إسم الكتاب : إلى طالب العلم ( عدد الصفحات : 305)


إلى طالب العلم
بقلم :
علي الكَوْراني العاملي
الطبعة الأولى - 1431 - 2010


إلى طالب العلم بقلم :
علي الكَوْراني العاملي الطبعة الأولى - 1431 - 2010

1



2



مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام
على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فقد طلب مني بعض الأعزاء أن أنشر مشاهداتي ومذكراتي ، لأني عاصرت عهوداً فيها منعطفات تاريخية مهمة ، وعملت مع مرجعيات تختلف ظروفها وأساليب عملها ، وعاصرت تأسيس أكبر حركة إسلامية شيعية « الدعوة الإسلامية » وعملت في صفوفها ثم في قيادتها سنين طويلة ، ثم تطورت قناعتي ورجعت إلى أسلوب العمل الإصلاحي التقليدي .
وكنت أعتذر عن الكتابة بأن بعض الناس لا يتحملون أن تقدم قراءتك ، ولا شهادتك ، فإن لم توافقهم فأنت خصمٌ لهم ، فالسكوت أحرى بالعاقل !
ثم قرأت بعض ما كُتب عن أحداث عايشتها ، فقلت في نفسي : إذا كان الحدث الذي شاهدناه يكتب بهذا النحو : منزوعاً من جَوِّه ، موضوعاً في محيط آخر ، مخلوطة أحداثه وأشخاصه وتواريخه ، مع تعتيم وتضخيم ،


مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم السلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ، فقد طلب مني بعض الأعزاء أن أنشر مشاهداتي ومذكراتي ، لأني عاصرت عهوداً فيها منعطفات تاريخية مهمة ، وعملت مع مرجعيات تختلف ظروفها وأساليب عملها ، وعاصرت تأسيس أكبر حركة إسلامية شيعية « الدعوة الإسلامية » وعملت في صفوفها ثم في قيادتها سنين طويلة ، ثم تطورت قناعتي ورجعت إلى أسلوب العمل الإصلاحي التقليدي .
وكنت أعتذر عن الكتابة بأن بعض الناس لا يتحملون أن تقدم قراءتك ، ولا شهادتك ، فإن لم توافقهم فأنت خصمٌ لهم ، فالسكوت أحرى بالعاقل !
ثم قرأت بعض ما كُتب عن أحداث عايشتها ، فقلت في نفسي : إذا كان الحدث الذي شاهدناه يكتب بهذا النحو : منزوعاً من جَوِّه ، موضوعاً في محيط آخر ، مخلوطة أحداثه وأشخاصه وتواريخه ، مع تعتيم وتضخيم ،

3


فكيف نثق بروايات تاريخنا الإسلامي ، الذي اهتم حكامه الظلمة بمفرداته الصغيرة ، وحاسبوا عليها الراوي والمؤرخ ؟ !
لذلك كتبت أشياء وأوصيت بنشرها بعد وفاتي ، فبعض المكتوبات تنفع بعد وفاة صاحبها أكثر منها في حياته !
وفي هذه المدة أقنعني بعض الأعزاء أن أستخير الله تعالى على كتابة تجربتي إلى طالب العلم ليستفيد منها خبرةً وعبرةً ، خاصة وأن حوزة النجف الأشرف تجدد بناء نفسها ، وتجمع أفلاذ أكباد الشيعة لترويهم بينابيعها العذبة ، وما أقرب أن ينطلقوا من مدارسها رسل هداية في العالم .
فأطعت الاستخارة وكتبت هذه المذكرات ، وحرصت قدر المستطاع أن لا تمس أحداً بسوء ، واقتصرت على ما ينفع الطالب في بنائه الفكري والروحي ، لعلي أوفر عليه عناءً طويلاً عشناه ، ولم نخرج من ثقله إلا بشق الأنفس ، أو أفتح له باباً لم ينفتح علينا إلا بجهد جهيد ، ودهر مديد .
وأعتذر من أعزائي الطلبة إذا غلب الجانب الذاتي في هذا الكتاب ، فإنما هو حديث عن النفس ، ليستفيد منه الغير ، أعاننا الله على أنفسنا ، ورزقنا خيرها ، وأعاذنا من شرها .
كما أعتذر من الذين ذكرتهم لماماً ولم أستوف الحديث عنهم ، أمثال مراجعنا الراحلين السيد محسن الحكيم ، والسيد عبد الهادي الشيرازي ، والسيد أبي القاسم الخوئي ، والسيد محمود الشاهرودي ، والسيد مهدي


فكيف نثق بروايات تاريخنا الإسلامي ، الذي اهتم حكامه الظلمة بمفرداته الصغيرة ، وحاسبوا عليها الراوي والمؤرخ ؟ !
لذلك كتبت أشياء وأوصيت بنشرها بعد وفاتي ، فبعض المكتوبات تنفع بعد وفاة صاحبها أكثر منها في حياته !
وفي هذه المدة أقنعني بعض الأعزاء أن أستخير الله تعالى على كتابة تجربتي إلى طالب العلم ليستفيد منها خبرةً وعبرةً ، خاصة وأن حوزة النجف الأشرف تجدد بناء نفسها ، وتجمع أفلاذ أكباد الشيعة لترويهم بينابيعها العذبة ، وما أقرب أن ينطلقوا من مدارسها رسل هداية في العالم .
فأطعت الاستخارة وكتبت هذه المذكرات ، وحرصت قدر المستطاع أن لا تمس أحداً بسوء ، واقتصرت على ما ينفع الطالب في بنائه الفكري والروحي ، لعلي أوفر عليه عناءً طويلاً عشناه ، ولم نخرج من ثقله إلا بشق الأنفس ، أو أفتح له باباً لم ينفتح علينا إلا بجهد جهيد ، ودهر مديد .
وأعتذر من أعزائي الطلبة إذا غلب الجانب الذاتي في هذا الكتاب ، فإنما هو حديث عن النفس ، ليستفيد منه الغير ، أعاننا الله على أنفسنا ، ورزقنا خيرها ، وأعاذنا من شرها .
كما أعتذر من الذين ذكرتهم لماماً ولم أستوف الحديث عنهم ، أمثال مراجعنا الراحلين السيد محسن الحكيم ، والسيد عبد الهادي الشيرازي ، والسيد أبي القاسم الخوئي ، والسيد محمود الشاهرودي ، والسيد مهدي

4


الشيرازي ، والسيد حسين الحمامي ، والسيد محمد باقر الصدر ، رضوان الله عليهم ، ممن عاصرتهم أو درست عندهم ، لأن الحديث عن كل واحد من هؤلاء الكبار ، يحتاج إلى كتاب خاص ، أو فصول .
كذلك أعتذر للشخصيات التي عاصرتها ولم أذكرها أو لم أستوف الحديث عنها ، من السادة المحترمين آل الحكيم ، وفي طليعتهم أستاذنا المرجع السيد محمد سعيد الحكيم ، ووالده الموقر السيد محمد علي الحكيم ، والسادة المحترمين آل الصدر ، وآل بحر العلوم ، وآل الجواهري ، وآل ياسين .
وقد يرى القارئ أني أسندت العديد من الأعمال والأدوار إلى السيد مهدي الحكيم ، وأبي عصام الحاج عبد الصاحب دْخَيِّل رحمهما الله تعالى .
لكن ما أصنع إذا كان هذا الواقع ، ولا أستحل أن أنتقص من دور شخص في الأحداث ، أو أعطي دوره لآخرين .
كتبه : علي الكَوْراني العاملي - قم المشرفة - غرة ربيع المولد 1431


الشيرازي ، والسيد حسين الحمامي ، والسيد محمد باقر الصدر ، رضوان الله عليهم ، ممن عاصرتهم أو درست عندهم ، لأن الحديث عن كل واحد من هؤلاء الكبار ، يحتاج إلى كتاب خاص ، أو فصول .
كذلك أعتذر للشخصيات التي عاصرتها ولم أذكرها أو لم أستوف الحديث عنها ، من السادة المحترمين آل الحكيم ، وفي طليعتهم أستاذنا المرجع السيد محمد سعيد الحكيم ، ووالده الموقر السيد محمد علي الحكيم ، والسادة المحترمين آل الصدر ، وآل بحر العلوم ، وآل الجواهري ، وآل ياسين .
وقد يرى القارئ أني أسندت العديد من الأعمال والأدوار إلى السيد مهدي الحكيم ، وأبي عصام الحاج عبد الصاحب دْخَيِّل رحمهما الله تعالى .
لكن ما أصنع إذا كان هذا الواقع ، ولا أستحل أن أنتقص من دور شخص في الأحداث ، أو أعطي دوره لآخرين .
كتبه : علي الكَوْراني العاملي - قم المشرفة - غرة ربيع المولد 1431

5



6


< فهرس الموضوعات >
الفصل الأول : النجف في جبل عامل
< / فهرس الموضوعات >
الفصل الأول : النجف في جبل عامل
< فهرس الموضوعات >
1 - اختار لي والدي ( رحمه الله ) أن أكون طالب علم
< / فهرس الموضوعات >
1 - اختار لي والدي ( رحمه الله ) أن أكون طالب علم
اتخذ والدي ( رحمه الله ) قراره لي بأن أكون طالب علم ، بحكم تأثره بآية الله السيد عبد الحسين شرف الدين ( رحمه الله ) ، فقد كان يحبه ويعتقد به ، وكان السيد عالماً في قريتنا ياطر بضع سنين ، قبل ولادتي وقبل أن يسكن في صور .
كان للمرحوم الوالد علاقة بعلماء المنطقة كالشيخ يوسف الفقيه ( رحمه الله ) ، من قرية حاريص القريبة ، ولنا معهم رحم لأن جدة الشيخ يوسف من آل كَوْراني ، وكان الوالد يحتفي به إذا جاء إلى قريتنا ، ويزوره في حاريص وبيروت ، حيث كان رئيس محكمة التمييز الجعفرية .
وتواصلت العلاقة بعده بأولاده الشيخ علي الفقيه ( رحمه الله ) ، وكان عالم حاريص ، والشيخ محمد تقي الفقيه ( رحمه الله ) ، وكان في النجف الأشرف من التلاميذ البارزين للمرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) .
كما كان للوالد ( رحمه الله ) علاقة بالشيخ حسن شمس الدين ( رحمه الله ) عالم قرية حناويه القريبة من صور ، والشيخ عبد الله السبيتي ( رحمه الله ) صهر السيد شرف الدين ،


< فهرس الموضوعات > الفصل الأول : النجف في جبل عامل < / فهرس الموضوعات > الفصل الأول : النجف في جبل عامل < فهرس الموضوعات > 1 - اختار لي والدي ( رحمه الله ) أن أكون طالب علم < / فهرس الموضوعات > 1 - اختار لي والدي ( رحمه الله ) أن أكون طالب علم اتخذ والدي ( رحمه الله ) قراره لي بأن أكون طالب علم ، بحكم تأثره بآية الله السيد عبد الحسين شرف الدين ( رحمه الله ) ، فقد كان يحبه ويعتقد به ، وكان السيد عالماً في قريتنا ياطر بضع سنين ، قبل ولادتي وقبل أن يسكن في صور .
كان للمرحوم الوالد علاقة بعلماء المنطقة كالشيخ يوسف الفقيه ( رحمه الله ) ، من قرية حاريص القريبة ، ولنا معهم رحم لأن جدة الشيخ يوسف من آل كَوْراني ، وكان الوالد يحتفي به إذا جاء إلى قريتنا ، ويزوره في حاريص وبيروت ، حيث كان رئيس محكمة التمييز الجعفرية .
وتواصلت العلاقة بعده بأولاده الشيخ علي الفقيه ( رحمه الله ) ، وكان عالم حاريص ، والشيخ محمد تقي الفقيه ( رحمه الله ) ، وكان في النجف الأشرف من التلاميذ البارزين للمرجع السيد الحكيم ( رحمه الله ) .
كما كان للوالد ( رحمه الله ) علاقة بالشيخ حسن شمس الدين ( رحمه الله ) عالم قرية حناويه القريبة من صور ، والشيخ عبد الله السبيتي ( رحمه الله ) صهر السيد شرف الدين ،

7


وبالشيخ موسى السبيتي ( رحمه الله ) ، وكان قاضياً شرعياً في بيروت ، وكلاهما من قرية كَفْرَا المجاورة لقريتنا .
ومع علاقة الوالد ( رحمه الله ) بمشايخ عديدين ، كان يفضل السيد شرف الدين ( رحمه الله ) ، وإذا دخل فصل الصيف يذهب هو وعدد من وجهاء القرية لدعوة السيد للإصطياف في قريتنا ، ويهيؤون له المكان ويخدمونه ، فكان السيد يقضي فصل الصيف في ياطر ، إلى أواخر عمره الشريف ( رحمه الله ) .
في صيف سنة 1956 ، أخبرني الوالد بصيغة الاستشارة بأنه اختار لي أن أكون طالب علم ، وأنه يريد أن يسأل السيد ( رحمه الله ) عن رأيه في ذلك ؟ فأجبته بموافقتي ورغبتي ، لأني أحب الدين وأحب الوالد والسيد ( رحمه الله ) .
وعرفت الأسرة والأقارب بقرار الوالد ( رحمه الله ) ، فقبل بعضهم ، وسكت آخرون احتراماً له ( رحمه الله ) ، لكن امرأة من أقاربنا قالت لي : سمعت يا علي أن والدك يريد أن يعلمك شيخاً ، لا تقبل فإن الناس يقولون إنه يريد أن يعلمه شحاذاً ! أنت ناجح وتفهم ، وقد درست صفين في سنة ، نحن نريدك أن تكون أستاذ جامعة !
ولم أجبها بشئ ، لكن هزتني كلمة ( شحاذ ) ! وأخذت أتساءل هل أن عالم الدين يعيش فقيراً ؟ وحكيت لوالدي كلامها فقال : هؤلاء يا بني لا يعرفون . الشيخ عالم دين وليس شحاذاً ، ولكي تكون مطمئناً سأكتب لك نصف ملكيتي حتى لا يقول أحد مثل هذا الكلام !


وبالشيخ موسى السبيتي ( رحمه الله ) ، وكان قاضياً شرعياً في بيروت ، وكلاهما من قرية كَفْرَا المجاورة لقريتنا .
ومع علاقة الوالد ( رحمه الله ) بمشايخ عديدين ، كان يفضل السيد شرف الدين ( رحمه الله ) ، وإذا دخل فصل الصيف يذهب هو وعدد من وجهاء القرية لدعوة السيد للإصطياف في قريتنا ، ويهيؤون له المكان ويخدمونه ، فكان السيد يقضي فصل الصيف في ياطر ، إلى أواخر عمره الشريف ( رحمه الله ) .
في صيف سنة 1956 ، أخبرني الوالد بصيغة الاستشارة بأنه اختار لي أن أكون طالب علم ، وأنه يريد أن يسأل السيد ( رحمه الله ) عن رأيه في ذلك ؟ فأجبته بموافقتي ورغبتي ، لأني أحب الدين وأحب الوالد والسيد ( رحمه الله ) .
وعرفت الأسرة والأقارب بقرار الوالد ( رحمه الله ) ، فقبل بعضهم ، وسكت آخرون احتراماً له ( رحمه الله ) ، لكن امرأة من أقاربنا قالت لي : سمعت يا علي أن والدك يريد أن يعلمك شيخاً ، لا تقبل فإن الناس يقولون إنه يريد أن يعلمه شحاذاً ! أنت ناجح وتفهم ، وقد درست صفين في سنة ، نحن نريدك أن تكون أستاذ جامعة !
ولم أجبها بشئ ، لكن هزتني كلمة ( شحاذ ) ! وأخذت أتساءل هل أن عالم الدين يعيش فقيراً ؟ وحكيت لوالدي كلامها فقال : هؤلاء يا بني لا يعرفون . الشيخ عالم دين وليس شحاذاً ، ولكي تكون مطمئناً سأكتب لك نصف ملكيتي حتى لا يقول أحد مثل هذا الكلام !

8


ثم خفض صوته ( رحمه الله ) وقال بلهجة المؤمن الجازم : لقد رأيت في المنام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأعطاني غذاء وقال أطعمه لولدك علي ! فاطمأنيت ثقةً بصدق كلامه ( رحمه الله ) ، وليس اعتماداً على ما كتبه لي من أراضٍ ذات قيمة .
ذهب بي إلى السيد ( رحمه الله ) وقال له : ما رأيكم في أن أجعل علياً وأشار إليَّ ، طالب علم ؟ فقال السيد : نعم ، علي يناسب لذلك ( بيطلع منو ) ، لكن أين تجد له مدرساً فهو صغير على النجف ! ولم يكن يومها في لبنان حوزة . قال الوالد ( رحمه الله ) : أسعى في أن يدرسه أحد المشايخ بتوصيتكم .
قال السيد ( رحمه الله ) : لا بأس ، إذهب إلى الشيخ الفلاني ، وقل له : أريد أن أدرِّس ولدي طالب علم ، فإن وافق فأسْكنه في قريتهم .
وفي اليوم التالي أخذني الوالد إلى بيت شيخ في قريتهم القريبة من صور وعرض عليه الموضوع ، فطلب مهلة ليجيبنا . وبعد أيام أخبرني الوالد أن ابن الشيخ اعتذر له بأن سن الشيخ وظروفه لا تسمح له بالتدريس المنتظم .
فأخبر الوالد السيد ( رحمه الله ) ، فوجهه إلى شيخ آخر ، وذهبنا إلى قريته ، فقالوا ذهب إلى الكرم ، فوجدناه ( رحمه الله ) جالساً تحت زيتونة ، فسلمنا عليه وأخبره الوالد ، فكلمني وأعجبه أني نجحت في شهادة ( السِّرْتفيكا ) الرسمية ، وكانت في وقتها رتبة ، مع أنها شهادة بإكمال الصف الخامس ابتدائي .
امتحنني الشيخ بالإملاء ، ثم بالإنشاء ، وأعطاني درجة نجاح ، وقال للوالد : يا أبا داود ، ابنك يفهم ويصلح أن يكون طالب علم ، لكني لا


ثم خفض صوته ( رحمه الله ) وقال بلهجة المؤمن الجازم : لقد رأيت في المنام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأعطاني غذاء وقال أطعمه لولدك علي ! فاطمأنيت ثقةً بصدق كلامه ( رحمه الله ) ، وليس اعتماداً على ما كتبه لي من أراضٍ ذات قيمة .
ذهب بي إلى السيد ( رحمه الله ) وقال له : ما رأيكم في أن أجعل علياً وأشار إليَّ ، طالب علم ؟ فقال السيد : نعم ، علي يناسب لذلك ( بيطلع منو ) ، لكن أين تجد له مدرساً فهو صغير على النجف ! ولم يكن يومها في لبنان حوزة . قال الوالد ( رحمه الله ) : أسعى في أن يدرسه أحد المشايخ بتوصيتكم .
قال السيد ( رحمه الله ) : لا بأس ، إذهب إلى الشيخ الفلاني ، وقل له : أريد أن أدرِّس ولدي طالب علم ، فإن وافق فأسْكنه في قريتهم .
وفي اليوم التالي أخذني الوالد إلى بيت شيخ في قريتهم القريبة من صور وعرض عليه الموضوع ، فطلب مهلة ليجيبنا . وبعد أيام أخبرني الوالد أن ابن الشيخ اعتذر له بأن سن الشيخ وظروفه لا تسمح له بالتدريس المنتظم .
فأخبر الوالد السيد ( رحمه الله ) ، فوجهه إلى شيخ آخر ، وذهبنا إلى قريته ، فقالوا ذهب إلى الكرم ، فوجدناه ( رحمه الله ) جالساً تحت زيتونة ، فسلمنا عليه وأخبره الوالد ، فكلمني وأعجبه أني نجحت في شهادة ( السِّرْتفيكا ) الرسمية ، وكانت في وقتها رتبة ، مع أنها شهادة بإكمال الصف الخامس ابتدائي .
امتحنني الشيخ بالإملاء ، ثم بالإنشاء ، وأعطاني درجة نجاح ، وقال للوالد : يا أبا داود ، ابنك يفهم ويصلح أن يكون طالب علم ، لكني لا

9


أستطيع الالتزام بتدريسه ، لأني أتنقل إلى بيروت وأماكن أخرى .
كان الصيف يومها في أواخره وكان السيد ( رحمه الله ) نزل إلى صور ، فأخذني الوالد معه إليه وأخبره بجواب الشيخ ، فتأثر السيد لعدم قبول المشايخ أن يدرسوني ، وسأل والدي ماذا ستفعل ؟ فأجابه الوالد مازحاً : يا سيدنا أفكر إذا لم يدرسوه لي ، أن آخذه وأذهب إلى النجف وأشتكي عليهم للمرجع !
فكر السيد ( رحمه الله ) قليلاً وكتب رسالة قصيرة إلى أستاذنا آية الله الشيخ إبراهيم سليمان ( رحمه الله ) في قرية البَيّاض ، وقال لوالدي : إذهب إليه وأبلغه سلامي وأعطه الرسالة . وكان في المجلس الشيخ إسماعيل البغدادي ( رحمه الله ) وكان صديقاً للوالد ، فذهب معنا إلى البياض ، ودخلنا بيت الشيخ عصراً فسلمه الرسالة وتكلم معه ، فقال أريد أن أستخير الله تعالى ، فتفضلوا غداً صباحاً ليكون فطوركم معنا ، وأخبركم بنتيجة الاستخارة .
وفي الصباح وجدنا الشيخ ( رحمه الله ) ينتظرنا على سفرة الفطور ، فسلمنا وجلسنا فقال للوالد : إن الاستخارة جيدة ، لكن عندي شرط : أن تهئ له رفيقاً ليكون له مباحثاً ومذاكراً ، فهل تستطيع ؟
أجابه الوالد : يا مولانا إبدأ بتدريسه ، وأعدك بأن أبحث له عن زميل حتى أجده إن شاء الله . فقبل الشيخ وشكره الوالد ، واستأذنه ليرتب لي مسكناً ولوازم ، وسأله عن الكتب التي يشتريها لي ، فكتبها له : شرح قطر الندى لابن هشام ، وألفية ابن مالك شرح ابن الناظم ، وقال : إشترٍ أيضاً شرح ابن عقيل ، والدر الثمين للسيد محسن الأمين .


أستطيع الالتزام بتدريسه ، لأني أتنقل إلى بيروت وأماكن أخرى .
كان الصيف يومها في أواخره وكان السيد ( رحمه الله ) نزل إلى صور ، فأخذني الوالد معه إليه وأخبره بجواب الشيخ ، فتأثر السيد لعدم قبول المشايخ أن يدرسوني ، وسأل والدي ماذا ستفعل ؟ فأجابه الوالد مازحاً : يا سيدنا أفكر إذا لم يدرسوه لي ، أن آخذه وأذهب إلى النجف وأشتكي عليهم للمرجع !
فكر السيد ( رحمه الله ) قليلاً وكتب رسالة قصيرة إلى أستاذنا آية الله الشيخ إبراهيم سليمان ( رحمه الله ) في قرية البَيّاض ، وقال لوالدي : إذهب إليه وأبلغه سلامي وأعطه الرسالة . وكان في المجلس الشيخ إسماعيل البغدادي ( رحمه الله ) وكان صديقاً للوالد ، فذهب معنا إلى البياض ، ودخلنا بيت الشيخ عصراً فسلمه الرسالة وتكلم معه ، فقال أريد أن أستخير الله تعالى ، فتفضلوا غداً صباحاً ليكون فطوركم معنا ، وأخبركم بنتيجة الاستخارة .
وفي الصباح وجدنا الشيخ ( رحمه الله ) ينتظرنا على سفرة الفطور ، فسلمنا وجلسنا فقال للوالد : إن الاستخارة جيدة ، لكن عندي شرط : أن تهئ له رفيقاً ليكون له مباحثاً ومذاكراً ، فهل تستطيع ؟
أجابه الوالد : يا مولانا إبدأ بتدريسه ، وأعدك بأن أبحث له عن زميل حتى أجده إن شاء الله . فقبل الشيخ وشكره الوالد ، واستأذنه ليرتب لي مسكناً ولوازم ، وسأله عن الكتب التي يشتريها لي ، فكتبها له : شرح قطر الندى لابن هشام ، وألفية ابن مالك شرح ابن الناظم ، وقال : إشترٍ أيضاً شرح ابن عقيل ، والدر الثمين للسيد محسن الأمين .

10

لا يتم تسجيل الدخول!