إسم الكتاب : الهدى إلى دين المصطفى ( عدد الصفحات : 355)


الهدى
إلى دين المصطفى


الهدى إلى دين المصطفى

1



2


الهدى
إلى دين المصطفى ( ص )
تأليف
" الإمام المجاهد "
الشيخ محمد جواد البلاغي
الجزء الأول
منشورات
مؤسسة الأعلمي للمطبوعات
بيروت - لبنان
ص . ب 7120


الهدى إلى دين المصطفى ( ص ) تأليف " الإمام المجاهد " الشيخ محمد جواد البلاغي الجزء الأول منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص . ب 7120

3


الطبعة الثالثة
كافة الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر
1405 ه‍ - 1985 م


الطبعة الثالثة كافة الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر 1405 ه‍ - 1985 م

4



بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الثانية
بقلم : الكاتب
المجيد العلامة المحقق الأستاذ
السيد توفيق الفكيكي المحامي
بعد أن وضعت الحرب الصليبية أوزارها التي دامت سجالا بين الإسلام
وأعدائه طوال قرنين من الزمن ، حتى انتصر التوحيد على التثليث ، وتم اندحار
الغزاة الأوروبيين ، وانهزم فلولهم عبر البحار ، فتطهرت بلاد العروبة والإسلام
ومقدساتها من أقدام الجيوش الصليبية التي هبت أوروبا عن بكرة أبيها بملوكها
ورهبانها وقوادها لتجهيزها ودفعها إلى الشرق الإسلامي لإخضاعها وتخضيد
شوكة دول الإسلام ، وإذهاب ريحها ، ومن ثم القضاء على تراث العروبة
ومواريث " الضاد " المجيدة ، وقد شاء الله تعالى أن تذهب ريح جيوش الغزاة
بنصره العزيز ، فانقلبت على أعقابها تجر ذيول الخيبة والخذلان وأضحى أكثرها
نصيب الحيتان والعقبان ، بفضل جهاد أهل العقيدة والإيمان من حماة رسالة
القرآن ، بيد أن أوروبا المنهزمة لم تنم عن ذحولها ، ولم تنس في يوم من الأيام
ضحايا وأحزانها ، فأخذت دولها وساستها وقساوستها يسلكون في ظلال السلم
سبل الكيد والمكر ما أمكنهم الكيد والدهاء لحبك المؤامرات وتأسيس الجمعيات
الهدامة في الديار العربية والإسلامية باسم المدارس التعليمية والخدمات
الإنسانية ، وهي في الحقيقة مؤسسات تبشيرية في خدمة الاستعمار العقائدي
والسياسي معا ، وفي فجر النهضة الصناعية في أوروبا أخذت ، معجزات العلم
الحديث تزداد يوما بعد يوم ، فكثرت الاختراعات المدهشة ، وبذلك فقد
اشتدت قوى الشر في أوروبا ، واستشرى كلب الاستعمار لأخذ الثأر التاريخي


بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الطبعة الثانية بقلم : الكاتب المجيد العلامة المحقق الأستاذ السيد توفيق الفكيكي المحامي بعد أن وضعت الحرب الصليبية أوزارها التي دامت سجالا بين الإسلام وأعدائه طوال قرنين من الزمن ، حتى انتصر التوحيد على التثليث ، وتم اندحار الغزاة الأوروبيين ، وانهزم فلولهم عبر البحار ، فتطهرت بلاد العروبة والإسلام ومقدساتها من أقدام الجيوش الصليبية التي هبت أوروبا عن بكرة أبيها بملوكها ورهبانها وقوادها لتجهيزها ودفعها إلى الشرق الإسلامي لإخضاعها وتخضيد شوكة دول الإسلام ، وإذهاب ريحها ، ومن ثم القضاء على تراث العروبة ومواريث " الضاد " المجيدة ، وقد شاء الله تعالى أن تذهب ريح جيوش الغزاة بنصره العزيز ، فانقلبت على أعقابها تجر ذيول الخيبة والخذلان وأضحى أكثرها نصيب الحيتان والعقبان ، بفضل جهاد أهل العقيدة والإيمان من حماة رسالة القرآن ، بيد أن أوروبا المنهزمة لم تنم عن ذحولها ، ولم تنس في يوم من الأيام ضحايا وأحزانها ، فأخذت دولها وساستها وقساوستها يسلكون في ظلال السلم سبل الكيد والمكر ما أمكنهم الكيد والدهاء لحبك المؤامرات وتأسيس الجمعيات الهدامة في الديار العربية والإسلامية باسم المدارس التعليمية والخدمات الإنسانية ، وهي في الحقيقة مؤسسات تبشيرية في خدمة الاستعمار العقائدي والسياسي معا ، وفي فجر النهضة الصناعية في أوروبا أخذت ، معجزات العلم الحديث تزداد يوما بعد يوم ، فكثرت الاختراعات المدهشة ، وبذلك فقد اشتدت قوى الشر في أوروبا ، واستشرى كلب الاستعمار لأخذ الثأر التاريخي

5


الذي سببته الحروب الصليبية ، أما الشرق الإسلامي فقد أصيب بداء الانقسام
والتجزئة في سبيل الوصول إلى العروش ودست الحكم وحب الإمارة ، فخمدت
في المجموعة الإسلامية جذوة الإيمان الصحيح وحرارة العقيدة ، وخيم الجهل
على ربوع الشرق ، وتعدد السلاطين والأمراء ، واستعذبوا الرقاد على أنغام
وعاظهم المنافقين ، وقل الآمرون بالمعروف والناهون على المنكر ، فغط الرعاة
والرعية في سبات عميق إزاء يقظة أوروبا وعجيج مخترعاتها المذهلة في البر
والبحر وأرجاء الجو ، ولقاء نشاط جماعات الاستشراق والإرساليات التبشيرية
الاستعمارية ، وكان جل مهمتها زعزعة عقائد الشباب العربي الإسلامي ،
وزرع الشكوك في عقيدتهم وتعاليم دينهم وفي معجزة الإسلام الخالدة القرآن
الكريم .
وبتلك الأساليب السلمية تارة ، وتارة بالقوة والتهديد تمكنت الدول
المسيحية الاستعمارية اجتياح الشرق الإسلامي ، وعادت الحرب الصليبية
جذعة كما أفصحت قولة اللورد " اللنبي " حين دخل الشام ، فوقف على قبر
صلاح الدين الأيوبي فقال مخاطبا له : " الآن انتهت الحرب الصليبية يا صلاح
الدين " إلا أن الحرب الصليبية لم تقتصر هذه المرة على الميادين العسكرية وإنما
استهدفت غزو العقول والأفكار والأرواح ، وهذا أخطر وسائل الفناء للأمم
ومحوها من عالم الوجود وفي سبيل هذه الغايات الاستعمارية الفكرية قام دهاقين
السياسة الغربية وأجمعوا أمرهم على عقد المعاهدات السرية ، والأحلاف المقدسة
لتقسيم الأقاليم الإسلامية وتجزئة البلاد العربية ، وإلى جانب ذلك قاموا بتنظيم
قوافل المبشرين لتمهد للحرب الصليبية الحديثة إفساد العقول والقلوب ، وتشويه
عقيدة الإسلام أو سلبها من صدور الشباب والشواب كما قال أحد المستشرقين
الفرنسيين في إحدى مؤتمراتهم : " إننا إن أخفقنا في تنصير شباب المسلمين في
المغرب فحسبنا زرع بذور الشكوك في عقيدتهم ، وإفساد قلوبهم نحو القرآن " ،
وهكذا فعلت المدارس الأجنبية التبشيرية في ديار الشرق الإسلامي ، ونكتفي
بهذه الإشارة لأن الخوض في هذا الموضوع خارج عن غرض هذه المقدمة ،
وغاية قصدنا من هذا المدخل الوجيز هي الإشارة العابرة إلى العوامل والدوافع
والحوافز التي حفزت كبار المصلحين المسلمين في فجر يقظة الشرق والنهضة


الذي سببته الحروب الصليبية ، أما الشرق الإسلامي فقد أصيب بداء الانقسام والتجزئة في سبيل الوصول إلى العروش ودست الحكم وحب الإمارة ، فخمدت في المجموعة الإسلامية جذوة الإيمان الصحيح وحرارة العقيدة ، وخيم الجهل على ربوع الشرق ، وتعدد السلاطين والأمراء ، واستعذبوا الرقاد على أنغام وعاظهم المنافقين ، وقل الآمرون بالمعروف والناهون على المنكر ، فغط الرعاة والرعية في سبات عميق إزاء يقظة أوروبا وعجيج مخترعاتها المذهلة في البر والبحر وأرجاء الجو ، ولقاء نشاط جماعات الاستشراق والإرساليات التبشيرية الاستعمارية ، وكان جل مهمتها زعزعة عقائد الشباب العربي الإسلامي ، وزرع الشكوك في عقيدتهم وتعاليم دينهم وفي معجزة الإسلام الخالدة القرآن الكريم .
وبتلك الأساليب السلمية تارة ، وتارة بالقوة والتهديد تمكنت الدول المسيحية الاستعمارية اجتياح الشرق الإسلامي ، وعادت الحرب الصليبية جذعة كما أفصحت قولة اللورد " اللنبي " حين دخل الشام ، فوقف على قبر صلاح الدين الأيوبي فقال مخاطبا له : " الآن انتهت الحرب الصليبية يا صلاح الدين " إلا أن الحرب الصليبية لم تقتصر هذه المرة على الميادين العسكرية وإنما استهدفت غزو العقول والأفكار والأرواح ، وهذا أخطر وسائل الفناء للأمم ومحوها من عالم الوجود وفي سبيل هذه الغايات الاستعمارية الفكرية قام دهاقين السياسة الغربية وأجمعوا أمرهم على عقد المعاهدات السرية ، والأحلاف المقدسة لتقسيم الأقاليم الإسلامية وتجزئة البلاد العربية ، وإلى جانب ذلك قاموا بتنظيم قوافل المبشرين لتمهد للحرب الصليبية الحديثة إفساد العقول والقلوب ، وتشويه عقيدة الإسلام أو سلبها من صدور الشباب والشواب كما قال أحد المستشرقين الفرنسيين في إحدى مؤتمراتهم : " إننا إن أخفقنا في تنصير شباب المسلمين في المغرب فحسبنا زرع بذور الشكوك في عقيدتهم ، وإفساد قلوبهم نحو القرآن " ، وهكذا فعلت المدارس الأجنبية التبشيرية في ديار الشرق الإسلامي ، ونكتفي بهذه الإشارة لأن الخوض في هذا الموضوع خارج عن غرض هذه المقدمة ، وغاية قصدنا من هذا المدخل الوجيز هي الإشارة العابرة إلى العوامل والدوافع والحوافز التي حفزت كبار المصلحين المسلمين في فجر يقظة الشرق والنهضة

6


الإصلاحية التي عملت لإيقاظ الرقود في الشرق ، وتجديد رسالة الإسلام والذود
عن حياضها وإحياء فلسفة القرآن المتطورة على كر العصور ، وتعاقب الدهور ،
فهي لا شرقية ولا غربية ، بل جامعة بين الروحانية والمادية ، كما يفرضه قانون
الحياة وسنة الوجود الإنساني ، ونواميس الكون ، لهذا سمي الإسلام دين
الفطرة ، أي دين الإنسانية ، فهو يحارب المادية ويطاردها إذا هي تجردت من
المعاني الروحية ، كما يتنكر للروحانية الصرفة إذا ما جانبت الجوانب المادية
البريئة ، وفي القرآن الكريم ، والأحاديث الشريفة ، وفي أقوال وتعاليم أهل البيت
عليهم السلام كثير من الأمثلة والشواهد الرائعة الناطقة بهذه الحقيقة الكونية
الأزلية ، ولا مجال لذكرها وسردها هنا .
كان في مقدمة الذين نذروا أنفسهم في صد التيارات التبشيرية ضد
الإسلام ، دولة المصلح المجاهد الشجاع المرحوم فخر الشرق والإسلام السيد
جمال الدين الأفغاني وتلاميذه الأحرار ، وعلى رأسهم مفتي ديار المصرية
العلامة الشهير الشيخ محمد عبده ، ومن تخرج عليه من أفذاذ رجال العلم
المفكرين كالسيد رشيد رضا والسيد عبد الرحمان الكواكبي وأضرابهما من
الغيارى . ومن آثار السيد الأفغاني في مكافحة الالحاد كتابه المشهور في الرد على
الدهريين ، وتبعه تلميذه الشيخ محمد عبده في صد هجوم المستشرقون وحملاتهم
على رسول الإسلام " ص " ، وشريعة القرآن في كتابه " الإسلام والرد على
منتقديه " ، و " الإسلام والنصرانية " وغيرهما ، أما الكواكبي فحسبه كتابه القيم
" طبائع الاستبداد " ، وكتابه " العروة الوثقى " .
أما في ديار الرافدين فقد انفرد بالكفاح والنضال فقيد الشرق الإمام الحجة
نصير الإسلام الشيخ محمد الجواد البلاغي ، فجرد قلمه البليغ ، وهو أقطع
بحجته من الحسام في وجوه الملحدين والمبشرين المستشرقين في الشرق والغرب ،
وقد تضمنت مؤلفاته الكثيرة القيمة جهاده الطويل المبارك في الذب عن حقائق
الإسلام ، وفي مقدمتها كتابه " الهدى إلى دين المصطفى " وهو هذا الكتاب ،
وكتابه " الرحلة المدرسية " و " أنوار الهدى " و " نصائح الهدى " وغيرها مما سيأتي
تفصيلها .


الإصلاحية التي عملت لإيقاظ الرقود في الشرق ، وتجديد رسالة الإسلام والذود عن حياضها وإحياء فلسفة القرآن المتطورة على كر العصور ، وتعاقب الدهور ، فهي لا شرقية ولا غربية ، بل جامعة بين الروحانية والمادية ، كما يفرضه قانون الحياة وسنة الوجود الإنساني ، ونواميس الكون ، لهذا سمي الإسلام دين الفطرة ، أي دين الإنسانية ، فهو يحارب المادية ويطاردها إذا هي تجردت من المعاني الروحية ، كما يتنكر للروحانية الصرفة إذا ما جانبت الجوانب المادية البريئة ، وفي القرآن الكريم ، والأحاديث الشريفة ، وفي أقوال وتعاليم أهل البيت عليهم السلام كثير من الأمثلة والشواهد الرائعة الناطقة بهذه الحقيقة الكونية الأزلية ، ولا مجال لذكرها وسردها هنا .
كان في مقدمة الذين نذروا أنفسهم في صد التيارات التبشيرية ضد الإسلام ، دولة المصلح المجاهد الشجاع المرحوم فخر الشرق والإسلام السيد جمال الدين الأفغاني وتلاميذه الأحرار ، وعلى رأسهم مفتي ديار المصرية العلامة الشهير الشيخ محمد عبده ، ومن تخرج عليه من أفذاذ رجال العلم المفكرين كالسيد رشيد رضا والسيد عبد الرحمان الكواكبي وأضرابهما من الغيارى . ومن آثار السيد الأفغاني في مكافحة الالحاد كتابه المشهور في الرد على الدهريين ، وتبعه تلميذه الشيخ محمد عبده في صد هجوم المستشرقون وحملاتهم على رسول الإسلام " ص " ، وشريعة القرآن في كتابه " الإسلام والرد على منتقديه " ، و " الإسلام والنصرانية " وغيرهما ، أما الكواكبي فحسبه كتابه القيم " طبائع الاستبداد " ، وكتابه " العروة الوثقى " .
أما في ديار الرافدين فقد انفرد بالكفاح والنضال فقيد الشرق الإمام الحجة نصير الإسلام الشيخ محمد الجواد البلاغي ، فجرد قلمه البليغ ، وهو أقطع بحجته من الحسام في وجوه الملحدين والمبشرين المستشرقين في الشرق والغرب ، وقد تضمنت مؤلفاته الكثيرة القيمة جهاده الطويل المبارك في الذب عن حقائق الإسلام ، وفي مقدمتها كتابه " الهدى إلى دين المصطفى " وهو هذا الكتاب ، وكتابه " الرحلة المدرسية " و " أنوار الهدى " و " نصائح الهدى " وغيرها مما سيأتي تفصيلها .

7


الإمام البلاغي وملامح شخصيته ومقوماتها :
هو غصن كريم من الدوحة " البلاغية " الباسقة في سماء الفضل والشرف
وعلم أعلامها وشهاب فضلائها وأبدالها ، بل كوكب دراريها الثاقبة الساطعة في
دياجير الأزمات الشديدة الحلكات ، وظلمات المعضلات المدلهمات ، فأسرته من
أعرق الأسر العراقية ، وقبيلته ربيعة ( 1 ) خير القبائل العربية في جاهليتها
وإسلامها ، وبيته من أرفع بيوت العلم والدين والأدب ، فهو عربي أصيل ،
وفي الذؤابة من تغلب الغلباء ، نزاري العمومة ، هاشمي الخؤلة ، خالص
المعدن في نسبه وحسبه ، فنشأ في حجر الفضيلة وترعرع وفطم على حب المكارم
والشناشن العربية الأصيلة ، وتربى على أسس التربية الإسلامية الرفيعة ، وقد
التزم بمحاسنها ومثلها العليا ، فكان مثال العربي الصميم الصريح ونموذج المسلم
القرآني المثالي الصحيح الإيمان الصادق العقيدة الكامل الإنسانية بمعناها
الواسع ، فإن أحب شئ لنفسه فعل الخير والسعي في سبيله ، وأبغض الأشياء
عنده بل أنكر المنكرات ، سطوات الشر والأشرار في المجتمع الإنساني ، فكان
رحمه الله تعالى داعي دعاة الفضيلة ومؤسس المدرسة السيارة للهداية والإرشاد
وتنوير الأفكار بأصول العلم والحكمة وفلسفة الوجود ، فقد أفطمت جوانحه
على معارف جمة ، ووسع صدره كنوزا من ثمرات الثقافة الإسلامية العالية
والتربية الغالية ، وقد نهل وعب من مشارع المعرفة والحكمة الصافية حتى أصبح
ملاذ الحائرين الذين استهوتهم أهواء المنحرفين عن المحجة البيضاء ، وخدعتهم
ضلالات الدهريين والماديين ، كما كان الملجأ الأمين لمن رام من المستشرقين
الاطمئنان بإزاحة الحجب عن وجه الحقيقة والحق ، وللوصول إلى ساحل اليقين
كالمستشرق " المستر خالد شردراك " وأمثاله من أعلام الغرب الذين يهمهم
كشف المخبأ من أسرار المعارف المحمدية والحكمة المشرقية ، حيث آنسوا فيه
ندرة المواهب العقلية والملكات النفسية القوية والطاقات الفكرية العجيبة ،
وينابيعه الثرة العذبة المتفجرة من قلبه الكبير المتدفقة على لسانه الجارية على قلمه
السيال .


الإمام البلاغي وملامح شخصيته ومقوماتها :
هو غصن كريم من الدوحة " البلاغية " الباسقة في سماء الفضل والشرف وعلم أعلامها وشهاب فضلائها وأبدالها ، بل كوكب دراريها الثاقبة الساطعة في دياجير الأزمات الشديدة الحلكات ، وظلمات المعضلات المدلهمات ، فأسرته من أعرق الأسر العراقية ، وقبيلته ربيعة ( 1 ) خير القبائل العربية في جاهليتها وإسلامها ، وبيته من أرفع بيوت العلم والدين والأدب ، فهو عربي أصيل ، وفي الذؤابة من تغلب الغلباء ، نزاري العمومة ، هاشمي الخؤلة ، خالص المعدن في نسبه وحسبه ، فنشأ في حجر الفضيلة وترعرع وفطم على حب المكارم والشناشن العربية الأصيلة ، وتربى على أسس التربية الإسلامية الرفيعة ، وقد التزم بمحاسنها ومثلها العليا ، فكان مثال العربي الصميم الصريح ونموذج المسلم القرآني المثالي الصحيح الإيمان الصادق العقيدة الكامل الإنسانية بمعناها الواسع ، فإن أحب شئ لنفسه فعل الخير والسعي في سبيله ، وأبغض الأشياء عنده بل أنكر المنكرات ، سطوات الشر والأشرار في المجتمع الإنساني ، فكان رحمه الله تعالى داعي دعاة الفضيلة ومؤسس المدرسة السيارة للهداية والإرشاد وتنوير الأفكار بأصول العلم والحكمة وفلسفة الوجود ، فقد أفطمت جوانحه على معارف جمة ، ووسع صدره كنوزا من ثمرات الثقافة الإسلامية العالية والتربية الغالية ، وقد نهل وعب من مشارع المعرفة والحكمة الصافية حتى أصبح ملاذ الحائرين الذين استهوتهم أهواء المنحرفين عن المحجة البيضاء ، وخدعتهم ضلالات الدهريين والماديين ، كما كان الملجأ الأمين لمن رام من المستشرقين الاطمئنان بإزاحة الحجب عن وجه الحقيقة والحق ، وللوصول إلى ساحل اليقين كالمستشرق " المستر خالد شردراك " وأمثاله من أعلام الغرب الذين يهمهم كشف المخبأ من أسرار المعارف المحمدية والحكمة المشرقية ، حيث آنسوا فيه ندرة المواهب العقلية والملكات النفسية القوية والطاقات الفكرية العجيبة ، وينابيعه الثرة العذبة المتفجرة من قلبه الكبير المتدفقة على لسانه الجارية على قلمه السيال .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) وإليها ينتهي نسب " الكاتب " .

( 1 ) وإليها ينتهي نسب " الكاتب " .

8


ومن ملامحه ومخائله الدالة على كماله النفسي هي فطرته السليمة وسلامة
سلوكه الخلقي والاجتماعي ، وحدة ذكائه وقوة فطنته ، وعفة نفسه ورفعة
تواضعه ، وصون لسانه عن الفضول ، ولين عريكته ، ورقة حاشيته وخفة
روحه وأدبه الجم ، وعذوبة منطقة ، وفيض يده على عسره وشظف عيشه فهذه
السجايا والخصال هي أهم صفاته الكمالية ، وقد ورثها - بحكم قانون الوراثة -
عن آباء آبائه البلاغيين البهاليل الكرام .
ومن مقومات شخصيته العلمية وملكته الفلسفية والأدبية كثرة ملازمته
لأساطين الفنون العربية وأئمة الفقه الإسلامي وجهابذة الفلسفة والكلام ،
هؤلاء الفحول الذين كانت تحتضنهم مدينة " باب مدينة العلم " النجف
الأشرف وهي أعظم جامعة إسلامية لشتى الفنون والعلوم القديمة ، أما العلوم
المتنوعة الحديثة فقد درسها على نفسه بالإضافة إلى اللغة الفارسية والإنجليزية
والعبرية ومن أشهر شيوخه الذين ارتشف ونهل من نميرهم الصافي هم حجج
الإسلام الشيخ محمد طه نجف ، والحاج آغا رضا الهمداني ، والأستاذ الأكبر
الشيخ محمد كاظم الخراساني ، والميرزا محمد تقي الشيرازي القائد الروحي
للثورة العراقية الكبرى سنة 1920 م ، وبعد أن ارتوى من تلك الينابيع
الفياضة والمناهل العذاب نضجت مواهبه وملكته الاجتهادية ، فاستولى على زمام
الاجتهاد والاستنباط وصار إماما مجتهدا بجدارة واستحقاق ومجاهدا مضحيا
بالنفس والنفيس في خدمة الحق وإبطال الأباطيل ورفع راية الإسلام ، حتى
أضحت داره كعبة القصاد ومدرسة النبهاء والفهماء ، إذ امتازت بطابعها الخاص
وهو فن المناظرة والجدل ، ودراسة قواعد الدفاع وطرق النضال العلمية
والفلسفية والأدبية في حومات المعارك الفكرية ، كما كانت مدارس الاعتزال في
العصر العباسي إزاء أصحاب الأديان والمعتقدات المتطرفة وأهل الآراء والمذاهب
المخالفة لمذهب الاعتزال ، وكانت مجاهدة الإمام البلاغي والمصابرة عليها
ومصاولاته الفكرية المجهدة في رد اعتراضات الملحدين ، وطعون أهل الأهواء
أمثال جرجيس صال الإنكليزي ، وصاحب كتاب " الهداية " المتكلف الضال مما
ساعد على اشتهار الإمام البلاغي وذيوع صيته في الشرق والغرب ، حتى
أصبحت مدرسته مناخ العقليين الهائمين وراء الحقائق ، وداره المتواضعة محط


ومن ملامحه ومخائله الدالة على كماله النفسي هي فطرته السليمة وسلامة سلوكه الخلقي والاجتماعي ، وحدة ذكائه وقوة فطنته ، وعفة نفسه ورفعة تواضعه ، وصون لسانه عن الفضول ، ولين عريكته ، ورقة حاشيته وخفة روحه وأدبه الجم ، وعذوبة منطقة ، وفيض يده على عسره وشظف عيشه فهذه السجايا والخصال هي أهم صفاته الكمالية ، وقد ورثها - بحكم قانون الوراثة - عن آباء آبائه البلاغيين البهاليل الكرام .
ومن مقومات شخصيته العلمية وملكته الفلسفية والأدبية كثرة ملازمته لأساطين الفنون العربية وأئمة الفقه الإسلامي وجهابذة الفلسفة والكلام ، هؤلاء الفحول الذين كانت تحتضنهم مدينة " باب مدينة العلم " النجف الأشرف وهي أعظم جامعة إسلامية لشتى الفنون والعلوم القديمة ، أما العلوم المتنوعة الحديثة فقد درسها على نفسه بالإضافة إلى اللغة الفارسية والإنجليزية والعبرية ومن أشهر شيوخه الذين ارتشف ونهل من نميرهم الصافي هم حجج الإسلام الشيخ محمد طه نجف ، والحاج آغا رضا الهمداني ، والأستاذ الأكبر الشيخ محمد كاظم الخراساني ، والميرزا محمد تقي الشيرازي القائد الروحي للثورة العراقية الكبرى سنة 1920 م ، وبعد أن ارتوى من تلك الينابيع الفياضة والمناهل العذاب نضجت مواهبه وملكته الاجتهادية ، فاستولى على زمام الاجتهاد والاستنباط وصار إماما مجتهدا بجدارة واستحقاق ومجاهدا مضحيا بالنفس والنفيس في خدمة الحق وإبطال الأباطيل ورفع راية الإسلام ، حتى أضحت داره كعبة القصاد ومدرسة النبهاء والفهماء ، إذ امتازت بطابعها الخاص وهو فن المناظرة والجدل ، ودراسة قواعد الدفاع وطرق النضال العلمية والفلسفية والأدبية في حومات المعارك الفكرية ، كما كانت مدارس الاعتزال في العصر العباسي إزاء أصحاب الأديان والمعتقدات المتطرفة وأهل الآراء والمذاهب المخالفة لمذهب الاعتزال ، وكانت مجاهدة الإمام البلاغي والمصابرة عليها ومصاولاته الفكرية المجهدة في رد اعتراضات الملحدين ، وطعون أهل الأهواء أمثال جرجيس صال الإنكليزي ، وصاحب كتاب " الهداية " المتكلف الضال مما ساعد على اشتهار الإمام البلاغي وذيوع صيته في الشرق والغرب ، حتى أصبحت مدرسته مناخ العقليين الهائمين وراء الحقائق ، وداره المتواضعة محط

9


المسترشدين المتبصرين من أرجاء الدنيا ، بل علماء المعاهد الفلسفية ، وأساتذة
الجامعات الكبرى العلمية .
جهاده وآثاره الخالدة :
إن المتتبع لسيرة عظماء الأمم وزعماء الشعوب وعباقرة الأقوام يجد أن سر
خلودهم كامن في عمق إيمانهم وقوة إرادتهم الحديدية ، وفي صدق إخلاصهم
وشدة الصبر والمصابرة على مرارة الجهاد في سبيل إعلاء ، كلمة الحق وإذلال
سلطان الباطل أو في سبيل الكفاح والنضال لإحياء المثل الأخلاقية الصحيحة
وتجديد العقائد السليمة ، والتراث التاريخي العتيد الذي هو مصدر مفاخر
الأمم ، ومحفزها إلى الارتقاء والتقدم ، وهكذا يعمل قادة الفكر وأئمة الاصلاح
في كل وسط ومجتمع سواء منهم صاحب السيف أو القلم أو رب السيف والقلم
معا ، أو الفيلسوف الحكيم والعالم الرباني العامل لنصرة العقيدة الحقة وإنقاذ
المجتمع من الظلمات إلى النور ، فهؤلاء القادة القادة البررة قد خلقوا لأداء رسالة
الاصلاح كلما تردت المجتمعات البشرية وانطمست معالم الخير فيها ، وشاعت
شرور الالحاد في صفوف أفرادها .
والمتدبر لسيرة الإمام البلاغي " رضوان الله عليه " منذ رفعت عنه تمائمه
حتى لحوقه بالرفيق الأعلى ، يجدها قد حفلت بألوان عجيبة باهرة بالأعمال
المجيدة والمساعي الحميدة لرفع لواء الاصلاح ومنار العلم ، وتجديد صرح
المعرفة وكشف الحجب التي أسدلتها يد الجهالة المظلمة في عهود الانحطاط على
جواهر حقائق الإسلام وقيامه بالدفاع المشكور عن محاسن ويسر الحنيفية السمحة
فإنه انعكف منذ عرف نفسه على الكتاب والدرس والاختلاف إلى دور العلم
ومجالس العلماء ، وندوات الصلحاء حتى إذا استد ساعده ( 1 ) ، ونضجت مداركه
وتوسعت معارفه ، وشاع فضله وفواضله في أوساط الفضيلة والفضلاء ، وأندية
العلم ، والعلماء ، اتجه بكليته مستضيئا بنور عقله الوهاج ، وفكره النير المتوقد ،
وبقوة إيمانه وصدق إخلاصه ، ومن ثم بغزارة معارفه وآدابه ، وجولات قلمه -
البلاغي - البارع إلى تخليد الغرر والدرر في بطون شتى الرسائل والكتب ، وهو


المسترشدين المتبصرين من أرجاء الدنيا ، بل علماء المعاهد الفلسفية ، وأساتذة الجامعات الكبرى العلمية .
جهاده وآثاره الخالدة :
إن المتتبع لسيرة عظماء الأمم وزعماء الشعوب وعباقرة الأقوام يجد أن سر خلودهم كامن في عمق إيمانهم وقوة إرادتهم الحديدية ، وفي صدق إخلاصهم وشدة الصبر والمصابرة على مرارة الجهاد في سبيل إعلاء ، كلمة الحق وإذلال سلطان الباطل أو في سبيل الكفاح والنضال لإحياء المثل الأخلاقية الصحيحة وتجديد العقائد السليمة ، والتراث التاريخي العتيد الذي هو مصدر مفاخر الأمم ، ومحفزها إلى الارتقاء والتقدم ، وهكذا يعمل قادة الفكر وأئمة الاصلاح في كل وسط ومجتمع سواء منهم صاحب السيف أو القلم أو رب السيف والقلم معا ، أو الفيلسوف الحكيم والعالم الرباني العامل لنصرة العقيدة الحقة وإنقاذ المجتمع من الظلمات إلى النور ، فهؤلاء القادة القادة البررة قد خلقوا لأداء رسالة الاصلاح كلما تردت المجتمعات البشرية وانطمست معالم الخير فيها ، وشاعت شرور الالحاد في صفوف أفرادها .
والمتدبر لسيرة الإمام البلاغي " رضوان الله عليه " منذ رفعت عنه تمائمه حتى لحوقه بالرفيق الأعلى ، يجدها قد حفلت بألوان عجيبة باهرة بالأعمال المجيدة والمساعي الحميدة لرفع لواء الاصلاح ومنار العلم ، وتجديد صرح المعرفة وكشف الحجب التي أسدلتها يد الجهالة المظلمة في عهود الانحطاط على جواهر حقائق الإسلام وقيامه بالدفاع المشكور عن محاسن ويسر الحنيفية السمحة فإنه انعكف منذ عرف نفسه على الكتاب والدرس والاختلاف إلى دور العلم ومجالس العلماء ، وندوات الصلحاء حتى إذا استد ساعده ( 1 ) ، ونضجت مداركه وتوسعت معارفه ، وشاع فضله وفواضله في أوساط الفضيلة والفضلاء ، وأندية العلم ، والعلماء ، اتجه بكليته مستضيئا بنور عقله الوهاج ، وفكره النير المتوقد ، وبقوة إيمانه وصدق إخلاصه ، ومن ثم بغزارة معارفه وآدابه ، وجولات قلمه - البلاغي - البارع إلى تخليد الغرر والدرر في بطون شتى الرسائل والكتب ، وهو

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) استد بالسين لا بالشين ، ويخطأ من يلفظها بالشين .

( 1 ) استد بالسين لا بالشين ، ويخطأ من يلفظها بالشين .

10

لا يتم تسجيل الدخول!