إسم الكتاب : عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ( عدد الصفحات : 319)


عدة الصابرين
وذخيرة الشاكرين


عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

1


< صفحة فارغة >
صفحة بيضاء
< / صفحة فارغة >


< صفحة فارغة > صفحة بيضاء < / صفحة فارغة >

2


عدة الصابرين
وذخيرة الشاكرين
تأليف
الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر
ابن قيم الجوزية
691 ه‍ - 751 ه‍
تقديم وتحقيق وتعليق
محمد عثمان الخشت
الناشر
دار الكتاب العربي


عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين تأليف الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية 691 ه‍ - 751 ه‍ تقديم وتحقيق وتعليق محمد عثمان الخشت الناشر دار الكتاب العربي

3


جميع الحقوق محفوظة
لدار الكتاب العربي
بيروت
الطبعة السابعة
1418 ه‍ - 1998 م
دار الكتاب العربي
الطابق الثامن - بناية بنك بيبلوس - فردان - تلفون 861179 / 800811 / 862905
فاكس : 805478 ( 009611 ) برقيا : الكتاب - بيروت - ص . ب : 576 - 11 - بيروت - لبنان


جميع الحقوق محفوظة لدار الكتاب العربي بيروت الطبعة السابعة 1418 ه‍ - 1998 م دار الكتاب العربي الطابق الثامن - بناية بنك بيبلوس - فردان - تلفون 861179 / 800811 / 862905 فاكس : 805478 ( 009611 ) برقيا : الكتاب - بيروت - ص . ب : 576 - 11 - بيروت - لبنان

4



الباب الأول
في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها
أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما ويقال : صبر بصير صبرا وصبر نفسه قال تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ) وقال عنترة :
فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع
يقول : حبست نفساً عارفة وهي نفس حر يأنف لا نفس عبد لا أنفة له وقوله : ترسو أي تثبت وتسكن إذا خافت نفس الجبان واضطربت .
ويقال : صبرت فلاناً إذا حبسته وصبرته بالتشديد إذا حملته على الصبر وفي حديث الذي أمسك رجلاً وقتلته آخر ( يقتل القاتل ويصبر الصابر ) أي يحبس للموت كما حبس من أمسكه للموت وصبرت الرجل : إذا قتلته صبراً أي


الباب الأول في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما ويقال : صبر بصير صبرا وصبر نفسه قال تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ) وقال عنترة :
فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع يقول : حبست نفساً عارفة وهي نفس حر يأنف لا نفس عبد لا أنفة له وقوله : ترسو أي تثبت وتسكن إذا خافت نفس الجبان واضطربت .
ويقال : صبرت فلاناً إذا حبسته وصبرته بالتشديد إذا حملته على الصبر وفي حديث الذي أمسك رجلاً وقتلته آخر ( يقتل القاتل ويصبر الصابر ) أي يحبس للموت كما حبس من أمسكه للموت وصبرت الرجل : إذا قتلته صبراً أي

27


أمسكته للقتل وصبرته أيضاً وأصبرته : إذا حبسته للحلف ومنه الحديث الصحيح : ( من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عنه معرض ) ومنه الحديث في القسامة : ( ولا تصبر يمينه حيث تصبر الايمان ) والمصبورة : اليمين المحلوف عليها وفي الحديث نهي ( عن المصبورة ) وهي الشاة والدجاجة ونحوهما تصبر للموت فتربط فترمي حتى تموت .
وفعل هذا الباب : ( صبرت أصبر ) - بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل - وأما ( صبرت أصبر ) - بالضم في المستقبل - فهو بمعنى الكفالة والصبير : الكفيل كأنه حبس نفسه للغرم ومنه قولهم ( اصبرني ) أي اجعلني كفيلاً .
وقيل أصل الكلمة من الشدة والقوة ومنه الصبر للدواء المعروف لشدة مرارته وكراهته قال الأصمعي : إذا لقى الرجل الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارها ومنه الصبر - بضم الصاد - للأرض ذات الحصب لشدتها وصلابتها ومنه سميت الحرة : أم صبار ومنه قولهم : وقع القوم في أمر صبور - بتشديد الباء - أي أمر شديد ومنه صبارة الشتاء - بتخفيف الباء وتشديد الراء - لشدة برده .
وقيل : مأخوذ من الجمع والضم فالصابر يجمع نفسه ويضمها عن الهلع والجزع ومنه صبرة الطعام ، وصبارة الحجارة .
والتحقيق أن في الصبر المعاني الثلاثة : المنع والشدة والضم ويقال : صبر إذا أتى بالصبر وتصبر : إذا تكلفه واستدعاه واصطبر : إذا اكتسبه وتعمله وصابر : إذا وقف خصمه في مقام الصبر وصبر نفسه وغيره - بالتشديد - إذا حملها على الصبر واسم الفاعل : ( صابر وصبار وصبور ومصابر ومصطبر ) فمصابر من صابر ومصطبر من اصطبر وصابر من صبر وأما صبار وصبور فمن أوزان المبالغة من الثلاثي كضراب وضروب والله أعلم .


أمسكته للقتل وصبرته أيضاً وأصبرته : إذا حبسته للحلف ومنه الحديث الصحيح : ( من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عنه معرض ) ومنه الحديث في القسامة : ( ولا تصبر يمينه حيث تصبر الايمان ) والمصبورة : اليمين المحلوف عليها وفي الحديث نهي ( عن المصبورة ) وهي الشاة والدجاجة ونحوهما تصبر للموت فتربط فترمي حتى تموت .
وفعل هذا الباب : ( صبرت أصبر ) - بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل - وأما ( صبرت أصبر ) - بالضم في المستقبل - فهو بمعنى الكفالة والصبير : الكفيل كأنه حبس نفسه للغرم ومنه قولهم ( اصبرني ) أي اجعلني كفيلاً .
وقيل أصل الكلمة من الشدة والقوة ومنه الصبر للدواء المعروف لشدة مرارته وكراهته قال الأصمعي : إذا لقى الرجل الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارها ومنه الصبر - بضم الصاد - للأرض ذات الحصب لشدتها وصلابتها ومنه سميت الحرة : أم صبار ومنه قولهم : وقع القوم في أمر صبور - بتشديد الباء - أي أمر شديد ومنه صبارة الشتاء - بتخفيف الباء وتشديد الراء - لشدة برده .
وقيل : مأخوذ من الجمع والضم فالصابر يجمع نفسه ويضمها عن الهلع والجزع ومنه صبرة الطعام ، وصبارة الحجارة .
والتحقيق أن في الصبر المعاني الثلاثة : المنع والشدة والضم ويقال : صبر إذا أتى بالصبر وتصبر : إذا تكلفه واستدعاه واصطبر : إذا اكتسبه وتعمله وصابر : إذا وقف خصمه في مقام الصبر وصبر نفسه وغيره - بالتشديد - إذا حملها على الصبر واسم الفاعل : ( صابر وصبار وصبور ومصابر ومصطبر ) فمصابر من صابر ومصطبر من اصطبر وصابر من صبر وأما صبار وصبور فمن أوزان المبالغة من الثلاثي كضراب وضروب والله أعلم .

28



الباب الثاني
في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه
قد تقدم بيان معناه لغة وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل مالا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها .
وسئل عنه الجنيد بن محمد فقال : ( تجرع المرارة من غير تعبس ) .
وقال ذو النون : ( هو التباعد عن المخالفات والسكون عند تجرع غصص البلية واظهار الغني مع حلول الفقر بساحات المعيشة ) .
وقيل : ( هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى ) .
وقال أبو عثمان : ( الصبار هو الذي عود نفسه الهجوم على المكاره ) .


الباب الثاني في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه قد تقدم بيان معناه لغة وأما حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل مالا يحسن ولا يجمل وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها .
وسئل عنه الجنيد بن محمد فقال : ( تجرع المرارة من غير تعبس ) .
وقال ذو النون : ( هو التباعد عن المخالفات والسكون عند تجرع غصص البلية واظهار الغني مع حلول الفقر بساحات المعيشة ) .
وقيل : ( هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى ) .
وقال أبو عثمان : ( الصبار هو الذي عود نفسه الهجوم على المكاره ) .

29


وقيل : ( الصبر المقام على البلاء بحسن الصحة كالمقام مع العافية ) ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر وصحبة البلاء بالصبر .
وقال عمرو بن عثمان المكي : ( الصبر هو الثبات مع الله وتلقى بلائه بالرحب والدعة ) ومعنى هذا أنه يتلقى البلاء بصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى .
وقال الخواص : ( الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة ) .
وقال رويم : ( الصبر ترك الشكوى ) فسره بلازمه .
وقال غيره : ( الصبر هو الاستعانة بالله ) .
وقال أبو علي : ( الصبر كاسمه ) .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( الصبر مطية لا تكبو ) .
وقال أبو محمد الجريري : ( الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما ) .
قلت : وهذا غير مقدور ولا مأمور فقد ركب الله الطباع على التفريق بين الحالتين وانما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد وساحة العافية أوسع للعبد من ساعة الصبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور : ( إن لم يكن بك غضب على فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي ) .


وقيل : ( الصبر المقام على البلاء بحسن الصحة كالمقام مع العافية ) ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر وصحبة البلاء بالصبر .
وقال عمرو بن عثمان المكي : ( الصبر هو الثبات مع الله وتلقى بلائه بالرحب والدعة ) ومعنى هذا أنه يتلقى البلاء بصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى .
وقال الخواص : ( الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة ) .
وقال رويم : ( الصبر ترك الشكوى ) فسره بلازمه .
وقال غيره : ( الصبر هو الاستعانة بالله ) .
وقال أبو علي : ( الصبر كاسمه ) .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( الصبر مطية لا تكبو ) .
وقال أبو محمد الجريري : ( الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما ) .
قلت : وهذا غير مقدور ولا مأمور فقد ركب الله الطباع على التفريق بين الحالتين وانما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد وساحة العافية أوسع للعبد من ساعة الصبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور : ( إن لم يكن بك غضب على فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي ) .

30


ولا يناقض هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ) فان هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر وأما قبله فالعافية أوسع له .
وقال أبو على الدقاق : ( حد الصبر أن لا يعترض على التقدير ) فأما اظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في قصة أيوب : ( انا وجدناه صابراً ) ( سورة ص : 44 ) مع قوله : ( مسني الضر ) ( الأنبياء : 83 ) قلت : فسر اللفظة بلازمها .
وأما قوله : ( على غير وجه الشكوى ) فالشكوى نوعان :
أحدهما الشكوى إلى الله فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب : ( إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ) ( يوسف : 86 ) مع قوله : ( فصبر جميل ) ( يوسف : 18 83 ) وقال أيوب : ( مسني الضر ) مع وصف الله له بالصبر وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه : ( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي ) الخ وقال موسى صلوات الله وسلامه عليه : ( اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ) .
والنوع الثاني - شكوى المبتلي بلسان الحال أو المقال فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله فالفرق بين شكواه والشكوى إليه وسنعود لهذه المسألة في باب اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما إن شاء الله تعالى .


ولا يناقض هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ) فان هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر وأما قبله فالعافية أوسع له .
وقال أبو على الدقاق : ( حد الصبر أن لا يعترض على التقدير ) فأما اظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في قصة أيوب : ( انا وجدناه صابراً ) ( سورة ص : 44 ) مع قوله : ( مسني الضر ) ( الأنبياء : 83 ) قلت : فسر اللفظة بلازمها .
وأما قوله : ( على غير وجه الشكوى ) فالشكوى نوعان :
أحدهما الشكوى إلى الله فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب : ( إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ) ( يوسف : 86 ) مع قوله : ( فصبر جميل ) ( يوسف : 18 83 ) وقال أيوب : ( مسني الضر ) مع وصف الله له بالصبر وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه : ( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي ) الخ وقال موسى صلوات الله وسلامه عليه : ( اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ) .
والنوع الثاني - شكوى المبتلي بلسان الحال أو المقال فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله فالفرق بين شكواه والشكوى إليه وسنعود لهذه المسألة في باب اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما إن شاء الله تعالى .

31


وقيل : ( الصبر شجاعة النفس ) ومن هاهنا أخذ القائل قوله : ( الشجاعة صبر ساعة ) .
وقيل : ( الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب ) .
والصبر والجزع ضدان ولهذا يقابل أحدهما بالآخر قال تعالى عن أهل النار : ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) ( إبراهيم : 21 ) .
والجزع قرين العجز وشقيقه والصبر قرين الكيس ومادته فلو سئل الجزع من أبوك لقال : العجز ولو سئل الكيس من أبوك لقال : الصبر .
والنفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار والصبر لها بمنزلة الحطام والزمام للمطية فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب .
وحفظ من خطب الحجاج : ( اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله امرءا جعل لنفسه خطاماً وزماماً فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها عن معاصي الله فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه ) .
قلت : والنفس فيها قوتان : قوة الاقدام وقوة الإحجام فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الاقدام مصروفة إلى ما ينفعه وقوة الإحجام امساكاً عما يضره .
ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما يندفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن داعي هواه إلى ارتكاب ما نهى عنه ومنهم من لا صبر له على هذا ولا على ذاك وأفضل الناس أصبرهم على النوعين .
فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة


وقيل : ( الصبر شجاعة النفس ) ومن هاهنا أخذ القائل قوله : ( الشجاعة صبر ساعة ) .
وقيل : ( الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب ) .
والصبر والجزع ضدان ولهذا يقابل أحدهما بالآخر قال تعالى عن أهل النار : ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) ( إبراهيم : 21 ) .
والجزع قرين العجز وشقيقه والصبر قرين الكيس ومادته فلو سئل الجزع من أبوك لقال : العجز ولو سئل الكيس من أبوك لقال : الصبر .
والنفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار والصبر لها بمنزلة الحطام والزمام للمطية فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب .
وحفظ من خطب الحجاج : ( اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله امرءا جعل لنفسه خطاماً وزماماً فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها عن معاصي الله فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه ) .
قلت : والنفس فيها قوتان : قوة الاقدام وقوة الإحجام فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الاقدام مصروفة إلى ما ينفعه وقوة الإحجام امساكاً عما يضره .
ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما يندفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن داعي هواه إلى ارتكاب ما نهى عنه ومنهم من لا صبر له على هذا ولا على ذاك وأفضل الناس أصبرهم على النوعين .
فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة

32

لا يتم تسجيل الدخول!