إسم الكتاب : الكتاب المقدس ( عدد الصفحات : 831)


العهد الجديد
كتاب الإنجيل


العهد الجديد كتاب الإنجيل

1



2



3



4



5


- المداخل مأخوذة والحواشي مستوحاة
من الترجمة الفرنسية المسكونية للكتاب المقدس .
- الهوامش مأخوذة
من ترجمة أورشليم الفرنسية للكتاب المقدس


- المداخل مأخوذة والحواشي مستوحاة من الترجمة الفرنسية المسكونية للكتاب المقدس .
- الهوامش مأخوذة من ترجمة أورشليم الفرنسية للكتاب المقدس

6



[ مدخل إلى العهد الجديد ]
يظهر العهد الجديد بمظهر مجموعة مؤلفة من سبعة وعشرين سفرا مختلفة الحجم وضعت كلها
باليونانية . ولم تجر العادة أن يطلق على هذه المجموعة عبارة العهد الجديد إلا في أواخر القرن الثاني .
فقد نالت الكتابات التي تؤلفه رويدا رويدا منزلة رفيعة حتى أصبح لها من الشأن في استعمالها ما
لنصوص العهد القديم التي عدها المسيحيون زمنا طويلا كتابهم المقدس الأوحد وسموها " الشريعة
والأنبياء " ، وفقا للاصطلاح اليهودي في تلك الأيام . وإذا انتهى الأمر إلى أن يطلق على جملة تلك
الكتابات عبارة " العهد الجديد " فذلك يعود في جوهره إلى أن اللاهوتيين المسيحيين الأولين رأوا ما
ذهب إليه بولس ( 2 قور 3 / 14 ) وهو أن تلك النصوص تحتوي على أحكام عهد جديد تحدد عباراته
العلاقات بين الله وشعبه في المرحلة الأخيرة من تاريخ الخلاص . وأدى بالمسيحيين كلامهم على عهد
جديد إلى إطلاق عبارة " العهد القديم " على المجموعة التي كانت في الماضي تسمى " الشريعة
والأنبياء " فأشاروا بذلك إلى أنهم يرون في تلك المجموعة قبل كل شئ ما فيها من أحكام العهد
الموسوي القديم الذي جدده يسوع وتخطاه .
إن تأليف تلك الأسفار السبعة والعشرين وضمها في مجموعة واحدة أديا إلى تطوير طويل معقد .
والفجوة التاريخية والجغرافية والثقافية التي تفصلنا عن عالم العهد الجديد هي عقبة دون حسن
التفهم لذلك الأدب . فلا بد لنا اليوم من النظر إليه في البيئة التي نشأ فيها وإلى انتشاره في أول أمره .
فلا غنى لكل مدخل إلى العهد الجديد ، مهما كان مختصرا ، عن البحث في الأحوال التي حملت
المسيحيين الأولين على إعداد مجموعة جديدة لأسفار مقدسة . ولا غنى بعد ذلك عن البحث كيف أن
تلك النصوص ، وقد نسخت ثم نسخت مرارا ومن غير انقطاع ، أمكنها أن تجتاز نحو أربعة عشر قرنا
من التاريخ الحافل بالأحداث التي مضت بين تأليفها من جهة وضبطها على وجه شبه ثابت عند
اختراع الطباعة من جهة أخرى . ولا غنى له في الوقت نفسه عن أن يشرح كيف يمكن ضبط النص
بعد ما طرأ عليه من اختلاف في الروايات في أثناء النسخ . وفي المدخل آخر الأمر محاولة لوصف على
أحسن وجه ممكن للبيئة التاريخية والدينية والثقافية التي نشأ فيها العهد الجديد ثم انتشر . وقد جرت
العادة أن يقال لهذه المظاهر الثلاثة : مسألة القانون ، ومسألة النص ومسألة البيئة لنشأة العهد الجديد .


[ مدخل إلى العهد الجديد ] يظهر العهد الجديد بمظهر مجموعة مؤلفة من سبعة وعشرين سفرا مختلفة الحجم وضعت كلها باليونانية . ولم تجر العادة أن يطلق على هذه المجموعة عبارة العهد الجديد إلا في أواخر القرن الثاني .
فقد نالت الكتابات التي تؤلفه رويدا رويدا منزلة رفيعة حتى أصبح لها من الشأن في استعمالها ما لنصوص العهد القديم التي عدها المسيحيون زمنا طويلا كتابهم المقدس الأوحد وسموها " الشريعة والأنبياء " ، وفقا للاصطلاح اليهودي في تلك الأيام . وإذا انتهى الأمر إلى أن يطلق على جملة تلك الكتابات عبارة " العهد الجديد " فذلك يعود في جوهره إلى أن اللاهوتيين المسيحيين الأولين رأوا ما ذهب إليه بولس ( 2 قور 3 / 14 ) وهو أن تلك النصوص تحتوي على أحكام عهد جديد تحدد عباراته العلاقات بين الله وشعبه في المرحلة الأخيرة من تاريخ الخلاص . وأدى بالمسيحيين كلامهم على عهد جديد إلى إطلاق عبارة " العهد القديم " على المجموعة التي كانت في الماضي تسمى " الشريعة والأنبياء " فأشاروا بذلك إلى أنهم يرون في تلك المجموعة قبل كل شئ ما فيها من أحكام العهد الموسوي القديم الذي جدده يسوع وتخطاه .
إن تأليف تلك الأسفار السبعة والعشرين وضمها في مجموعة واحدة أديا إلى تطوير طويل معقد .
والفجوة التاريخية والجغرافية والثقافية التي تفصلنا عن عالم العهد الجديد هي عقبة دون حسن التفهم لذلك الأدب . فلا بد لنا اليوم من النظر إليه في البيئة التي نشأ فيها وإلى انتشاره في أول أمره .
فلا غنى لكل مدخل إلى العهد الجديد ، مهما كان مختصرا ، عن البحث في الأحوال التي حملت المسيحيين الأولين على إعداد مجموعة جديدة لأسفار مقدسة . ولا غنى بعد ذلك عن البحث كيف أن تلك النصوص ، وقد نسخت ثم نسخت مرارا ومن غير انقطاع ، أمكنها أن تجتاز نحو أربعة عشر قرنا من التاريخ الحافل بالأحداث التي مضت بين تأليفها من جهة وضبطها على وجه شبه ثابت عند اختراع الطباعة من جهة أخرى . ولا غنى له في الوقت نفسه عن أن يشرح كيف يمكن ضبط النص بعد ما طرأ عليه من اختلاف في الروايات في أثناء النسخ . وفي المدخل آخر الأمر محاولة لوصف على أحسن وجه ممكن للبيئة التاريخية والدينية والثقافية التي نشأ فيها العهد الجديد ثم انتشر . وقد جرت العادة أن يقال لهذه المظاهر الثلاثة : مسألة القانون ، ومسألة النص ومسألة البيئة لنشأة العهد الجديد .

7


[ قانون العهد الجديد ]
إن كلمة " قانون " اليونانية ، مثل كلمة " قاعدة " العربية ، قابلة لمعنى مجازي يراد به قاعدة
للسلوك أو قاعدة للإيمان . وقد استعملت هنا للدلالة على جدول رسمي للأسفار التي تعدها الكنيسة
ملزمة للحياة والإيمان . ولم تندرج هذه الكلمة بهذا المعنى في الأدب المسيحي إلا منذ القرن الرابع .
وقد يسأل المرء نفسه ما الذي دعا المسيحيين الأولين إلى أن يفكروا في إحداث مجموعة جديدة
لأسفار مقدسة ، ثم في تحقيق تلك المجموعة ، لتكمل المجموعة التي يقال لها الشريعة والأنبياء . ويمكن
إيجاز هذا التطور على هذا الوجه :
كانت السلطة العليا في أمور الدين تتمثل عند مسيحيي الجيل الأول في مرجعين ، أولهما العهد
القديم وكان الكتبة المسيحيون الأولون يستشهدون بجميع أجزائه على وجه التقريب استشهادهم بوحي
الله . وأما المرجع الآخر الذي نما نموا سريعا فقد أجمعوا على تسميته " الرب " . وكان يطلق هذا الاسم
على كل من التعليم الذي ألقاه يسوع ( 1 قور 9 / 14 ) وسلطة ذلك الذي قام من بين الأموات وتكلم
بلسان الرسل ( 2 قور 10 / 8 و 18 ) . وكان لهذين المرجعين قيمة القياس في أمور الدين ، ولكن العهد
القديم كان يتألف وحده يتألف من نصوص مكتوبة . وأما أقوال الرب وما كان يبشر به الرسل ، فقد تناقلتها
ألسنة الحفاظ مدة طويلة ولم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة كل من تدوين
أهم ما علمه الرسل وتولي حفظ ما كتبوه . وما كان بد من أن تثار ذات يوم مسألة المكانة العائدة لهذه
المؤلفات الجديدة ، وأن حظي في أول الأمر التقليد الشفهي بمكانة أفضل كثيرا مما كان للوثائق
المكتوبة .
ويبدو أن المسيحيين ، حتى ما يقرب من السنة 150 ، تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إلا
قليلا جدا إلى الشروع في أثناء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة ، وأغلب الظن أنهم جمعوا في
بدء أمرهم رسائل بولس واستعملوها في حياتهم الكنسية . ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقا
بالكتاب المقدس ، بل كانوا يدعون الأحداث توجههم : فقد كانت الوثائق البولسية مكتوبة في حين
إن التقليد الإنجيلي كان لا يزال في معظمه متناقلا على ألسنة الحفاظ ، فضلا عن أن بولس نفسه كان
قد أوصى بتلاوة رسائله وتداولها بين الكنائس المتجاورة ( 1 تس 5 / 27 وقول 4 / 16 ) .
ومهما يكن من أمر ، فإن كثيرا من المؤلفين المسيحيين أشاروا منذ أول القرن الثاني إلى أنهم يعرفون
عددا كبيرا من رسائل كتبها بولس ، فيمكننا أن نستنتج من ذلك أنه أقيمت من غير إبطاء مجموعة
من هذه الرسائل وأنها انتشرت انتشارا واسعا سريعا ، لما كان للرسول من الشهرة . ومع ما كان لتلك
النصوص من الشأن ، فليس هناك قبل أول القرن الثاني ( 2 بط 3 / 16 ) أي شهادة تثبت أن هذه
النصوص كانت تعد أسفارا مقدسة لها من الشأن ما للكتاب المقدس .
ولا يظهر شأن الأناجيل طوال هذه المدة ظهورا واضحا ، كما يظهر شأن رسائل بولس . أجل لم
تخل مؤلفات الكتبة المسيحيين الأقدمين من شواهد مأخوذة من الأناجيل أو تلمح إليها ، ولكنه يكاد


[ قانون العهد الجديد ] إن كلمة " قانون " اليونانية ، مثل كلمة " قاعدة " العربية ، قابلة لمعنى مجازي يراد به قاعدة للسلوك أو قاعدة للإيمان . وقد استعملت هنا للدلالة على جدول رسمي للأسفار التي تعدها الكنيسة ملزمة للحياة والإيمان . ولم تندرج هذه الكلمة بهذا المعنى في الأدب المسيحي إلا منذ القرن الرابع .
وقد يسأل المرء نفسه ما الذي دعا المسيحيين الأولين إلى أن يفكروا في إحداث مجموعة جديدة لأسفار مقدسة ، ثم في تحقيق تلك المجموعة ، لتكمل المجموعة التي يقال لها الشريعة والأنبياء . ويمكن إيجاز هذا التطور على هذا الوجه :
كانت السلطة العليا في أمور الدين تتمثل عند مسيحيي الجيل الأول في مرجعين ، أولهما العهد القديم وكان الكتبة المسيحيون الأولون يستشهدون بجميع أجزائه على وجه التقريب استشهادهم بوحي الله . وأما المرجع الآخر الذي نما نموا سريعا فقد أجمعوا على تسميته " الرب " . وكان يطلق هذا الاسم على كل من التعليم الذي ألقاه يسوع ( 1 قور 9 / 14 ) وسلطة ذلك الذي قام من بين الأموات وتكلم بلسان الرسل ( 2 قور 10 / 8 و 18 ) . وكان لهذين المرجعين قيمة القياس في أمور الدين ، ولكن العهد القديم كان يتألف وحده يتألف من نصوص مكتوبة . وأما أقوال الرب وما كان يبشر به الرسل ، فقد تناقلتها ألسنة الحفاظ مدة طويلة ولم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة كل من تدوين أهم ما علمه الرسل وتولي حفظ ما كتبوه . وما كان بد من أن تثار ذات يوم مسألة المكانة العائدة لهذه المؤلفات الجديدة ، وأن حظي في أول الأمر التقليد الشفهي بمكانة أفضل كثيرا مما كان للوثائق المكتوبة .
ويبدو أن المسيحيين ، حتى ما يقرب من السنة 150 ، تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إلا قليلا جدا إلى الشروع في أثناء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة ، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس واستعملوها في حياتهم الكنسية . ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقا بالكتاب المقدس ، بل كانوا يدعون الأحداث توجههم : فقد كانت الوثائق البولسية مكتوبة في حين إن التقليد الإنجيلي كان لا يزال في معظمه متناقلا على ألسنة الحفاظ ، فضلا عن أن بولس نفسه كان قد أوصى بتلاوة رسائله وتداولها بين الكنائس المتجاورة ( 1 تس 5 / 27 وقول 4 / 16 ) .
ومهما يكن من أمر ، فإن كثيرا من المؤلفين المسيحيين أشاروا منذ أول القرن الثاني إلى أنهم يعرفون عددا كبيرا من رسائل كتبها بولس ، فيمكننا أن نستنتج من ذلك أنه أقيمت من غير إبطاء مجموعة من هذه الرسائل وأنها انتشرت انتشارا واسعا سريعا ، لما كان للرسول من الشهرة . ومع ما كان لتلك النصوص من الشأن ، فليس هناك قبل أول القرن الثاني ( 2 بط 3 / 16 ) أي شهادة تثبت أن هذه النصوص كانت تعد أسفارا مقدسة لها من الشأن ما للكتاب المقدس .
ولا يظهر شأن الأناجيل طوال هذه المدة ظهورا واضحا ، كما يظهر شأن رسائل بولس . أجل لم تخل مؤلفات الكتبة المسيحيين الأقدمين من شواهد مأخوذة من الأناجيل أو تلمح إليها ، ولكنه يكاد

8


أن يكون من العسير كل مرة الجزم هل الشواهد مأخوذة من نصوص مكتوبة كانت بين أيدي هؤلاء
الكتبة أم هل اكتفوا باستذكار أجزاء من التقليد الشفهي . ومهما يكن من أمر ، فليس هناك قبل السنة
140 أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة ، ولا يذكر أن لمؤلف
من تلك المؤلفات صفة ما يلزم . فلم يظهر إلا في النصف الثاني من القرن الثاني شهادات ازدادت
وضوحا على مر الزمن بأن هناك مجموعة من الأناجيل وأن لها صفة ما يلزم ، وقد جرى الاعتراف بتلك
الصفة على نحو تدرجي .
وابتدأ نحو السنة 150 عهد حاسم لتكوين قانون العهد الجديد . وكان الشهيد يستينس أول من
ذكر أن المسيحيين يقرأون الأناجيل في اجتماعات الأحد وأنهم يعدونها مؤلفات الرسل ( أو أقله
مؤلفات أشخاص يتصلون بالرسل صلة وثيقة ) وأنهم هم يستعملونها يولونها منزلة كمنزلة الكتاب
المقدس .
وإذا أوليت هذه المؤلفات تلك المنزلة الرفيعة ، فيبدو أن الأمر لا يعود أولا إلى أصلها الرسولي ،
بل لأنها تروي خبر " الرب " ، وفقا للتقليد المتناقل . ولكن سرعان ما شدد على نسبة هذه المؤلفات إلى
الرسل ، وعلى الخصوص لما مست الحاجة إلى حمايتها من تكاثر المؤلفات الشبيهة بها في ظاهرها ، في
حين أن محتواها يعود في معظمه إلى تقليد سخيف ، بل إلى ما ينسجه الخيال في حال الهذيان .
وكان بعد السنة 150 بقليل أن مست الحاجة في الكنيسة إلى قاعدة شاملة ، فاتجهت الأنظار إلى
مجموعة الأناجيل الأربعة لأنها نالت ، حتى ذلك الوقت ، انتباه الناس ، لما تحللت به من الصفات
ولصحة الشهادة التي تؤديها " للرب " . وكان تفوق الأسفار الأربعة عظيما جدا من جهات كثيرة ،
حتى أنها حجبت بسرعة مجمل المؤلفات المماثلة . فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة
170 بمقام الأدب القانوني ، وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين .
أما رسائل بولس فيكاد أن يكون من الأكيد أنها لم تدخل إلى القانون الواحدة بعد الأخرى ، بل
إن مجموعتها أدخلت إليه برمتها يوم أخذ يغلب في الكنيسة الرأي القائل بأنه لا بد من الحصول على
قانون للعهد الجديد .
والراجح أن النسبة إلى الرسل ، وقد جعلوها من قبل الصفة التي تتميز بها المؤلفات الإنجيلية ، كان
لها نصيب أكبر في إعلاء شأن ما كتب بولس ، وقد أخذ يظهر رويدا رويدا وبالمصادفة بمظهر مجموعة
اعترفت بصفتها الالزامية كنائس القرن الثاني اعترافا واسعا .
ويظهر هكذا نشوء مبدأ قانون جديد لأسفار مقدسة ، غير أن هذا المبدأ لم يناقش قط . فقيام
القانون هذا أمر حدث ثم انتشر انتشارا سريعا في الكنيسة حتى عمها . ولم يتدخل التفكير اللاهوتي
إلا بعد ذلك ، لما وجب تحديد ما يحتويه القانون . ويرجح كثيرا أن الذي زاد في سرعة هذه الحركة
هو تدخل مرقيون ( + 160 ) الهرطوقي الذي نبذ سلطة العهد القديم نبذا تاما ، فاحتاج أشد الحاجة
إلى تزويد كنيسته بأسفار مقدسة وبما يقتضيه ذلك من قانون جديد .
وهكذا ساهم أتباع مرقيون إلى حد ما في نشر مبدأ القانون الجديد ، هذا وقد اتفق على أنه مؤلف
من قسمين : الإنجيل والرسل ، كما أن القانون القديم كان هو أيضا مؤلفا من قسمين : الشريعة
والأنبياء . فالرأي القائل بقاعدة جديدة للكتاب المقدس رأي راسخ في الكنيسة منذ أواخر القرن


أن يكون من العسير كل مرة الجزم هل الشواهد مأخوذة من نصوص مكتوبة كانت بين أيدي هؤلاء الكتبة أم هل اكتفوا باستذكار أجزاء من التقليد الشفهي . ومهما يكن من أمر ، فليس هناك قبل السنة 140 أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة ، ولا يذكر أن لمؤلف من تلك المؤلفات صفة ما يلزم . فلم يظهر إلا في النصف الثاني من القرن الثاني شهادات ازدادت وضوحا على مر الزمن بأن هناك مجموعة من الأناجيل وأن لها صفة ما يلزم ، وقد جرى الاعتراف بتلك الصفة على نحو تدرجي .
وابتدأ نحو السنة 150 عهد حاسم لتكوين قانون العهد الجديد . وكان الشهيد يستينس أول من ذكر أن المسيحيين يقرأون الأناجيل في اجتماعات الأحد وأنهم يعدونها مؤلفات الرسل ( أو أقله مؤلفات أشخاص يتصلون بالرسل صلة وثيقة ) وأنهم هم يستعملونها يولونها منزلة كمنزلة الكتاب المقدس .
وإذا أوليت هذه المؤلفات تلك المنزلة الرفيعة ، فيبدو أن الأمر لا يعود أولا إلى أصلها الرسولي ، بل لأنها تروي خبر " الرب " ، وفقا للتقليد المتناقل . ولكن سرعان ما شدد على نسبة هذه المؤلفات إلى الرسل ، وعلى الخصوص لما مست الحاجة إلى حمايتها من تكاثر المؤلفات الشبيهة بها في ظاهرها ، في حين أن محتواها يعود في معظمه إلى تقليد سخيف ، بل إلى ما ينسجه الخيال في حال الهذيان .
وكان بعد السنة 150 بقليل أن مست الحاجة في الكنيسة إلى قاعدة شاملة ، فاتجهت الأنظار إلى مجموعة الأناجيل الأربعة لأنها نالت ، حتى ذلك الوقت ، انتباه الناس ، لما تحللت به من الصفات ولصحة الشهادة التي تؤديها " للرب " . وكان تفوق الأسفار الأربعة عظيما جدا من جهات كثيرة ، حتى أنها حجبت بسرعة مجمل المؤلفات المماثلة . فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة 170 بمقام الأدب القانوني ، وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين .
أما رسائل بولس فيكاد أن يكون من الأكيد أنها لم تدخل إلى القانون الواحدة بعد الأخرى ، بل إن مجموعتها أدخلت إليه برمتها يوم أخذ يغلب في الكنيسة الرأي القائل بأنه لا بد من الحصول على قانون للعهد الجديد .
والراجح أن النسبة إلى الرسل ، وقد جعلوها من قبل الصفة التي تتميز بها المؤلفات الإنجيلية ، كان لها نصيب أكبر في إعلاء شأن ما كتب بولس ، وقد أخذ يظهر رويدا رويدا وبالمصادفة بمظهر مجموعة اعترفت بصفتها الالزامية كنائس القرن الثاني اعترافا واسعا .
ويظهر هكذا نشوء مبدأ قانون جديد لأسفار مقدسة ، غير أن هذا المبدأ لم يناقش قط . فقيام القانون هذا أمر حدث ثم انتشر انتشارا سريعا في الكنيسة حتى عمها . ولم يتدخل التفكير اللاهوتي إلا بعد ذلك ، لما وجب تحديد ما يحتويه القانون . ويرجح كثيرا أن الذي زاد في سرعة هذه الحركة هو تدخل مرقيون ( + 160 ) الهرطوقي الذي نبذ سلطة العهد القديم نبذا تاما ، فاحتاج أشد الحاجة إلى تزويد كنيسته بأسفار مقدسة وبما يقتضيه ذلك من قانون جديد .
وهكذا ساهم أتباع مرقيون إلى حد ما في نشر مبدأ القانون الجديد ، هذا وقد اتفق على أنه مؤلف من قسمين : الإنجيل والرسل ، كما أن القانون القديم كان هو أيضا مؤلفا من قسمين : الشريعة والأنبياء . فالرأي القائل بقاعدة جديدة للكتاب المقدس رأي راسخ في الكنيسة منذ أواخر القرن

9


الثاني ، ولكن بقي أن يوضح محتوى القانون الجديد . ولم يوضح الجدول التام للمؤلفات العائدة إلى
القانون إلا على نحو تدرجي ، وكلما تحقق شئ من الاتفاق ، بفضل الشعور النامي في الكنيسة
بوحدتها ، وبفضل نمو العلاقات بين مختلف جماعات المسيحيين .
فهكذا يجدر بالذكر ما جرى بين السنة 150 والسنة 200 ، إذ حدد على نحو تدرجي أن سفر
أعمال الرسل مؤلف قانوني ، وقد عده في أواخر القرن الثاني إيريناوس ، أسقف مدينة ليون ، سفرا
مقدسا واستشهد به على أنه شهادة لوقا في كلامه على الرسل . ولا بد من القول أن سفر أعمال الرسل
ضم إلى القانون خصوصا للصلة التي يمت بها إلى الإنجيل الثالث ، فهو مؤلف تابع لذلك الإنجيل .
وكان نمو المسيحيين في التنبه لما لسلطة الرسل من شأن ، طوال القرن الثاني ، هو أيضا عاملا مهما على
ضم مؤلف عد من غير إبطاء مقدمة لا يستغنى عنها لمجمل الرسائل .
فإذا حاول المرء أن يستعرض حصيلة هذا التطور ، اتضحت له هذه الأمور : فازت الأناجيل
الأربعة في كل مكان بمنزلة منيعة لا نزاع عليها البتة من بعد ، ويمكن منذ ذلك الوقت أن قانون
الأناجيل قد اكتمل ، وأما القسم الآخر من القانون ( وهو أسفار الرسل ) فقد استشهد في كل مكان
برسائل بولس الثلاث عشرة وبسفر أعمال الرسل وبرسالة بطرس الأولى كما يستشهد بالكتاب
المقدس .
وقد حصل شئ من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى . فقد تجاوزت الصيغة الأخيرة للقانون
مرحلة النشوء . ولكن ما زال هناك شئ من التردد في بعض الأمور . فإلى جانب مؤلفات فيها من
الوضوح الباطني ما جعل الكنيسة تتقبلها تقبلها لما لا بد منه ، هناك عدد كبير من المؤلفات " الحائرة "
يذكرها بعض الآباء ذكرهم لأسفار قانونية ، في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة .
ذلك شأن الرسالة إلى العبرانيين ورسالة بطرس الثانية وكل من رسالة يعقوب ويهوذا . وهناك أيضا
مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها في ذلك الوقت على أنها من الكتاب المقدس ، ومن ثم جزء من
القانون ، لم تبق زمنا على تلك الحال ، بل أخرجت آخر الأمر من القانون . ذلك ما جرى لمؤلف
هرماس وعنوانه " الراعي " وللديداكي ورسالة اقليمنضس الأولى ورسالة برنابا ورؤيا بطرس .
ويبدو أن مقياس نسبة المؤلف إلى الرسل استعمل استعمالا كبيرا ، ففقد رويدا رويدا كل مؤلف لم
تثبت نسبته إلى رسول من الرسل ما كان له من الحظوة . فالأسفار التي ظلت مشكوكا في صحتها ،
حتى القرن الثالث ، هي تلك الأسفار نفسها التي قام نزاع على صحة نسبتها إلى الرسل في هذا الجانب
أو ذلك من الكنيسة . وكانت الرسالة إلى العبرانيين والرؤيا موضوع أشد المنازعات . وقد أنكرت صحة
نسبتهما إلى الرسل إنكارا شديدا مدة طويلة . فأنكرت في الغرب صحة الرسالة إلى العبرانيين وفي الشرق
صحة الرؤيا . ولم تقبل من جهة أخرى إلا ببطء رسالتا يوحنا الثانية والثالثة ورسالة بطرس الثانية
ورسالة يهوذا . ولا حاجة إلى أن نتتبع تتبعا مفصلا جميع مراحل هذا التطور الذي أدى خلال القرن
الرابع إلى تأليف قانون هو في مجمله القانون بعينه الذي نعرفه اليوم ، ما عدا التردد في ترتيب الأسفار
في القانون .
وأن الاهتمام بالوحدة في الكنيسة ، وقد ازداد فيها يوما بعد يوم الإقرار بحق الصدارة لسلطة كنيسة
رومة ، قد ساهم مساهمة غير قليلة في تخفيف ما ظهر من الخلافات في هذه المرحلة أو تلك من
التطور الذي رافق تأليف القانون .


الثاني ، ولكن بقي أن يوضح محتوى القانون الجديد . ولم يوضح الجدول التام للمؤلفات العائدة إلى القانون إلا على نحو تدرجي ، وكلما تحقق شئ من الاتفاق ، بفضل الشعور النامي في الكنيسة بوحدتها ، وبفضل نمو العلاقات بين مختلف جماعات المسيحيين .
فهكذا يجدر بالذكر ما جرى بين السنة 150 والسنة 200 ، إذ حدد على نحو تدرجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني ، وقد عده في أواخر القرن الثاني إيريناوس ، أسقف مدينة ليون ، سفرا مقدسا واستشهد به على أنه شهادة لوقا في كلامه على الرسل . ولا بد من القول أن سفر أعمال الرسل ضم إلى القانون خصوصا للصلة التي يمت بها إلى الإنجيل الثالث ، فهو مؤلف تابع لذلك الإنجيل .
وكان نمو المسيحيين في التنبه لما لسلطة الرسل من شأن ، طوال القرن الثاني ، هو أيضا عاملا مهما على ضم مؤلف عد من غير إبطاء مقدمة لا يستغنى عنها لمجمل الرسائل .
فإذا حاول المرء أن يستعرض حصيلة هذا التطور ، اتضحت له هذه الأمور : فازت الأناجيل الأربعة في كل مكان بمنزلة منيعة لا نزاع عليها البتة من بعد ، ويمكن منذ ذلك الوقت أن قانون الأناجيل قد اكتمل ، وأما القسم الآخر من القانون ( وهو أسفار الرسل ) فقد استشهد في كل مكان برسائل بولس الثلاث عشرة وبسفر أعمال الرسل وبرسالة بطرس الأولى كما يستشهد بالكتاب المقدس .
وقد حصل شئ من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى . فقد تجاوزت الصيغة الأخيرة للقانون مرحلة النشوء . ولكن ما زال هناك شئ من التردد في بعض الأمور . فإلى جانب مؤلفات فيها من الوضوح الباطني ما جعل الكنيسة تتقبلها تقبلها لما لا بد منه ، هناك عدد كبير من المؤلفات " الحائرة " يذكرها بعض الآباء ذكرهم لأسفار قانونية ، في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة .
ذلك شأن الرسالة إلى العبرانيين ورسالة بطرس الثانية وكل من رسالة يعقوب ويهوذا . وهناك أيضا مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها في ذلك الوقت على أنها من الكتاب المقدس ، ومن ثم جزء من القانون ، لم تبق زمنا على تلك الحال ، بل أخرجت آخر الأمر من القانون . ذلك ما جرى لمؤلف هرماس وعنوانه " الراعي " وللديداكي ورسالة اقليمنضس الأولى ورسالة برنابا ورؤيا بطرس .
ويبدو أن مقياس نسبة المؤلف إلى الرسل استعمل استعمالا كبيرا ، ففقد رويدا رويدا كل مؤلف لم تثبت نسبته إلى رسول من الرسل ما كان له من الحظوة . فالأسفار التي ظلت مشكوكا في صحتها ، حتى القرن الثالث ، هي تلك الأسفار نفسها التي قام نزاع على صحة نسبتها إلى الرسل في هذا الجانب أو ذلك من الكنيسة . وكانت الرسالة إلى العبرانيين والرؤيا موضوع أشد المنازعات . وقد أنكرت صحة نسبتهما إلى الرسل إنكارا شديدا مدة طويلة . فأنكرت في الغرب صحة الرسالة إلى العبرانيين وفي الشرق صحة الرؤيا . ولم تقبل من جهة أخرى إلا ببطء رسالتا يوحنا الثانية والثالثة ورسالة بطرس الثانية ورسالة يهوذا . ولا حاجة إلى أن نتتبع تتبعا مفصلا جميع مراحل هذا التطور الذي أدى خلال القرن الرابع إلى تأليف قانون هو في مجمله القانون بعينه الذي نعرفه اليوم ، ما عدا التردد في ترتيب الأسفار في القانون .
وأن الاهتمام بالوحدة في الكنيسة ، وقد ازداد فيها يوما بعد يوم الإقرار بحق الصدارة لسلطة كنيسة رومة ، قد ساهم مساهمة غير قليلة في تخفيف ما ظهر من الخلافات في هذه المرحلة أو تلك من التطور الذي رافق تأليف القانون .

10

لا يتم تسجيل الدخول!