إسم الكتاب : رسالة الغفران ( عدد الصفحات : 307)


رسالة الغفران
لأبي العلاء المعري


رسالة الغفران لأبي العلاء المعري

1


< صفحة فارغة >
صفحة بيضاء
< / صفحة فارغة >


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >

2


رسالة الغفران
لأبي العلاء المعري
حققها وشرحها الأستاذ
محمد عزت نصر الله
دار إحياء التراث العربي - بيروت


رسالة الغفران لأبي العلاء المعري حققها وشرحها الأستاذ محمد عزت نصر الله دار إحياء التراث العربي - بيروت

3


< صفحة فارغة >
صفحة بيضاء
< / صفحة فارغة >


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >

4



بسم الله الرّحمن الرحيم
المقدمة
1
أظل المعري عصر اضطربت فيه الأحوال السياسية والاجتماعية ، وظهرت في أرجاء العالم الاسلامي حركات وثورات ما تكاد تنهض إحداها حتى تخر صرعى تحت وطأة حركة أقوى . ولكن هذا الاضطراب السياسي عاد على العلم والأدب بفوائد لا تنكر ، إذ عمد كل أمير إلى حشد طائفة من العلماء والأدباء يباهي بهم خصمه . فازدهر الأدب ونما الشعر وتعددت المدارس العلمية والأدبية .
وأتت ، في هذا العصر ، الترجمات عن اللغات الأعجمية ثمرات ناضجات ، منها ظهور فلاسفة كالفارابي وابن سينا واخوان الصفا ثم المعري الشاعر ، الأديب ، الناقد ، الفيلسوف . فكانت فلسفة المعري وآراؤه في نقد الحياة الاجتماعية والدينية ثمرة لما زخر به هذا العصر ، وهو القرن الرابع الهجري ، من متناقضات : اضطراب في الحياة السياسية ورقي في العلم والأدب . ولو لم ير المعري النقائص الاجتماعية السائدة يومئذ لما قذف من فيه حمماً يرمي بها الحكام والعلماء والناس كافة ، وقد تأفف من الحياة ومن نفسه ( ومن ومن رياسته خساسة ) وطعن بالحكام وحقد على الجميع . ولا شك ان تجربته الخاصة مع بعض الامراء قد جعلته يثور هذه الثورة اليائسة ضد مجتمعه الذي لم يقدره حق قدره ، فاضطر في النهاية إلى الانزواء في داره يملي على كاتبه ما يبرهن به على علو كعبه في اللغة والأدب .


بسم الله الرّحمن الرحيم المقدمة 1 أظل المعري عصر اضطربت فيه الأحوال السياسية والاجتماعية ، وظهرت في أرجاء العالم الاسلامي حركات وثورات ما تكاد تنهض إحداها حتى تخر صرعى تحت وطأة حركة أقوى . ولكن هذا الاضطراب السياسي عاد على العلم والأدب بفوائد لا تنكر ، إذ عمد كل أمير إلى حشد طائفة من العلماء والأدباء يباهي بهم خصمه . فازدهر الأدب ونما الشعر وتعددت المدارس العلمية والأدبية .
وأتت ، في هذا العصر ، الترجمات عن اللغات الأعجمية ثمرات ناضجات ، منها ظهور فلاسفة كالفارابي وابن سينا واخوان الصفا ثم المعري الشاعر ، الأديب ، الناقد ، الفيلسوف . فكانت فلسفة المعري وآراؤه في نقد الحياة الاجتماعية والدينية ثمرة لما زخر به هذا العصر ، وهو القرن الرابع الهجري ، من متناقضات : اضطراب في الحياة السياسية ورقي في العلم والأدب . ولو لم ير المعري النقائص الاجتماعية السائدة يومئذ لما قذف من فيه حمماً يرمي بها الحكام والعلماء والناس كافة ، وقد تأفف من الحياة ومن نفسه ( ومن ومن رياسته خساسة ) وطعن بالحكام وحقد على الجميع . ولا شك ان تجربته الخاصة مع بعض الامراء قد جعلته يثور هذه الثورة اليائسة ضد مجتمعه الذي لم يقدره حق قدره ، فاضطر في النهاية إلى الانزواء في داره يملي على كاتبه ما يبرهن به على علو كعبه في اللغة والأدب .

5


ولد أبو العلاء أحمد بن عبد الله في سنة 363 ه‍ بمعرة النعمان بن بشير الأنصاري ، وسمي المعري نسبة إلى هذه البلدة . وعرفت أسرته بالفضل والعلم والأدب ، كان أبوه قاضي المعرة ، وكذلك جده ، وينتهي نسبه إلى عرب اليمن .
لاقى المعري في طفولته عناية بالغة من أبويه ، ولكن هذه العناية لم تمنع عنه تصاريف القدر إذ أصيب بالجدري ، فذهب بإحدى عينيه ثم انطفأت الثانية ، ولم يكد المعري يعد سني حياته على أصابع يده . ويتحدث هو عن نفسه فيخبرنا بأنه لم يعرف من مشاهد الدنيا غير لون الحمرة ، لون الثوب الذي كان يلبسه في مرضه وهو طفل . ولم يكن له مندوحة من الانصراف للعلم فأخذ أبوه بتلقينه العلم حتى شب ، ثم انهدم ركن حياته إذ مات أبوه وحاطته أمه برعايتها ، وكانت من أسرة حلبية غنية أعانت المعري على اتمام تحصيله في حلب . ثم نضج علمه واستقر في المعرة فترة من الزمن . ولم تهدأ نفسه ، فطاف سواحل الشام فعرفته أنطاكية واللاذقية وطرابلس ، وزار مكتبتها الضخمة ، وربما لزمها أياماً . وأخيراً عاد إلى المعرة يستجم من عناء الرحلة ، وسبقته شهرته إلى بغداد فاستقبله علماؤها بالحفاوة والترحاب ، ولقي في مختلف المجالس العلمية إكراماً واحتراماً لولا أنه أهين في مجلس الشريف المرتضى الذي أمر بطرده خارج المجلس ، فجر من قدميه وألقي في الشارع ، هذه الحادثة حزت في نفس المعري وجعلته ينكمش على نفسه وينزوي في داره .
ولم تطل إقامة المعري في بغداد فلم تمض عليه سنتان حتى عاوده الحنين إلى المعرة , وعندما بلغه أن أمه مريضة هب ليكون في قربها ، وترك بغداد عائداً ولكنه لم يدركها إذ ماتت قبيل وصوله ، وكان قد بلغ الثامنة والثلاثين ، وكانت أمه آخر عماد يلجأ إليه فرثاها أحر رثاء . واعتزل الناس والحياة العامة ولزم بيته ، وعزم على جنب أكل لحم الحيوان ونتاجه مكتفياً بالنبات ، وفي ذلك يقول :


ولد أبو العلاء أحمد بن عبد الله في سنة 363 ه‍ بمعرة النعمان بن بشير الأنصاري ، وسمي المعري نسبة إلى هذه البلدة . وعرفت أسرته بالفضل والعلم والأدب ، كان أبوه قاضي المعرة ، وكذلك جده ، وينتهي نسبه إلى عرب اليمن .
لاقى المعري في طفولته عناية بالغة من أبويه ، ولكن هذه العناية لم تمنع عنه تصاريف القدر إذ أصيب بالجدري ، فذهب بإحدى عينيه ثم انطفأت الثانية ، ولم يكد المعري يعد سني حياته على أصابع يده . ويتحدث هو عن نفسه فيخبرنا بأنه لم يعرف من مشاهد الدنيا غير لون الحمرة ، لون الثوب الذي كان يلبسه في مرضه وهو طفل . ولم يكن له مندوحة من الانصراف للعلم فأخذ أبوه بتلقينه العلم حتى شب ، ثم انهدم ركن حياته إذ مات أبوه وحاطته أمه برعايتها ، وكانت من أسرة حلبية غنية أعانت المعري على اتمام تحصيله في حلب . ثم نضج علمه واستقر في المعرة فترة من الزمن . ولم تهدأ نفسه ، فطاف سواحل الشام فعرفته أنطاكية واللاذقية وطرابلس ، وزار مكتبتها الضخمة ، وربما لزمها أياماً . وأخيراً عاد إلى المعرة يستجم من عناء الرحلة ، وسبقته شهرته إلى بغداد فاستقبله علماؤها بالحفاوة والترحاب ، ولقي في مختلف المجالس العلمية إكراماً واحتراماً لولا أنه أهين في مجلس الشريف المرتضى الذي أمر بطرده خارج المجلس ، فجر من قدميه وألقي في الشارع ، هذه الحادثة حزت في نفس المعري وجعلته ينكمش على نفسه وينزوي في داره .
ولم تطل إقامة المعري في بغداد فلم تمض عليه سنتان حتى عاوده الحنين إلى المعرة , وعندما بلغه أن أمه مريضة هب ليكون في قربها ، وترك بغداد عائداً ولكنه لم يدركها إذ ماتت قبيل وصوله ، وكان قد بلغ الثامنة والثلاثين ، وكانت أمه آخر عماد يلجأ إليه فرثاها أحر رثاء . واعتزل الناس والحياة العامة ولزم بيته ، وعزم على جنب أكل لحم الحيوان ونتاجه مكتفياً بالنبات ، وفي ذلك يقول :

6


يسر لي بلسن يمارس لي * وان أتتني حلاوة فبلس ( 1 )
وجاءه طلاب العلم من أنحاء البلاد الاسلامية يتلقون عنه العلوم حتى غصت داره بهم وكان شديد الحفاوة بتلاميذه يحوطهم بعنايته ورعايته ، وظل على هذه الحال إلى أن مرض ، وكان قد بلغ من العمر عتياً ، فوصف له الطبيب فروجاً فلما جيء به له مد إليه يده وهي ترتعش فما تحسسه حتى كف يده وقال : استضعفوك فوصفوك هلا وصفوا شبل الأسد ؟ ) . واستمر مرضه ثلاثة أيام قضى في نهايتها ودفن في المعمرة . وهنالك انطفأ مصباح شع علماً وأدباً وملأ الدنيا تغريداً وصداحاً ، إذ كان المعري كاتباً وشاعراً من آثاره النثرية ( شرح ديوان المتنبي والبحتري وأبي تمام ) ، وله كتاب ( الفصول والغايات ) كما له رسائل متعددة منها ( رسالة الغفران ) التي نحن في سبيل الحديث عنها . وأما آثاره المنظومة فمنها ( اللزوميات ) و ( سقط الزند ) و ( الدرعيات ) ، فهو إذن مفكر ، وكاتب ، وشاعر .
2
ورسالة الغفران قصة خيالية فيها رموز وإشارات ، وفيها احياناً تلميحات وتصريحات ، ظاهرها جواب على رسالة تلقاها المعري من أديب حلبي يسمى ابن القارح . ويستعرض المعري في رسالته ما يتعرض له الناس يوم الحشر ويصف حالة الناس فيتحدث عن الموقف وما يلقى الناس فيه من أهوال ، وتدور القصة حول علي بن منصور ( ابن القارح ) إذ يعجب من طول وقوفه في الحشر فيسعى إلى دخول الجنة قبل الناس . وهنا تحدث للرجال حوادث تدعو إلى الضحك والسخرية ، إذ يناقش جماعة من العلماء والشعراء في الموقف كما يناقش خازن الجنة


يسر لي بلسن يمارس لي * وان أتتني حلاوة فبلس ( 1 ) وجاءه طلاب العلم من أنحاء البلاد الاسلامية يتلقون عنه العلوم حتى غصت داره بهم وكان شديد الحفاوة بتلاميذه يحوطهم بعنايته ورعايته ، وظل على هذه الحال إلى أن مرض ، وكان قد بلغ من العمر عتياً ، فوصف له الطبيب فروجاً فلما جيء به له مد إليه يده وهي ترتعش فما تحسسه حتى كف يده وقال : استضعفوك فوصفوك هلا وصفوا شبل الأسد ؟ ) . واستمر مرضه ثلاثة أيام قضى في نهايتها ودفن في المعمرة . وهنالك انطفأ مصباح شع علماً وأدباً وملأ الدنيا تغريداً وصداحاً ، إذ كان المعري كاتباً وشاعراً من آثاره النثرية ( شرح ديوان المتنبي والبحتري وأبي تمام ) ، وله كتاب ( الفصول والغايات ) كما له رسائل متعددة منها ( رسالة الغفران ) التي نحن في سبيل الحديث عنها . وأما آثاره المنظومة فمنها ( اللزوميات ) و ( سقط الزند ) و ( الدرعيات ) ، فهو إذن مفكر ، وكاتب ، وشاعر .
2 ورسالة الغفران قصة خيالية فيها رموز وإشارات ، وفيها احياناً تلميحات وتصريحات ، ظاهرها جواب على رسالة تلقاها المعري من أديب حلبي يسمى ابن القارح . ويستعرض المعري في رسالته ما يتعرض له الناس يوم الحشر ويصف حالة الناس فيتحدث عن الموقف وما يلقى الناس فيه من أهوال ، وتدور القصة حول علي بن منصور ( ابن القارح ) إذ يعجب من طول وقوفه في الحشر فيسعى إلى دخول الجنة قبل الناس . وهنا تحدث للرجال حوادث تدعو إلى الضحك والسخرية ، إذ يناقش جماعة من العلماء والشعراء في الموقف كما يناقش خازن الجنة

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) البلسن : العدس . والبلس : التين .

( 1 ) البلسن : العدس . والبلس : التين .

7


ويمدحه بشعر لا يفقه منه الخازن شيئاً . وبعد طول عناء يدخل الجنة ويجتمع بشعرائها ويناقشهم فيما قالوا في الدار الفانية ويسأل كل من يلاقيه هذا السؤال : « بم غفر الله لك ؟ » ويطل على جهنم ويسأل من فيها : « لِمَ لم يغفر الله لك ؟ » .
ولهذا تسمى رسالته برسالة الغفران .
ويسوق المعري كلامه بقالب غامض فيه حشد من الألفاظ الغريبة لا يستطيع القارئ المضي في مطالعتها دون أن يجول جولة طويلة في المعاجم ، لقد حشد في الرسالة ثروة ضخمة من الألفاظ حتى لا تكاد توجد لفظة معجمية إلا أحياها في رسالته هذه ، كأنه كان يريد ان يعمي على الناس فلا يفهم اغراضه فيها غير النخبة من العلماء . والغريب في أمره أنه تعرض للجن وأورد طائفة مما نسب إليهم من الشعر وكأنه فعلاً من شعر الجن في غرابة ألفاظه وتركيبه . وظاهر الكلام في الرسالة جد ، وباطنه هزل .
ويختلف الناس في سبب كتابة هذه الرسالة وعندي أن المعري كان يحمل ثروة ضخمة من علم اللغة والدين والفلسفة مما عرفه عصره من ألوان الثقافات المختلفة ، وكأني به اناء امتلأ ماء فلا بد له ان يفيض ، ففاض المعري بما عنده من المعلومات وذكر ما اشتمل عليه صدره . ثم إن الرجل كان ضريراً انكفأت مداركه إلى عالم باطن فجعل يتصور ما يمر بذهنه فجمع ذلك كله وألف بينه فكانت منه رسالة الغفران . وثمّت شيء آخر وهو ان المعري كان رجلاً متشككاً يريد أن يفهم مشاكل الحياة وما بعدها فهماً عقلياً ، فيعجز تارة عن ذلك فيثور ويهيج ، وتارة يرضخ للقضاء ويستكين ، إلا أن المعري لم يتقرر عنده الايمان بوجود الجنة أو النار فشك في الحشر وأحواله من ثواب وعذاب ، وكان يتمنى في قرارة نفسه أن تصدق الأخبار عن الجنة والنار فيكون هو من المحسنين الذين يستحقون جنات النعيم ، ولما لم يتحقق من امكان الخلود تخيله في رسالة الغفران على نحو ما جاء في القرآن وفي الحديث وفي الأخبار عن الجنة والنار . وانما كان سياقه فيها على سبيل الهزل المبطن إذ يجري مناقشات بين الشعراء تجر إلى الملاحاة كالمناقشة التي دارت بين الأعشى والجعدي إذ يقول هذا للأعشى : ( يا


ويمدحه بشعر لا يفقه منه الخازن شيئاً . وبعد طول عناء يدخل الجنة ويجتمع بشعرائها ويناقشهم فيما قالوا في الدار الفانية ويسأل كل من يلاقيه هذا السؤال : « بم غفر الله لك ؟ » ويطل على جهنم ويسأل من فيها : « لِمَ لم يغفر الله لك ؟ » .
ولهذا تسمى رسالته برسالة الغفران .
ويسوق المعري كلامه بقالب غامض فيه حشد من الألفاظ الغريبة لا يستطيع القارئ المضي في مطالعتها دون أن يجول جولة طويلة في المعاجم ، لقد حشد في الرسالة ثروة ضخمة من الألفاظ حتى لا تكاد توجد لفظة معجمية إلا أحياها في رسالته هذه ، كأنه كان يريد ان يعمي على الناس فلا يفهم اغراضه فيها غير النخبة من العلماء . والغريب في أمره أنه تعرض للجن وأورد طائفة مما نسب إليهم من الشعر وكأنه فعلاً من شعر الجن في غرابة ألفاظه وتركيبه . وظاهر الكلام في الرسالة جد ، وباطنه هزل .
ويختلف الناس في سبب كتابة هذه الرسالة وعندي أن المعري كان يحمل ثروة ضخمة من علم اللغة والدين والفلسفة مما عرفه عصره من ألوان الثقافات المختلفة ، وكأني به اناء امتلأ ماء فلا بد له ان يفيض ، ففاض المعري بما عنده من المعلومات وذكر ما اشتمل عليه صدره . ثم إن الرجل كان ضريراً انكفأت مداركه إلى عالم باطن فجعل يتصور ما يمر بذهنه فجمع ذلك كله وألف بينه فكانت منه رسالة الغفران . وثمّت شيء آخر وهو ان المعري كان رجلاً متشككاً يريد أن يفهم مشاكل الحياة وما بعدها فهماً عقلياً ، فيعجز تارة عن ذلك فيثور ويهيج ، وتارة يرضخ للقضاء ويستكين ، إلا أن المعري لم يتقرر عنده الايمان بوجود الجنة أو النار فشك في الحشر وأحواله من ثواب وعذاب ، وكان يتمنى في قرارة نفسه أن تصدق الأخبار عن الجنة والنار فيكون هو من المحسنين الذين يستحقون جنات النعيم ، ولما لم يتحقق من امكان الخلود تخيله في رسالة الغفران على نحو ما جاء في القرآن وفي الحديث وفي الأخبار عن الجنة والنار . وانما كان سياقه فيها على سبيل الهزل المبطن إذ يجري مناقشات بين الشعراء تجر إلى الملاحاة كالمناقشة التي دارت بين الأعشى والجعدي إذ يقول هذا للأعشى : ( يا

8


ضل ابن ضل ان دخولك الجنة من المنكرات ولو جاز الغلط على رب العزة لقلت انه غلط بك وكان من حقك ان تصلى في الجحيم وقد صلي بها من هو خير منك ) . ويضرب الأعشى بكوز من ذهب فيقول له بعض الحاضرين في المجلس : ألا تخشى أن يمر ملك يكون بمثابة الحفظة في أهل الدنيا فيرفع الأمر إلى العلي الأعلى وقد استغنى ان ترفع إليه ، فيجر إلى ما تكرهان وقد اخرج أبو كما آدم من الجنة بأهون مما تصنعان ) .
وفي الرسالة أحاديث دارت بين الشعراء والأدباء في النحو وفي اللغة وفي النقد الأدبي وفي المسائل الدينية ، وهكذا كانت رسالة الغفراء وعاء ضخماً افرغ فيه المعري ما عنده من طاقة لغوية وأدبية وتاريخية . ولم يسبق المعري إلى مثل هذا الموضوع ، فكانت رسالة الغفران مصدراً لما كتب أدباء الشرق والغرب من القصص الخيالية الممتعة .
وأستطيع القول إن مصيبة الرجل في بصره مدت في خياله فجعل يتناول مواضيع لم يسبق إليها . وقد أوتي المعري ذكاءً حاداً ، وله طريقته الخاصة في التفكير وطريقة التعبير . وانه لمن المؤكد ان المعري قد سجل رأيه في كثير من المسائل اللغوية والنقدية في هذه الرسالة ، ومن ذلك أنه صنف سكان الجنة والنار اصنافاً وجعلهم مراتب بعضها فوق بعض ، فوضع في أقصى الجنة بيوتاً حقيرة واسكن فيها شعراء الرجز وقال لهم : لقد صدق الحديث المروي : « ان الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها » ، وان الرجز لمن سفساف القريض ، قصرتم أيها النفر فقصر بكم » . وهذا يدل على رأي المعري في الرجز ، ولم يكن ينظم شعراً على هذا البحر .
3
طبعت رسالة الغفران للمرة الأولى عام 1903 في مصر ، وهي ما تعرف بطبعة امين هندية . ثم طبعت اجزاء من هذه الرسالة شرحها الأستاذ كامل كيلاني ،


ضل ابن ضل ان دخولك الجنة من المنكرات ولو جاز الغلط على رب العزة لقلت انه غلط بك وكان من حقك ان تصلى في الجحيم وقد صلي بها من هو خير منك ) . ويضرب الأعشى بكوز من ذهب فيقول له بعض الحاضرين في المجلس : ألا تخشى أن يمر ملك يكون بمثابة الحفظة في أهل الدنيا فيرفع الأمر إلى العلي الأعلى وقد استغنى ان ترفع إليه ، فيجر إلى ما تكرهان وقد اخرج أبو كما آدم من الجنة بأهون مما تصنعان ) .
وفي الرسالة أحاديث دارت بين الشعراء والأدباء في النحو وفي اللغة وفي النقد الأدبي وفي المسائل الدينية ، وهكذا كانت رسالة الغفراء وعاء ضخماً افرغ فيه المعري ما عنده من طاقة لغوية وأدبية وتاريخية . ولم يسبق المعري إلى مثل هذا الموضوع ، فكانت رسالة الغفران مصدراً لما كتب أدباء الشرق والغرب من القصص الخيالية الممتعة .
وأستطيع القول إن مصيبة الرجل في بصره مدت في خياله فجعل يتناول مواضيع لم يسبق إليها . وقد أوتي المعري ذكاءً حاداً ، وله طريقته الخاصة في التفكير وطريقة التعبير . وانه لمن المؤكد ان المعري قد سجل رأيه في كثير من المسائل اللغوية والنقدية في هذه الرسالة ، ومن ذلك أنه صنف سكان الجنة والنار اصنافاً وجعلهم مراتب بعضها فوق بعض ، فوضع في أقصى الجنة بيوتاً حقيرة واسكن فيها شعراء الرجز وقال لهم : لقد صدق الحديث المروي : « ان الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها » ، وان الرجز لمن سفساف القريض ، قصرتم أيها النفر فقصر بكم » . وهذا يدل على رأي المعري في الرجز ، ولم يكن ينظم شعراً على هذا البحر .
3 طبعت رسالة الغفران للمرة الأولى عام 1903 في مصر ، وهي ما تعرف بطبعة امين هندية . ثم طبعت اجزاء من هذه الرسالة شرحها الأستاذ كامل كيلاني ،

9


وتلا ذلك طبعة محققة أصدرتها دار المعارف بمصر للدكتورة عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطيء ) وأعيد طبعها عدة مرات ، وهي أول طبعة كاملة محققة لرسالة الغفران ، وقد اعتمدت المحققة نسخة ( كوبريلي زادة باستانبول ) أصلاً لطبعتها ، ولكنها - مع ذلك - استأنست بعدة مخطوطات لرسالة الغفران وبما نشر في مجلة الجمعة الآسيوية الملكية من مخطوطة نيكلسون وفي بيروت ظهرت طبعة تجارية عام 1964 صدرت عن ( دار صادر ودار بيروت ) منقولة بشكل سئ عن الطبعة التي حققتها الدكتورة بنت الشاطيء ، وقد حوت هذه الطبعة أخطاء كثيرة اساءت إلى نصوص رسالة الغفران إساءة كبيرة .
أما هذه الطبعة الجديدة لرسالة الغفران فقد اعتمدت في تحقيقها على مخطوطة حديثة هي طبق الأصل عن مخطوطة ( كوبريلي زاده ) ، وقد تفضل السيد ( سي رابح بو رباط ) باعارتي هذه المخطوطة ، الا إني لا أنكر البتة ان الطبعة الرابعة المحققة التي نشرتها الدكتورة عائشة عبد الرحمن قد افادتني كثيراً وسهلت عليّ فهم بعض نصوص الغفران والالمام بما جاء في بقية المخطوطات من كلمات قرئت أو رسمت بشكل يغاير ما جاء في مخطوطة كوبريلي زادة الأصلية ، ولا شك ان ما جاء في نسخة ( سي رابح بو رباط ) يختلف بعض الشيء عن طبعة الدكتورة بنت الشاطيء وذلك يعود إلى فهم الناسخ لبعض الكلمات أو سوء فهمه لها ، وإنني سأشير ، عندما أجد في ذلك ضرورة ، إلى ترجيحات نسخة ( رابح بو رباط ) برمز ( سي ) فعسى أن ينفع ذلك جمهور الأدباء .
وإني أرى من الأهمية بمكان ان أشير إلى ورود بعض الأخطاء الطفيفة في شروح طبعة الدكتورة عائشة عبد الرحمن فقمت بتصحيح هذه الأخطاء أثناء شرحي لغريب رسالة الغفران ، إلا إني لم أتعرض للاعلام بالترجمة أو التحقيق . وإني أفضل أن تفرد لاعلام الغفران رسالة خاصة تتناول سيرهم باسهاب ، وقد أقوم ، إذا سنحت لي الفرصة ، بهذا العمل إن شاء الله تعالى .
وقد لاحظت ، المحققة الفاضلة ، ان المعري يشرح بعض غريب ألفاظه أو


وتلا ذلك طبعة محققة أصدرتها دار المعارف بمصر للدكتورة عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطيء ) وأعيد طبعها عدة مرات ، وهي أول طبعة كاملة محققة لرسالة الغفران ، وقد اعتمدت المحققة نسخة ( كوبريلي زادة باستانبول ) أصلاً لطبعتها ، ولكنها - مع ذلك - استأنست بعدة مخطوطات لرسالة الغفران وبما نشر في مجلة الجمعة الآسيوية الملكية من مخطوطة نيكلسون وفي بيروت ظهرت طبعة تجارية عام 1964 صدرت عن ( دار صادر ودار بيروت ) منقولة بشكل سئ عن الطبعة التي حققتها الدكتورة بنت الشاطيء ، وقد حوت هذه الطبعة أخطاء كثيرة اساءت إلى نصوص رسالة الغفران إساءة كبيرة .
أما هذه الطبعة الجديدة لرسالة الغفران فقد اعتمدت في تحقيقها على مخطوطة حديثة هي طبق الأصل عن مخطوطة ( كوبريلي زاده ) ، وقد تفضل السيد ( سي رابح بو رباط ) باعارتي هذه المخطوطة ، الا إني لا أنكر البتة ان الطبعة الرابعة المحققة التي نشرتها الدكتورة عائشة عبد الرحمن قد افادتني كثيراً وسهلت عليّ فهم بعض نصوص الغفران والالمام بما جاء في بقية المخطوطات من كلمات قرئت أو رسمت بشكل يغاير ما جاء في مخطوطة كوبريلي زادة الأصلية ، ولا شك ان ما جاء في نسخة ( سي رابح بو رباط ) يختلف بعض الشيء عن طبعة الدكتورة بنت الشاطيء وذلك يعود إلى فهم الناسخ لبعض الكلمات أو سوء فهمه لها ، وإنني سأشير ، عندما أجد في ذلك ضرورة ، إلى ترجيحات نسخة ( رابح بو رباط ) برمز ( سي ) فعسى أن ينفع ذلك جمهور الأدباء .
وإني أرى من الأهمية بمكان ان أشير إلى ورود بعض الأخطاء الطفيفة في شروح طبعة الدكتورة عائشة عبد الرحمن فقمت بتصحيح هذه الأخطاء أثناء شرحي لغريب رسالة الغفران ، إلا إني لم أتعرض للاعلام بالترجمة أو التحقيق . وإني أفضل أن تفرد لاعلام الغفران رسالة خاصة تتناول سيرهم باسهاب ، وقد أقوم ، إذا سنحت لي الفرصة ، بهذا العمل إن شاء الله تعالى .
وقد لاحظت ، المحققة الفاضلة ، ان المعري يشرح بعض غريب ألفاظه أو

10

لا يتم تسجيل الدخول!