إسم الكتاب : قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد ( عدد الصفحات : 494)


قوت القلوب
في معاملة المحبوب
ووصف طريق المريد إلى مقام التّوحيد
تأليف
الشيخ محمد بن علي بن عطية الحارثي
المشهور بأبي طالب المكّي
المتوفى سنة 386 ه‍
ضبطه وصححه
باسل عيون السّود
الجزء الثاني
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان


قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التّوحيد تأليف الشيخ محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكّي المتوفى سنة 386 ه‍ ضبطه وصححه باسل عيون السّود الجزء الثاني دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

1


جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجة على أسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا .
الطبعة الأولى
1417 ه‍ - 1997 م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
العنوان : رمل الظريف ، شارع البحتري ، بناية ملكارت
تلفون وفاكس : 364398 - 366135 - 602133 - ( 1 961 ) 0 0
صندوق بريد : 9424 - 11 بيروت - لبنان


جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجة على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيا .
الطبعة الأولى 1417 ه‍ - 1997 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان العنوان : رمل الظريف ، شارع البحتري ، بناية ملكارت تلفون وفاكس : 364398 - 366135 - 602133 - ( 1 961 ) 0 0 صندوق بريد : 9424 - 11 بيروت - لبنان

2



بسم الله الرحمن الرحيم
شرح مقام التوكل ووصف أحوال المتوكلين وهو المقام السابع من مقامات اليقين
التوكَّل من أعلى مقامات اليقين ، وأشرف أحوال المقرّبين . قال الله الحق المبين :
* ( إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) * [ آل عمران : 159 ] ، فجعل المتوكل حبيبه وألقى عليه محبّته .
وقال الله عزّ وجلّ : * ( وعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * [ إبراهيم : 12 ] . فرفع المتوكلين إليه وجعل مزيدهم منه . وقال جلت قدرته : * ( ومن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ ) * [ الطلاق : 3 ] أي كافية مما سواه . فمن كان الله تعالى كافية فهو شافيه ومعافيه ولا يسأل عمّا هو فيه ، فقد صار المتوكل على الله تعالى من عباد الرحمن الذين أضافهم إلى وصف الرحمة ، ومن عباد التخصيص الذين ضمن لهم الكفاية ، وهم الذين وصفهم في الكتاب بقوله سبحانه :
* ( وعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً ) * [ الفرقان : 63 ] إلى آخر أوصافهم ، وهم الذين كفاهم في هذه الدار المهمّات ووقاهم بتفويضهم إليه السيّئات بقوله تعالى : * ( أَلَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَهُ ) * [ الزمر : 36 ] ، وقوله تعالى : * ( وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبادِ . فَوَقاهُ الله سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ) * [ غافر : 44 - 45 ] وليس هؤلاء من عباد العدد فقط الذين قال الله عزّ وجلّ : * ( إِنْ كُلُّ من في السَّماواتِ والأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً . لَقَدْ أَحْصاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدًّا ) * [ مريم 93 - 94 ] .
وقال بعض الصحابة وغيره من التابعين : التوكل نظام التوحيد وجماع الأمر .
وحدثونا عن بعض السلف قال : رأيت بعض العباد من أهل البصرة في المنام فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي وأدخلني الجنة . قلت : فأي الأعمال وجدت هناك أفضل ؟ قال :
التوكَّل وقصر الأمل فعليك بهما . وقال أبو الدرداء : ذروة الإيمان والإخلاص والتوكل والاستسلام للربّ عزّ وجلّ . وكان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : ليس في المقامات أعزّ من التوكَّل وقد ذهب الأنبياء بحقيقته وبقي منه صبابة انتشقها الصدّيقون والشهداء ، فمن تعلَّق بشيء منه فهو صديق أو شهيد .
وقال بعض العارفين ، وهو أبو سليمان الداراني : في كلّ المقامات لي قدم إلَّا هذا


بسم الله الرحمن الرحيم شرح مقام التوكل ووصف أحوال المتوكلين وهو المقام السابع من مقامات اليقين التوكَّل من أعلى مقامات اليقين ، وأشرف أحوال المقرّبين . قال الله الحق المبين :
* ( إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) * [ آل عمران : 159 ] ، فجعل المتوكل حبيبه وألقى عليه محبّته .
وقال الله عزّ وجلّ : * ( وعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * [ إبراهيم : 12 ] . فرفع المتوكلين إليه وجعل مزيدهم منه . وقال جلت قدرته : * ( ومن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ ) * [ الطلاق : 3 ] أي كافية مما سواه . فمن كان الله تعالى كافية فهو شافيه ومعافيه ولا يسأل عمّا هو فيه ، فقد صار المتوكل على الله تعالى من عباد الرحمن الذين أضافهم إلى وصف الرحمة ، ومن عباد التخصيص الذين ضمن لهم الكفاية ، وهم الذين وصفهم في الكتاب بقوله سبحانه :
* ( وعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً ) * [ الفرقان : 63 ] إلى آخر أوصافهم ، وهم الذين كفاهم في هذه الدار المهمّات ووقاهم بتفويضهم إليه السيّئات بقوله تعالى : * ( أَلَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَهُ ) * [ الزمر : 36 ] ، وقوله تعالى : * ( وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبادِ . فَوَقاهُ الله سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا ) * [ غافر : 44 - 45 ] وليس هؤلاء من عباد العدد فقط الذين قال الله عزّ وجلّ : * ( إِنْ كُلُّ من في السَّماواتِ والأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً . لَقَدْ أَحْصاهُمْ وعَدَّهُمْ عَدًّا ) * [ مريم 93 - 94 ] .
وقال بعض الصحابة وغيره من التابعين : التوكل نظام التوحيد وجماع الأمر .
وحدثونا عن بعض السلف قال : رأيت بعض العباد من أهل البصرة في المنام فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : غفر لي وأدخلني الجنة . قلت : فأي الأعمال وجدت هناك أفضل ؟ قال :
التوكَّل وقصر الأمل فعليك بهما . وقال أبو الدرداء : ذروة الإيمان والإخلاص والتوكل والاستسلام للربّ عزّ وجلّ . وكان أبو محمد سهل رحمه الله يقول : ليس في المقامات أعزّ من التوكَّل وقد ذهب الأنبياء بحقيقته وبقي منه صبابة انتشقها الصدّيقون والشهداء ، فمن تعلَّق بشيء منه فهو صديق أو شهيد .
وقال بعض العارفين ، وهو أبو سليمان الداراني : في كلّ المقامات لي قدم إلَّا هذا

3


التوكَّل المبارك فما لي منه إلا مشام الريح . وقال لقمان في وصيته لابنه : ومن الإيمان بالله عزّ وجلّ التوكَّل على الله ، فإن التوكل على الله يحبّب العبد ، وإن التفويض إلى الله من هدي الله ، وبهدي الله يوافق العبد رضوان الله ، وبموافقة رضوان الله يستوجب العبد كرامة الله . وقال لقمان أيضا : ومن يتوكَّل على الله ، ويسلَّم لقضاء الله ، ويفوّض إلى الله ، ويرضى بقدر الله ، فقد أقام الدين وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير وأقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره .
وقال بعض علماء الأبدال ، وهو أبو محمد سهل : العلم كلَّه باب من التعبّد ، والتعبّد كلَّه باب من الورع ، والورع كلَّه باب من الزهد ، والزهد كلَّه باب من التوكَّل . قال : فليس للتوكَّل حدّ ولا غاية تنتهي إليه . وقال أيضا في قول الله عزّ وجلّ : * ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) * [ هود : 7 ] . قال أصدق توكلا . وقال : التقوى واليقين مثل كفّتي الميزان والتوكل لسانه ، به تعرف الزيادة والنقصان . وسئل عن قول الله عزّ وجلّ : * ( فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ ) * [ التغابن : 16 ] . قال : بإظهار الفقر والفاقة إليه . وسئل عن قوله تعالى : * ( اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ ) * [ آل عمران : 102 ] فقال : اعبدوه بالتوكَّل . وقال أبو يعقوب السوسي : لا تطعنوا على أهل التوكَّل فإنهم خاصّة الله الذين خصّوا بالخصوصية فسكنوا إلى الله ، واكتفوا به ، واستراحوا من هموم الدنيا والآخرة . وقال : من طعن في التوكَّل ، فقد طعن في الإيمان لأنه مقرون به ، ومن أحبّ أهل التوكَّل فقد أحبّ الله تعالى . فأوّل التوكَّل المعرفة بالوكيل وأنه عزيز حكيم ، يعطي لعزّه ، ويمنع لحكمه ، فيعتزّ العبد بعزّه ويرضى بحكمه .
وكذلك أخبر عن نفسه ونبّه المتوكَّلين عليه فقال سبحانه : * ( ومن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * [ الأنفال : 49 ] عزّ من أعزّ بعطيته ونظر لمن منعه بحكمته ، فإذا شهد العبد الذليل الملك الجليل قائما بالقسط والتدبير والتقدير ، عنده خزائن كلّ شيء ، وكلّ شيء عنده بمقدار لا ينزله إلا بقدر معلوم ، وشهد الوكيل قابضا على نواصي المماليك له خزائن السماوات من الأحكام والأقدار الغائبات ، وله خزائن الأرض من الأيدي والقلوب والأسباب المشاهدات . فخزائن السماوات ما قسمه من الرزق ، وخزائن الأرض ما جعله على أيدي الخلق ، وفي السماء رزقكم وما توعدون ، وفي الأرض آيات للموقنين ، ولكن المنافقين لا يفقهون فأيقن العبد أن في يده ملكوت كلّ شيء وأنه يملك السمع والأبصار ويقلب القلوب والأيدي تقليب الليل والنهار ، وأنه حسن التدبير والأحكام للموقنين ، وأنه أحكم الحاكمين وخير الرازقين . ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون . ثم استوى على العرش يدبّر الأمر ، ما من شفيع إلَّا من بعد إذنه ، عندها نظر العبد الذليل إلى سيده العزيز ، فقوي


التوكَّل المبارك فما لي منه إلا مشام الريح . وقال لقمان في وصيته لابنه : ومن الإيمان بالله عزّ وجلّ التوكَّل على الله ، فإن التوكل على الله يحبّب العبد ، وإن التفويض إلى الله من هدي الله ، وبهدي الله يوافق العبد رضوان الله ، وبموافقة رضوان الله يستوجب العبد كرامة الله . وقال لقمان أيضا : ومن يتوكَّل على الله ، ويسلَّم لقضاء الله ، ويفوّض إلى الله ، ويرضى بقدر الله ، فقد أقام الدين وفرغ يديه ورجليه لكسب الخير وأقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره .
وقال بعض علماء الأبدال ، وهو أبو محمد سهل : العلم كلَّه باب من التعبّد ، والتعبّد كلَّه باب من الورع ، والورع كلَّه باب من الزهد ، والزهد كلَّه باب من التوكَّل . قال : فليس للتوكَّل حدّ ولا غاية تنتهي إليه . وقال أيضا في قول الله عزّ وجلّ : * ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) * [ هود : 7 ] . قال أصدق توكلا . وقال : التقوى واليقين مثل كفّتي الميزان والتوكل لسانه ، به تعرف الزيادة والنقصان . وسئل عن قول الله عزّ وجلّ : * ( فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ ) * [ التغابن : 16 ] . قال : بإظهار الفقر والفاقة إليه . وسئل عن قوله تعالى : * ( اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ ) * [ آل عمران : 102 ] فقال : اعبدوه بالتوكَّل . وقال أبو يعقوب السوسي : لا تطعنوا على أهل التوكَّل فإنهم خاصّة الله الذين خصّوا بالخصوصية فسكنوا إلى الله ، واكتفوا به ، واستراحوا من هموم الدنيا والآخرة . وقال : من طعن في التوكَّل ، فقد طعن في الإيمان لأنه مقرون به ، ومن أحبّ أهل التوكَّل فقد أحبّ الله تعالى . فأوّل التوكَّل المعرفة بالوكيل وأنه عزيز حكيم ، يعطي لعزّه ، ويمنع لحكمه ، فيعتزّ العبد بعزّه ويرضى بحكمه .
وكذلك أخبر عن نفسه ونبّه المتوكَّلين عليه فقال سبحانه : * ( ومن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * [ الأنفال : 49 ] عزّ من أعزّ بعطيته ونظر لمن منعه بحكمته ، فإذا شهد العبد الذليل الملك الجليل قائما بالقسط والتدبير والتقدير ، عنده خزائن كلّ شيء ، وكلّ شيء عنده بمقدار لا ينزله إلا بقدر معلوم ، وشهد الوكيل قابضا على نواصي المماليك له خزائن السماوات من الأحكام والأقدار الغائبات ، وله خزائن الأرض من الأيدي والقلوب والأسباب المشاهدات . فخزائن السماوات ما قسمه من الرزق ، وخزائن الأرض ما جعله على أيدي الخلق ، وفي السماء رزقكم وما توعدون ، وفي الأرض آيات للموقنين ، ولكن المنافقين لا يفقهون فأيقن العبد أن في يده ملكوت كلّ شيء وأنه يملك السمع والأبصار ويقلب القلوب والأيدي تقليب الليل والنهار ، وأنه حسن التدبير والأحكام للموقنين ، وأنه أحكم الحاكمين وخير الرازقين . ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون . ثم استوى على العرش يدبّر الأمر ، ما من شفيع إلَّا من بعد إذنه ، عندها نظر العبد الذليل إلى سيده العزيز ، فقوي

4


بنظره إليه ، وعزّ بقوّته به ، واستغنى بقربه منه ، وشرّف بحضوره عنده .
وكذلك جاء في الخبر : كفى باليقين غنى . حينئذ نظر إليه في كل شيء ، ووثق به ، واعتمد عليه دون كل شيء ، وقنع منه بأدنى شيء ، وصبر عليه ، ورضي عنه ، إذ لا بدّ له منه ، فثمّ لا يطمع في سواه ، ولا يرجو إلا إياه ، ولا يشهد في العطاء إلا يده ، ولا يرى في المنع إلا حكمته ، ولا يعاين في القبض والبسط إلا قدرته . هناك حقّت عبادته وخلص توحيده فعرف الخلق من معرفة خالقه ، وطلب الرزق عند معبوده ورازقه ، وقام بشهادة ما قال تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) * [ الأعراف : 194 ] وقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ من دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ ) * [ العنكبوت : 17 ] . فعندها لم يحمد خلقا ولم يذمّه ولم يمدحه لأجل أنه منعه أو أنه أعطاه إن كان الله هو الأوّل المعطي ، ولم يشكره إلا لأن مولاه مدحه وأمره بالشكر له تخلقا بأخلاقه ، واتّباعا لسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن ذمه أو مقته فلأجل مخالفته لمولاه بموافقته هواه ، لأنه تعالى قد مدح المنفقين وذمّ الباخلين . والفرق بين الحمد والشكر : أن الحمد مفرد لا ينبغي إلَّا لله وهو الاعتراف بأن النعمة من الله عزّ وجلّ ، وحسن المعاملة بها لوجه الله لا شريك له فيه . ولذلك قال : الحمد لله ربّ العالمين ، أي الحمد كلَّه لا يكون ولا ينبغي إلَّا لله ، لأنه ربّ العالمين . وفي الخبر : الحمد رداء الرحمن عزّ وجلّ ، والشكر إظهار الثناء ، وأسرار الدعاء للأواسط ، فهذا مشترك يدخل فيه الوالدان ، وهو أيضا مخصوص لمن هو أهل أن يشكر من الناس . حدثونا عن يوسف بن أسباط قال : قال لي الثوري : لا تشكر إلا من عرف موضع الشكر . قلت : وكيف ذاك ؟ قال : إذا أوليتك معروفا ، فكنت به أسرّ منك ، وكنت منك أشد استحياء فاشكر وإلا فلا . وسأل إبراهيم رجلا من أصحابه درهمين فلم يكن معه ، فأخرج فتى في مجلسه كيسا فيه مائتا درهم ، فعرضه عليه فلم يقبله وقال : أو كل من بذل لنا شيئا قبلناه منه ؟ لا نقبل إلا ممن نرى نعمة الله عليه فيما أعطى أعظم من نعمته علينا فيما نأخذ . وحدثونا عن الحسن في قصة طويلة أن رجلا بذل له جملة من المال فردّه ، فلما انصرف قال له هاشم الأوقص : عجبت منك يا أبا سعيد رددت على الرجل كرامته . فانصرف حزينا ، وأنت تأخذ من مالك بن دينار ومحمد بن واسع الشيء بعد الشيء . فقال له الحسن : ويحك إن مالكا وابن واسع ينظران إلى الله فيما نأخذ منهما ، فعلينا أن نقبل ، وإن هذا المسكين ينظر إلينا فيما يعطي ، فرددنا عليه صلته ، وعندها لا تذم أحدا ولا تبغضه لأجل أنه كان سببا لمنعه إذ كان الله هو المانع الأوّل ، وإذ له في المنع من الحكمة مثل ما له من العطاء من النعمة ، ولكن نذمّه وننقصه ونبغضه إن كان استوجب


بنظره إليه ، وعزّ بقوّته به ، واستغنى بقربه منه ، وشرّف بحضوره عنده .
وكذلك جاء في الخبر : كفى باليقين غنى . حينئذ نظر إليه في كل شيء ، ووثق به ، واعتمد عليه دون كل شيء ، وقنع منه بأدنى شيء ، وصبر عليه ، ورضي عنه ، إذ لا بدّ له منه ، فثمّ لا يطمع في سواه ، ولا يرجو إلا إياه ، ولا يشهد في العطاء إلا يده ، ولا يرى في المنع إلا حكمته ، ولا يعاين في القبض والبسط إلا قدرته . هناك حقّت عبادته وخلص توحيده فعرف الخلق من معرفة خالقه ، وطلب الرزق عند معبوده ورازقه ، وقام بشهادة ما قال تعالى : * ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) * [ الأعراف : 194 ] وقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ من دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ ) * [ العنكبوت : 17 ] . فعندها لم يحمد خلقا ولم يذمّه ولم يمدحه لأجل أنه منعه أو أنه أعطاه إن كان الله هو الأوّل المعطي ، ولم يشكره إلا لأن مولاه مدحه وأمره بالشكر له تخلقا بأخلاقه ، واتّباعا لسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فإن ذمه أو مقته فلأجل مخالفته لمولاه بموافقته هواه ، لأنه تعالى قد مدح المنفقين وذمّ الباخلين . والفرق بين الحمد والشكر : أن الحمد مفرد لا ينبغي إلَّا لله وهو الاعتراف بأن النعمة من الله عزّ وجلّ ، وحسن المعاملة بها لوجه الله لا شريك له فيه . ولذلك قال : الحمد لله ربّ العالمين ، أي الحمد كلَّه لا يكون ولا ينبغي إلَّا لله ، لأنه ربّ العالمين . وفي الخبر : الحمد رداء الرحمن عزّ وجلّ ، والشكر إظهار الثناء ، وأسرار الدعاء للأواسط ، فهذا مشترك يدخل فيه الوالدان ، وهو أيضا مخصوص لمن هو أهل أن يشكر من الناس . حدثونا عن يوسف بن أسباط قال : قال لي الثوري : لا تشكر إلا من عرف موضع الشكر . قلت : وكيف ذاك ؟ قال : إذا أوليتك معروفا ، فكنت به أسرّ منك ، وكنت منك أشد استحياء فاشكر وإلا فلا . وسأل إبراهيم رجلا من أصحابه درهمين فلم يكن معه ، فأخرج فتى في مجلسه كيسا فيه مائتا درهم ، فعرضه عليه فلم يقبله وقال : أو كل من بذل لنا شيئا قبلناه منه ؟ لا نقبل إلا ممن نرى نعمة الله عليه فيما أعطى أعظم من نعمته علينا فيما نأخذ . وحدثونا عن الحسن في قصة طويلة أن رجلا بذل له جملة من المال فردّه ، فلما انصرف قال له هاشم الأوقص : عجبت منك يا أبا سعيد رددت على الرجل كرامته . فانصرف حزينا ، وأنت تأخذ من مالك بن دينار ومحمد بن واسع الشيء بعد الشيء . فقال له الحسن : ويحك إن مالكا وابن واسع ينظران إلى الله فيما نأخذ منهما ، فعلينا أن نقبل ، وإن هذا المسكين ينظر إلينا فيما يعطي ، فرددنا عليه صلته ، وعندها لا تذم أحدا ولا تبغضه لأجل أنه كان سببا لمنعه إذ كان الله هو المانع الأوّل ، وإذ له في المنع من الحكمة مثل ما له من العطاء من النعمة ، ولكن نذمّه وننقصه ونبغضه إن كان استوجب

5


ذلك من مولاه ، فيكون موافقا له ، والله تعالى يشهد يده في العطاء ، ويمدح المنفقين نهاية في كرمه ، ويشهد في المنع والمكروه مشيئته ، ويذمّ الباخلين والعاصين قدرة من حكمته وحكما من تقديره لإظهار الأحكام وتفصيل الحلال والحرام وعود الثواب والعقاب على الأنام . فقد أظهر الأمر واستأثر بسرّ القدر فعمل المؤمن بما أمر وسلم له ما استأثر .
وروى بعض العلماء عن الله تعالى : لو أن ابن آدم لم يخف غيري ما أخفته من غيري ، ولو أن ابن آدم لم يرج غيري ما وكلته إلى غيري ، وروى أعظم من هذا قال : وضع العبد في قبره مثل له كل شيء كان يخافه من دون الله عزّ وجلّ يفزعه في قبره إلى يوم القيامة . وقال الفضيل بن عياض : « من خاف الله خاف منه كل شيء » . ويقال : « إن الخوف من المخلوقات عقوبة نقصان الخوف من الخالق ، وإن ذلك من قلة الفقه عن الله تعالى » وقد قال الله أحسن القائلين في معناه : * ( لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ من الله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) * [ الحشر : 13 ] . فكان العبد إذا تمّ خوفه من الله تعالى ، أزال ذلك الخوف خوف المخلوقين عن قلبه ، وحوّل ذلك في قلوب المخلوقات فصارت هي تخافه إن لم يخفها هو ، كما إذا كملت مشاهدة العبد وقام بشهادته وغيّبت تلك المشاهدة وجود الكون مع الله عزّ وجلّ فلم يرها ، وقام له القيوم بنصيبه من الملك لما تفرّغ قلبه لمعاينة الملك . وقال سنيد عن يحيى بن أبي كثير : مكتوب في التوراة ملعون من ثقته مخلوق مثله . وقال سنيد : يعني أن يقول : لو لا فلان هلكت ، ولو لا كذا ما كان كذا . ويقال : إن قول العبد لو لا كذا ما كان كذا من الشرك . وقال في الخبر : إياكم ولو فإنه يفتح عمل الشيطان .
وقال بعض العلماء : سوف جند من جنود إبليس . وقد جاء في تفسير قوله تعالى :
* ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) * [ العنكبوت : 65 ] قالوا : كان الملاح فارها ، ومثله في قوله تعالى : * ( وما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَّا وهُمْ مُشْرِكُونَ ) * [ يوسف : 106 ] . قيل قالوا :
لو لا نباح الكلاب وزقاء الديكة لأخذنا السرق . وروينا عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : من اعتزّ بالعبيد أذلَّه الله . وقد جاء في الخبر : لو توكَّلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ، ولزالت بدعائكم الجبال . وقد كان عيسى عليه السلام يقول : انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر والله يرزقها يوما بيوم ، فإن قلتم نحن أكبر بطونا من الطير فانظروا إلى الأنعام كيف قيّض الله لها هذا الخلق . ويقال :
« لا يدّخر من الدواب إلا ثلاثة : النملة والفأرة وابن آدم » ، وقال أبو يعقوب السوسي :
المتوكَّلون على الله تجري أرزاقهم بعلم الله واختياره على يد خصوص عباده بلا شغل ولا


ذلك من مولاه ، فيكون موافقا له ، والله تعالى يشهد يده في العطاء ، ويمدح المنفقين نهاية في كرمه ، ويشهد في المنع والمكروه مشيئته ، ويذمّ الباخلين والعاصين قدرة من حكمته وحكما من تقديره لإظهار الأحكام وتفصيل الحلال والحرام وعود الثواب والعقاب على الأنام . فقد أظهر الأمر واستأثر بسرّ القدر فعمل المؤمن بما أمر وسلم له ما استأثر .
وروى بعض العلماء عن الله تعالى : لو أن ابن آدم لم يخف غيري ما أخفته من غيري ، ولو أن ابن آدم لم يرج غيري ما وكلته إلى غيري ، وروى أعظم من هذا قال : وضع العبد في قبره مثل له كل شيء كان يخافه من دون الله عزّ وجلّ يفزعه في قبره إلى يوم القيامة . وقال الفضيل بن عياض : « من خاف الله خاف منه كل شيء » . ويقال : « إن الخوف من المخلوقات عقوبة نقصان الخوف من الخالق ، وإن ذلك من قلة الفقه عن الله تعالى » وقد قال الله أحسن القائلين في معناه : * ( لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ من الله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) * [ الحشر : 13 ] . فكان العبد إذا تمّ خوفه من الله تعالى ، أزال ذلك الخوف خوف المخلوقين عن قلبه ، وحوّل ذلك في قلوب المخلوقات فصارت هي تخافه إن لم يخفها هو ، كما إذا كملت مشاهدة العبد وقام بشهادته وغيّبت تلك المشاهدة وجود الكون مع الله عزّ وجلّ فلم يرها ، وقام له القيوم بنصيبه من الملك لما تفرّغ قلبه لمعاينة الملك . وقال سنيد عن يحيى بن أبي كثير : مكتوب في التوراة ملعون من ثقته مخلوق مثله . وقال سنيد : يعني أن يقول : لو لا فلان هلكت ، ولو لا كذا ما كان كذا . ويقال : إن قول العبد لو لا كذا ما كان كذا من الشرك . وقال في الخبر : إياكم ولو فإنه يفتح عمل الشيطان .
وقال بعض العلماء : سوف جند من جنود إبليس . وقد جاء في تفسير قوله تعالى :
* ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) * [ العنكبوت : 65 ] قالوا : كان الملاح فارها ، ومثله في قوله تعالى : * ( وما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَّا وهُمْ مُشْرِكُونَ ) * [ يوسف : 106 ] . قيل قالوا :
لو لا نباح الكلاب وزقاء الديكة لأخذنا السرق . وروينا عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : من اعتزّ بالعبيد أذلَّه الله . وقد جاء في الخبر : لو توكَّلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ، ولزالت بدعائكم الجبال . وقد كان عيسى عليه السلام يقول : انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر والله يرزقها يوما بيوم ، فإن قلتم نحن أكبر بطونا من الطير فانظروا إلى الأنعام كيف قيّض الله لها هذا الخلق . ويقال :
« لا يدّخر من الدواب إلا ثلاثة : النملة والفأرة وابن آدم » ، وقال أبو يعقوب السوسي :
المتوكَّلون على الله تجري أرزاقهم بعلم الله واختياره على يد خصوص عباده بلا شغل ولا

6


تعب ، وغيرهم مكدودون مشغولون . وقال أيضا : المتوكَّل إذا رأى السبب أو ذم أو مدح فهو مدّع لا يصحّ له التوكَّل . وأوّل التوكَّل ترك الاختيار والمتوكَّل على صحة قد رفع أذاه عن الخلق ، لا يشكو ما به إليهم ، ولا يذمّ أحدا منهم لأنه يرى المنع والعطاء من واحد ، فقد شغله عمّا سواه . وقيل لسهل : ما أدنى التوكَّل ؟ قال : ترك الأماني ، وأوسطه ترك الاختيار . قيل : فما أعلاه ؟ قال : لا يعرفه إلا من توسّط التوكَّل وترك الاختيار . أعطى فذكر كلاما طويلا .
وقال بعض هذه الطائفة : العبيد كلَّهم يأكلون أرزاقهم من المولى ، ثم يفترقون في المشاهدات . فمنهم من يأكل رزقه بذلّ ، ومنهم من يأكل رزقه بامتهان ، ومنهم من يأكل رزقه بانتظار ، ومنهم من يأكل رزقه بعزّ لا مهنة ولا انتظار ولا ذلَّة . فأما الذي يأكلون أرزاقهم بذلّ ، فالسؤال يشهدون أيد الخلق فيذلَّون لهم ، والذين يأكلون بامتهان ، فالصناع يأكل أحدهم رزقه بمهنة وكره ، والذين يأكلون أرزاقهم بانتظار ، فالتجار ينتظر أحدهم نفاق سلعته فهو متعوب القلب معذّب بانتظاره ، والذين يأكلون أرزاقهم بعزّ من غير مهنة ولا انتظار ولا ذل فالصوفية ، يشهدون العزيز فيأخذون قسمهم من يده بعزة . فأمّا الذين يأكلون من أرباب السلاطين فباعوا أرواحهم فتلك قسمة خاسرة وقعوا في الذلّ الواضح .
وسئل بعض العلماء عن معنى الخبر المأثور : « الخلق عيال الله فأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله » فقال : هذا مخصوص وعيال الله خاصته . قيل : كيف ؟ قال : لأن الناس أربعة أقسام : تجار وتجارة وصناع وزراعة . فمن لم يكن منهم فهو من عيال الله . فأحبّ الخلق إلى الله أنفعهم لهؤلاء . وهذا كما قال : لأن الله سبحانه وتعالى أوجب الحقوق وفرض الزكاة في الأموال لهؤلاء لأنه جعل من عياله من لا تجارة له ولا صنعة فجعل معاشهم على التجّار والصنّاع . ألا ترى أن الزكاة لا تجوز على تاجر ولا صانع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحلّ الصدقة لغنيّ ولا لقويّ مكتسب ، فأقام الاكتساب مقام الغنيّ .
وقال الله تعالى : * ( وجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ومن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) * [ الحجر : 20 ] فكان من تدبّر الخطاب أن من ليسوا له برازقين هو من ليس له فيها معيشة في الأرض . وقال عامر بن عبد الله : قرأت ثلاث آيات من كتاب الله عزّ وجلّ استعنت بهنّ على ما أنا فيه فاستعنت قوله تعالى : * ( وإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) * [ يونس : 107 ] . فقلت : إن أراد أن يضرّني لم يقدر أحد أن ينفعني ، وإن أعطاني لم يقدر أحد أن يمنعني . وقوله : * ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) * [ البقرة : 152 ] فاشتغلت بذكره عن ذكر من سواه ، وقوله تعالى : * ( وما من دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ) * [ هود : 6 ] .


تعب ، وغيرهم مكدودون مشغولون . وقال أيضا : المتوكَّل إذا رأى السبب أو ذم أو مدح فهو مدّع لا يصحّ له التوكَّل . وأوّل التوكَّل ترك الاختيار والمتوكَّل على صحة قد رفع أذاه عن الخلق ، لا يشكو ما به إليهم ، ولا يذمّ أحدا منهم لأنه يرى المنع والعطاء من واحد ، فقد شغله عمّا سواه . وقيل لسهل : ما أدنى التوكَّل ؟ قال : ترك الأماني ، وأوسطه ترك الاختيار . قيل : فما أعلاه ؟ قال : لا يعرفه إلا من توسّط التوكَّل وترك الاختيار . أعطى فذكر كلاما طويلا .
وقال بعض هذه الطائفة : العبيد كلَّهم يأكلون أرزاقهم من المولى ، ثم يفترقون في المشاهدات . فمنهم من يأكل رزقه بذلّ ، ومنهم من يأكل رزقه بامتهان ، ومنهم من يأكل رزقه بانتظار ، ومنهم من يأكل رزقه بعزّ لا مهنة ولا انتظار ولا ذلَّة . فأما الذي يأكلون أرزاقهم بذلّ ، فالسؤال يشهدون أيد الخلق فيذلَّون لهم ، والذين يأكلون بامتهان ، فالصناع يأكل أحدهم رزقه بمهنة وكره ، والذين يأكلون أرزاقهم بانتظار ، فالتجار ينتظر أحدهم نفاق سلعته فهو متعوب القلب معذّب بانتظاره ، والذين يأكلون أرزاقهم بعزّ من غير مهنة ولا انتظار ولا ذل فالصوفية ، يشهدون العزيز فيأخذون قسمهم من يده بعزة . فأمّا الذين يأكلون من أرباب السلاطين فباعوا أرواحهم فتلك قسمة خاسرة وقعوا في الذلّ الواضح .
وسئل بعض العلماء عن معنى الخبر المأثور : « الخلق عيال الله فأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله » فقال : هذا مخصوص وعيال الله خاصته . قيل : كيف ؟ قال : لأن الناس أربعة أقسام : تجار وتجارة وصناع وزراعة . فمن لم يكن منهم فهو من عيال الله . فأحبّ الخلق إلى الله أنفعهم لهؤلاء . وهذا كما قال : لأن الله سبحانه وتعالى أوجب الحقوق وفرض الزكاة في الأموال لهؤلاء لأنه جعل من عياله من لا تجارة له ولا صنعة فجعل معاشهم على التجّار والصنّاع . ألا ترى أن الزكاة لا تجوز على تاجر ولا صانع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحلّ الصدقة لغنيّ ولا لقويّ مكتسب ، فأقام الاكتساب مقام الغنيّ .
وقال الله تعالى : * ( وجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ومن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ) * [ الحجر : 20 ] فكان من تدبّر الخطاب أن من ليسوا له برازقين هو من ليس له فيها معيشة في الأرض . وقال عامر بن عبد الله : قرأت ثلاث آيات من كتاب الله عزّ وجلّ استعنت بهنّ على ما أنا فيه فاستعنت قوله تعالى : * ( وإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ) * [ يونس : 107 ] . فقلت : إن أراد أن يضرّني لم يقدر أحد أن ينفعني ، وإن أعطاني لم يقدر أحد أن يمنعني . وقوله : * ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) * [ البقرة : 152 ] فاشتغلت بذكره عن ذكر من سواه ، وقوله تعالى : * ( وما من دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ) * [ هود : 6 ] .

7


فو الله ما اهتممت برزقي منذ قرأتها فاسترحت . وقد كان سهل بن عبد الله يقول : المتوكَّل إذا رأى السبب فهو مدّع . وقال : ليس مع الإيمان أسباب ، إنما الأسباب في الإسلام ، معناه ليس في حقيقة الإيمان رؤية الأسباب والسكون إليهما ، إنما رؤيتها والطمع في الخلق يوجد في مقام الإسلام .
ومن ذلك ما قال لقمان لابنه : « للإيمان أربعة أركان : لا يصلح إلا بهنّ كما لا يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين : التوكَّل على الله ، والتسليم لقضائه ، والتفويض إلى الله ، والرضا بقدر الله » . فحال المتوكَّل سكون القلب عن الاستشراف إلى العبيد والتطلَّع وقطع الهمّ عن الفكرة فيما بأيديهم من التطمّع ، عاكف القلب علَّى المقلب المدبر ، مشغول الفكر بقدرة المصرف المقدر ، لا يحمله عدم الأسباب على ما حظَّره العلم عليه وذمّه ، ولا يمنعه أن يقول الحق وأن يعمل به أو يوالي في الله ويعادي فيه جريان الأسباب على أيدي الخلق ، فيترك الحق حياء منهم أو طمعا فيهم أو خشية قطع المنافع المعتادة ، ولا تدخله نوازل الحاجات وطوارق الفاقات في الانحطاط في أهواء الناس والميل إلى الباطل أو الصمت عن حقّ لزمه ، أو يوالي في الله عدوا أو يعادي وليا ، ليرب بذلك حاله عندهم ، أو يشكر بذلك ما أسدوه إليه بالكفّ عنهم ، ولا يرب الصنعة التي قد عرف بها لنظره إلى الصانع ، ولا يتصنّع لمصنوع دخله لعلمه بسبق الصنع لدوام مشاهدته ، ولا يسكن إلى عادة من خلق ، ولا يثق بمعتاد من مخلوق ، إذ قد أيقن برزقه ونفعه وضرّه من واحد . فهذه المعاني من فرض التوكَّل ، فإن وجدت في عبد خرج بها عن حدّ التوكَّل دون فضائله وتدخّله في ضعف اليقين . وقد كان الأقوياء إذا دخل عليهم شيء من هذه الأهواء المفسدة لتوكَّلهم ، قطعوا تلك الأسباب ، وحسموا أصولها واعتقدوا تركها ، وعملوا في مفارقة الأمصار والتغرّب عن الأوطان وترك الآلاف والإيلاف ، فأخرجوا ذلك من حيث دخل عليهم ، ووضعوا عليه دواءه وضده من حيث تطرق إليهم ، حتى ربما فارقوا ظاهر العلم وخالفوا علم أهل الظاهر إلى علوم الباطن وحكم مشاهدتهم وقيامهم بحقّ أحوالهم ، إذ ليس أهل الظاهر حجة عليهم في شيء إلا وهم عليه حجة في مثله ، لأن الإيمان ظاهر وباطن ، والعلم محكم ومتشابه ، ولأن أهل الحق أقرب إلى التوفيق وأوفق لإصابة الحقيقة .
كل ذلك رعاية لصحة توكلَّهم ووفاء بحسن عهدهم وعملا بأحكام حالهم لئلا تسكن قلوبهم لغير الله ، ولا تقف هممهم مع سوى الله ، ولا تطمئن نفوسهم إلى غيره ، ولا يتخذوا سكنا سواه ، ولا يسكنوا إلى أهواء النفوس وينخدعوا لسكونها عن سكون القلب ، فيسيء ذلك يقينهم ويوهن إيمانهم الذي هو الأصل ، ويستأسر قلوبهم التي هي المكان


فو الله ما اهتممت برزقي منذ قرأتها فاسترحت . وقد كان سهل بن عبد الله يقول : المتوكَّل إذا رأى السبب فهو مدّع . وقال : ليس مع الإيمان أسباب ، إنما الأسباب في الإسلام ، معناه ليس في حقيقة الإيمان رؤية الأسباب والسكون إليهما ، إنما رؤيتها والطمع في الخلق يوجد في مقام الإسلام .
ومن ذلك ما قال لقمان لابنه : « للإيمان أربعة أركان : لا يصلح إلا بهنّ كما لا يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين : التوكَّل على الله ، والتسليم لقضائه ، والتفويض إلى الله ، والرضا بقدر الله » . فحال المتوكَّل سكون القلب عن الاستشراف إلى العبيد والتطلَّع وقطع الهمّ عن الفكرة فيما بأيديهم من التطمّع ، عاكف القلب علَّى المقلب المدبر ، مشغول الفكر بقدرة المصرف المقدر ، لا يحمله عدم الأسباب على ما حظَّره العلم عليه وذمّه ، ولا يمنعه أن يقول الحق وأن يعمل به أو يوالي في الله ويعادي فيه جريان الأسباب على أيدي الخلق ، فيترك الحق حياء منهم أو طمعا فيهم أو خشية قطع المنافع المعتادة ، ولا تدخله نوازل الحاجات وطوارق الفاقات في الانحطاط في أهواء الناس والميل إلى الباطل أو الصمت عن حقّ لزمه ، أو يوالي في الله عدوا أو يعادي وليا ، ليرب بذلك حاله عندهم ، أو يشكر بذلك ما أسدوه إليه بالكفّ عنهم ، ولا يرب الصنعة التي قد عرف بها لنظره إلى الصانع ، ولا يتصنّع لمصنوع دخله لعلمه بسبق الصنع لدوام مشاهدته ، ولا يسكن إلى عادة من خلق ، ولا يثق بمعتاد من مخلوق ، إذ قد أيقن برزقه ونفعه وضرّه من واحد . فهذه المعاني من فرض التوكَّل ، فإن وجدت في عبد خرج بها عن حدّ التوكَّل دون فضائله وتدخّله في ضعف اليقين . وقد كان الأقوياء إذا دخل عليهم شيء من هذه الأهواء المفسدة لتوكَّلهم ، قطعوا تلك الأسباب ، وحسموا أصولها واعتقدوا تركها ، وعملوا في مفارقة الأمصار والتغرّب عن الأوطان وترك الآلاف والإيلاف ، فأخرجوا ذلك من حيث دخل عليهم ، ووضعوا عليه دواءه وضده من حيث تطرق إليهم ، حتى ربما فارقوا ظاهر العلم وخالفوا علم أهل الظاهر إلى علوم الباطن وحكم مشاهدتهم وقيامهم بحقّ أحوالهم ، إذ ليس أهل الظاهر حجة عليهم في شيء إلا وهم عليه حجة في مثله ، لأن الإيمان ظاهر وباطن ، والعلم محكم ومتشابه ، ولأن أهل الحق أقرب إلى التوفيق وأوفق لإصابة الحقيقة .
كل ذلك رعاية لصحة توكلَّهم ووفاء بحسن عهدهم وعملا بأحكام حالهم لئلا تسكن قلوبهم لغير الله ، ولا تقف هممهم مع سوى الله ، ولا تطمئن نفوسهم إلى غيره ، ولا يتخذوا سكنا سواه ، ولا يسكنوا إلى أهواء النفوس وينخدعوا لسكونها عن سكون القلب ، فيسيء ذلك يقينهم ويوهن إيمانهم الذي هو الأصل ، ويستأسر قلوبهم التي هي المكان

8


للكشف والشهادة ، فيخسروا رأس المال فتفوتهم حقيقة الحال . فما ذا يرتجون وبأي شيء يقومون ؟ وهذا لا يفطن له إلا العاقلون ولا تشهده العيون .
وقد قال بعض المقرّبين في حقيقة التوكَّل لما سئل عنه فقال : هو الفرار من التوكَّل يعني ترك السكون إلى المقام من التوكَّل ، أي يتوكَّل ولا ينظر إلى توكَّلهم إنه لأجله يكفي أو يعافى أو يوقى . فجعل نظره إلى توكله علَّة في توكَّله يلزمه الفرار منها حتى يدوم نظره إلى الوكيل وحده بلا خلل ، ويقوم له بشهادة منه بلا ملل ، فلا يكون بينه وبين الوكيل شيء ينظر إليه ، أو يعوّل عليه ، أو يدلّ به ، حتى التوكَّل أيضا الذي هو طريقه .
وكذلك قال قبله بعض العارفين في معنى قوله عزّ وجلّ : * ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ) * [ النمل : 62 ] ، فقال : المضطرّ الذي يقف بين يدي مولاه فيرفع إليه يديه بالمسألة فلا يرى بينه وبين الله حسنة يستحق بها شيئا . فيقول : هب لي مولاي بلا شيء فتكون بضاعته عند مولاه الإفلاس ، ويصير حاله مع كل الأعمال الإفلاس . فهذا هو المضطر .
فهؤلاء القوم من الذين وصفهم الله عزّ وجلّ بالتقوى والمخافة ، وجعلهم أهلا للدعوة والنذارة ، وأخبر أنهم لا يرون بينه وبينهم سببا يليهم ولا شفاعة فقال تعالى يأمر رسوله بإنذارهم بكلامه فجعلهم وجهة لخلقه ومكانا لكلمه ، كما جعل رسوله وجهة لهم ومكانا لتكليمهم . فقال تعالى : * ( وأَنْذِرْ به الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ من دُونِهِ وَلِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) * [ الانعام : 51 ] .
ثم قال تعالى في وصف أمثالنا من أهل اللعب واللهو والغرّة والشهوة متهدّدا لنا متوعدا : * ( وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ولَهْواً وغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) * [ الانعام : 70 ] .
وقيل لبعض علمائنا : ما التوكل ؟ قال : التبرّي من الحول والقوّة ، والحول أشدّ من القوّة ، يعني بالحول الحركة ، والقوّة الثبات على الحركة ، وهو أوّل الفعل . يعني بهذا لا ينظر إلى حركتك مع المحرّك إذ هو الأول ولا إلى ثباتك أيضا بعد الحركة في تثبيته إذ هو المثبت الآخر فتكون الأولية والآخرية حقيقة شهادتك له به أنه الأوّل الآخر بعين اليقين ، أي فعندها صحّ توكَّلك بشهادة الوكيل . وقال مرة : التوكَّل ترك التدبير . وأصل كل تدبير من الرغبة ، وأصل كل رغبة من طول الأمل ، وطول الأمل من حبّ البقاء ، وهذا هو الشرك يعني أنك شاركت الربوبية في وصف البقاء . وقال : الله سبحانه خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه ، وإنما جعل حجابهم تدبيرهم . وقد كثر قوله رحمه الله في ترك التدبير ، وينبغي أن يعرف ما معناه . ليس يعني بترك التدبير ترك التّصرّف فيما وجّه العبد فيه وأبيح له . كيف وهو يقول : من طعن على التكسّب فقد طعن على السنّة ، ومن طعن في ترك التكسّب فقد


للكشف والشهادة ، فيخسروا رأس المال فتفوتهم حقيقة الحال . فما ذا يرتجون وبأي شيء يقومون ؟ وهذا لا يفطن له إلا العاقلون ولا تشهده العيون .
وقد قال بعض المقرّبين في حقيقة التوكَّل لما سئل عنه فقال : هو الفرار من التوكَّل يعني ترك السكون إلى المقام من التوكَّل ، أي يتوكَّل ولا ينظر إلى توكَّلهم إنه لأجله يكفي أو يعافى أو يوقى . فجعل نظره إلى توكله علَّة في توكَّله يلزمه الفرار منها حتى يدوم نظره إلى الوكيل وحده بلا خلل ، ويقوم له بشهادة منه بلا ملل ، فلا يكون بينه وبين الوكيل شيء ينظر إليه ، أو يعوّل عليه ، أو يدلّ به ، حتى التوكَّل أيضا الذي هو طريقه .
وكذلك قال قبله بعض العارفين في معنى قوله عزّ وجلّ : * ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ) * [ النمل : 62 ] ، فقال : المضطرّ الذي يقف بين يدي مولاه فيرفع إليه يديه بالمسألة فلا يرى بينه وبين الله حسنة يستحق بها شيئا . فيقول : هب لي مولاي بلا شيء فتكون بضاعته عند مولاه الإفلاس ، ويصير حاله مع كل الأعمال الإفلاس . فهذا هو المضطر .
فهؤلاء القوم من الذين وصفهم الله عزّ وجلّ بالتقوى والمخافة ، وجعلهم أهلا للدعوة والنذارة ، وأخبر أنهم لا يرون بينه وبينهم سببا يليهم ولا شفاعة فقال تعالى يأمر رسوله بإنذارهم بكلامه فجعلهم وجهة لخلقه ومكانا لكلمه ، كما جعل رسوله وجهة لهم ومكانا لتكليمهم . فقال تعالى : * ( وأَنْذِرْ به الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ من دُونِهِ وَلِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) * [ الانعام : 51 ] .
ثم قال تعالى في وصف أمثالنا من أهل اللعب واللهو والغرّة والشهوة متهدّدا لنا متوعدا : * ( وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً ولَهْواً وغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) * [ الانعام : 70 ] .
وقيل لبعض علمائنا : ما التوكل ؟ قال : التبرّي من الحول والقوّة ، والحول أشدّ من القوّة ، يعني بالحول الحركة ، والقوّة الثبات على الحركة ، وهو أوّل الفعل . يعني بهذا لا ينظر إلى حركتك مع المحرّك إذ هو الأول ولا إلى ثباتك أيضا بعد الحركة في تثبيته إذ هو المثبت الآخر فتكون الأولية والآخرية حقيقة شهادتك له به أنه الأوّل الآخر بعين اليقين ، أي فعندها صحّ توكَّلك بشهادة الوكيل . وقال مرة : التوكَّل ترك التدبير . وأصل كل تدبير من الرغبة ، وأصل كل رغبة من طول الأمل ، وطول الأمل من حبّ البقاء ، وهذا هو الشرك يعني أنك شاركت الربوبية في وصف البقاء . وقال : الله سبحانه خلق الخلق ولم يحجبهم عن نفسه ، وإنما جعل حجابهم تدبيرهم . وقد كثر قوله رحمه الله في ترك التدبير ، وينبغي أن يعرف ما معناه . ليس يعني بترك التدبير ترك التّصرّف فيما وجّه العبد فيه وأبيح له . كيف وهو يقول : من طعن على التكسّب فقد طعن على السنّة ، ومن طعن في ترك التكسّب فقد

9


طعن على التوحيد ، إنما يعني بترك التدبير ترك الأماني . وقوله : لم كان كذا ؟ إذا وقع ولم لا يكون كذا ؟ أولو كان كذا فيما لا يقع ، لأن ذلك اعتراض وجهل بسبق العلم ، وذهاب عن نفاذ القدرة وشهادة الحكمة ، وغفلة عن رؤية المشيئة وجريان الحكم بها . ويعني ترك التدبير فيما بقي وما يأتي بعد أي . لا تشتغل بالفكر فيه بعقلك وعلمك فيقطعك عن حالك في الوقت الذي هو ألزم لك وأوجب عليك حتى قطعك فيما يأتي من الأحكام .
والتصريف في ترك التدبير والتقدير لها بالزيادة والنقصان ، أو نقلها من وقت إلى غيره أو من عبد أي آخر ، بالتقديم والتأخير ، تكون في ذلك كما كنت فيما قد مضى . ألا ترى أن الإنسان لا يدبّر ما قد مضى ؟ قال : فينبغي أن يكون فيما يستقبل تاركا للتدبير له ، تاركا للأماني فيه بمعاني ما ذكرناه ، كتركه إياه فيما مضى . فيستوي عنده الحالان ، لأن الله أحكم الحاكمين ، ولأن العبد مسلَّم للأحكام والأفعال ، راض عن مولاه في الأقدار ، مع جهله بعواقب المآل . وترك التدبير بهذه المعاني هو اليقين ، واليقين هو مكان المعرفة ، إذ جعل الله تعالى قلب الموقن مكانا يمكن فيه على قدر المكان ما يليق به . وكان يقول : يا مسكين كان ولم تكن ويكون ولا تكون ، فلما كنت اليوم قلت أنا وأنا كن فيما أنت الآن كما لم تكن ، فإنه هو اليوم كما كان . وكان يقول أيضا : الزهد إنما هو ترك التدبير ، فهذا يعني به ترك الأسباب التي توجب التدبير ، وإخراج السبب الذي يجب تدبيره لا أنه يكون مسببا متيقنا للأسباب وهو ترك تدبيرها ، لأن التدبير في هذا الموضع إنما هو التمييز والقيام بالأحكام ووضع الأشياء مواضعها . فكيف لا يكون العبد كذلك مع وجود الأشياء وهو عاقل مميّز متعبّد بالعلم مطالب بالأحكام ؟ وإنما يقول : اترك الأشياء المدبّرة وزاهد في الأسباب المميّزة حتى يسقط عنك التدبير والتقدير ، فيكون بتركها تاركا للتدبير بسقوط أحكامها عنك ، واستراحتك من القيام بها ، والنظر فيها ، فهذا هو تفصيل جملة قوله في ترك التدبير ، وهذا هو حال المتوكَّلين ، والمتوكَّل لا يهتمّ بما قد كفي كما لا يهتمّ الصحيح بالدواء إذا عوفي ، ولكن قد يحتمي قبل النزال كما يحتمي المعافى قبل ورود العلل .
قال الله سبحانه : * ( وما من دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ) * [ هود : 6 ] * ( وكَأَيِّنْ من دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُها وإِيَّاكُمْ ) * [ العنكبوت : 60 ] فالمتوكل قد علم بيقينه ، إذ كل ما يناله من العطاء من ذرّة فما فوقها ، أن ذلك رزقه من خالقه ، وأن رزقه هو له وأن ما له واصل إليه لا محالة على أيّ حال كان ، وإن ما له لا يكون لغيره أبدا ، وكذلك ما لغيره من القسم والعطاء لا يكون لهذا أبدا ، فقد نظر إلى قسمه ونصيبه من مولاه بعين يقينه الذي به


طعن على التوحيد ، إنما يعني بترك التدبير ترك الأماني . وقوله : لم كان كذا ؟ إذا وقع ولم لا يكون كذا ؟ أولو كان كذا فيما لا يقع ، لأن ذلك اعتراض وجهل بسبق العلم ، وذهاب عن نفاذ القدرة وشهادة الحكمة ، وغفلة عن رؤية المشيئة وجريان الحكم بها . ويعني ترك التدبير فيما بقي وما يأتي بعد أي . لا تشتغل بالفكر فيه بعقلك وعلمك فيقطعك عن حالك في الوقت الذي هو ألزم لك وأوجب عليك حتى قطعك فيما يأتي من الأحكام .
والتصريف في ترك التدبير والتقدير لها بالزيادة والنقصان ، أو نقلها من وقت إلى غيره أو من عبد أي آخر ، بالتقديم والتأخير ، تكون في ذلك كما كنت فيما قد مضى . ألا ترى أن الإنسان لا يدبّر ما قد مضى ؟ قال : فينبغي أن يكون فيما يستقبل تاركا للتدبير له ، تاركا للأماني فيه بمعاني ما ذكرناه ، كتركه إياه فيما مضى . فيستوي عنده الحالان ، لأن الله أحكم الحاكمين ، ولأن العبد مسلَّم للأحكام والأفعال ، راض عن مولاه في الأقدار ، مع جهله بعواقب المآل . وترك التدبير بهذه المعاني هو اليقين ، واليقين هو مكان المعرفة ، إذ جعل الله تعالى قلب الموقن مكانا يمكن فيه على قدر المكان ما يليق به . وكان يقول : يا مسكين كان ولم تكن ويكون ولا تكون ، فلما كنت اليوم قلت أنا وأنا كن فيما أنت الآن كما لم تكن ، فإنه هو اليوم كما كان . وكان يقول أيضا : الزهد إنما هو ترك التدبير ، فهذا يعني به ترك الأسباب التي توجب التدبير ، وإخراج السبب الذي يجب تدبيره لا أنه يكون مسببا متيقنا للأسباب وهو ترك تدبيرها ، لأن التدبير في هذا الموضع إنما هو التمييز والقيام بالأحكام ووضع الأشياء مواضعها . فكيف لا يكون العبد كذلك مع وجود الأشياء وهو عاقل مميّز متعبّد بالعلم مطالب بالأحكام ؟ وإنما يقول : اترك الأشياء المدبّرة وزاهد في الأسباب المميّزة حتى يسقط عنك التدبير والتقدير ، فيكون بتركها تاركا للتدبير بسقوط أحكامها عنك ، واستراحتك من القيام بها ، والنظر فيها ، فهذا هو تفصيل جملة قوله في ترك التدبير ، وهذا هو حال المتوكَّلين ، والمتوكَّل لا يهتمّ بما قد كفي كما لا يهتمّ الصحيح بالدواء إذا عوفي ، ولكن قد يحتمي قبل النزال كما يحتمي المعافى قبل ورود العلل .
قال الله سبحانه : * ( وما من دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ) * [ هود : 6 ] * ( وكَأَيِّنْ من دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُها وإِيَّاكُمْ ) * [ العنكبوت : 60 ] فالمتوكل قد علم بيقينه ، إذ كل ما يناله من العطاء من ذرّة فما فوقها ، أن ذلك رزقه من خالقه ، وأن رزقه هو له وأن ما له واصل إليه لا محالة على أيّ حال كان ، وإن ما له لا يكون لغيره أبدا ، وكذلك ما لغيره من القسم والعطاء لا يكون لهذا أبدا ، فقد نظر إلى قسمه ونصيبه من مولاه بعين يقينه الذي به

10

لا يتم تسجيل الدخول!