامات
ومنامات وحدس صائب ، ( ومنهم ) من يقول : أخذ كثير منه ( 3 ) من الحيوانات
البهيمية ، كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم : تعمد إلى السراج ، فتلغ في الزيت
تتداوى به . وكما رؤيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض - وقد غشيت أبصارها - :
تأتى إلى ورق الرازيانج ، فتمر عيونها عليها . وكما عهد من الطير الذي يحتقن بماء البحر
عند انحباس طبعه . وأمثال ذلك : مما ذكر في مبادئ الطب .


وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء : لا يعدل إلى الدواء ، ومتى أمكن بالبسيط : لا يعدل إلى المركب . قالوا : وكل داء قدر على دفعه بالأغذية والحمية ، لم يحاول دفعه بالأدوية . قالوا : ولا ينبغي للطبيب أن يولع بسقى الأدوية ( 1 ) ، فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داء يحلله ، أو وجد داء لا يوافقه ، أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه أو كيفيته - : تشبث بالصحة وعبث بها .
وأرباب التجارب من الأطباء طبهم بالمفردات غالبا ، وهم أحد فرق الطب الثلاث :
والتحقيق في ذلك : أن الأدوية من جنس الأغذية ، والأمة والطائفة التي غالب أغذيتها المفردات : أمراضها ( 2 ) قليلة جدا ، وطبها بالمفردات . وأهل المدن الذين غلبت .
عليهم الأغذية المركبة ، يحتاجون إلى الأدوية المركبة . وسبب ذلك أن أمراضهم في الغالب مركبة ، فالأدوية المركبة أنفع لها . وأمراض أهل البوادي والصحاري مفردة : فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة . فهذا برهان بحسب الصناعة الطبية .
ونحن نقول : إن ههنا أمرا آخر نسبة طب الأطباء إليه ، كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم . وقد اعترف به حذاقهم وأئمتهم . فإن ما عندهم من العلم بالطب ( منهم ) من يقول : هو قياس ، ( ومنهم ) من يقول : هو تجربة ، ( ومنهم ) من يقول : إلهامات ومنامات وحدس صائب ، ( ومنهم ) من يقول : أخذ كثير منه ( 3 ) من الحيوانات البهيمية ، كما نشاهد السنانير إذا أكلت ذوات السموم : تعمد إلى السراج ، فتلغ في الزيت تتداوى به . وكما رؤيت الحيات إذا خرجت من بطون الأرض - وقد غشيت أبصارها - :
تأتى إلى ورق الرازيانج ، فتمر عيونها عليها . وكما عهد من الطير الذي يحتقن بماء البحر عند انحباس طبعه . وأمثال ذلك : مما ذكر في مبادئ الطب .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) عند وجود مرض معين ، يجب استعمال الدواء اللازم بدون إسراف . لان كل دواء سلاح
ذو حدين يفيد المريض من المرض من ناحية ، فإن زادت كميته وجرعته وطالت مدة استعماله : فربما يؤدى
إلى مرض أي عضو من أعضاء الجسم السليمة . ويوجد كثير من الأمراض لا يحتاج علاجها إلى أكثر من
الراحة التامة ، ونظام معين في التغذية . اه‍ د .
( 2 ) كذا بالأصل . وفى الزاد : " فأمراضها " . وكل صحيح .
( 3 ) هذه الكلمة ساقطة من الزاد ، وهى متعينة أو جيدة .

( 1 ) عند وجود مرض معين ، يجب استعمال الدواء اللازم بدون إسراف . لان كل دواء سلاح ذو حدين يفيد المريض من المرض من ناحية ، فإن زادت كميته وجرعته وطالت مدة استعماله : فربما يؤدى إلى مرض أي عضو من أعضاء الجسم السليمة . ويوجد كثير من الأمراض لا يحتاج علاجها إلى أكثر من الراحة التامة ، ونظام معين في التغذية . اه‍ د . ( 2 ) كذا بالأصل . وفى الزاد : " فأمراضها " . وكل صحيح . ( 3 ) هذه الكلمة ساقطة من الزاد ، وهى متعينة أو جيدة .

6


وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره ؟ ! فنسبة
ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي : كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء . بل
ههنا من الأدوية التي تشفى من الأمراض ، ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء ، ولم تصل
إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم - : من الأدوية القلبية والروحانية ، وقوة القلب ،
واعتماده على الله ، والتوكل عليه ، والالتجاء إليه ، والانطراح والانكسار بين يديه ،
والتذلل له ، والصدقة والدعاء ، والتوبة والاستغفار ، والاحسان إلى الخلق ، وإغاثة
الملهوف ، والتفريج عن المكروب . فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم - على اختلاف
أديانها ومللها - فوجدوا لها : من التأثير في الشفاء ، ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء ، ولا تجربته ، ولا قياسه .
وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة ، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية
الحسية ، بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة الأدوية الطرقية عند الأطباء . وهذا جار
على قانون الحكمة الإلهية : ليس خارجا عنها . ولكن الأسباب متنوعة : فإن القلب متى
اتصل برب العالمين ، وخالق الداء والدواء ، ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء - : كانت
له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه ، المعرض عنه . وقد علم أن
الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة : تعاونا على دفع الداء وقهره ، فكيف
ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه ، وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به ، وحبها له ، وتنعمها
بذكره ، وانصراف قواها كلها إليه ، وجمعها عليه ، واستعانتها به ، وتوكلها عليه - أن
يكون ذلك لها من أكبر الأدوية ، وتوجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلمة ؟ ! ولا
ينكر هذا إلا أجهل الناس ، وأعظمهم حجابا ، وأكثفهم نفسا ، وأبعدهم عن الله وعن
حقيقة الانسان ( 1 ) . وسنذكر - إن شاء الله - السبب الذي به أزالت قراءة الفاتحة داء
اللدغة عن اللديغ ، التي رقى بها فقام حتى كان ما به قلبة ( 2 ) .


وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضره ؟ ! فنسبة ما عندهم من الطب إلى هذا الوحي : كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء . بل ههنا من الأدوية التي تشفى من الأمراض ، ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء ، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم - : من الأدوية القلبية والروحانية ، وقوة القلب ، واعتماده على الله ، والتوكل عليه ، والالتجاء إليه ، والانطراح والانكسار بين يديه ، والتذلل له ، والصدقة والدعاء ، والتوبة والاستغفار ، والاحسان إلى الخلق ، وإغاثة الملهوف ، والتفريج عن المكروب . فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم - على اختلاف أديانها ومللها - فوجدوا لها : من التأثير في الشفاء ، ما لا يصل إليه علم أعلم الأطباء ، ولا تجربته ، ولا قياسه .
وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أمورا كثيرة ، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية ، بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة الأدوية الطرقية عند الأطباء . وهذا جار على قانون الحكمة الإلهية : ليس خارجا عنها . ولكن الأسباب متنوعة : فإن القلب متى اتصل برب العالمين ، وخالق الداء والدواء ، ومدبر الطبيعة ومصرفها على ما يشاء - : كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه ، المعرض عنه . وقد علم أن الأرواح متى قويت وقويت النفس والطبيعة : تعاونا على دفع الداء وقهره ، فكيف ينكر لمن قويت طبيعته ونفسه ، وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به ، وحبها له ، وتنعمها بذكره ، وانصراف قواها كلها إليه ، وجمعها عليه ، واستعانتها به ، وتوكلها عليه - أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية ، وتوجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلمة ؟ ! ولا ينكر هذا إلا أجهل الناس ، وأعظمهم حجابا ، وأكثفهم نفسا ، وأبعدهم عن الله وعن حقيقة الانسان ( 1 ) . وسنذكر - إن شاء الله - السبب الذي به أزالت قراءة الفاتحة داء اللدغة عن اللديغ ، التي رقى بها فقام حتى كان ما به قلبة ( 2 ) .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) كذا بالأصل . وفى الزاد ( ص 66 ) : " الانسانية " .
( 2 ) القلبة ( بزنة سبلة ) : الداء أو الألم الذي يتقلب منه صاحبه . اه‍ ق .

( 1 ) كذا بالأصل . وفى الزاد ( ص 66 ) : " الانسانية " . ( 2 ) القلبة ( بزنة سبلة ) : الداء أو الألم الذي يتقلب منه صاحبه . اه‍ ق .

7



فهذان نوعان من الطب النبوي ، نحن - بحول الله - نتكلم عليهما بحسب الجهد
والطاقة ، ومبلغ علومنا القاصرة ، ومعارفنا المتلاشية جدا ، وبضاعتنا المزجاة . ( 1 ) ولكنا
نستوهب من بيده الخير كله ، ونستمد من فضله . فإنه العزيز الوهاب .
( فصل ) روى مسلم في صحيحه - من حديث أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم
- أنه قال : " لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء : برأ بإذن الله عز وجل " ( 2 ) .
وفى الصحيحين : ( 3 ) عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنزل الله من داء ، إلا أنزل له شفاء " ( 4 ) .
وفى مسند الإمام أحمد ، من حديث زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك ، قال : " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاءت الاعراب ، فقالوا : يا رسول الله ، أنتداوى ؟
فقال : نعم يا عباد الله ، تداووا : فإن الله عز وجل لم يضع داء ، إلا وضع له شفاء ، غير داء
واحد . قالوا : ما هو ؟ قال : الهرم " . وفى لفظ : " إن الله لم ينزل داء ، إلا أنزل له
شفاء : علمه من علمه وجهله من جهله " ( 5 ) . وفى المسند - من حديث ابن مسعود
يرفعه - : " إن الله عز وجل لم ينزل داء ، إلا أنزل له شفاء : علمه من علمه ، وجهله من
جهله " ( 6 ) .
وفى المسند والسنن ، عن أبي خزامة ، قال : " قلت يا رسول الله ، أرأيت رقى


فهذان نوعان من الطب النبوي ، نحن - بحول الله - نتكلم عليهما بحسب الجهد والطاقة ، ومبلغ علومنا القاصرة ، ومعارفنا المتلاشية جدا ، وبضاعتنا المزجاة . ( 1 ) ولكنا نستوهب من بيده الخير كله ، ونستمد من فضله . فإنه العزيز الوهاب .
( فصل ) روى مسلم في صحيحه - من حديث أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء : برأ بإذن الله عز وجل " ( 2 ) .
وفى الصحيحين : ( 3 ) عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أنزل الله من داء ، إلا أنزل له شفاء " ( 4 ) .
وفى مسند الإمام أحمد ، من حديث زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك ، قال : " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاءت الاعراب ، فقالوا : يا رسول الله ، أنتداوى ؟
فقال : نعم يا عباد الله ، تداووا : فإن الله عز وجل لم يضع داء ، إلا وضع له شفاء ، غير داء واحد . قالوا : ما هو ؟ قال : الهرم " . وفى لفظ : " إن الله لم ينزل داء ، إلا أنزل له شفاء : علمه من علمه وجهله من جهله " ( 5 ) . وفى المسند - من حديث ابن مسعود يرفعه - : " إن الله عز وجل لم ينزل داء ، إلا أنزل له شفاء : علمه من علمه ، وجهله من جهله " ( 6 ) .
وفى المسند والسنن ، عن أبي خزامة ، قال : " قلت يا رسول الله ، أرأيت رقى

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) البضاعة المزجاة هي : القليلة : أو التي لم يتم صلاحها . والكلام على التمثيل . اه‍ ق .
( 2 ) وأخرجه أيضا : أحمد ، والحاكم . اه‍ ق .
( 3 ) أي : صحيحي الامامين البخاري ومسلم في الحديث . وهما على الترتيب - بإجماع الأمة - أصح الكتب
بعد كتاب الله تعالى . اه‍ ق .
( 4 ) وأخرجه أيضا : النسائي ، وابن ماجة . ولم أره بمسلم . وأخرجه الحاكم - عن أبي سلمة ، عن أبي
هريرة - بنحوه ، وقال : صحيح على شرط مسلم . وأقره الذهبي . اه‍ ق .
( 5 ) وأخرجه أيضا : أبو داود ، والترمذي - وقال : حسن صحيح . - والنسائي ، وابن ماجة
وابن حبان في صحيحيهما ، والحاكم من عشر طرق عن زياد عنه ، على شرط البخاري ومسلم ، وجعله
أصلا لهذا الباب . اه‍ ق .
( 6 ) وأخرجه أيضا : النسائي ، وابن ماجة ، والحاكم ، وابن حبان في صحيحيهما ، والطبراني ، ورجاله
ثقات . وهو - أيضا - في مسند أبي حنيفة . اه‍ ق .

( 1 ) البضاعة المزجاة هي : القليلة : أو التي لم يتم صلاحها . والكلام على التمثيل . اه‍ ق . ( 2 ) وأخرجه أيضا : أحمد ، والحاكم . اه‍ ق . ( 3 ) أي : صحيحي الامامين البخاري ومسلم في الحديث . وهما على الترتيب - بإجماع الأمة - أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى . اه‍ ق . ( 4 ) وأخرجه أيضا : النسائي ، وابن ماجة . ولم أره بمسلم . وأخرجه الحاكم - عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - بنحوه ، وقال : صحيح على شرط مسلم . وأقره الذهبي . اه‍ ق . ( 5 ) وأخرجه أيضا : أبو داود ، والترمذي - وقال : حسن صحيح . - والنسائي ، وابن ماجة وابن حبان في صحيحيهما ، والحاكم من عشر طرق عن زياد عنه ، على شرط البخاري ومسلم ، وجعله أصلا لهذا الباب . اه‍ ق . ( 6 ) وأخرجه أيضا : النسائي ، وابن ماجة ، والحاكم ، وابن حبان في صحيحيهما ، والطبراني ، ورجاله ثقات . وهو - أيضا - في مسند أبي حنيفة . اه‍ ق .

8


نسترقيها ، ودواء نتداوى به ، وتقاة نتقيها ، هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال : هي من
قدر الله " ( 1 ) .
فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات ، وإبطال قول من أنكرها .
ويجوز أن يكون قوله : " لكل داء دواء " ، على عمومه : حتى يتناول الأدواء
القاتلة ، والأدواء التي لا يمكن طبيبا أن يبرئها . ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية
تبرئها ، ولكن طوى علمها عن البشر ، ولم يجعل لهم إليه سبيلا . لأنه لا علم للخلق إلا
ما علمهم الله . ولهذا علق النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاء ، على مصادفة الدواء للداء .
فإنه لا شئ من المخلوقات إلا له ضد ، فكل ( 2 ) داء له ضد من الدواء : يعالج بضده .
فعلق - النبي صلى الله عليه وسلم - البرء ، بموافقة الداء للدواء . وهذا قدر زائد على مجرد
وجوده . فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية ، أو زاد في الكمية على ما ينبغي
- : نقله إلى داء آخر . ومتى قصر عنها : لم يف بمقاومته ، وكان العلاج قاصرا . ومتى لم
يقع المداوى على الدواء : لم يحصل الشفاء . ومتى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء : لم
ينفع . ومتى كان البدن غير قابل له ( 3 ) ، أو القوة عاجزة عن حمله ، أو ثم مانع يمنع من
تأثيره - : لم يحصل البرء ، لعدم المصادفة . ومتى تمت المصادفة : حصل البرء ولابد . وهذا
أحسن المحملين في الحديث .
والثاني : أن يكون من العام المراد به الخاص ، لا سيما والداخل في اللفظ أضعاف ( 4 )
الخارج منه . وهذا يستعمل في كل لسان . ويكون المراد : أن الله لم يضع داء يقبل


نسترقيها ، ودواء نتداوى به ، وتقاة نتقيها ، هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال : هي من قدر الله " ( 1 ) .
فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات ، وإبطال قول من أنكرها .
ويجوز أن يكون قوله : " لكل داء دواء " ، على عمومه : حتى يتناول الأدواء القاتلة ، والأدواء التي لا يمكن طبيبا أن يبرئها . ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها ، ولكن طوى علمها عن البشر ، ولم يجعل لهم إليه سبيلا . لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله . ولهذا علق النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاء ، على مصادفة الدواء للداء .
فإنه لا شئ من المخلوقات إلا له ضد ، فكل ( 2 ) داء له ضد من الدواء : يعالج بضده .
فعلق - النبي صلى الله عليه وسلم - البرء ، بموافقة الداء للدواء . وهذا قدر زائد على مجرد وجوده . فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية ، أو زاد في الكمية على ما ينبغي - : نقله إلى داء آخر . ومتى قصر عنها : لم يف بمقاومته ، وكان العلاج قاصرا . ومتى لم يقع المداوى على الدواء : لم يحصل الشفاء . ومتى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء : لم ينفع . ومتى كان البدن غير قابل له ( 3 ) ، أو القوة عاجزة عن حمله ، أو ثم مانع يمنع من تأثيره - : لم يحصل البرء ، لعدم المصادفة . ومتى تمت المصادفة : حصل البرء ولابد . وهذا أحسن المحملين في الحديث .
والثاني : أن يكون من العام المراد به الخاص ، لا سيما والداخل في اللفظ أضعاف ( 4 ) الخارج منه . وهذا يستعمل في كل لسان . ويكون المراد : أن الله لم يضع داء يقبل

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) السنن المذكورة هي سنن الترمذي . وقد أخرج الحديث أيضا : ابن ماجة ، والحاكم في صحيحه .
وقال الترمذي : حسن صحيح . اه‍ ق . وانظر : الدرة البهية للسعدي وهامشها ( ص 34 و 72 ) .
( 2 ) في الزاد ( ص 67 ) : " وكل " . وما في الأصل أحسن .
( 3 ) أي : للدواء . وهذا ما يعرف في الطب الحديث : بالحساسية للدواء ، أي عدم قبول الجسم لهذا
الدواء ، مع شيوع استعماله في أجسام أخرى . اه‍ د .
( 4 ) كذا بالأصل . وفى الزاد : " أضعاف أضعاف " .

( 1 ) السنن المذكورة هي سنن الترمذي . وقد أخرج الحديث أيضا : ابن ماجة ، والحاكم في صحيحه . وقال الترمذي : حسن صحيح . اه‍ ق . وانظر : الدرة البهية للسعدي وهامشها ( ص 34 و 72 ) . ( 2 ) في الزاد ( ص 67 ) : " وكل " . وما في الأصل أحسن . ( 3 ) أي : للدواء . وهذا ما يعرف في الطب الحديث : بالحساسية للدواء ، أي عدم قبول الجسم لهذا الدواء ، مع شيوع استعماله في أجسام أخرى . اه‍ د . ( 4 ) كذا بالأصل . وفى الزاد : " أضعاف أضعاف " .

9

لا يتم تسجيل الدخول!