إسم الكتاب : الرحلة المدرسية ( عدد الصفحات : 189)


العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي
كتاب
الرحلة المدرسية والمدرسة السيارة
في نهج الهدى
الجزء الثالث
دار الزهراء
للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان


العلامة الشيخ محمد جواد البلاغي كتاب الرحلة المدرسية والمدرسة السيارة في نهج الهدى الجزء الثالث دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان

405



406



بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد كما هو أهله وهو المستعان والصلاة والسلام على رسله
وأنبيائه وأوليائه .
اليعازر . يا شيخ إني أحب أن تزيدني من احتجاج القرآن في
المعارف الإلهية .
عمانوئيل : وأنا أحب أن يكون بنحو يوافق أفهام العوام بحسب
شعورهم الفطري ويدقق مع الفيلسوف بحسب موازين العلم وهذا هو
الذي ينبغي أن يجري عليه ؟ الكتاب الإلهي الموحى لهداية البشر كافة .
الشيخ : إن من الأمور ما يجعلها القصور معرضا للشك والجحود
ومنها ما لا شك أو يشك فيها إلا فقد الشعور أو من ضحى شرف إنسانيته
لهواه . ولكن القرآن الكريم قد قطع المعاذير وجارى بإيضاح الحجة
قصور الناس ووساوس أهوائهم .
ومن ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت المكية 19 ( أولم يروا
كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير ) 20 ( قل سيروا
في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله
على كل شئ قدير ) .
فكأن القرآن الكريم يوبخ كثيرا من أهل القرن الحاضر الذين
أغفلتهم الدواعي فيقولون ويكتبون من غير التفات ولا مبالاة ( يستحيل
إخراج الوجود من العدم . فكري المتنور لا يذعن بإبداع الوجود بعد


بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد كما هو أهله وهو المستعان والصلاة والسلام على رسله وأنبيائه وأوليائه .
اليعازر . يا شيخ إني أحب أن تزيدني من احتجاج القرآن في المعارف الإلهية .
عمانوئيل : وأنا أحب أن يكون بنحو يوافق أفهام العوام بحسب شعورهم الفطري ويدقق مع الفيلسوف بحسب موازين العلم وهذا هو الذي ينبغي أن يجري عليه ؟ الكتاب الإلهي الموحى لهداية البشر كافة .
الشيخ : إن من الأمور ما يجعلها القصور معرضا للشك والجحود ومنها ما لا شك أو يشك فيها إلا فقد الشعور أو من ضحى شرف إنسانيته لهواه . ولكن القرآن الكريم قد قطع المعاذير وجارى بإيضاح الحجة قصور الناس ووساوس أهوائهم .
ومن ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت المكية 19 ( أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير ) 20 ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شئ قدير ) .
فكأن القرآن الكريم يوبخ كثيرا من أهل القرن الحاضر الذين أغفلتهم الدواعي فيقولون ويكتبون من غير التفات ولا مبالاة ( يستحيل إخراج الوجود من العدم . فكري المتنور لا يذعن بإبداع الوجود بعد

407



العدم ) أين هم وأين أبصارهم وبصائرهم عما يراه كل ذي عين ويحس به
كل ذي حس ويشعر به كل ذي شعور مما ملأ العالم من حدوث الوجود بعد
العدم ( أفلم يروا ) هذه الموجودات من الانسان والحيوان والنبات كيف
يحدث وجودها بعد أن لم يكن لها وجود كما يراها كل أحد تتجدد في
وجودها زمانا بعد زمان وخلقا بعد خلق .
هل هم يجحدون محسوساتهم ويدعون أنهم لا يرون من ذلك شيئا
أو يقولون إننا جلساء بيوتنا نرى الشمس والقمر والكواكب والأرض كما
هي منذ نشأنا ( قل سيروا في الأرض ) وأخرجوا من بيوتكم وظلمات
جهلكم ( فانظروا كيف بدأ الله الخلق ) يوجد النبات والحيوان والانسان
بعد أن لم يكن .
رمزي : الذي يحدث من ذلك بعد عدمه وينعدم بعد حدوثه إنما
هي الصور النوعية وأما المادة فهي أزلية لم تحدث بعد عدمها وأبدية لا
تنعدم .
عمانوئيل : من أين لك أن المادة الأزلية لم تحدث بعد عدمها .
أليست هذه الأمور الحادثة من الحيوان والانسان والنبات نراها قبل حدوثها
لا نعرف لها مادة ولا صورة ثم تبرز للوجود وتبلغ غاية كبرها ثم يعتريها
النقصان والذبول ثم تنمحي من الوجود فلماذا لا تقول : إن مادتها
كصورتها تحدث وتنعدم .
رمزي : إني لا أرى هذا الحدوث في الشمس وسائر الكواكب
والأرض فلا أقدر أنها تنعدم .
عمانوئيل : وإنك لم تر حدوث أبيك وأمك وأسلافك فهل تقول
إنهم قدماء منذ الأزل .
وإن كثيرا من شجر الزيتون لم تدرك حدوثه وليس لك من العمر ما
يبلغ زمان انعدامه .
فهل تقول وتفتي بأنه أزلي أبدي . أين أنت يا رمزي وأين نشأت


العدم ) أين هم وأين أبصارهم وبصائرهم عما يراه كل ذي عين ويحس به كل ذي حس ويشعر به كل ذي شعور مما ملأ العالم من حدوث الوجود بعد العدم ( أفلم يروا ) هذه الموجودات من الانسان والحيوان والنبات كيف يحدث وجودها بعد أن لم يكن لها وجود كما يراها كل أحد تتجدد في وجودها زمانا بعد زمان وخلقا بعد خلق .
هل هم يجحدون محسوساتهم ويدعون أنهم لا يرون من ذلك شيئا أو يقولون إننا جلساء بيوتنا نرى الشمس والقمر والكواكب والأرض كما هي منذ نشأنا ( قل سيروا في الأرض ) وأخرجوا من بيوتكم وظلمات جهلكم ( فانظروا كيف بدأ الله الخلق ) يوجد النبات والحيوان والانسان بعد أن لم يكن .
رمزي : الذي يحدث من ذلك بعد عدمه وينعدم بعد حدوثه إنما هي الصور النوعية وأما المادة فهي أزلية لم تحدث بعد عدمها وأبدية لا تنعدم .
عمانوئيل : من أين لك أن المادة الأزلية لم تحدث بعد عدمها .
أليست هذه الأمور الحادثة من الحيوان والانسان والنبات نراها قبل حدوثها لا نعرف لها مادة ولا صورة ثم تبرز للوجود وتبلغ غاية كبرها ثم يعتريها النقصان والذبول ثم تنمحي من الوجود فلماذا لا تقول : إن مادتها كصورتها تحدث وتنعدم .
رمزي : إني لا أرى هذا الحدوث في الشمس وسائر الكواكب والأرض فلا أقدر أنها تنعدم .
عمانوئيل : وإنك لم تر حدوث أبيك وأمك وأسلافك فهل تقول إنهم قدماء منذ الأزل .
وإن كثيرا من شجر الزيتون لم تدرك حدوثه وليس لك من العمر ما يبلغ زمان انعدامه .
فهل تقول وتفتي بأنه أزلي أبدي . أين أنت يا رمزي وأين نشأت

408


ألم تسمع من الذين تتبع آراءهم أنهم يكتبون ويقولون إن الشمس
والكواكب والأرض قد حدثت بتقلب الأحوال وهي خاضعة لسلطان
الانحلال والعدم متى ما انتهى أمدها واستعدادها المقدر لها .
رمزي : إن الحدوث والانعدام والصغير والكبر لا يكون بحدوث
المادة وانعدامها بل إنما يكون بتجمع المادة وتفرقها بحسب حركتها في
التقلب بالصور .
عمانوئيل : لا تليق هذه الدعوى إلا من أزلي أبدي يحيط علمه
بكل شئ في العالم بأجمعه في جميع الأحوال والأزمان . من أين لك أن
كل جزء يوجد في الحيوان والنبات هو مادة قديمة أزلية تحولت صورتها
إلى الحيوان أو النبات .
ومن أين لك أن كل جزء ينعدم منهما هو مادة باقية أبدية تحولت
صورتها إلى غيرهما .
هل يدلك الحس على ذلك في جميع الحوادث ؟ أو لأنك تقول
إني لا أقدر على إحداث المادة وإعدامها ولا أقدر على إحداث أرض ولا
على إعدامها ولا أقدر على إحداث مدفع ضخم بمادته وصورته ولا أقدر
على إعدامه بمادته وصورته ؟ ؟
مهما ركنت لقول فلان وفلان ومهما أصغيت إلى المسموعات فإن
الاكتشافات الجديدة تنادي بحدوث المادة وانعدامها .
ألم تسمع الخطباء يخطبون والكتاب يكتبون أن الراديوم يتحول
إلى القوة ولا يزال هذا التحول يبعث في الفضاء كهربائيته وحرارته ونوره
حتى قدروا أن الغرام منه يتحول نصفه في ألف وخمسمائة سنة تحويلا
تاما ووجدوا أن غازه إذا وضع في قارورة مسدودة ينعدم بعد مدة ثم
يحدث بدلا عنه غاز الهليوم . هذه اكتشافات الذين لا زلت تخضع لآرائهم
وتستعبدك كلماتهم مع أنهم وجدوا أن الراديوم أبطأ العناصر انحلالا ولكن
لأنهم وجدوا أنه ينحل إلى حركة وحرارة ونور لم يستطيعوا أن يقولوا : إن


ألم تسمع من الذين تتبع آراءهم أنهم يكتبون ويقولون إن الشمس والكواكب والأرض قد حدثت بتقلب الأحوال وهي خاضعة لسلطان الانحلال والعدم متى ما انتهى أمدها واستعدادها المقدر لها .
رمزي : إن الحدوث والانعدام والصغير والكبر لا يكون بحدوث المادة وانعدامها بل إنما يكون بتجمع المادة وتفرقها بحسب حركتها في التقلب بالصور .
عمانوئيل : لا تليق هذه الدعوى إلا من أزلي أبدي يحيط علمه بكل شئ في العالم بأجمعه في جميع الأحوال والأزمان . من أين لك أن كل جزء يوجد في الحيوان والنبات هو مادة قديمة أزلية تحولت صورتها إلى الحيوان أو النبات .
ومن أين لك أن كل جزء ينعدم منهما هو مادة باقية أبدية تحولت صورتها إلى غيرهما .
هل يدلك الحس على ذلك في جميع الحوادث ؟ أو لأنك تقول إني لا أقدر على إحداث المادة وإعدامها ولا أقدر على إحداث أرض ولا على إعدامها ولا أقدر على إحداث مدفع ضخم بمادته وصورته ولا أقدر على إعدامه بمادته وصورته ؟ ؟
مهما ركنت لقول فلان وفلان ومهما أصغيت إلى المسموعات فإن الاكتشافات الجديدة تنادي بحدوث المادة وانعدامها .
ألم تسمع الخطباء يخطبون والكتاب يكتبون أن الراديوم يتحول إلى القوة ولا يزال هذا التحول يبعث في الفضاء كهربائيته وحرارته ونوره حتى قدروا أن الغرام منه يتحول نصفه في ألف وخمسمائة سنة تحويلا تاما ووجدوا أن غازه إذا وضع في قارورة مسدودة ينعدم بعد مدة ثم يحدث بدلا عنه غاز الهليوم . هذه اكتشافات الذين لا زلت تخضع لآرائهم وتستعبدك كلماتهم مع أنهم وجدوا أن الراديوم أبطأ العناصر انحلالا ولكن لأنهم وجدوا أنه ينحل إلى حركة وحرارة ونور لم يستطيعوا أن يقولوا : إن

409


مادته تكتسب صورة أخرى .
ألم تسمع هذا الدوي الكبير من الاكتشافات التي أوجبت الانقلاب
العلمي والتي تبشر بملاشاة التخمينات الملفقة للمذهب المادي ، ألا
وهو دوي مذهب الدقائق الكهربائية وهو ( أن المادة متكونة من دقائق
الكهربائية ) بل إن البحث المادي قد تقهقر عن تقحمه في القول بقدم
المادة حتى صار المهم فيه هو التهجس على أنه هل في الكون مادة
ابتدائية نشأت عنها جميع المواد ؟
ولا تحسب أن الذرات الكهربائية أو ( الكترونات ) الكهربائية هي
ذرات مادية كلا بل هي أقل ما وصل إليه الافتراض من مراتب القوة . يا
رمزي إن العقل في غنى عن هذه الاكتشافات فإن عنده من القضايا
الوجدانية الفطرية البديهية والمشاهدات الحسية ما يكفيه في فصل القضاء
في هذه المسألة .
فقد تقدم في الجزء الثاني مبينا صفحة 93 أن ما لا يكون واجب
الوجود لا يكون أزليا بل لا بد له من أن يكون حادثا محتاجا إلى موجد
يوجده وأن المادة الخاضعة لتغيرات الكيان وتبادل التقلبات بالحقائق
النوعية لا تكون واجبة الوجود بل هي حادثه لا بد لها من موجد يبدعها
ويوجدها بعد عدمها . ومهما تغافلنا عما نحسه من حدوث الأجسام
وتجدد وجودها فإن علينا الحجة الجلية بما لا ينكره أحد من حدوث
الصور النوعية فإن ذلك يرغم مكابراتنا على الاذعان بأن إبداع الموجود
بعد عدمه أمر معقول مشاهد محسوس .
رمزي : لا يمكننا أن ننكر حدوث الصور النوعية بعد عدمها بل لا
نزال نشاهد صورا حادثة والكثير منها ما لا يذكر له التاريخ مثالا بل إن
المذهب الداروني مذهب تسلسل الأنواع مؤسس على أن الأنواع تتجدد
حقائقها على غير مثال سابق .
ولكن شعوري المتنور لا يذعن بإبداع المادة ووجودها بعد عدمها .


مادته تكتسب صورة أخرى .
ألم تسمع هذا الدوي الكبير من الاكتشافات التي أوجبت الانقلاب العلمي والتي تبشر بملاشاة التخمينات الملفقة للمذهب المادي ، ألا وهو دوي مذهب الدقائق الكهربائية وهو ( أن المادة متكونة من دقائق الكهربائية ) بل إن البحث المادي قد تقهقر عن تقحمه في القول بقدم المادة حتى صار المهم فيه هو التهجس على أنه هل في الكون مادة ابتدائية نشأت عنها جميع المواد ؟
ولا تحسب أن الذرات الكهربائية أو ( الكترونات ) الكهربائية هي ذرات مادية كلا بل هي أقل ما وصل إليه الافتراض من مراتب القوة . يا رمزي إن العقل في غنى عن هذه الاكتشافات فإن عنده من القضايا الوجدانية الفطرية البديهية والمشاهدات الحسية ما يكفيه في فصل القضاء في هذه المسألة .
فقد تقدم في الجزء الثاني مبينا صفحة 93 أن ما لا يكون واجب الوجود لا يكون أزليا بل لا بد له من أن يكون حادثا محتاجا إلى موجد يوجده وأن المادة الخاضعة لتغيرات الكيان وتبادل التقلبات بالحقائق النوعية لا تكون واجبة الوجود بل هي حادثه لا بد لها من موجد يبدعها ويوجدها بعد عدمها . ومهما تغافلنا عما نحسه من حدوث الأجسام وتجدد وجودها فإن علينا الحجة الجلية بما لا ينكره أحد من حدوث الصور النوعية فإن ذلك يرغم مكابراتنا على الاذعان بأن إبداع الموجود بعد عدمه أمر معقول مشاهد محسوس .
رمزي : لا يمكننا أن ننكر حدوث الصور النوعية بعد عدمها بل لا نزال نشاهد صورا حادثة والكثير منها ما لا يذكر له التاريخ مثالا بل إن المذهب الداروني مذهب تسلسل الأنواع مؤسس على أن الأنواع تتجدد حقائقها على غير مثال سابق .
ولكن شعوري المتنور لا يذعن بإبداع المادة ووجودها بعد عدمها .

410


عمانوئيل : لا أطالبك بالاكتشافات الجديدة في العلم ولا بحجة
العمل ولكن قل لي كيف أذعنت بوجود الصور النوعية وإبداعها بعد عدمها
ولماذا لا تذعن بإبداع المادة .
رمزي : حدوث الصور النوعية ليس إبداعا بل إن الصور ناشئة من
المادة لأن الصورة لا تكون بلا مادة .
عمانوئيل : هل تقدر أن تفسر لي كلامك هذا . فماذا تقول وماذا
تريد بقولك هذا ؟
رمزي : ما علي إذا قلت إن المادة تتحول وتصير صورة وهذه هي
السنة في الصورة فإنها لا تكون إلا من تحول المادة .
عمانوئيل : لا أحمل كلامك هذا على عاتق أهل العلم .
ولكن لك أقول يلزمك على كلامك هذا أن تقول بانعدام المادة
شيئا فشيئا بسبب تحولها إلى الصور إلى أن ينتهي الحال إلى انعدامها
بالمرة .
والذي ينعدم ولو تدريجا ولو بالتحول لا يكون أزليا فإن الأزلي عند
أهل العلم لا بد من أن يكون أبديا ، وما ليس أزليا لا بد له من علة تعلله
وموجد يبدعه .
وأما قولك إن الصورة لا تكون إلا من تحولها من المادة فإنك قلته
وكأنك لا تدري بأن المادة لا تكون في الوجود بلا صورة .
فماذا تقول في أول صورة كانت للمادة فقل لنا هذه الصورة الأولية
المقارنة للمادة في الوجود واللازمة لها من أين تحولت ؟ ؟
رمزي : إن الصورة لا تكون بلا مادة فلا يكون حدوثها إبداعا .
عمانوئيل : الابداع هو إحداث الوجود بعد العدم وهو لا شك في
تحققه في الصور النوعية ومن ذا الذي اشترط في معنى الابداع أن يكون
عبارة عن إيجاد الشئ منفردا بالوجود غير مرتبط بشئ آخر كارتباط المادة


عمانوئيل : لا أطالبك بالاكتشافات الجديدة في العلم ولا بحجة العمل ولكن قل لي كيف أذعنت بوجود الصور النوعية وإبداعها بعد عدمها ولماذا لا تذعن بإبداع المادة .
رمزي : حدوث الصور النوعية ليس إبداعا بل إن الصور ناشئة من المادة لأن الصورة لا تكون بلا مادة .
عمانوئيل : هل تقدر أن تفسر لي كلامك هذا . فماذا تقول وماذا تريد بقولك هذا ؟
رمزي : ما علي إذا قلت إن المادة تتحول وتصير صورة وهذه هي السنة في الصورة فإنها لا تكون إلا من تحول المادة .
عمانوئيل : لا أحمل كلامك هذا على عاتق أهل العلم .
ولكن لك أقول يلزمك على كلامك هذا أن تقول بانعدام المادة شيئا فشيئا بسبب تحولها إلى الصور إلى أن ينتهي الحال إلى انعدامها بالمرة .
والذي ينعدم ولو تدريجا ولو بالتحول لا يكون أزليا فإن الأزلي عند أهل العلم لا بد من أن يكون أبديا ، وما ليس أزليا لا بد له من علة تعلله وموجد يبدعه .
وأما قولك إن الصورة لا تكون إلا من تحولها من المادة فإنك قلته وكأنك لا تدري بأن المادة لا تكون في الوجود بلا صورة .
فماذا تقول في أول صورة كانت للمادة فقل لنا هذه الصورة الأولية المقارنة للمادة في الوجود واللازمة لها من أين تحولت ؟ ؟
رمزي : إن الصورة لا تكون بلا مادة فلا يكون حدوثها إبداعا .
عمانوئيل : الابداع هو إحداث الوجود بعد العدم وهو لا شك في تحققه في الصور النوعية ومن ذا الذي اشترط في معنى الابداع أن يكون عبارة عن إيجاد الشئ منفردا بالوجود غير مرتبط بشئ آخر كارتباط المادة

411



بالصورة والصورة بالمادة إن كانت لك نفرة مع الابداع حتى صرت تتحكم
فيه وتشترط فيه ما ليس بشرط فدعه وتكلمك في خلق الشئ وإيجاده بعد
عدمه .
دع عنك الخلق والايجاد بل نكلمك في وجود الشئ وحدوثه بعد
عدمه .
يا رمزي إن حدوث الصورة من أوضح الأدلة على حدوث المادة
فالمادة ملزومة للصورة ولا يعقل في العلم والوجدان وجود مادة بلا
صورة .
وإذا كانت الصورة حادثة بواضح الحس فلا بد من أن تكون المادة
حادثة أيضا لأن ملزوم الحادث حادث بلا شك .
هل يمكن أن تقول بقدم المادة مع كونها ملزومة في الوجود للصورة
الحادثة أم هل يمكن لأحد أن يقول إن الصورة قديمة ؟
رمزي : إن الصورة الأولية مقارنة للمادة في الأزل هي أزلية كالمادة
غير حادثة .
عمانوئيل : إن أهل العلم بأجمعهم يعترفون بما يحكم به العقل
والوجدان من أن الأزلي لا بد من أن يكون أبديا لا ينعدم وقد يجري هذا
الاعتراف على لسانك سواء كان عن شعور بحقيقة أو عن تقليد
للمسموعات وها هي الصورة تنعدم وتخلفها في الوجود صور أخرى لم
يكن لها سابقة قي الوجود فكيف تكون أزلية .
حتى إن صورة الأثير الذي تفرضونه تعترفون بخضوعها للانعدام
وحدوث صور أخرى بعد انعدامها وعلى هذا جرى افتراضكم .
يا رمزي لا يخفى على ذي حس وشعور كون الصورة والمادة
متلازمتين في الوجود .
هل تكون مادة في الوجود بلا صورة ؟ إذن فكيف تكون المادة أزلية


بالصورة والصورة بالمادة إن كانت لك نفرة مع الابداع حتى صرت تتحكم فيه وتشترط فيه ما ليس بشرط فدعه وتكلمك في خلق الشئ وإيجاده بعد عدمه .
دع عنك الخلق والايجاد بل نكلمك في وجود الشئ وحدوثه بعد عدمه .
يا رمزي إن حدوث الصورة من أوضح الأدلة على حدوث المادة فالمادة ملزومة للصورة ولا يعقل في العلم والوجدان وجود مادة بلا صورة .
وإذا كانت الصورة حادثة بواضح الحس فلا بد من أن تكون المادة حادثة أيضا لأن ملزوم الحادث حادث بلا شك .
هل يمكن أن تقول بقدم المادة مع كونها ملزومة في الوجود للصورة الحادثة أم هل يمكن لأحد أن يقول إن الصورة قديمة ؟
رمزي : إن الصورة الأولية مقارنة للمادة في الأزل هي أزلية كالمادة غير حادثة .
عمانوئيل : إن أهل العلم بأجمعهم يعترفون بما يحكم به العقل والوجدان من أن الأزلي لا بد من أن يكون أبديا لا ينعدم وقد يجري هذا الاعتراف على لسانك سواء كان عن شعور بحقيقة أو عن تقليد للمسموعات وها هي الصورة تنعدم وتخلفها في الوجود صور أخرى لم يكن لها سابقة قي الوجود فكيف تكون أزلية .
حتى إن صورة الأثير الذي تفرضونه تعترفون بخضوعها للانعدام وحدوث صور أخرى بعد انعدامها وعلى هذا جرى افتراضكم .
يا رمزي لا يخفى على ذي حس وشعور كون الصورة والمادة متلازمتين في الوجود .
هل تكون مادة في الوجود بلا صورة ؟ إذن فكيف تكون المادة أزلية

412


قديمة مع أن الصورة اللازمة لها خاضعة للتغير والعدم والحدوث بعد
العدم .
رمزي : إن العلم يبين أن العالم مضت له ملايين كثيرة من السنين
ومادته تتقلب بها الصور وتتوارد عليها التغيرات فكيف يمكن أن نقول
بحدوث المادة .
عمانوئيل : عجيب قولك هذا يا رمزي فهل أنت تنسى أول الكلام
أم تتناساه .
متى قبلنا افتراضات بعض الماديين في أن المادة بجميع أقسامها
هي منذ الزمن القديم إلى الآن لم يطرأ عليها العدم ولم تحدث بعد
العدم . وكيف تستند في دعواك هذه إلى بيان العلم مع أن الاكتشافات
الجديدة من الماديين وغيرهم قد أوضحت في العلم السائد أن المادة
تنعدم وتحدث وأيضا هل سمعتنا نقول إنه لم يكن لنوع المادة وجود قبل
سبعة آلاف سنة أو ثمانية .
فلماذا لا تدري بأن الذي نقوله بحكم العقل والوجدان هو أن المادة
ليست أزلية لأنها لا يمكن أن تكون واجبة الوجود وما لا يكون واجب
الوجود لا بد له من أن ينتهي إيجاده إلى واجب الوجود الجامع لخصائص
وجوب الوجود كما بيناه في الجزء الثاني وإن كان الايجاد قبل الملايين
من السنين .
وأكدنا ذلك ههنا بأن المادة ملزومة للصورة ولا تنفك عنها ولا شك
في أن الصورة متغيرة حادثة وما هو ملزوم الحادث حادث ليس بأزلي
بالبداهية .
رمزي : ها هي التوراة تقول في أول سفر التكوين وما بعده من
التاريخ ما يرجع بحسب تواريخها إلى أن مبدأ خلق العالم السماوي
والأرضي لم يمض عليه أكثر من ثمانية آلاف سنة مع أن العلم يبين أن
هذا الزمان لا يكفي في تكون طبقة من طبقات الأرض .


قديمة مع أن الصورة اللازمة لها خاضعة للتغير والعدم والحدوث بعد العدم .
رمزي : إن العلم يبين أن العالم مضت له ملايين كثيرة من السنين ومادته تتقلب بها الصور وتتوارد عليها التغيرات فكيف يمكن أن نقول بحدوث المادة .
عمانوئيل : عجيب قولك هذا يا رمزي فهل أنت تنسى أول الكلام أم تتناساه .
متى قبلنا افتراضات بعض الماديين في أن المادة بجميع أقسامها هي منذ الزمن القديم إلى الآن لم يطرأ عليها العدم ولم تحدث بعد العدم . وكيف تستند في دعواك هذه إلى بيان العلم مع أن الاكتشافات الجديدة من الماديين وغيرهم قد أوضحت في العلم السائد أن المادة تنعدم وتحدث وأيضا هل سمعتنا نقول إنه لم يكن لنوع المادة وجود قبل سبعة آلاف سنة أو ثمانية .
فلماذا لا تدري بأن الذي نقوله بحكم العقل والوجدان هو أن المادة ليست أزلية لأنها لا يمكن أن تكون واجبة الوجود وما لا يكون واجب الوجود لا بد له من أن ينتهي إيجاده إلى واجب الوجود الجامع لخصائص وجوب الوجود كما بيناه في الجزء الثاني وإن كان الايجاد قبل الملايين من السنين .
وأكدنا ذلك ههنا بأن المادة ملزومة للصورة ولا تنفك عنها ولا شك في أن الصورة متغيرة حادثة وما هو ملزوم الحادث حادث ليس بأزلي بالبداهية .
رمزي : ها هي التوراة تقول في أول سفر التكوين وما بعده من التاريخ ما يرجع بحسب تواريخها إلى أن مبدأ خلق العالم السماوي والأرضي لم يمض عليه أكثر من ثمانية آلاف سنة مع أن العلم يبين أن هذا الزمان لا يكفي في تكون طبقة من طبقات الأرض .

413


عمانوئيل : قد أجرينا بعض التحقيقات اللازمة في شأن التوراة
الرائجة فانكشف لنا أنها غير التوراة الحقيقية فانظر إلى الجزء الأول من
هذه الرحلة . فليس من الصواب أن تجعل مضامينها وسيلة لجدالك
المبني على خضوعك للتخمينات .
وها هو ذا قرآن المسلمين يبين أن خلق الأرض وسكانها كان قبل
خلق هذا النوع الانساني بمدة من الدهر وأن هذا النوع الانساني خلق
خليفة بعد نوع أو أنواع منقرضة .
ولم يقتض المقام أن يتعرض لبيان ما مضى للمخلوف من الدهور
والأحقاب . فانظر إلى قوله في الآية الثلاثين من سورة البقرة ( وإذا قال
ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) .
رمزي : إن أقوال العلم العصري والرأي السديمي تفيد أن تكون
الشمس والكواكب والأرض يحتاج إلى دهور طويلة وملايين عديدة من
السنين والتوراة والقرآن يقولان إن السماوات والأرض وما فيهما قد تم
خلقها في ستة أيام .
عمانوئيل : قد أوضحنا فيما كتب في هذه الرحلة أن العلم
الحقيقي يبين حدوث المادة والصورة وأنهما لا بد لهما من موجد قادر
على خلقهما وتكوينهما إذن فمن ذا الذي حدد قدرة هذا الموجد أو حدد
حكمته بحيث لا يمكن أن يخلق العالم بستة أيام .
أفلا تدري أن افتراضات المذهب السديمي إنما خيلتها افتراضات
مستحيلة في العلم كافتراض قدم المادة وافتراض بساطتها في القديم
بافتراض الجواهر الفردة أو افتراض الأثير ثم افتراض تطور المادة في
صورها بالحركات الحادثة المحتاجة إلى الدهور والأعوام وما هي القيمة
لهذه الافتراضات إذا قاومتها الحجة على استحالتها .
وكيف تصادر الإلهيين بافتراضات الماديين . وإن كنت من الإلهيين
الذين خضعوا لتخمينات الرأي السديمي بالطفرة التي يسمونها بالشجاعة


عمانوئيل : قد أجرينا بعض التحقيقات اللازمة في شأن التوراة الرائجة فانكشف لنا أنها غير التوراة الحقيقية فانظر إلى الجزء الأول من هذه الرحلة . فليس من الصواب أن تجعل مضامينها وسيلة لجدالك المبني على خضوعك للتخمينات .
وها هو ذا قرآن المسلمين يبين أن خلق الأرض وسكانها كان قبل خلق هذا النوع الانساني بمدة من الدهر وأن هذا النوع الانساني خلق خليفة بعد نوع أو أنواع منقرضة .
ولم يقتض المقام أن يتعرض لبيان ما مضى للمخلوف من الدهور والأحقاب . فانظر إلى قوله في الآية الثلاثين من سورة البقرة ( وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) .
رمزي : إن أقوال العلم العصري والرأي السديمي تفيد أن تكون الشمس والكواكب والأرض يحتاج إلى دهور طويلة وملايين عديدة من السنين والتوراة والقرآن يقولان إن السماوات والأرض وما فيهما قد تم خلقها في ستة أيام .
عمانوئيل : قد أوضحنا فيما كتب في هذه الرحلة أن العلم الحقيقي يبين حدوث المادة والصورة وأنهما لا بد لهما من موجد قادر على خلقهما وتكوينهما إذن فمن ذا الذي حدد قدرة هذا الموجد أو حدد حكمته بحيث لا يمكن أن يخلق العالم بستة أيام .
أفلا تدري أن افتراضات المذهب السديمي إنما خيلتها افتراضات مستحيلة في العلم كافتراض قدم المادة وافتراض بساطتها في القديم بافتراض الجواهر الفردة أو افتراض الأثير ثم افتراض تطور المادة في صورها بالحركات الحادثة المحتاجة إلى الدهور والأعوام وما هي القيمة لهذه الافتراضات إذا قاومتها الحجة على استحالتها .
وكيف تصادر الإلهيين بافتراضات الماديين . وإن كنت من الإلهيين الذين خضعوا لتخمينات الرأي السديمي بالطفرة التي يسمونها بالشجاعة

414

لا يتم تسجيل الدخول!