إسم الكتاب : الهدى إلى دين المصطفى ( عدد الصفحات : 356)



1



2


الهدى
إلى دين المصطفى
تأليف " الإمام المجاهد "
الشيخ محمد جواد البلاغي
الجزء الثاني
منشورا
مؤسسة الأعلمي للمطبوعات
بيروت الأعلمي للمطبوعات
بيروت - لبنان
ص . ب 7120


الهدى إلى دين المصطفى تأليف " الإمام المجاهد " الشيخ محمد جواد البلاغي الجزء الثاني منشورا مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت الأعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص . ب 7120

3


الطبعة الثالثة
كافة الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر
1405 ه‍ 1985 م


الطبعة الثالثة كافة الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر 1405 ه‍ 1985 م

4


< فهرس الموضوعات >
المقدمة الثالثة العشرة : في دفع الاعتراضات على قدس القرآن الكريم ، وفيها فصول :
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
الفصل الأول : في الاعتراضات عليه من حيث العربية
< / فهرس الموضوعات >
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة الثالثة عشرة
في دفع الاعتراضات على قدس القرآن الكريم ،
وفيها فصول
الفصل الأول
في الاعتراضات عليه من حيث العربية
وقد وسوس بها الضلال لأهواء شرذمة غرها الجهل ، وأغرتها العصبية
فشطت عن القصد ، وعكفت على الشطط ، فكشفت عن مغطئها وفضحها
نضحها ، ليعتبر المتبصر ، ويبصر المتدبر ، كيف مني الحق ، وابتليت الحقائق
واستفحل الجهل ، وقل الحياء وجمح الغرور ، فكم من بادرة يجب التستر بها
حتى في المستراح ، قد سماها الجهل في سوق الأدب سوم العلق الثمين ، فسود
بها وجوه الصحف ، وشوه بها صورة العلم .
فهل كان يلوح للخيال ويترائى للوهم ، أن واحدا من الناس تستفزه
العصبية ، ويمنيه الضلال ، ويغريه الجهل بأن يتعرض بطبيعته الجعلية ، وقريحته
الهمجية إلى الاعتراض على القرآن الكريم بالعربية ، وقد علم الشرقي
والغربي ، والعربي والعجمي ، والفاهم والغبي بأنه لؤلؤ بحرها ، وقلادة
نحرها وعقدها الفريد ، وبكرها الوحيد ، قد أقعت لباهره البلغاء ، وسجدت
لهيبته الفصحاء ، وخضعت لسلطانه الخطباء ، ففقأ عين الحاسد ، وأرغم أنف
الشانئ ، ولم يبق للعرب معلقة إلا حطها ، ولا شاردة إلا عقرها ، حيث
استقل من العربية بصدر النادي ، ومحتبى الدست ، ومرف اللواء ، وذروة
المنبر ، وصار موردها المستعذب ومنهلها المورود ، وروضها المرتاد وإمامها
المقدم ، وقاضيها المحكم ، فراج به سوقها ، وأزهر به روضها ، وأشرق به
وجهها ، إلى أن أسفر صبح الإسلام على الأمم ، واتحدت في هداه العرب


< فهرس الموضوعات > المقدمة الثالثة العشرة : في دفع الاعتراضات على قدس القرآن الكريم ، وفيها فصول :
< / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > الفصل الأول : في الاعتراضات عليه من حيث العربية < / فهرس الموضوعات > بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة الثالثة عشرة في دفع الاعتراضات على قدس القرآن الكريم ، وفيها فصول الفصل الأول في الاعتراضات عليه من حيث العربية وقد وسوس بها الضلال لأهواء شرذمة غرها الجهل ، وأغرتها العصبية فشطت عن القصد ، وعكفت على الشطط ، فكشفت عن مغطئها وفضحها نضحها ، ليعتبر المتبصر ، ويبصر المتدبر ، كيف مني الحق ، وابتليت الحقائق واستفحل الجهل ، وقل الحياء وجمح الغرور ، فكم من بادرة يجب التستر بها حتى في المستراح ، قد سماها الجهل في سوق الأدب سوم العلق الثمين ، فسود بها وجوه الصحف ، وشوه بها صورة العلم .
فهل كان يلوح للخيال ويترائى للوهم ، أن واحدا من الناس تستفزه العصبية ، ويمنيه الضلال ، ويغريه الجهل بأن يتعرض بطبيعته الجعلية ، وقريحته الهمجية إلى الاعتراض على القرآن الكريم بالعربية ، وقد علم الشرقي والغربي ، والعربي والعجمي ، والفاهم والغبي بأنه لؤلؤ بحرها ، وقلادة نحرها وعقدها الفريد ، وبكرها الوحيد ، قد أقعت لباهره البلغاء ، وسجدت لهيبته الفصحاء ، وخضعت لسلطانه الخطباء ، ففقأ عين الحاسد ، وأرغم أنف الشانئ ، ولم يبق للعرب معلقة إلا حطها ، ولا شاردة إلا عقرها ، حيث استقل من العربية بصدر النادي ، ومحتبى الدست ، ومرف اللواء ، وذروة المنبر ، وصار موردها المستعذب ومنهلها المورود ، وروضها المرتاد وإمامها المقدم ، وقاضيها المحكم ، فراج به سوقها ، وأزهر به روضها ، وأشرق به وجهها ، إلى أن أسفر صبح الإسلام على الأمم ، واتحدت في هداه العرب

5


والعجم ، وتداخلت اللغات ، وأهجنت الألسن ، فأرفض نظام العربية ،
وأشكلت مناهجها ، والتبست مقاصدها ، وكتمت أسرارها ، وتعاصى عرفانها
وانفت دررها من سوم الفحام ، ونفرت أوانسها من غرائب الطبائع ، وعزفت
من هجائن القرائح ، وإذ علم المسلمون وغيرهم بالعلم اليقين أن القرآن
الكريم الذي هو أساس الدين ، ومنار الهدى ، ومناط الحجة ، وأنموذج
الاعجاز ، قد استولى من العربية على أفلاذ كبدها ، وفرائد لئالئها ، ومفاتح
كنوزها ، فلا يوصل إليه إلا من سبيلها ، ولا تقرع بابه إلا بيدها ، فلأجل
ذلك نهض للتدرب فيها ، وللإلتقاط من سقط مائدتها ، والمص من وشلها فئة
من الأجانب عنها ، والمتطفلين في معرفتها ، فلم يدركوا من كلام العرب شيئا
إلا بطفيف النقل ، ولم يقرعوا منه أبواب أسرارها إلا بالتظني ، فأسسوا من
بسيطها قواعد يتوكؤون عليها في ترعرعهم فيها ، وقد فاتهم منها يتائم درر لم
تنتظمها قواعدهم ، ووقف دونها جدهم ، فلا يحظى ببعضها إلا الغائص
المتعمق ، والقانص المترصد ، إذا أسعد جدهما حسن الفطنة ، وصفاء القريحة
وتوقد الذكاء ، ومجانبة التقليد .
ثم إن الناس إذ ذاك على اختلافهم في البضاعة والإضاعة توجهوا
بقواعدهم المذكورة إلى اكتشاف أسرار القرآن الكريم ، وفهم نكاته في مقاصده
التي جرى فيها على النحو الأرفع من مراقي البلاغة وفذلكات العربية فاختلف
في ذلك وردهم وصدرهم ، وقاموا وقعدوا ، وترددوا بين صواب وخطأ ، وسداد
ووهن ، ووجدوا في القرآن الكريم موارد قد ذيدت عنها قواعدهم ، أو قصرت
عنها منقولاتهم ، أو عشت عنها أفهامهم ، فتفاوضوا فيها تفاوض الحيران ، ولا
جرم فما كل زاد مبلغ ، ولا كل ظهر موصل ولا كل عدة تجدي ، ولا كل من
سار وصل ، ولا كل من استنجع ورد ، ولا كل من طلب أدرك ، ولا كل من
سمع وعى .
والمتعرب قد نكصت به العصبية في قهقرة جعل وصار يطالب جلالة
القرآن الكريم بالقواعد التي لأجل فهمه لفقها المولدون بعد اللتيا واللتي من
وشل كلام العرب البسيط ، ونزر شعرهم الساذج ، وبعد تعثر الأفهام


والعجم ، وتداخلت اللغات ، وأهجنت الألسن ، فأرفض نظام العربية ، وأشكلت مناهجها ، والتبست مقاصدها ، وكتمت أسرارها ، وتعاصى عرفانها وانفت دررها من سوم الفحام ، ونفرت أوانسها من غرائب الطبائع ، وعزفت من هجائن القرائح ، وإذ علم المسلمون وغيرهم بالعلم اليقين أن القرآن الكريم الذي هو أساس الدين ، ومنار الهدى ، ومناط الحجة ، وأنموذج الاعجاز ، قد استولى من العربية على أفلاذ كبدها ، وفرائد لئالئها ، ومفاتح كنوزها ، فلا يوصل إليه إلا من سبيلها ، ولا تقرع بابه إلا بيدها ، فلأجل ذلك نهض للتدرب فيها ، وللإلتقاط من سقط مائدتها ، والمص من وشلها فئة من الأجانب عنها ، والمتطفلين في معرفتها ، فلم يدركوا من كلام العرب شيئا إلا بطفيف النقل ، ولم يقرعوا منه أبواب أسرارها إلا بالتظني ، فأسسوا من بسيطها قواعد يتوكؤون عليها في ترعرعهم فيها ، وقد فاتهم منها يتائم درر لم تنتظمها قواعدهم ، ووقف دونها جدهم ، فلا يحظى ببعضها إلا الغائص المتعمق ، والقانص المترصد ، إذا أسعد جدهما حسن الفطنة ، وصفاء القريحة وتوقد الذكاء ، ومجانبة التقليد .
ثم إن الناس إذ ذاك على اختلافهم في البضاعة والإضاعة توجهوا بقواعدهم المذكورة إلى اكتشاف أسرار القرآن الكريم ، وفهم نكاته في مقاصده التي جرى فيها على النحو الأرفع من مراقي البلاغة وفذلكات العربية فاختلف في ذلك وردهم وصدرهم ، وقاموا وقعدوا ، وترددوا بين صواب وخطأ ، وسداد ووهن ، ووجدوا في القرآن الكريم موارد قد ذيدت عنها قواعدهم ، أو قصرت عنها منقولاتهم ، أو عشت عنها أفهامهم ، فتفاوضوا فيها تفاوض الحيران ، ولا جرم فما كل زاد مبلغ ، ولا كل ظهر موصل ولا كل عدة تجدي ، ولا كل من سار وصل ، ولا كل من استنجع ورد ، ولا كل من طلب أدرك ، ولا كل من سمع وعى .
والمتعرب قد نكصت به العصبية في قهقرة جعل وصار يطالب جلالة القرآن الكريم بالقواعد التي لأجل فهمه لفقها المولدون بعد اللتيا واللتي من وشل كلام العرب البسيط ، ونزر شعرهم الساذج ، وبعد تعثر الأفهام

6


واضطراب الأوهام ، وشذوذ الأفكار ، وتلجج القرائح ، وطويل معترك في
الخطأ والتخطئة ، وتردد مقالات في التقريض والتغليط فقال ( ذ ص 72 ) ثم إن
للفصاحة في العربية قواعد وأصولا وضعوها هم أنفسهم وعدوا في جملتها سلامة
الكلام من ضعف التأليف ، ومن الغرابة والتنافر ومخالفة القياس ، وسترى أن
في القرآن ما يخالف قواعدهم ، ونحن لا نذكر لك منه إلا ما كانت المخالفة فيه
بينة لا تحتمل التأول على علم منا أن المفسرين قد تمحلوا لكل من غلطاته
تأولا : وعزب عنهم أن مجرد احتياجه إلى ذلك هو حجة عليه ، ولو سلمنا بما
حاولوه من الحذف والتقدير لستر غلطه تارة وكشف معناه أخرى لم يبق ، ثم من
داع لوضع ما وضعوه من القواعد ولأصبح كل لحن وتأويله بل عده من أنواع
البديع ممكنا ( 1 ) على طريقتهم ، هذا كلامه .
ولا تستعجل التسجيل على مفردات شططه ، ومكورات لغطه ، فإن
مباحثنا الآتية إن شاء الله لزعيمة بذلك توقفك على هفواته ، وتأخذ بيدك في
مداحض زلله ، فلنقصر التعرض هاهنا على تمويهه بمولدات القواعد السطحية
ومستطرفات الأصول التابعة ، وقاصر القياس المجعول ، واعتراضه بالحذف
والتقدير ، وإنا نسألك يا من يعاف المباهتة ، ويأنف من لغط الهذيان ، هل مهد
هذه القواعد قحطان ؟ أم هل عنونها عدنان ؟ أو شعراء البادية أو خطباء
الحاضرة ؟ وهل تفاوضوا فيها في سوق عكاظ ، أو تآمروا عليها في دار الندوة ؟
أو عقدوا عليها حلف الفضول ؟ وهل انعقدت عليها للعرب المجامع ؟ أم
أوجبت الآباء أن يجري القرآن على البساطة السطحية ؟ أو حجرت عليه أن
يتجاوز في فذلكاته ، وبديع الإشارة في مقاصده عن مبلغ نظر الأخفش ونضيج
قريحة المبرد ؟ .
أفلا يعلم كل من له أدنى إلمام بتاريخ هذه القواعد والأصول ، وسبب
وضعها ومأخذ قياسها أنها حادثة التشكيل ، متعبدة باللغة العربية ، تابعة لها
منقادة لنفوذ مأثورها ، خاضعة لسلطان القرآن الكريم الذي تسالمت العرب
العرباء على تقدمه وإمامته في لغتهم حتى خضعوا وهم العتاة لإعجازه ، واعترفوا


واضطراب الأوهام ، وشذوذ الأفكار ، وتلجج القرائح ، وطويل معترك في الخطأ والتخطئة ، وتردد مقالات في التقريض والتغليط فقال ( ذ ص 72 ) ثم إن للفصاحة في العربية قواعد وأصولا وضعوها هم أنفسهم وعدوا في جملتها سلامة الكلام من ضعف التأليف ، ومن الغرابة والتنافر ومخالفة القياس ، وسترى أن في القرآن ما يخالف قواعدهم ، ونحن لا نذكر لك منه إلا ما كانت المخالفة فيه بينة لا تحتمل التأول على علم منا أن المفسرين قد تمحلوا لكل من غلطاته تأولا : وعزب عنهم أن مجرد احتياجه إلى ذلك هو حجة عليه ، ولو سلمنا بما حاولوه من الحذف والتقدير لستر غلطه تارة وكشف معناه أخرى لم يبق ، ثم من داع لوضع ما وضعوه من القواعد ولأصبح كل لحن وتأويله بل عده من أنواع البديع ممكنا ( 1 ) على طريقتهم ، هذا كلامه .
ولا تستعجل التسجيل على مفردات شططه ، ومكورات لغطه ، فإن مباحثنا الآتية إن شاء الله لزعيمة بذلك توقفك على هفواته ، وتأخذ بيدك في مداحض زلله ، فلنقصر التعرض هاهنا على تمويهه بمولدات القواعد السطحية ومستطرفات الأصول التابعة ، وقاصر القياس المجعول ، واعتراضه بالحذف والتقدير ، وإنا نسألك يا من يعاف المباهتة ، ويأنف من لغط الهذيان ، هل مهد هذه القواعد قحطان ؟ أم هل عنونها عدنان ؟ أو شعراء البادية أو خطباء الحاضرة ؟ وهل تفاوضوا فيها في سوق عكاظ ، أو تآمروا عليها في دار الندوة ؟
أو عقدوا عليها حلف الفضول ؟ وهل انعقدت عليها للعرب المجامع ؟ أم أوجبت الآباء أن يجري القرآن على البساطة السطحية ؟ أو حجرت عليه أن يتجاوز في فذلكاته ، وبديع الإشارة في مقاصده عن مبلغ نظر الأخفش ونضيج قريحة المبرد ؟ .
أفلا يعلم كل من له أدنى إلمام بتاريخ هذه القواعد والأصول ، وسبب وضعها ومأخذ قياسها أنها حادثة التشكيل ، متعبدة باللغة العربية ، تابعة لها منقادة لنفوذ مأثورها ، خاضعة لسلطان القرآن الكريم الذي تسالمت العرب العرباء على تقدمه وإمامته في لغتهم حتى خضعوا وهم العتاة لإعجازه ، واعترفوا

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) هكذا في الأصل فحكيناه على ما به .

( 1 ) هكذا في الأصل فحكيناه على ما به .

7


وهم الخصوم اللد بعلو مقامه .
وأنا لنسألك بذمة الحقائق وحرمة الصواب أن تحضر المتعرب بين شهود
يحتشمهم في شططه . ويتستر عنهم من تزويره ، ولا يطمع بمخادعتهم وسله
متى جاء القرآن الكريم ؟ ومن الذي جاء به ؟ وما يكون من العرب ؟ وما حال
القرآن مع العرب ؟ وما حالهم معه ؟ ومتى وضعت فنون العربية ولفقت
أصولها ، وخمنت أقيستها ، ومن الذي وضعها ؟ وكيف وضعها وعمن أخذها ؟
ولماذا وضعها ؟ وهل كان أبا العرب ؟ أو واضع لغتهم أو قدوتهم فيها ، أو
المسيطر على غرائزهم وقرائحهم فيها .
وسله أيضا من هم الذين يقول فيهم ( هم ، وهم أنفسهم ) أو ليسوا هم
الذين يتكافحون في فهم العربية بالتخطئة والتخليط ، ويقومون في تفهمهما
ويقعون تستهويهم الغفلة ويخذلهم الفهم ( 1 ) ولا غرو فإن الغفلة عن عوائد
الإنسان ، والعلم كله في العالم كله ، وكم وكم أكدى السعي ، وضلت الأفهام
وزلت الأقدام ، ولا سيما إذا تزبب الحصرم ، وتمشيخ الصبي ، ولا سيما إذا
أحكم الجهل والغفلة والتقليد في الذهن مقدمة تحول بين الفكر وبين الحقيقة
وتسد عنه باب الصواب .


وهم الخصوم اللد بعلو مقامه .
وأنا لنسألك بذمة الحقائق وحرمة الصواب أن تحضر المتعرب بين شهود يحتشمهم في شططه . ويتستر عنهم من تزويره ، ولا يطمع بمخادعتهم وسله متى جاء القرآن الكريم ؟ ومن الذي جاء به ؟ وما يكون من العرب ؟ وما حال القرآن مع العرب ؟ وما حالهم معه ؟ ومتى وضعت فنون العربية ولفقت أصولها ، وخمنت أقيستها ، ومن الذي وضعها ؟ وكيف وضعها وعمن أخذها ؟
ولماذا وضعها ؟ وهل كان أبا العرب ؟ أو واضع لغتهم أو قدوتهم فيها ، أو المسيطر على غرائزهم وقرائحهم فيها .
وسله أيضا من هم الذين يقول فيهم ( هم ، وهم أنفسهم ) أو ليسوا هم الذين يتكافحون في فهم العربية بالتخطئة والتخليط ، ويقومون في تفهمهما ويقعون تستهويهم الغفلة ويخذلهم الفهم ( 1 ) ولا غرو فإن الغفلة عن عوائد الإنسان ، والعلم كله في العالم كله ، وكم وكم أكدى السعي ، وضلت الأفهام وزلت الأقدام ، ولا سيما إذا تزبب الحصرم ، وتمشيخ الصبي ، ولا سيما إذا أحكم الجهل والغفلة والتقليد في الذهن مقدمة تحول بين الفكر وبين الحقيقة وتسد عنه باب الصواب .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) فلو أن واحدا من أبلغ خطباء الانكليز وأحذقهم في صناعة الإنشاء كتب في أوائل القرن الثامن
عشر كتابا في شريعة المملكة وآدابها ، وتعلق غرضه بأن يكتبه على أبلغ أساليب
الأنكليزية في مراعاته لمزايا محاوراته وفذلكتها في مقاصدها ، فاحتفلت به المملكة وسلم
باستحسانه العدو والصديق من أهل اللسان ، وأذعنت عرفاؤهم باحتوائه على خصائص اللسان
الإنكليزي في محاوراته ، وبدائع فذلكاته ، ولطائف إشاراته ، وجعلوه أنموذج خطاباتهم وأمام
إنشائهم .
ثم قام بعد مائة سنة أو أكثر جماعة من هنود الشرق فحاولوا أن يفهموا شريعة المملكة وطقوسها
وآدابها من ذلك الكتاب ، فاستعانوا على ذلك بأن استنبطوا بتخمينهم من أشتات ما وصل إليهم
من بسيط اللغة الانكليزية وسطحيها قواعد وأصولا يتفهمون بها ذلك الكتاب ، فهل ترى مع هذا
أن واحدا يعرف قدره ، ويحافظ على شرفه ، يعترض على ذلك الكتاب في مزاياه في لغته
وفذلكاتها في مقاصده ، وينتقد عليه بما أخطأه البسيط السطحي من تلك القواعد التي لفقها
أولئك الأجانب ، كلا ، ولكن داء الحمق داء عضال ، ولا ضاد بعد خلع العذار .

( 1 ) فلو أن واحدا من أبلغ خطباء الانكليز وأحذقهم في صناعة الإنشاء كتب في أوائل القرن الثامن عشر كتابا في شريعة المملكة وآدابها ، وتعلق غرضه بأن يكتبه على أبلغ أساليب الأنكليزية في مراعاته لمزايا محاوراته وفذلكتها في مقاصدها ، فاحتفلت به المملكة وسلم باستحسانه العدو والصديق من أهل اللسان ، وأذعنت عرفاؤهم باحتوائه على خصائص اللسان الإنكليزي في محاوراته ، وبدائع فذلكاته ، ولطائف إشاراته ، وجعلوه أنموذج خطاباتهم وأمام إنشائهم . ثم قام بعد مائة سنة أو أكثر جماعة من هنود الشرق فحاولوا أن يفهموا شريعة المملكة وطقوسها وآدابها من ذلك الكتاب ، فاستعانوا على ذلك بأن استنبطوا بتخمينهم من أشتات ما وصل إليهم من بسيط اللغة الانكليزية وسطحيها قواعد وأصولا يتفهمون بها ذلك الكتاب ، فهل ترى مع هذا أن واحدا يعرف قدره ، ويحافظ على شرفه ، يعترض على ذلك الكتاب في مزاياه في لغته وفذلكاتها في مقاصده ، وينتقد عليه بما أخطأه البسيط السطحي من تلك القواعد التي لفقها أولئك الأجانب ، كلا ، ولكن داء الحمق داء عضال ، ولا ضاد بعد خلع العذار .

8


فلك العبرة بجماعة من النصارى يعدون أنفسهم ويعدهم أصحابهم من
أهل العلم والوصول ، فإنهم قد وقعوا في مخالفة اعتقادهم وجماعتهم وجامعتهم
من حيث لا يشعرون ، وارتبكوا في الشطط على كتابهم وذهبت بهم الوساوس أنى
شاءت ، ولنقتصر من شواهد ذلك على موارد :
( الأول والثاني ) قال البستاني في الجزء الخامس من دائرة المعارف ( ص
536 ) وبعض مفسري الكتاب المقدس المدققين ذهب إلى أن قصة ( بلعام )
المدرجة في سفر العدد ( ص 22 - 24 ) دخيلة .
وذهب آخرون إلى أن كلام الأتان عبارة عن رؤيا ظن بلعام أنه رأى فيها
ملاكا وتوهم أنه سمع الأتان ، فأنكر بعضهم الملاك وكلام الأتانة وجعل ذلك
من الظن والوهم ، وخالف صراحة العهدين أقبح مخالفة وذلك لمقدمات فاسدة
استحوذت على أفكارهم ، إذ سولت لهم امتناع كلام الأتانة وعاقليتها لمثل هذه
الأمور وإن اقتضت القدرة الإلهية ذلك ، وما هذا إلا من عدوى مجاورة
الملحدين .
ولكن هذا الإنكار تفضحه صراحة التوراة بوقوف ملاك الرب في الطريق
ليقاوم بلعام ، ورؤية الأتان له ، ثم وقوفه في الخندق ، ثم اجتيازه ووقوفه في
مكان ضيق ، ورؤية الأتان له ، في هذه الحالات قبل أن يراه بلعام وأن الله
فتح فم الأتانة وترادت الكلام مع بلعام مرتين .
وكشف الله عن عيني بلعام فأبصر الملاك واقفا وسيفه مسلول ، وتراجع
في الكلام مع بلعام مرتين ، ووقفا على قرار ، وموعد تعليم ( انظر عد 22 :
22 - 36 ) .
ولأجل ذلك أقدم بعض المفسرين المدققين على أن ينكروا كون قصة بلعام
من التوراة فحكموا بأن ثلاث فصول من سفر العدد هي مدسوسة ودخيلة في
التوراة ، كل ذلك سترا على اعتقادهم الفاسد ومكافحة صراحة التوراة له ، ولا
ينفعهم ذلك حتى ينكروا صراحة العهد الجديد بتكلم الأتانة ونطقها بصوت
إنسان ( 2 بط 2 : 16 ) وإشارته إلى قصة بلعام المذكورة في التوراة ( 2 بط 2 :
15 ويه 11 ) .


فلك العبرة بجماعة من النصارى يعدون أنفسهم ويعدهم أصحابهم من أهل العلم والوصول ، فإنهم قد وقعوا في مخالفة اعتقادهم وجماعتهم وجامعتهم من حيث لا يشعرون ، وارتبكوا في الشطط على كتابهم وذهبت بهم الوساوس أنى شاءت ، ولنقتصر من شواهد ذلك على موارد :
( الأول والثاني ) قال البستاني في الجزء الخامس من دائرة المعارف ( ص 536 ) وبعض مفسري الكتاب المقدس المدققين ذهب إلى أن قصة ( بلعام ) المدرجة في سفر العدد ( ص 22 - 24 ) دخيلة .
وذهب آخرون إلى أن كلام الأتان عبارة عن رؤيا ظن بلعام أنه رأى فيها ملاكا وتوهم أنه سمع الأتان ، فأنكر بعضهم الملاك وكلام الأتانة وجعل ذلك من الظن والوهم ، وخالف صراحة العهدين أقبح مخالفة وذلك لمقدمات فاسدة استحوذت على أفكارهم ، إذ سولت لهم امتناع كلام الأتانة وعاقليتها لمثل هذه الأمور وإن اقتضت القدرة الإلهية ذلك ، وما هذا إلا من عدوى مجاورة الملحدين .
ولكن هذا الإنكار تفضحه صراحة التوراة بوقوف ملاك الرب في الطريق ليقاوم بلعام ، ورؤية الأتان له ، ثم وقوفه في الخندق ، ثم اجتيازه ووقوفه في مكان ضيق ، ورؤية الأتان له ، في هذه الحالات قبل أن يراه بلعام وأن الله فتح فم الأتانة وترادت الكلام مع بلعام مرتين .
وكشف الله عن عيني بلعام فأبصر الملاك واقفا وسيفه مسلول ، وتراجع في الكلام مع بلعام مرتين ، ووقفا على قرار ، وموعد تعليم ( انظر عد 22 :
22 - 36 ) .
ولأجل ذلك أقدم بعض المفسرين المدققين على أن ينكروا كون قصة بلعام من التوراة فحكموا بأن ثلاث فصول من سفر العدد هي مدسوسة ودخيلة في التوراة ، كل ذلك سترا على اعتقادهم الفاسد ومكافحة صراحة التوراة له ، ولا ينفعهم ذلك حتى ينكروا صراحة العهد الجديد بتكلم الأتانة ونطقها بصوت إنسان ( 2 بط 2 : 16 ) وإشارته إلى قصة بلعام المذكورة في التوراة ( 2 بط 2 :
15 ويه 11 ) .

9


وهل تراهم بعد هذا أبقوا حيثية لسند العهدين ، والبستاني مع ذلك
يصفهم بالمفسرين المدققين .
( الثالث ) نقل إظهار الحق في حقيقة الاعتقاد بالأرواح النجسة ( مردة
الجن ) شيئا من كلام ( بيلي ) وهو من علماء البروتستنت ، وحاصله أن تسلط
الأرواح النجسة وحديثها في العهد الجديد ، وإيراد كثير منه في معجزات المسيح
إنما كان رأيا غلطا ، ولكنه لكونه رأيا عاما في ذلك الزمان وقع فيه مؤلفوا
الأناجيل ، وإصلاح رأي الناس في ذلك ليس جزءا من الرسالة ، والمتكلف وإن
خالف إظهار الحق في ترجمة كلام ( بيلي ) إلا أنه أوضح فيه ( يه 3 ج ص 117 )
أن بيلي شاك في هذه الحقيقة ، وأن الفصل فيها فوق طاقته وأن جماعة من
النصارى ينكرونها ، ولهم على إنكارها أدلة ، وأنك إذا نظرت إلى حديث
الأرواح النجسة في الأناجيل تجده يقارب ما ذكرته من تعاليم المسيح أو يزيد .
ومع ذلك جاء قوم من متبعي الإنجيل فجعلوه غلطا لا أصل له ، وما
ذاك إلا لوسوسة عرضت لهم ، وما منشؤها ومبدؤها إلا العدوي بداء الطبيعة
والإلحاد والتعصب على القرآن الكريم بإنكار الجن ، فجرهم هذا الضلال إلى
أن يقولوا ما يرجع حاصله إلى أن مؤلفي الأناجيل قد لفقوا للمسيح أكاذيب
معجزات مأخوذة من أغاليط الآراء العامة ليداهنوا بذلك أصحاب تلك الآراء
فيروجوا بين العامة أمر التثليث الذي يعترفون بأنه وراء عقولهم ، ويشدد
الأساقفة في المنع عن التفكر في تعقله ، ويوجبون على الناس أن يطووه على
غرة ، ويقبلوه على البساطة ، والحاصل أن هؤلاء المنكرين من النصارى لحقيقة
الأرواح النجسة ، والشاكين فيها لم يعدوا أن جعلوا أناجيلهم أخس من كتاب
( كليلة ودمنة ) .
( الرابع ) : حكى إظهار الحق أن ( لوطر ) إمام فرقت البروتستنت يقول في
حق رسالة يعقوب : إنها كلا ، يعني لا اعتداد بها . ونقلا عن واردكا تلك أن
( بومرن ) من علماء البروتستنت وتلميذ لوطر يقول : إن يعقوب يتم رسالته في
الواهيات .
وإن ( وائي تس ) الواعظ في نرم برك قال : إنا تركنا قصدا مشاهدات


وهل تراهم بعد هذا أبقوا حيثية لسند العهدين ، والبستاني مع ذلك يصفهم بالمفسرين المدققين .
( الثالث ) نقل إظهار الحق في حقيقة الاعتقاد بالأرواح النجسة ( مردة الجن ) شيئا من كلام ( بيلي ) وهو من علماء البروتستنت ، وحاصله أن تسلط الأرواح النجسة وحديثها في العهد الجديد ، وإيراد كثير منه في معجزات المسيح إنما كان رأيا غلطا ، ولكنه لكونه رأيا عاما في ذلك الزمان وقع فيه مؤلفوا الأناجيل ، وإصلاح رأي الناس في ذلك ليس جزءا من الرسالة ، والمتكلف وإن خالف إظهار الحق في ترجمة كلام ( بيلي ) إلا أنه أوضح فيه ( يه 3 ج ص 117 ) أن بيلي شاك في هذه الحقيقة ، وأن الفصل فيها فوق طاقته وأن جماعة من النصارى ينكرونها ، ولهم على إنكارها أدلة ، وأنك إذا نظرت إلى حديث الأرواح النجسة في الأناجيل تجده يقارب ما ذكرته من تعاليم المسيح أو يزيد .
ومع ذلك جاء قوم من متبعي الإنجيل فجعلوه غلطا لا أصل له ، وما ذاك إلا لوسوسة عرضت لهم ، وما منشؤها ومبدؤها إلا العدوي بداء الطبيعة والإلحاد والتعصب على القرآن الكريم بإنكار الجن ، فجرهم هذا الضلال إلى أن يقولوا ما يرجع حاصله إلى أن مؤلفي الأناجيل قد لفقوا للمسيح أكاذيب معجزات مأخوذة من أغاليط الآراء العامة ليداهنوا بذلك أصحاب تلك الآراء فيروجوا بين العامة أمر التثليث الذي يعترفون بأنه وراء عقولهم ، ويشدد الأساقفة في المنع عن التفكر في تعقله ، ويوجبون على الناس أن يطووه على غرة ، ويقبلوه على البساطة ، والحاصل أن هؤلاء المنكرين من النصارى لحقيقة الأرواح النجسة ، والشاكين فيها لم يعدوا أن جعلوا أناجيلهم أخس من كتاب ( كليلة ودمنة ) .
( الرابع ) : حكى إظهار الحق أن ( لوطر ) إمام فرقت البروتستنت يقول في حق رسالة يعقوب : إنها كلا ، يعني لا اعتداد بها . ونقلا عن واردكا تلك أن ( بومرن ) من علماء البروتستنت وتلميذ لوطر يقول : إن يعقوب يتم رسالته في الواهيات .
وإن ( وائي تس ) الواعظ في نرم برك قال : إنا تركنا قصدا مشاهدات

10

لا يتم تسجيل الدخول!