إسم الكتاب : الفصل في الملل والأهواء والنحل ( عدد الصفحات : 264)


كتاب
الفصل في الملل والأهواء والنحل
للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم
الظاهري المتوفي سنة 456
الفصل بكسر ففتح جمع فصله بفتح فسكون كقصعة وقصع النخلة المنقولة من محلها إلى محل آخر لتثمر
الجزء الثالث
( ترجمة ابن حزم ملخصة من ابن خلكان )
هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم مولده بقرطبة سنة 384 كان وزير المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر وكان متفنناً في علوم جمة عاملاً بعلمه زاهداً في الدنيا بعد الرياسة وله تآليف كثيرة ( منها ) في فقه الحديث الايصال إلى فهم الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة وعليها ( ومنها ) كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل وهو هذا ومن شعره
< شعر >
لئن أصبت مرتحلاً بجسمي * فروحي عندكم أبداً مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى * لذ اسأل المعاينة الكليم
وله في المعنى
يقول أخي شجاك رحيل جسم * وروحك ماله عنا رحيل
فقلت له المعاين مطمئن * لذا طلب المعاينة الخليل
< / شعر >
الطبعة الأولى
( بالمطبعة الأدبية في سوق الخضار القديم بمصر - سنة 1317 هجرية )


كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري المتوفي سنة 456 الفصل بكسر ففتح جمع فصله بفتح فسكون كقصعة وقصع النخلة المنقولة من محلها إلى محل آخر لتثمر الجزء الثالث ( ترجمة ابن حزم ملخصة من ابن خلكان ) هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم مولده بقرطبة سنة 384 كان وزير المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر وكان متفنناً في علوم جمة عاملاً بعلمه زاهداً في الدنيا بعد الرياسة وله تآليف كثيرة ( منها ) في فقه الحديث الايصال إلى فهم الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة وعليها ( ومنها ) كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل وهو هذا ومن شعره < شعر > لئن أصبت مرتحلاً بجسمي * فروحي عندكم أبداً مقيم ولكن للعيان لطيف معنى * لذ اسأل المعاينة الكليم وله في المعنى يقول أخي شجاك رحيل جسم * وروحك ماله عنا رحيل فقلت له المعاين مطمئن * لذا طلب المعاينة الخليل < / شعر > الطبعة الأولى ( بالمطبعة الأدبية في سوق الخضار القديم بمصر - سنة 1317 هجرية )

1


بسم الله الرحمن الرحيم
الكلام في الرؤية
قال أبو محمد ذهبت المعتزلة وجهم بن صفوان إلى أن الله تعالى لا يرى في الآخرة وقد روينا هذا القول عن مجاهد وعذرة في ذلك أن الخبر لم يبلغ إليه وروينا هذا القول أيضا عن الحسن البصري وعكرمة وقد روى عن عكرمة والحسن إيجاب الرؤية له تعالى وذهبت المجسمة إلى أن الله تعالى يرى في الدنيا والآخرة وذهب جمهور أهل السنة والمرجئة وضرار بن عمرو من المعتزلة إلى أن الله تعالى يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا أصلا وقال الحسن بن محمد النجار هو جائز ولم يقطع به
قال أبو محمد اما قول المجسمة ففاسد بما تقدم من كلامنا في هذا الكتاب والحمد لله رب العالمين وعمدة من أنكر أن الرؤيا المعهودة عندنا لا تقع إلا على الألوان لا على ما عداها البتة وهذا مبعد عن الباري عز وجل وقد احتج من أنكر الرؤية علينا بهذه الحجة بعينها وهذا سوء وضع منهم لأننا لم نقل قط بتجويز هذه الرؤية على الباري عز وجل وإنما قلنا أنه تعالى يرى في الآخرة بقوة غير هذه القوة الموضوعة في العين الآن لكن بقوة موهوبة من الله تعالى وقد سماها بعض القائلين بهذا القول الحاسة السادسة وبيان ذلك أننا نعلم الله عز وجل بقلوبنا علما صحيحا هذا ما لا شك فيه فيضع الله تعالى في الإبصار قوة تشاهد بها الله وترى بها كالتي وضع في الدنيا في القلب وكالتي وضعها الله عز وجل في أذن موسى صلى الله عليه وسلم حتى شاهد الله وسمعه مكلما له واحتجت المعتزلة بقول الله عز وجل « لا تدركه الأبصار »
قال أبو محمد هذا لا حجة لهم فيه لأن الله تعالى إنما نفى الإدراك


بسم الله الرحمن الرحيم الكلام في الرؤية قال أبو محمد ذهبت المعتزلة وجهم بن صفوان إلى أن الله تعالى لا يرى في الآخرة وقد روينا هذا القول عن مجاهد وعذرة في ذلك أن الخبر لم يبلغ إليه وروينا هذا القول أيضا عن الحسن البصري وعكرمة وقد روى عن عكرمة والحسن إيجاب الرؤية له تعالى وذهبت المجسمة إلى أن الله تعالى يرى في الدنيا والآخرة وذهب جمهور أهل السنة والمرجئة وضرار بن عمرو من المعتزلة إلى أن الله تعالى يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا أصلا وقال الحسن بن محمد النجار هو جائز ولم يقطع به قال أبو محمد اما قول المجسمة ففاسد بما تقدم من كلامنا في هذا الكتاب والحمد لله رب العالمين وعمدة من أنكر أن الرؤيا المعهودة عندنا لا تقع إلا على الألوان لا على ما عداها البتة وهذا مبعد عن الباري عز وجل وقد احتج من أنكر الرؤية علينا بهذه الحجة بعينها وهذا سوء وضع منهم لأننا لم نقل قط بتجويز هذه الرؤية على الباري عز وجل وإنما قلنا أنه تعالى يرى في الآخرة بقوة غير هذه القوة الموضوعة في العين الآن لكن بقوة موهوبة من الله تعالى وقد سماها بعض القائلين بهذا القول الحاسة السادسة وبيان ذلك أننا نعلم الله عز وجل بقلوبنا علما صحيحا هذا ما لا شك فيه فيضع الله تعالى في الإبصار قوة تشاهد بها الله وترى بها كالتي وضع في الدنيا في القلب وكالتي وضعها الله عز وجل في أذن موسى صلى الله عليه وسلم حتى شاهد الله وسمعه مكلما له واحتجت المعتزلة بقول الله عز وجل « لا تدركه الأبصار » قال أبو محمد هذا لا حجة لهم فيه لأن الله تعالى إنما نفى الإدراك

2


والإدراك عندنا في اللغة معنى زائد على النظر والرؤية وهو معنى الإحاطة وليس هذا المعنى في النظر والرؤية فالإدراك منفي عن الله تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة برهان ذلك قول الله عز وجل « فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين »
ففرق الله عز وجل بين الإدراك والرؤية فرقا جليا لأنه تعالى أثبت الرؤية بقوله « فلما تراءى الجمعان » وأخبر تعالى أنه رأى بعضهم بعضا فصحت منهم الرؤيا لبني إسرائيل ونفى الله الإدراك بقول موسى عليه السلام لهم « كلا إن معي ربي سيهدين » فأخبر الله تعالى أنه رأى أصحاب فرعون بني إسرائيل ولم يدركوهم ولا شك في أن ما نفاه الله تعالى عز وجل فهو غير الذي أثبته فالإدراك غير الرؤية والحجة لقولنا هو قول الله تعالى « وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة » واعترض بعض المعتزلة وهو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي فقال أن إلى ها هنا ليست حرف جر لكنها اسم وهي واحدة الآلاء وهي النعم فهي في موضع مفعول ومعناه نعم ربها منتظرة
قال أبو محمد وهذا بعيد لوجهين أحدهما إن الله تعالى أخبر أن تلك الوجوه قد حصلت لها النضرة وهي النعمة والنعمة نعمة فإذا حصلت لها النعمة فبعيد أن ينتظر ما قد حصل لها وإنما ينتظر ما لم يقع بعد والثاني تواتر الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ببيان أن المراد بالنظر هو الرؤية لا ما تأوله المتأولون وقال بعضهم أن معناها إلى ثواب ربها ناظرة أي منتظرة
قال أبو محمد هذا فاسد جدا لأنه لا يقال في اللغة نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته
قال أبو محمد وحمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض لا يجوز تعديه إلا بنص أو إجماع لأن من فعل غير ذلك أفسد الحقائق كلها والشرائع كلها والمعقول كله فإن قال قائل أن حمل اللفظ على المعهود أولى من حمله على غير المعهود قيل له الأولى في ذلك حمل الأمور على معهودها في اللغة ما لم يمنع من ذلك نص أو إجماع أو ضرورة لم يأت نص ولا


والإدراك عندنا في اللغة معنى زائد على النظر والرؤية وهو معنى الإحاطة وليس هذا المعنى في النظر والرؤية فالإدراك منفي عن الله تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة برهان ذلك قول الله عز وجل « فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين » ففرق الله عز وجل بين الإدراك والرؤية فرقا جليا لأنه تعالى أثبت الرؤية بقوله « فلما تراءى الجمعان » وأخبر تعالى أنه رأى بعضهم بعضا فصحت منهم الرؤيا لبني إسرائيل ونفى الله الإدراك بقول موسى عليه السلام لهم « كلا إن معي ربي سيهدين » فأخبر الله تعالى أنه رأى أصحاب فرعون بني إسرائيل ولم يدركوهم ولا شك في أن ما نفاه الله تعالى عز وجل فهو غير الذي أثبته فالإدراك غير الرؤية والحجة لقولنا هو قول الله تعالى « وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة » واعترض بعض المعتزلة وهو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي فقال أن إلى ها هنا ليست حرف جر لكنها اسم وهي واحدة الآلاء وهي النعم فهي في موضع مفعول ومعناه نعم ربها منتظرة قال أبو محمد وهذا بعيد لوجهين أحدهما إن الله تعالى أخبر أن تلك الوجوه قد حصلت لها النضرة وهي النعمة والنعمة نعمة فإذا حصلت لها النعمة فبعيد أن ينتظر ما قد حصل لها وإنما ينتظر ما لم يقع بعد والثاني تواتر الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ببيان أن المراد بالنظر هو الرؤية لا ما تأوله المتأولون وقال بعضهم أن معناها إلى ثواب ربها ناظرة أي منتظرة قال أبو محمد هذا فاسد جدا لأنه لا يقال في اللغة نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته قال أبو محمد وحمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض لا يجوز تعديه إلا بنص أو إجماع لأن من فعل غير ذلك أفسد الحقائق كلها والشرائع كلها والمعقول كله فإن قال قائل أن حمل اللفظ على المعهود أولى من حمله على غير المعهود قيل له الأولى في ذلك حمل الأمور على معهودها في اللغة ما لم يمنع من ذلك نص أو إجماع أو ضرورة لم يأت نص ولا

3



إجماع ولا ضرورة تمنع ما ذكرنا في معنى النظر وقد وافقتنا المعتزلة على أنه لا عالم عندنا إلا بضمير وأنه لا فعال إلا بمعاناة ولا رحيم إلا برقة قلب ثم أجمعوا على أن الله تعالى عالم بكل ما يكون بلا ضمير وأنه عز وجل فعال بلا معاناة ورحيم بلا رقة فأي فرق بين تجويزهم ما ذكرنا وبين تجويزهم رؤية ونظرا بقوة غير القوة المعهودة لولا الخذلان ومخالفة القرآن والسنن نعوذ بالله من ذلك وقد قال بعض المعتزلة أخبرونا إذا رؤى الباري أكله يرى أم بعضه
قال أبو محمد وهذا سؤال تعلموه من الملحدين إذ سألونا نحن والمعتزلة فقالوا إذا علمتم الباري تعالى أكله تعلمونه أم بعضه
قال أبو محمد وهذا سؤال فاسد مغالط به لأنهم أثبتوا كلا وبعضا حيث لا كل ولا بعض والكل والبعض لا يقعان إلا في ذي نهاية والباري تعالى خالق النهاية والمتناهي فهو عز وجل لا متناه ولا نهاية فلا كل له ولا بعض
قال أبو محمد والآية المذكورة والأحاديث الصحاح مأثورة في رؤية الله تعالى يوم القيامة موجبة القبول لتظاهرها وتباع ديا الناقلين لها ورؤية الله عز وجل يوم القيامة كرامة للمؤمنين لا أحرمنا الله ذلك بفضله ومحال أن تكون هذه الرؤية رؤية القلب لأن جميع العارفين به تعالى يرونه في الدنيا بقلوبهم وكذلك الكفار في الآخرة بلا شك فإن قال قائل إنما أخبر تعالى بالرؤية عن الوجه قيل وبالله تعالى التوفيق معروف في اللغة التي بها خوطبنا أن تنسب الرؤية إلى الوجه والمراد بها العين قال بعض الأعراب
أنافس من ناجاك مقدار لفظة * وتعتاد نفسي إن نأت عنك معينها
وإن وجوها يصطبحن بنظرة * إليك لمحسود عليك عيونها
الكلام في القرآن وهو القول في كلام الله تعالى
قال أبو محمد واختلفوا في كلام الله عز وجل بعد أن أجمع أهل الإسلام


إجماع ولا ضرورة تمنع ما ذكرنا في معنى النظر وقد وافقتنا المعتزلة على أنه لا عالم عندنا إلا بضمير وأنه لا فعال إلا بمعاناة ولا رحيم إلا برقة قلب ثم أجمعوا على أن الله تعالى عالم بكل ما يكون بلا ضمير وأنه عز وجل فعال بلا معاناة ورحيم بلا رقة فأي فرق بين تجويزهم ما ذكرنا وبين تجويزهم رؤية ونظرا بقوة غير القوة المعهودة لولا الخذلان ومخالفة القرآن والسنن نعوذ بالله من ذلك وقد قال بعض المعتزلة أخبرونا إذا رؤى الباري أكله يرى أم بعضه قال أبو محمد وهذا سؤال تعلموه من الملحدين إذ سألونا نحن والمعتزلة فقالوا إذا علمتم الباري تعالى أكله تعلمونه أم بعضه قال أبو محمد وهذا سؤال فاسد مغالط به لأنهم أثبتوا كلا وبعضا حيث لا كل ولا بعض والكل والبعض لا يقعان إلا في ذي نهاية والباري تعالى خالق النهاية والمتناهي فهو عز وجل لا متناه ولا نهاية فلا كل له ولا بعض قال أبو محمد والآية المذكورة والأحاديث الصحاح مأثورة في رؤية الله تعالى يوم القيامة موجبة القبول لتظاهرها وتباع ديا الناقلين لها ورؤية الله عز وجل يوم القيامة كرامة للمؤمنين لا أحرمنا الله ذلك بفضله ومحال أن تكون هذه الرؤية رؤية القلب لأن جميع العارفين به تعالى يرونه في الدنيا بقلوبهم وكذلك الكفار في الآخرة بلا شك فإن قال قائل إنما أخبر تعالى بالرؤية عن الوجه قيل وبالله تعالى التوفيق معروف في اللغة التي بها خوطبنا أن تنسب الرؤية إلى الوجه والمراد بها العين قال بعض الأعراب أنافس من ناجاك مقدار لفظة * وتعتاد نفسي إن نأت عنك معينها وإن وجوها يصطبحن بنظرة * إليك لمحسود عليك عيونها الكلام في القرآن وهو القول في كلام الله تعالى قال أبو محمد واختلفوا في كلام الله عز وجل بعد أن أجمع أهل الإسلام

4


كلهم أن لله تعالى كلاما وعلى أن الله تعالى كلم موسى عليه السلام وكذلك سائر الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف فكل هذا لا اختلاف فيه بين أحد من أهل الإسلام ثم قالت المعتزلة أن كلام الله تعالى صفة فعل مخلوق وقالوا أن الله عز وجل كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة وقال أهل السنة أن كلام الله عز وجل هو علمه لم يزل وأنه غير مخلوق وهو قول الإمام أحمد بن حنبل وغيره رحمهم الله وقالت الأشعرية كلام الله تعالى صفة ذات لم تزل غير مخلوقة وهو غير الله تعالى وخلاف الله تعالى وهو غير علم الله تعالى وأنه ليس لله تعالى إلا كلام واحد
قال أبو محمد واحتج أهل السنة بحجج منها أن قالوا أن كلام الله تعالى لو كان غير الله لكان لا يخلوا من أن يكون جسما أو عرضا فلو كان جسما لكان في مكان واحد ولو كان ذلك لكنا لم يبلغ إلينا كلام الله عز وجل ولا كان يكون مجموعا عندنا في كل بلد كذلك وهذا كفر ولو كان عرضا لاقتضى حاملا ولكان كلام الله تعالى الذي هو عندنا هو غير كلامه الذي عند غيرنا وهذا محال ولكان أيضا يغني بغناء حامله وهذا لا يقولونه وبالله تعالى التوفيق قالوا ولو سمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى من غير الله تعالى لما كان له عليه السلام في ذلك فضل علينا لأننا نسمع كلام الله عز وجل من غيره فصح أن لموسى عليه السلام مزية على من سواه وهو أنه عليه السلام سمع كلام الله بخلاف من سواه وأيضا فقد قامت الدلائل على أن الله تعالى لا يشبهه شيء في خلقه بوجه من الوجوه ولا بمعنى من المعاني فلما كان كلامنا غيرنا وكان مخلوقا وجب ضرورة أن يكون كلام الله تعالى ليس مخلوقا وليس غير الله تعالى كما قلنا في العلم سواء بسواء
قال أبو محمد وأما الأشعرية فيلزمهم في قولهم أن كلام الله غير الله ما ألزمناهم في العلم وفي القدرة سواه سواء مما قد تقصيناه قبل هذا والحمد لله رب العالمين وأما قولهم ليس لله تعالى إلا كلام واحد فخلاف مجرد لله تعالى ولجميع أهل الإسلام لأن الله عز وجل يقول « قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد


كلهم أن لله تعالى كلاما وعلى أن الله تعالى كلم موسى عليه السلام وكذلك سائر الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف فكل هذا لا اختلاف فيه بين أحد من أهل الإسلام ثم قالت المعتزلة أن كلام الله تعالى صفة فعل مخلوق وقالوا أن الله عز وجل كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة وقال أهل السنة أن كلام الله عز وجل هو علمه لم يزل وأنه غير مخلوق وهو قول الإمام أحمد بن حنبل وغيره رحمهم الله وقالت الأشعرية كلام الله تعالى صفة ذات لم تزل غير مخلوقة وهو غير الله تعالى وخلاف الله تعالى وهو غير علم الله تعالى وأنه ليس لله تعالى إلا كلام واحد قال أبو محمد واحتج أهل السنة بحجج منها أن قالوا أن كلام الله تعالى لو كان غير الله لكان لا يخلوا من أن يكون جسما أو عرضا فلو كان جسما لكان في مكان واحد ولو كان ذلك لكنا لم يبلغ إلينا كلام الله عز وجل ولا كان يكون مجموعا عندنا في كل بلد كذلك وهذا كفر ولو كان عرضا لاقتضى حاملا ولكان كلام الله تعالى الذي هو عندنا هو غير كلامه الذي عند غيرنا وهذا محال ولكان أيضا يغني بغناء حامله وهذا لا يقولونه وبالله تعالى التوفيق قالوا ولو سمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى من غير الله تعالى لما كان له عليه السلام في ذلك فضل علينا لأننا نسمع كلام الله عز وجل من غيره فصح أن لموسى عليه السلام مزية على من سواه وهو أنه عليه السلام سمع كلام الله بخلاف من سواه وأيضا فقد قامت الدلائل على أن الله تعالى لا يشبهه شيء في خلقه بوجه من الوجوه ولا بمعنى من المعاني فلما كان كلامنا غيرنا وكان مخلوقا وجب ضرورة أن يكون كلام الله تعالى ليس مخلوقا وليس غير الله تعالى كما قلنا في العلم سواء بسواء قال أبو محمد وأما الأشعرية فيلزمهم في قولهم أن كلام الله غير الله ما ألزمناهم في العلم وفي القدرة سواه سواء مما قد تقصيناه قبل هذا والحمد لله رب العالمين وأما قولهم ليس لله تعالى إلا كلام واحد فخلاف مجرد لله تعالى ولجميع أهل الإسلام لأن الله عز وجل يقول « قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد

5


البحر قبل أن تنفد كلمات ربي » « ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله »
قال أبو محمد ولا ضلال أضل ولا حياء أعدم ولا مجاهرة أطم ولا تكذيب لله أعظم ممن سمع هذا الكلام الذي لا يشك مسلم أنه خبر الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بأن لله كلمات لا تنفد ثم يقول هو من رأيه الخسيس أنه ليس لله تعالى إلا كلام واحد فإن ادعوا أنهم فروا من أن يكثروا مع الله أكذبهم قولهم أن ها هنا خمسة عشر شيئا كلها متغايرة وكلها غير الله وخلاف الله وكلها لم تزل مع الله تعالى عما يقول الظالمون علو كبيرا
قال أبو محمد وقالت أيضا هذه الطائفة المنتمية إلى الأشعرية ان كلام الله تعالى عز وجل لم ينزل به جبريل عليه السلام على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وإنما نزل عليه بشيء آخر هو عبارة عن كلام الله تعالى وإن الذي نقرأ في المصاحف ويكتب فيها ليس شيء منها كلام الله وإن كلام الله تعالى الذي لم يكن ثم كان ولا يحل لأحد أن يقول إنما قلنا أن الله تعالى لا يزايل الباري ولا يقوم بغيره ولا يحل في الأماكن ولا ينتقل ولا هو حروف موصلة ولا بعضه خير من بعض ولا أفضل ولا أعظم من بعض وقالوا لم يزل الله تعالى قائلا لجهنم « هل امتلأت » وقائلا للكفار « اخسؤوا فيها ولا تكلمون » ولم يزل تعالى قائلا لكل ما أراد تكوينه كن
قال أبو محمد وهذا كفر مجرد بلا تأويل وذلك أننا نسألهم عن القرآن أهو كلام الله أم لا فإن قال ليس هو كلام الله كفروا بإجماع الأمة وإن


البحر قبل أن تنفد كلمات ربي » « ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله » قال أبو محمد ولا ضلال أضل ولا حياء أعدم ولا مجاهرة أطم ولا تكذيب لله أعظم ممن سمع هذا الكلام الذي لا يشك مسلم أنه خبر الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بأن لله كلمات لا تنفد ثم يقول هو من رأيه الخسيس أنه ليس لله تعالى إلا كلام واحد فإن ادعوا أنهم فروا من أن يكثروا مع الله أكذبهم قولهم أن ها هنا خمسة عشر شيئا كلها متغايرة وكلها غير الله وخلاف الله وكلها لم تزل مع الله تعالى عما يقول الظالمون علو كبيرا قال أبو محمد وقالت أيضا هذه الطائفة المنتمية إلى الأشعرية ان كلام الله تعالى عز وجل لم ينزل به جبريل عليه السلام على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وإنما نزل عليه بشيء آخر هو عبارة عن كلام الله تعالى وإن الذي نقرأ في المصاحف ويكتب فيها ليس شيء منها كلام الله وإن كلام الله تعالى الذي لم يكن ثم كان ولا يحل لأحد أن يقول إنما قلنا أن الله تعالى لا يزايل الباري ولا يقوم بغيره ولا يحل في الأماكن ولا ينتقل ولا هو حروف موصلة ولا بعضه خير من بعض ولا أفضل ولا أعظم من بعض وقالوا لم يزل الله تعالى قائلا لجهنم « هل امتلأت » وقائلا للكفار « اخسؤوا فيها ولا تكلمون » ولم يزل تعالى قائلا لكل ما أراد تكوينه كن قال أبو محمد وهذا كفر مجرد بلا تأويل وذلك أننا نسألهم عن القرآن أهو كلام الله أم لا فإن قال ليس هو كلام الله كفروا بإجماع الأمة وإن

6


قالوا بل هو كلام الله سألناهم عن القرآن أهو الذي يتلى في المساجد ويكتب في المصاحف ويحفظ في الصدور أم لا فإن قالوا لا كفروا بإجماع الأمة وإن قالوا نعم تركوا قولهم الفاسد وقروا أن كلام الله تعالى في المصاحف ومسموع من القراء ومحفوظ في الصدور كما يقول جميع أهل الإسلام
قال أبو محمد وقال قوم في اللفظ بالقرآن ونسبوا إلى أهل السنة أنهم يقولون أن الصوت غير مخلوق والخط غير مخلوق
قال أبو محمد وهذا باطل وما قال قط مسلم أن الصوت الذي هو الهواء غير مخلوق وأن الخط غير مخلوق
قال أبو محمد والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق هو ما قاله الله عز وجل ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا نزيد على ذلك شيئا وهو أن قول القائل القرآن وقوله كلام الله كلاهما معنى واحد واللفظان مختلفان والقرآن هو كلام الله عز وجل على الحقيقة بلا مجاز ونكفر من لم يقل ذلك ونقول أن جبريل عليه السلام نزل بالقرآن الذي هو كلام الله تعالى على الحقيقة على قلب محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى « نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين » ثم نقول أن قولنا القرآن وقولنا كلام الله لفظ مشترك يعبر به عن خمسة أشياء فنسمي الصوت المسموع الملفوظ به قرآنا ونقول انه كلام الله تعالى على الحقيقة وبرهان ذلك هو قول الله عز وجل « وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله » وقوله تعالى « وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه » وقوله تعالى « فاقرؤوا ما تيسر من القرآن » وأنكر على الكفار وصدق مؤمني الجن في قولهم « إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد » فصح أن المسموع وهو الصوت الملفوظ به هو القرآن حقيقة وهو كلام الله تعالى حقيقة من خالف هذا فقد عاند القرآن ويسمى المفهوم من ذلك الصوت قرآنا وكلام الله على الحقيقة فإذا فسرنا الزكاة المذكورة في القرآن والصلاة والحج وغير ذلك قلنا في كل هذا كلام الله هو القرآن ونسمي المصحف كله قرآنا وكلام الله وبرهاننا على ذلك قول الله عز وجل « إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون » وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض الحرب لئلا يناله


قالوا بل هو كلام الله سألناهم عن القرآن أهو الذي يتلى في المساجد ويكتب في المصاحف ويحفظ في الصدور أم لا فإن قالوا لا كفروا بإجماع الأمة وإن قالوا نعم تركوا قولهم الفاسد وقروا أن كلام الله تعالى في المصاحف ومسموع من القراء ومحفوظ في الصدور كما يقول جميع أهل الإسلام قال أبو محمد وقال قوم في اللفظ بالقرآن ونسبوا إلى أهل السنة أنهم يقولون أن الصوت غير مخلوق والخط غير مخلوق قال أبو محمد وهذا باطل وما قال قط مسلم أن الصوت الذي هو الهواء غير مخلوق وأن الخط غير مخلوق قال أبو محمد والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق هو ما قاله الله عز وجل ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا نزيد على ذلك شيئا وهو أن قول القائل القرآن وقوله كلام الله كلاهما معنى واحد واللفظان مختلفان والقرآن هو كلام الله عز وجل على الحقيقة بلا مجاز ونكفر من لم يقل ذلك ونقول أن جبريل عليه السلام نزل بالقرآن الذي هو كلام الله تعالى على الحقيقة على قلب محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى « نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين » ثم نقول أن قولنا القرآن وقولنا كلام الله لفظ مشترك يعبر به عن خمسة أشياء فنسمي الصوت المسموع الملفوظ به قرآنا ونقول انه كلام الله تعالى على الحقيقة وبرهان ذلك هو قول الله عز وجل « وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله » وقوله تعالى « وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه » وقوله تعالى « فاقرؤوا ما تيسر من القرآن » وأنكر على الكفار وصدق مؤمني الجن في قولهم « إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد » فصح أن المسموع وهو الصوت الملفوظ به هو القرآن حقيقة وهو كلام الله تعالى حقيقة من خالف هذا فقد عاند القرآن ويسمى المفهوم من ذلك الصوت قرآنا وكلام الله على الحقيقة فإذا فسرنا الزكاة المذكورة في القرآن والصلاة والحج وغير ذلك قلنا في كل هذا كلام الله هو القرآن ونسمي المصحف كله قرآنا وكلام الله وبرهاننا على ذلك قول الله عز وجل « إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون » وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض الحرب لئلا يناله

7


العدو وقوله تعالى « لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة » وكتاب الله تعالى هو القرآن بإجماع الأمة فقد سمى
رسول الله صلى الله عليه وسلم المصحف قرآنا والقرآن كلام الله تعالى بإجماع الأمة فالمصحف كلام الله تعالى برهاننا على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر بتعاهد القرآن وقال عليه السلام أنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقلها وقال الله تعالى « بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم » فالذي في الصدور هو القرآن وهو كلام الله على الحقيقة لا مجازا ونقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان آية الكرسي أعظم آية في القرآن وأن أم القرآن فاتحة الكتاب لم ينزل في القرآن ولا في التوراة ولا في الإنجيل مثلها وأن « قل هو الله أحد » تعدل ثلث القرآن وقال الله عز وجل « ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها » فإن قالوا إنما يتفاضل الأجر على قراءة ذلك قلنا لهم نعم ولا شك في ذلك ولا يكون التفاضل في شيء مما يكون فيه التفاضل إلا في الصفات التي هي أعراض في الموصوف بها وأما في الذوات فلا ونقول أيضا أن القرآن هو كلام الله تعالى وهو علمه وليس شيئا غير الباري تعالى برهان ذلك قول الله عز وجل « ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم » وقال تعالى « وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته » وباليقين يدري كل ذي فهم أنه تعالى إنما عنى سابق علمه الذي سلف بما ينفذه ويقضيه
قال أبو محمد فهذه خمسة معان يعبر عن كل معنى منها بأنه قرآن وانه كلام الله ويخبر عن كل واحد منها أخبارا صحيحا بأنه القرآن وأنه كلام الله تعالى بنص القرآن والسنة للذين اجمع عليهما جميع الأمة وأما الصوت فهو هواء مندفع من الحلق والصدر والحك واللسان والأسنان والشفتين إلى آذان السامعين وهو حروف الهجاء والهواء وحروف الهجاء والهواء كل


العدو وقوله تعالى « لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة » وكتاب الله تعالى هو القرآن بإجماع الأمة فقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم المصحف قرآنا والقرآن كلام الله تعالى بإجماع الأمة فالمصحف كلام الله تعالى برهاننا على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر بتعاهد القرآن وقال عليه السلام أنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقلها وقال الله تعالى « بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم » فالذي في الصدور هو القرآن وهو كلام الله على الحقيقة لا مجازا ونقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان آية الكرسي أعظم آية في القرآن وأن أم القرآن فاتحة الكتاب لم ينزل في القرآن ولا في التوراة ولا في الإنجيل مثلها وأن « قل هو الله أحد » تعدل ثلث القرآن وقال الله عز وجل « ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها » فإن قالوا إنما يتفاضل الأجر على قراءة ذلك قلنا لهم نعم ولا شك في ذلك ولا يكون التفاضل في شيء مما يكون فيه التفاضل إلا في الصفات التي هي أعراض في الموصوف بها وأما في الذوات فلا ونقول أيضا أن القرآن هو كلام الله تعالى وهو علمه وليس شيئا غير الباري تعالى برهان ذلك قول الله عز وجل « ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم » وقال تعالى « وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته » وباليقين يدري كل ذي فهم أنه تعالى إنما عنى سابق علمه الذي سلف بما ينفذه ويقضيه قال أبو محمد فهذه خمسة معان يعبر عن كل معنى منها بأنه قرآن وانه كلام الله ويخبر عن كل واحد منها أخبارا صحيحا بأنه القرآن وأنه كلام الله تعالى بنص القرآن والسنة للذين اجمع عليهما جميع الأمة وأما الصوت فهو هواء مندفع من الحلق والصدر والحك واللسان والأسنان والشفتين إلى آذان السامعين وهو حروف الهجاء والهواء وحروف الهجاء والهواء كل

8


ذلك مخلوق بلا خلاف قال الله عز وجل « وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم » وقال تعالى « بلسان عربي مبين » واللسان العربي ولسان كل قوم هي لغتهم واللسان واللغات كل ذلك مخلوق بلا شك والمعاني المعبر عنها بالكلام المؤلف من الحروف المؤلفة إنما هي الله تعالى والملائكة والنبيون وسموات وأرضون وما فيهما من الأشياء وصلاة وزكاة وذكر أمم خالية والجنة والنار وسائر الطاعات وسائر أعمال الدين وكل ذلك مخلوق حاشا لله وحده لا شريك له خالق كل ما دونه وأما المصحف فإنما هو ورق من جلود الحيوان ومركب منها من مداد مؤلف من صمغ وزاج وعفص وماء وكل ذلك مخلوق وكذلك حركة اليد في حطه وحركة اللسان في قراءته واستقرار كل ذلك في النفوس هذه كلها اعراض مخلوقة وكذلك عيسى عليه السلام هو كلمة لله وهو مخلوق بلا شك قال الله تعالى « بكلمة منه اسمه المسيح » وأما علم الله تعالى فلم يزل وهو كلام الله تعالى وهو القرآن وهو غير مخلوق ليس هو غير الله تعالى أصلا ومن قال أن شيئا غير الله تعالى لم يزل مع الله عز وجل فقد جعل لله عز وجل شريكا ونقول أن لله عز وجل كلاما حقيقة وأنه تعالى كلم موسى ومن كلم من الأنبياء والملائكة عليهم السلام تكليما حقيقة لا مجازا ولا يجوز آن يقال البتة أن الله تعالى متكلم لأنه لم يسم بذلك نفسه ومن قال أن الله تعالى مكلم موسى لم ينكره لأنه يخبر عن فعله تعالى الذي لم يكن ثم كان ولا يحل لأحد أن يقول إنما قلنا أن لله تعالى كلاما لنفى الخرس عنه لما ذكرنا قبل من أنه أن كان يعني الخرس المعهود فإنه لا ينتفي إلا بالكلام المعهود الذي هو حركة اللسان والشفتين وإن كان إنما ينفي خرسا غير معهود فهذا لا يعقل أصلا ولا يفهم
وأيضا فيلزمه أن يسميه تعالى شماما لنفى الخشم عنه ومتحركا لنفي الخدر وهذا كله الحاد في أسمائه عز وجل لكن لما قال الله تعالى أن له كلا ما قلناه وأقررنا به ولو لم يقله عز وجل لم يحل لأحد أن بقوله وبالله تعالى التوفيق
قال أبو محمد ولما كان اسم القرآن يقع على خمسة أشياء وقوعا مستويا صحيحا


ذلك مخلوق بلا خلاف قال الله عز وجل « وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم » وقال تعالى « بلسان عربي مبين » واللسان العربي ولسان كل قوم هي لغتهم واللسان واللغات كل ذلك مخلوق بلا شك والمعاني المعبر عنها بالكلام المؤلف من الحروف المؤلفة إنما هي الله تعالى والملائكة والنبيون وسموات وأرضون وما فيهما من الأشياء وصلاة وزكاة وذكر أمم خالية والجنة والنار وسائر الطاعات وسائر أعمال الدين وكل ذلك مخلوق حاشا لله وحده لا شريك له خالق كل ما دونه وأما المصحف فإنما هو ورق من جلود الحيوان ومركب منها من مداد مؤلف من صمغ وزاج وعفص وماء وكل ذلك مخلوق وكذلك حركة اليد في حطه وحركة اللسان في قراءته واستقرار كل ذلك في النفوس هذه كلها اعراض مخلوقة وكذلك عيسى عليه السلام هو كلمة لله وهو مخلوق بلا شك قال الله تعالى « بكلمة منه اسمه المسيح » وأما علم الله تعالى فلم يزل وهو كلام الله تعالى وهو القرآن وهو غير مخلوق ليس هو غير الله تعالى أصلا ومن قال أن شيئا غير الله تعالى لم يزل مع الله عز وجل فقد جعل لله عز وجل شريكا ونقول أن لله عز وجل كلاما حقيقة وأنه تعالى كلم موسى ومن كلم من الأنبياء والملائكة عليهم السلام تكليما حقيقة لا مجازا ولا يجوز آن يقال البتة أن الله تعالى متكلم لأنه لم يسم بذلك نفسه ومن قال أن الله تعالى مكلم موسى لم ينكره لأنه يخبر عن فعله تعالى الذي لم يكن ثم كان ولا يحل لأحد أن يقول إنما قلنا أن لله تعالى كلاما لنفى الخرس عنه لما ذكرنا قبل من أنه أن كان يعني الخرس المعهود فإنه لا ينتفي إلا بالكلام المعهود الذي هو حركة اللسان والشفتين وإن كان إنما ينفي خرسا غير معهود فهذا لا يعقل أصلا ولا يفهم وأيضا فيلزمه أن يسميه تعالى شماما لنفى الخشم عنه ومتحركا لنفي الخدر وهذا كله الحاد في أسمائه عز وجل لكن لما قال الله تعالى أن له كلا ما قلناه وأقررنا به ولو لم يقله عز وجل لم يحل لأحد أن بقوله وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد ولما كان اسم القرآن يقع على خمسة أشياء وقوعا مستويا صحيحا

9


منها أربعة مخلوقة وواحد غير مخلوق لم يجز البتة لأحد أن يقول أن القرآن مخلوق ولا أن يقال أن كلام الله مخلوق لأن قائل هذا كاذب إذ أوقع صفة الخلق على ما لا يقع عليه مما يقع عليه اسم قرآن واسم كلام الله عز وجل ووجب ضرورة أن يقال إن القرآن لا خالق له ولا مخلوق وأن كلام الله تعالى لا خالق ولا مخلوق لأن الأربعة المسميات منه ليست خالقة ولا يجوز أن نطلق على القرآن ولا على كلام الله تعالى اسم خالق ولأن المعنى الخامس غير مخلوق ولا يجوز أن توضع صفة البعض على الكل الذي لا تعمه تلك الصفة بل واجب أن يطلق نفي تلك الصفة التي للبعض على الكل وكذاك لو قال قائل أن الأشياء كلها مخلوقة أو قال للحق مخلوق أو قال كل موجود مخلوق لقال الباطل لأن الله تعالى شيء موجود حق ليس مخلوقا لكن إذا قال الله تعالى خالق كل شيء جاز ذلك لأنه قد أخرج بذكر الله تعالى أن المخلوق في كلامه الأشكال ومثال ذلك فيما بيننا أن ثيابا خمسة الأربعة منها حمر والخامس غير أحمر لكان من قال هذه الثياب حمر كاذبا ولكان من قال هذه الثياب ليست حمرا صادقا وكذلك من قال الإنسان طبيب يعني كل إنسان لكان كاذبا ولو قال ليس الإنسان طبيبا يعني كل إنسان لكان صادقا وكذلك لا يجوز أن يطلق أن الحق مخلوق ولا أن العلم مخلوق لأن اسم الحق يقع على الله تعالى وعلى كل موجود واسم العلم يقع على كل علم وعلى علم الله عز وجل وهو غير مخلوق لكن يقال الحق غير مخلوق والعلم غير مخلوق هكذا جملة وإذا بين فقيل كل حق دون الله تعالى فهو مخلوق وكل علم دون الله تعالى فهو مخلوق فهو كلام صحيح وهكذا ألا يجوز أن يقال أن كلام الله مخلوق ولا أن القرآن مخلوق ولكن يقال علم الله غير مخلوق وكلام الله غير مخلوق والقرآن غير مخلوق ولو أن قائلا قال إن الله مخلوق وهو يعني صوته المسموع أو الألف واللام والهاء أو الحبر الذي كتبت هذه الكلمة به لكان في ظاهر قوله عند جميع الأمة كافرا ما لم يبين فيقول صوتي أو هذا الخط مخلوق


منها أربعة مخلوقة وواحد غير مخلوق لم يجز البتة لأحد أن يقول أن القرآن مخلوق ولا أن يقال أن كلام الله مخلوق لأن قائل هذا كاذب إذ أوقع صفة الخلق على ما لا يقع عليه مما يقع عليه اسم قرآن واسم كلام الله عز وجل ووجب ضرورة أن يقال إن القرآن لا خالق له ولا مخلوق وأن كلام الله تعالى لا خالق ولا مخلوق لأن الأربعة المسميات منه ليست خالقة ولا يجوز أن نطلق على القرآن ولا على كلام الله تعالى اسم خالق ولأن المعنى الخامس غير مخلوق ولا يجوز أن توضع صفة البعض على الكل الذي لا تعمه تلك الصفة بل واجب أن يطلق نفي تلك الصفة التي للبعض على الكل وكذاك لو قال قائل أن الأشياء كلها مخلوقة أو قال للحق مخلوق أو قال كل موجود مخلوق لقال الباطل لأن الله تعالى شيء موجود حق ليس مخلوقا لكن إذا قال الله تعالى خالق كل شيء جاز ذلك لأنه قد أخرج بذكر الله تعالى أن المخلوق في كلامه الأشكال ومثال ذلك فيما بيننا أن ثيابا خمسة الأربعة منها حمر والخامس غير أحمر لكان من قال هذه الثياب حمر كاذبا ولكان من قال هذه الثياب ليست حمرا صادقا وكذلك من قال الإنسان طبيب يعني كل إنسان لكان كاذبا ولو قال ليس الإنسان طبيبا يعني كل إنسان لكان صادقا وكذلك لا يجوز أن يطلق أن الحق مخلوق ولا أن العلم مخلوق لأن اسم الحق يقع على الله تعالى وعلى كل موجود واسم العلم يقع على كل علم وعلى علم الله عز وجل وهو غير مخلوق لكن يقال الحق غير مخلوق والعلم غير مخلوق هكذا جملة وإذا بين فقيل كل حق دون الله تعالى فهو مخلوق وكل علم دون الله تعالى فهو مخلوق فهو كلام صحيح وهكذا ألا يجوز أن يقال أن كلام الله مخلوق ولا أن القرآن مخلوق ولكن يقال علم الله غير مخلوق وكلام الله غير مخلوق والقرآن غير مخلوق ولو أن قائلا قال إن الله مخلوق وهو يعني صوته المسموع أو الألف واللام والهاء أو الحبر الذي كتبت هذه الكلمة به لكان في ظاهر قوله عند جميع الأمة كافرا ما لم يبين فيقول صوتي أو هذا الخط مخلوق

10

لا يتم تسجيل الدخول!