إسم الكتاب : الملل والنحل ( عدد الصفحات : 265)


الملل والنحل
تأليف
أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني
( 479 - 548 )
الجزء الثاني
تحقيق
محمد سيد گيلاني
ماچستر من كلية آداب جامعة القاهرة
دار المعرفة
بيروت - لبنان


الملل والنحل تأليف أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني ( 479 - 548 ) الجزء الثاني تحقيق محمد سيد گيلاني ماچستر من كلية آداب جامعة القاهرة دار المعرفة بيروت - لبنان

1


دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع
مستديرة المطار - تجاه بنك مبكو - شارع البرجاوي ص . ب 7876 تلفون 834301 - 834332 - برقيا معرفكار بيروت - لبنان


دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع مستديرة المطار - تجاه بنك مبكو - شارع البرجاوي ص . ب 7876 تلفون 834301 - 834332 - برقيا معرفكار بيروت - لبنان

2



الباب الأول
أهل الأهواء والنحل
من الصابئة والفلاسفة وآراء العرب في الجاهلية وآراء الهند وهؤلاء يقابلون أرباب الديانات تقابل التضاد كما ذكرنا واعتمادهم على الفطر السليمة والعقل الكامل والذهن الصافي
فمن معطل بطال لا يرد عليه فكره براد ولا يهديه عقله ونظره إلى اعتقاد ولا يرشده فكره وذهنه إلى معاد قد ألف المحسوس وركن إليه وظن انه لا عالم سوى ما هو فيه من مطعم شهي ومنظر بهي ولا عالم وراء هذا المحسوس وهؤلاء هم الطبيعيون الدهريون لا يثبتون معقولا
ومن محصل نوع تحصيل قد ترقى عن المحسوس وأثبت المعقول لكنه لا يقول بحدود وأحكام وشريعة وإسلام ويظن انه إذا حصل المعقول وأثبت للعالم مبدأ ومعادا وصل إلى الكمال المطلوب من جنسه فتكون سعادته على قدر إحاطته وعلمه وشقاوته بقدر سفاهته وجهله وعقله هو المستبد بتحصيل هذه السعادة ووضعه هو المستعد لقبول تلك الشقاوة وهؤلاء هم الفلاسفة الإلهيون قالوا الشرائع وأصحابها أمور مصلحية عامية والحدود والأحكام والحلال والحرام أمور وضعية وأصحاب الشرائع


الباب الأول أهل الأهواء والنحل من الصابئة والفلاسفة وآراء العرب في الجاهلية وآراء الهند وهؤلاء يقابلون أرباب الديانات تقابل التضاد كما ذكرنا واعتمادهم على الفطر السليمة والعقل الكامل والذهن الصافي فمن معطل بطال لا يرد عليه فكره براد ولا يهديه عقله ونظره إلى اعتقاد ولا يرشده فكره وذهنه إلى معاد قد ألف المحسوس وركن إليه وظن انه لا عالم سوى ما هو فيه من مطعم شهي ومنظر بهي ولا عالم وراء هذا المحسوس وهؤلاء هم الطبيعيون الدهريون لا يثبتون معقولا ومن محصل نوع تحصيل قد ترقى عن المحسوس وأثبت المعقول لكنه لا يقول بحدود وأحكام وشريعة وإسلام ويظن انه إذا حصل المعقول وأثبت للعالم مبدأ ومعادا وصل إلى الكمال المطلوب من جنسه فتكون سعادته على قدر إحاطته وعلمه وشقاوته بقدر سفاهته وجهله وعقله هو المستبد بتحصيل هذه السعادة ووضعه هو المستعد لقبول تلك الشقاوة وهؤلاء هم الفلاسفة الإلهيون قالوا الشرائع وأصحابها أمور مصلحية عامية والحدود والأحكام والحلال والحرام أمور وضعية وأصحاب الشرائع

3


رجال لهم حكم عملية وربما يؤيدون من عند واهب الصور بإثبات أحكام ووضع حلال وحرام مصلحة للعباد وعمارة للبلاد وما يخبرون عنه من الأمور الكائنة في حال من أحوال عالم الروحانيين من الملائكة والعرش والكرسي واللوح والقلم فإنما هي أمور معقولة لهم قد عبروا عنها بصورة خيالية جسمانية وكذلك ما يخبرون به من أحوال المعاد من الجنة والنار مثل قصور وأنهار وطيور وثمار في الجنة فترغيبات للعوام بما تميل إليه طباعهم وسلاسل وأغلال وخزي ونكال في النار فترهيبات للعوام بما تنزجر عنه طباعهم وإلا ففي العالم العلوي لا يتصور أشكال جسمانية وصور جرمانية
وهذا أحسن ما يعتقدونه في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لست أعني بهم الذين أخذوا علومهم من مشكاة النبوة وإنما أعني بهؤلاء الذين كانوا في الزمن الأول دهرية وحشيشية وطبيعية وإلهية قد اغتروا بحكمهم واستقلوا بأهوائهم وبدعهم
ثم يتلوهم ويقرب منهم قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية وربما أخذوا أصولها وقوانينها من مؤيد بالوحي إلا أنهم اقتصروا على الأول منهم وما نفذوا إلى الآخر وهؤلاء هم الصابئة الأولى الذين قالوا بعاذيمون وهرمس وهما شيث وإدريس عليهما السلام ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء عليهم السلام
والتقسيم الضابط أن نقول ( 1 ) من الناس من لا يقول بمحسوس ولا معقول وهم السوفسطائية ( 2 ) ومنهم من يقول بالمحسوس ولا يقول بالمعقول وهم الطبيعية ( 3 ) ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول ولا يقول بحدود وأحكام وهم الفلاسفة الدهرية ( 4 ) ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام ولا يقول بالشريعة والإسلام وهم الصابئة


رجال لهم حكم عملية وربما يؤيدون من عند واهب الصور بإثبات أحكام ووضع حلال وحرام مصلحة للعباد وعمارة للبلاد وما يخبرون عنه من الأمور الكائنة في حال من أحوال عالم الروحانيين من الملائكة والعرش والكرسي واللوح والقلم فإنما هي أمور معقولة لهم قد عبروا عنها بصورة خيالية جسمانية وكذلك ما يخبرون به من أحوال المعاد من الجنة والنار مثل قصور وأنهار وطيور وثمار في الجنة فترغيبات للعوام بما تميل إليه طباعهم وسلاسل وأغلال وخزي ونكال في النار فترهيبات للعوام بما تنزجر عنه طباعهم وإلا ففي العالم العلوي لا يتصور أشكال جسمانية وصور جرمانية وهذا أحسن ما يعتقدونه في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لست أعني بهم الذين أخذوا علومهم من مشكاة النبوة وإنما أعني بهؤلاء الذين كانوا في الزمن الأول دهرية وحشيشية وطبيعية وإلهية قد اغتروا بحكمهم واستقلوا بأهوائهم وبدعهم ثم يتلوهم ويقرب منهم قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية وربما أخذوا أصولها وقوانينها من مؤيد بالوحي إلا أنهم اقتصروا على الأول منهم وما نفذوا إلى الآخر وهؤلاء هم الصابئة الأولى الذين قالوا بعاذيمون وهرمس وهما شيث وإدريس عليهما السلام ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء عليهم السلام والتقسيم الضابط أن نقول ( 1 ) من الناس من لا يقول بمحسوس ولا معقول وهم السوفسطائية ( 2 ) ومنهم من يقول بالمحسوس ولا يقول بالمعقول وهم الطبيعية ( 3 ) ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول ولا يقول بحدود وأحكام وهم الفلاسفة الدهرية ( 4 ) ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام ولا يقول بالشريعة والإسلام وهم الصابئة

4



ومنهم من يقول بهذه كلها وبشريعة ما وإسلام ولا يقول بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهم المجوس واليهود والنصارى ( 6 ) ومنهم من يقول بهذه كلها وهم المسلمون
ونحن قد فرغنا عمن يقول بالشرائع والأديان فنتكلم الآن فيمن لا يقول بها ويستبد برأيه وهواه في مقابلتهم
الفصل الأول
الصابئة
قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبوة في مقابلة الحنفية وفي اللغة صبأ الرجل إذا مال وزاغ فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم الصابئة
وقد يقال صبأ الرجل إذا عشق وهوى
وهم يقولون الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال
وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين كما أن مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين
والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب والحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة
فدعوة الصابئة إلى الاكتساب ودعوة الحنفاء إلى الفطرة


ومنهم من يقول بهذه كلها وبشريعة ما وإسلام ولا يقول بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهم المجوس واليهود والنصارى ( 6 ) ومنهم من يقول بهذه كلها وهم المسلمون ونحن قد فرغنا عمن يقول بالشرائع والأديان فنتكلم الآن فيمن لا يقول بها ويستبد برأيه وهواه في مقابلتهم الفصل الأول الصابئة قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبوة في مقابلة الحنفية وفي اللغة صبأ الرجل إذا مال وزاغ فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم الصابئة وقد يقال صبأ الرجل إذا عشق وهوى وهم يقولون الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين كما أن مدار مذهب الحنفاء هو التعصب للبشر الجسمانيين والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب والحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة فدعوة الصابئة إلى الاكتساب ودعوة الحنفاء إلى الفطرة

5



الفصل الثاني
أصحاب الروحانيات
وفي العبارة لغتان
روحاني بالضم من الروح وروحاني بالفتح من الروح
والروح والروح متقاربان فكأن الروح جوهر والروح حالته الخاصة به
1 - مذهب أصحاب الروحانيات
ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا عن سمات الحدثان والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهرا وفعلا وحالة
أما الجوهر
فهم المقدسون عن المواد الجسمانية المبرءون عن القوى الجسدانية المنزهون عن الحركات المكانية والتغيرات الزمانية قد جبلوا على الطهارة وفطروا على التقديس والتسبيح * ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) * وإنما أرشدنا إليهم معلمنا الأول عاذيمون وهرمس فنحن نتقرب إليهم ونتوكل عليهم وهم أربابنا وآلهتنا ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله وهو رب الأرباب وأله الآلهة رب كل شيء ومليكه
فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات فحينئذ


الفصل الثاني أصحاب الروحانيات وفي العبارة لغتان روحاني بالضم من الروح وروحاني بالفتح من الروح والروح والروح متقاربان فكأن الروح جوهر والروح حالته الخاصة به 1 - مذهب أصحاب الروحانيات ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا عن سمات الحدثان والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهرا وفعلا وحالة أما الجوهر فهم المقدسون عن المواد الجسمانية المبرءون عن القوى الجسدانية المنزهون عن الحركات المكانية والتغيرات الزمانية قد جبلوا على الطهارة وفطروا على التقديس والتسبيح * ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) * وإنما أرشدنا إليهم معلمنا الأول عاذيمون وهرمس فنحن نتقرب إليهم ونتوكل عليهم وهم أربابنا وآلهتنا ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله وهو رب الأرباب وأله الآلهة رب كل شيء ومليكه فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات فحينئذ

6


نسأل حاجاتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم ونصبو في جميع أمورنا إليهم فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم ورازقنا ورازقهم وهذا التطهير والتهذيب ليس يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا أنفسنا عن دنيات الشهوات باستمداد من جهة الروحانيات والاستمداد هو التضرع والابتهال بالدعوات وإقامة الصلوات وبذل الزكوات والصيام عن المطعومات والمشروبات وتقريب القرابين والذبائح وتبخير البخورات وتعزيم العزائم فيحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة بل يكون حكمنا وحكم من يدعي الوحي على وتيرة واحدة
قالوا والأنبياء أمثالنا في النوع وأشكالنا في الصورة يشاركوننا في المادة يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب ويساهموننا في الصورة أناس بشر مثلنا فمن أين لنا طاعتهم وبأية مزية لهم لزمت متابعتهم * ( ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) * مقالتهم
وأما الفعل
فقالوا الروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حال إلى حال وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال يستمدون القوة من الحضرة القدسية ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية
فمنها مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها وهي هياكلها فلكل روحاني هيكل ولكل هيكل فلك ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به نسبة الروح إلى الجسد فهو ربه ومدبره ومديره وكانوا يسمون الهياكل أربابا وربما يسمونها أباء والعناصر أمهات ففعل الروحانيات تحريكها على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر فيحصل من ذلك تركيبات وامتزاجات


نسأل حاجاتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم ونصبو في جميع أمورنا إليهم فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم ورازقنا ورازقهم وهذا التطهير والتهذيب ليس يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا أنفسنا عن دنيات الشهوات باستمداد من جهة الروحانيات والاستمداد هو التضرع والابتهال بالدعوات وإقامة الصلوات وبذل الزكوات والصيام عن المطعومات والمشروبات وتقريب القرابين والذبائح وتبخير البخورات وتعزيم العزائم فيحصل لنفوسنا استعداد واستمداد من غير واسطة بل يكون حكمنا وحكم من يدعي الوحي على وتيرة واحدة قالوا والأنبياء أمثالنا في النوع وأشكالنا في الصورة يشاركوننا في المادة يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب ويساهموننا في الصورة أناس بشر مثلنا فمن أين لنا طاعتهم وبأية مزية لهم لزمت متابعتهم * ( ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) * مقالتهم وأما الفعل فقالوا الروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حال إلى حال وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال يستمدون القوة من الحضرة القدسية ويفيضون الفيض على الموجودات السفلية فمنها مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها وهي هياكلها فلكل روحاني هيكل ولكل هيكل فلك ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به نسبة الروح إلى الجسد فهو ربه ومدبره ومديره وكانوا يسمون الهياكل أربابا وربما يسمونها أباء والعناصر أمهات ففعل الروحانيات تحريكها على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر فيحصل من ذلك تركيبات وامتزاجات

7


في المركبات فيتبعها قوى جسمانية وتركب عليها نفوس روحانية مثل أنواع النبات وأنواع الحيوان ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحاني كلي وقد تكون جزئية صادرة عن روحاني جزئي فمع جنس المطر ملك ومع كل قطرة ملك
ومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجو
مما يصعد من الأرض فينزل مثل الأمطار والثلوج والبرد والرياح
ومما ينزل من السماء مثل الصواعق والشهب
ومما يحدث في الجو من الرعد والبرق والسحاب والضباب وقوس قزح وذوات الأذناب والهالة والمجرة
ومما يحدث في الأرض مثل الزلازل والمياه والأبخرة إلى غير ذلك
ومنها متوسطات القوى السارية في جميع الموجودات ومدبرات الهداية الشائعة في جميع الكائنات حتى لا نرى موجودا ما خاليا عن قوة وهداية إذا كان قابلا لهما
قالوا
وأما الحالة
فأحوال الروحانيات من الروح والريحان والنعمة واللذة والراحة والبهجة والسرور في جوار رب الأرباب كيفي يخفى
ثم طعامهم وشرابهم التسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد والتحميد وأنسهم بذكر الله تعالى وطاعته فمن قائم ومن راكع ومن ساجد ومن قاعد لا يزيد تبديل حالته لما هو فيه من البهجة واللذة ومن خاشع بصره لا يرفع ومن ناظر لا يغمض ومن ساكن لا يتحرك ومن متحرك لا يسكن ومن كروبي في عالم القبض ومن روحاني في عالم البسط * ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) *


في المركبات فيتبعها قوى جسمانية وتركب عليها نفوس روحانية مثل أنواع النبات وأنواع الحيوان ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحاني كلي وقد تكون جزئية صادرة عن روحاني جزئي فمع جنس المطر ملك ومع كل قطرة ملك ومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجو مما يصعد من الأرض فينزل مثل الأمطار والثلوج والبرد والرياح ومما ينزل من السماء مثل الصواعق والشهب ومما يحدث في الجو من الرعد والبرق والسحاب والضباب وقوس قزح وذوات الأذناب والهالة والمجرة ومما يحدث في الأرض مثل الزلازل والمياه والأبخرة إلى غير ذلك ومنها متوسطات القوى السارية في جميع الموجودات ومدبرات الهداية الشائعة في جميع الكائنات حتى لا نرى موجودا ما خاليا عن قوة وهداية إذا كان قابلا لهما قالوا وأما الحالة فأحوال الروحانيات من الروح والريحان والنعمة واللذة والراحة والبهجة والسرور في جوار رب الأرباب كيفي يخفى ثم طعامهم وشرابهم التسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد والتحميد وأنسهم بذكر الله تعالى وطاعته فمن قائم ومن راكع ومن ساجد ومن قاعد لا يزيد تبديل حالته لما هو فيه من البهجة واللذة ومن خاشع بصره لا يرفع ومن ناظر لا يغمض ومن ساكن لا يتحرك ومن متحرك لا يسكن ومن كروبي في عالم القبض ومن روحاني في عالم البسط * ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) *

8



2 - مناظرات بين الصابئة والحنفاء
وقد جرت مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء في المفاضلة بين الروحاني المحض وبين البشرية النبوية
ونحن أردنا أن نوردها على شكل سؤال وجواب وفيها فوائد لا تحصى
قالت الصابئة
الروحانيات أبدعت إبداعا لا من شيء لا مادة ولا هيولى وهي كلها جوهر واحد على سنخ واحد وجواهرها أنوار محضة لا ظلام فيها وهي من شدة ضيائها لا يدركها الحس ولا ينالها البصر ومن غاية لطافتها يحار فيها العقل ولا يجول فيها الخيال
ونوع الإنسان مركب من العناصر الأربعة مؤلف من مادة وصورة والعناصر متضادة ومزدوجة بطباعها اثنان منها مزدوجان واثنان منها متضادان ومن التضاد يصدر الاختلاف والهرج ومن الازدواج يحصل الفساد والمرج فما هو مبدع لا من شيء لا يكون كمخترع من شيء
والمادة والهيولى سنخ الشر ومنبع الفساد فالمركب منها ومن الصورة كيف يكون كمحض الصورة والظلام كيف يساوي النور والمحتاج إلى الازدواج والمضطر في هوة الاختلاف كيف يرقى إلى درجة المستغنى عنهما
أجابت الحنفاء
بأن قالت من عرفتم معاشر الصابئة وجود هذه الروحانيات والحس ما دلكم عليه والدليل ما أرشدكم إليه قالوا عرفنا وجودها وتعرفنا أحوالها من عاذيمون وهرمس شيث وإدريس عليهما السلام


2 - مناظرات بين الصابئة والحنفاء وقد جرت مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء في المفاضلة بين الروحاني المحض وبين البشرية النبوية ونحن أردنا أن نوردها على شكل سؤال وجواب وفيها فوائد لا تحصى قالت الصابئة الروحانيات أبدعت إبداعا لا من شيء لا مادة ولا هيولى وهي كلها جوهر واحد على سنخ واحد وجواهرها أنوار محضة لا ظلام فيها وهي من شدة ضيائها لا يدركها الحس ولا ينالها البصر ومن غاية لطافتها يحار فيها العقل ولا يجول فيها الخيال ونوع الإنسان مركب من العناصر الأربعة مؤلف من مادة وصورة والعناصر متضادة ومزدوجة بطباعها اثنان منها مزدوجان واثنان منها متضادان ومن التضاد يصدر الاختلاف والهرج ومن الازدواج يحصل الفساد والمرج فما هو مبدع لا من شيء لا يكون كمخترع من شيء والمادة والهيولى سنخ الشر ومنبع الفساد فالمركب منها ومن الصورة كيف يكون كمحض الصورة والظلام كيف يساوي النور والمحتاج إلى الازدواج والمضطر في هوة الاختلاف كيف يرقى إلى درجة المستغنى عنهما أجابت الحنفاء بأن قالت من عرفتم معاشر الصابئة وجود هذه الروحانيات والحس ما دلكم عليه والدليل ما أرشدكم إليه قالوا عرفنا وجودها وتعرفنا أحوالها من عاذيمون وهرمس شيث وإدريس عليهما السلام

9


قالت الحنفاء لقد ناقضتم وضع مذهبكم فإن غرضكم في ترجيح الروحاني على الجسماني نفى المتوسط البشري فصار نفيكم إثباتا وعاد إنكاركم إقرارا
ثم من الذي يسلم أن المبدع لا من شيء أشرف من المخترع من شيء بل وجانب الروحاني أمر واحد وجانب الجسماني أمران
أحدهما نفسه وروحه
والثاني حسه وجسده فهو من حيث الروح مبدع بأمر الله تعالى ومن حيث الجسد مخترع بخلقه ففيه أثران أمري وخلقي قولي وفعلي فساوى الروحاني بجهة وفضله بجهة خصوصا إذا كانت جهته الخلقية ما نقصت الجهة الأخرى بل كملت وطهرت
وإنما الخطأ عرض لكم من وجهين
أحدهما أنكم فاضلتم بين الروحاني المجرد والجسماني المجرد فحكمتم بأن الفضل للروحاني وصدقتم لكن المفاضلة بين الروحاني المجرد والجسماني والروحاني المجتمع ولا يحكم عاقل بأن الفضل للروحاني المجرد فإنه بطرف ساواه وبطرف سبقه والفرض فيما إذا لم يدنس بالمادة ولوازمها ولم تؤثر فيه أحكام التضاد والازدواج بل كان مستخدما لها بحيث لا تنازعه في شيء يريده ويرضاه بل صارت معينات له على الغرض الذي لأجله حصل التركيب وعطلت الوحدة والبساطة وذلك تخليص النفوس التي تدنست بالمادة ولوازمها وصارت العلائق عوائق
وليت شعري ماذا يشين اللباس الحسن الشخص الجميل وكيف يزري اللفظ الرائق بالمعنى المستقيم ونعم ما قيل
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه * فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها * فليس إلى حسن الثناء سبيل
هذا كمن خاير بين اللفظ المجرد والمعنى المجرد اختار المعنى قيل له لا بل خاير


قالت الحنفاء لقد ناقضتم وضع مذهبكم فإن غرضكم في ترجيح الروحاني على الجسماني نفى المتوسط البشري فصار نفيكم إثباتا وعاد إنكاركم إقرارا ثم من الذي يسلم أن المبدع لا من شيء أشرف من المخترع من شيء بل وجانب الروحاني أمر واحد وجانب الجسماني أمران أحدهما نفسه وروحه والثاني حسه وجسده فهو من حيث الروح مبدع بأمر الله تعالى ومن حيث الجسد مخترع بخلقه ففيه أثران أمري وخلقي قولي وفعلي فساوى الروحاني بجهة وفضله بجهة خصوصا إذا كانت جهته الخلقية ما نقصت الجهة الأخرى بل كملت وطهرت وإنما الخطأ عرض لكم من وجهين أحدهما أنكم فاضلتم بين الروحاني المجرد والجسماني المجرد فحكمتم بأن الفضل للروحاني وصدقتم لكن المفاضلة بين الروحاني المجرد والجسماني والروحاني المجتمع ولا يحكم عاقل بأن الفضل للروحاني المجرد فإنه بطرف ساواه وبطرف سبقه والفرض فيما إذا لم يدنس بالمادة ولوازمها ولم تؤثر فيه أحكام التضاد والازدواج بل كان مستخدما لها بحيث لا تنازعه في شيء يريده ويرضاه بل صارت معينات له على الغرض الذي لأجله حصل التركيب وعطلت الوحدة والبساطة وذلك تخليص النفوس التي تدنست بالمادة ولوازمها وصارت العلائق عوائق وليت شعري ماذا يشين اللباس الحسن الشخص الجميل وكيف يزري اللفظ الرائق بالمعنى المستقيم ونعم ما قيل إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه * فكل رداء يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها * فليس إلى حسن الثناء سبيل هذا كمن خاير بين اللفظ المجرد والمعنى المجرد اختار المعنى قيل له لا بل خاير

10

لا يتم تسجيل الدخول!