إسم الكتاب : الفصل في الملل والأهواء والنحل ( عدد الصفحات : 224)


كتاب
الفصل في الملل والأهواء والنحل
للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم
الظاهري المتوفى سنة 456
الفصل بكسر ففتح جمع فصله بفتح فسكون كقصعة وقصع النخلة المنقولة من محلها إلى محل آخر لتثمر
الجزء الأول
( ترجمة ابن حزم ملخصة من ابن خلكان )
هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم مولده بقرطبة سنة 384 كان وزير المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر وكان متفنناً في علوم جمة عاملاً بعلمه زاهداً في الدنيا بعد الرياسة وله تآليف كثيرة ( منها ) في فقه الحديث الايصال إلى فهم الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة وعليها ( ومنها ) كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل وهو هذا ومن شعره
< شعر >
لئن أصبت مرتحلاً بجسمي * فروحي عندكم أبداً مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى * لذ اسأل المعاينة الكليم
وله في المعنى
يقول أخي شجاك رحيل جسم * وروحك ماله عنا رحيل
فقلت له المعاين مطمئن * لذا طلب المعاينة الخليل
< / شعر >
الطبعة الأولى
بالمطبعة الأدبية في سوق الخضار القديم بمصر - سنة 1317 هجرية


كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري المتوفى سنة 456 الفصل بكسر ففتح جمع فصله بفتح فسكون كقصعة وقصع النخلة المنقولة من محلها إلى محل آخر لتثمر الجزء الأول ( ترجمة ابن حزم ملخصة من ابن خلكان ) هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم مولده بقرطبة سنة 384 كان وزير المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر وكان متفنناً في علوم جمة عاملاً بعلمه زاهداً في الدنيا بعد الرياسة وله تآليف كثيرة ( منها ) في فقه الحديث الايصال إلى فهم الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين في مسائل الفقه والحجة لكل طائفة وعليها ( ومنها ) كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل وهو هذا ومن شعره < شعر > لئن أصبت مرتحلاً بجسمي * فروحي عندكم أبداً مقيم ولكن للعيان لطيف معنى * لذ اسأل المعاينة الكليم وله في المعنى يقول أخي شجاك رحيل جسم * وروحك ماله عنا رحيل فقلت له المعاين مطمئن * لذا طلب المعاينة الخليل < / شعر > الطبعة الأولى بالمطبعة الأدبية في سوق الخضار القديم بمصر - سنة 1317 هجرية

1



بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم رضي الله عنه
الحمد لله كثيرا وصلى الله على محمد عبده ورسوله خاتم أنبيائه بكرة وأصيلا أما بعد فان كثيرا من الناس كتبوا في افتراق الناس في دياناتهم ومقالاتهم كتبا كثيرة جدا فبعض أطال وأسهب وأكثر وهجر واستعمل الأغاليط والشغب فكان ذلك شاغلا عن الفهم قاطعا دون العلم وبعض أحذف وقصر وقلل واختصر وأضرب عن كثير من قوى معارضات أصحاب المقالات فكان في ذلك غير منصف لنفسه في أن يرضى لها بالغبن في الإبانة وظالما لخصمه في ان لم يوفه حق اعتراضه وباخسا حق من قرأ كتابه إذا لم يغنه عن غيره وكلهم إلا نحلة القسم عقد كلامه تعقيدا يتعذر فهمه على كثير من أهل الفهم وحلق على المعاني من بعد حتى صار ينسي آخر كلامه أوله وأكثر هذا منهم ستائر دون فساد معانيهم فكان هذا منهم غير محمود في عاجله وآجله
قال أبو محمد رضي الله عنه فجمعنا كتابنا هذا مع استخارتنا الله عز وجل في جمعه وقصدنا به قصد إيراد البراهين المنتجة عن المقدمات الحسية أو الراجعة إلى الحس من قرب أو من بعد على حسب قيام البراهين التي لا تخون أصلا مخرجها إلى ما أخرجت له وألا يصح منه إلا ما صححت البراهين المذكورة فقط إذ ليس الحق إلا ذلك وبالغنا في بيان اللفظ وترك التعقيد راجين من الله تعالى على ذلك الأجر الجزيل وهو تعالى ولي من تولاه ومعطي من استعطاه لا إله إلا هو وحسبنا الله ونعم الوكيل


بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم رضي الله عنه الحمد لله كثيرا وصلى الله على محمد عبده ورسوله خاتم أنبيائه بكرة وأصيلا أما بعد فان كثيرا من الناس كتبوا في افتراق الناس في دياناتهم ومقالاتهم كتبا كثيرة جدا فبعض أطال وأسهب وأكثر وهجر واستعمل الأغاليط والشغب فكان ذلك شاغلا عن الفهم قاطعا دون العلم وبعض أحذف وقصر وقلل واختصر وأضرب عن كثير من قوى معارضات أصحاب المقالات فكان في ذلك غير منصف لنفسه في أن يرضى لها بالغبن في الإبانة وظالما لخصمه في ان لم يوفه حق اعتراضه وباخسا حق من قرأ كتابه إذا لم يغنه عن غيره وكلهم إلا نحلة القسم عقد كلامه تعقيدا يتعذر فهمه على كثير من أهل الفهم وحلق على المعاني من بعد حتى صار ينسي آخر كلامه أوله وأكثر هذا منهم ستائر دون فساد معانيهم فكان هذا منهم غير محمود في عاجله وآجله قال أبو محمد رضي الله عنه فجمعنا كتابنا هذا مع استخارتنا الله عز وجل في جمعه وقصدنا به قصد إيراد البراهين المنتجة عن المقدمات الحسية أو الراجعة إلى الحس من قرب أو من بعد على حسب قيام البراهين التي لا تخون أصلا مخرجها إلى ما أخرجت له وألا يصح منه إلا ما صححت البراهين المذكورة فقط إذ ليس الحق إلا ذلك وبالغنا في بيان اللفظ وترك التعقيد راجين من الله تعالى على ذلك الأجر الجزيل وهو تعالى ولي من تولاه ومعطي من استعطاه لا إله إلا هو وحسبنا الله ونعم الوكيل

2


< فهرس الموضوعات >
الكلام على رؤوس الفرق المخالفة لدين الإسلام
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
الكلام من انه تحدث في خلال هذه الأقوال أراه مركبة منها
< / فهرس الموضوعات >
< فهرس الموضوعات >
ذكر مناظرت جرت بين المؤلف وبين من ادعى قدهم بعض الأشياء
< / فهرس الموضوعات >
قال أبو محمد رضي الله عنه فنقول وبالله التوفيق رؤس الفرق المخالفة الدين الإسلام ست ثم تتفرق كل فرقة من هذه الفرق الست على فرق وسأذكر جماهيرها إن شاء الله عز وجل فالفرق الست التي ذكرناها على مراتبها في البعد عنا أولها مبطل والحقائق وهم الذين يسميهم المتكلمون السوفسطائية ثم القائلون بإثبات الحقائق إلا أنهم قالوا أن العالم لم يزل وأنه لا محدث له ولا مدبر ثم القائلون بإثبات الحقائق وأن العالم لم يزل وأن له مدبرا لم يزل ثم القائلون بإثبات الحقائق فبعضهم قال إن العالم لم يزل وبعضهم قال هو محدث واتفقوا على أن له مدبرين لم يزالوا وأنهم أكثر من واحد واختلفوا في عددهم ثم القائلين بإثبات الحقائق وأن العالم محدث وأن له خالقا واحدا لم يزل وأبطلوا النبوات كلها ثم القائلون بإثبات الحقائق وأن العالم محدث وأن له خالقا واحدا لم يزل وأثبتوا النبوات إلا أنها خالفوا في بعضها فأقروا ببعض الأنبياء عليهم السلام وأنكروا بعضهم
قال أبو محمد رضي الله عنه وقد تحدث في خلال هذه الأقوال آراء هي منتجة من هذه الرؤوس مركبة منها فمنها ما قد قالت به طوائف من الناس مثل ما ذهبت إليه فرق من الأمم من القول بتناسخ الأرواح أو القول بتواتر النبوات في كل وقت أو أن في كل نوع من أنواع الحيوان أنبياء ومثل ما قد ذهب إليه جماعة القائلين به وناظرتهم عليه من القول بأن العالم محدث وأن له مدبرا لم يزل إلا أن النفس والمكان المطلق وهو الخلاء والزمان المطلق لم يزل معه
قال أبو محمد وهذا قول قد ناظرني عليه عبد الله بن خلف ابن مروان الأنصاري وعبد الله بن محمد السلمي الكاتب ومحمد بن علي بن أبي الحسين الأصبحي الطبيب وهو قول يؤثر عن محمد بن زكريا الرازي الطبيب ولنا عليه فيه كتاب مفرد في نقض كتابه في ذلك وهو المعروف بالعلم الإلهي ومثل ما ذهب إليه قوم من أن الفلك لم يزل وأنه غير الله تعالى وأنه هو المدبر للعالم الفاعل له إجلالا بزعمهم لله عن أن يوصف بأنه


< فهرس الموضوعات > الكلام على رؤوس الفرق المخالفة لدين الإسلام < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > الكلام من انه تحدث في خلال هذه الأقوال أراه مركبة منها < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > ذكر مناظرت جرت بين المؤلف وبين من ادعى قدهم بعض الأشياء < / فهرس الموضوعات > قال أبو محمد رضي الله عنه فنقول وبالله التوفيق رؤس الفرق المخالفة الدين الإسلام ست ثم تتفرق كل فرقة من هذه الفرق الست على فرق وسأذكر جماهيرها إن شاء الله عز وجل فالفرق الست التي ذكرناها على مراتبها في البعد عنا أولها مبطل والحقائق وهم الذين يسميهم المتكلمون السوفسطائية ثم القائلون بإثبات الحقائق إلا أنهم قالوا أن العالم لم يزل وأنه لا محدث له ولا مدبر ثم القائلون بإثبات الحقائق وأن العالم لم يزل وأن له مدبرا لم يزل ثم القائلون بإثبات الحقائق فبعضهم قال إن العالم لم يزل وبعضهم قال هو محدث واتفقوا على أن له مدبرين لم يزالوا وأنهم أكثر من واحد واختلفوا في عددهم ثم القائلين بإثبات الحقائق وأن العالم محدث وأن له خالقا واحدا لم يزل وأبطلوا النبوات كلها ثم القائلون بإثبات الحقائق وأن العالم محدث وأن له خالقا واحدا لم يزل وأثبتوا النبوات إلا أنها خالفوا في بعضها فأقروا ببعض الأنبياء عليهم السلام وأنكروا بعضهم قال أبو محمد رضي الله عنه وقد تحدث في خلال هذه الأقوال آراء هي منتجة من هذه الرؤوس مركبة منها فمنها ما قد قالت به طوائف من الناس مثل ما ذهبت إليه فرق من الأمم من القول بتناسخ الأرواح أو القول بتواتر النبوات في كل وقت أو أن في كل نوع من أنواع الحيوان أنبياء ومثل ما قد ذهب إليه جماعة القائلين به وناظرتهم عليه من القول بأن العالم محدث وأن له مدبرا لم يزل إلا أن النفس والمكان المطلق وهو الخلاء والزمان المطلق لم يزل معه قال أبو محمد وهذا قول قد ناظرني عليه عبد الله بن خلف ابن مروان الأنصاري وعبد الله بن محمد السلمي الكاتب ومحمد بن علي بن أبي الحسين الأصبحي الطبيب وهو قول يؤثر عن محمد بن زكريا الرازي الطبيب ولنا عليه فيه كتاب مفرد في نقض كتابه في ذلك وهو المعروف بالعلم الإلهي ومثل ما ذهب إليه قوم من أن الفلك لم يزل وأنه غير الله تعالى وأنه هو المدبر للعالم الفاعل له إجلالا بزعمهم لله عن أن يوصف بأنه

3



فعل شيئا من الأشياء وقد كنى بعضهم عن ذلك بالعرش
ومنها ما لا نعلم أن أحدا قال به إلا أنه مما لا يؤمن أن يقول به قائل من المخالفين عند تضييق الحجج عليهم فليجئون إليها فلا بد إن شاء الله تعالى من ذكر ما يقتضيه مساق الكلام منها وذلك مثل القول بأن العالم محدث ولا محدث له فلا بد بحول الله تعالى من إثبات المحدث بعد الكلام في إثبات الحدوث وبالله تعالى التوفيق والعون لا إله إلا هو
باب مختصر جامع في ماهية البراهين الجامعة الموصلة إلى معرفة الحق في كل ما اختلف فيه الناس وكيفية إقامتها
قال أبو محمد رضي الله عنه هذا باب قد احكماه في كتابنا الموسوم بالتقريب في حدود الكلام وتقصيناه هنالك غاية التقصي والحمد لله رب العالمين إلا أننا نذكر هاهنا جملة كافية فيه لتكون مقدمة لما يأتي بعده مما اختلف الناس فيه يرجع إليها إن شاء الله تعالى فنقول وبالله التوفيق
إن الإنسان يخرج إلى هذا العالم ونفسه قد ذهب ذكرها جملة في قول من يقول إنها كانت قبل ذلك ذاكرة أولا ذكر لها البتة في قول من يقول أنها حدثت حينئذ أو أنها مزاج عرض إلا أنه قد حصل أنه لا ذكر للطفل حين ولادته ولا تمييز إلا ما لسائر الحيوان من الحس والحركة الإرادية فقط فتراه يقبض رجليه ويمدها ويغلب أعضاءه حسب طاقته ويألم إذا أحس البرد أو الحر أو الجوع وإذا ضرب أو قرص وله سوى ذلك مما يشاركه فيه الحيوان والنوامي مما ليس حيوانا من طلب الغذاء لبقاء جسمه على ما هو عليه ولنمائه فيأخذ الثدي ويميزه بطبعه من سائر الأعضاء بفمه دون سائر أعضائه كما تأخذ عروق الشجر والنبات رطوبات الأرض والماء لبقاء أجسامها على ما هي عليه ولنمائها
فإذا قويت النفس على قول من يقول أنها مزاج أو أنها حدثت حينئذ أو أخذت يعاودها ذكرها وتمييزها في قول من يقول أنها كانت ذاكرة قبل ذلك وأنها


فعل شيئا من الأشياء وقد كنى بعضهم عن ذلك بالعرش ومنها ما لا نعلم أن أحدا قال به إلا أنه مما لا يؤمن أن يقول به قائل من المخالفين عند تضييق الحجج عليهم فليجئون إليها فلا بد إن شاء الله تعالى من ذكر ما يقتضيه مساق الكلام منها وذلك مثل القول بأن العالم محدث ولا محدث له فلا بد بحول الله تعالى من إثبات المحدث بعد الكلام في إثبات الحدوث وبالله تعالى التوفيق والعون لا إله إلا هو باب مختصر جامع في ماهية البراهين الجامعة الموصلة إلى معرفة الحق في كل ما اختلف فيه الناس وكيفية إقامتها قال أبو محمد رضي الله عنه هذا باب قد احكماه في كتابنا الموسوم بالتقريب في حدود الكلام وتقصيناه هنالك غاية التقصي والحمد لله رب العالمين إلا أننا نذكر هاهنا جملة كافية فيه لتكون مقدمة لما يأتي بعده مما اختلف الناس فيه يرجع إليها إن شاء الله تعالى فنقول وبالله التوفيق إن الإنسان يخرج إلى هذا العالم ونفسه قد ذهب ذكرها جملة في قول من يقول إنها كانت قبل ذلك ذاكرة أولا ذكر لها البتة في قول من يقول أنها حدثت حينئذ أو أنها مزاج عرض إلا أنه قد حصل أنه لا ذكر للطفل حين ولادته ولا تمييز إلا ما لسائر الحيوان من الحس والحركة الإرادية فقط فتراه يقبض رجليه ويمدها ويغلب أعضاءه حسب طاقته ويألم إذا أحس البرد أو الحر أو الجوع وإذا ضرب أو قرص وله سوى ذلك مما يشاركه فيه الحيوان والنوامي مما ليس حيوانا من طلب الغذاء لبقاء جسمه على ما هو عليه ولنمائه فيأخذ الثدي ويميزه بطبعه من سائر الأعضاء بفمه دون سائر أعضائه كما تأخذ عروق الشجر والنبات رطوبات الأرض والماء لبقاء أجسامها على ما هي عليه ولنمائها فإذا قويت النفس على قول من يقول أنها مزاج أو أنها حدثت حينئذ أو أخذت يعاودها ذكرها وتمييزها في قول من يقول أنها كانت ذاكرة قبل ذلك وأنها

4


كالمفيق من مرض فأول ما يحدث لها من التمييز الذي ينفرد به الناطق من الحيوان فهم ما أدركت بحواسها الخمس كعلمها أن الرائحة الطيبة مقبولة من طبعها والرائحة الرديئة منافرة لطبعها وكعلمها أن الأحمر مخالف للأخضر والأصفر والأبيض والأسود وكالفرق بين الخشن والأملس والمكتنز والمتهيل واللزج والحار والبارد والدفئ وكالفرق بين الحلو والحامض والمر والمالح والعفص والزاعق والتفه والعذب والحريف وكالفرق بين الصوت الحاد والغليظ والرقيق والمطرب والمفزع
قال أبو محمد فهذه ادراكات الحواس لمحسوساتها والإدراك السادس علمها بالبديهيات
فمن ذلك علمها بأن الجزء أقل من الكل فإن الصبي الصغير في أول تمييزه إذا أعطيته تمرتين بكى وإذا زدته ثالثة سر وهذا علم منه بأن الكل أكثر من الجزء وإن كان لا يتنبه لتحديد ما يعرف من ذلك ومن ذلك علمه بأن لا يجتمع المتضادان فإنك إذا وقفته قسرا بكى ونزع إلى القعود علما منه بأنه لا يكون قائما قاعدا معا
ومن ذلك علمه بأن لا يكون جسم واحد في مكانين فإنه إذا أراد الذهاب إلى مكان ما فأمسكته قسرا بكى وقال كلاما معناه دعني أذهب علما منه بأنه لا يكون في المكان الذي يريد أن يذهب إليه ما دام في مكان واحد
ومن ذلك علمه بأنه لا يكون الجسمان في مكان واحد فإنك تراه ينازع على المكان الذي يريد أن يقعد فيه علما منه بأنه لا يسعه ذلك المكان مع ما فيه فيدفع من في ذلك المكان الذي يريد أن يقعد فيه إذا يعلم أنه ما دام في المكان ما يشغله فإنه لا يسعه وهو فيه
وإذا قلت له ناولني ما في هذا الحائط وكان لا يدركه قال لست أدركه وهذا علم منه بأن الطويل زائد على مقدار ما هو أقصر منه وتراه يمشي إلى الشيء الذي يريد ليصل إليه وهذا علم منه بأن ذا النهاية يحصر ويقطع بالعدو وأن لم يحسن العبارة بتحديد ما يدري من ذلك
ومنها علمه بأنه لا يعلم الغيب أحد وذلك أنك إذا سألته عن شيء لا يعرفه أنكر ذلك وقال لا أدري
ومنها فرقة بين الحق والباطل فإنه إذا أخبر بخير تجده في بعض الأوقات لا يصدقه حتى


كالمفيق من مرض فأول ما يحدث لها من التمييز الذي ينفرد به الناطق من الحيوان فهم ما أدركت بحواسها الخمس كعلمها أن الرائحة الطيبة مقبولة من طبعها والرائحة الرديئة منافرة لطبعها وكعلمها أن الأحمر مخالف للأخضر والأصفر والأبيض والأسود وكالفرق بين الخشن والأملس والمكتنز والمتهيل واللزج والحار والبارد والدفئ وكالفرق بين الحلو والحامض والمر والمالح والعفص والزاعق والتفه والعذب والحريف وكالفرق بين الصوت الحاد والغليظ والرقيق والمطرب والمفزع قال أبو محمد فهذه ادراكات الحواس لمحسوساتها والإدراك السادس علمها بالبديهيات فمن ذلك علمها بأن الجزء أقل من الكل فإن الصبي الصغير في أول تمييزه إذا أعطيته تمرتين بكى وإذا زدته ثالثة سر وهذا علم منه بأن الكل أكثر من الجزء وإن كان لا يتنبه لتحديد ما يعرف من ذلك ومن ذلك علمه بأن لا يجتمع المتضادان فإنك إذا وقفته قسرا بكى ونزع إلى القعود علما منه بأنه لا يكون قائما قاعدا معا ومن ذلك علمه بأن لا يكون جسم واحد في مكانين فإنه إذا أراد الذهاب إلى مكان ما فأمسكته قسرا بكى وقال كلاما معناه دعني أذهب علما منه بأنه لا يكون في المكان الذي يريد أن يذهب إليه ما دام في مكان واحد ومن ذلك علمه بأنه لا يكون الجسمان في مكان واحد فإنك تراه ينازع على المكان الذي يريد أن يقعد فيه علما منه بأنه لا يسعه ذلك المكان مع ما فيه فيدفع من في ذلك المكان الذي يريد أن يقعد فيه إذا يعلم أنه ما دام في المكان ما يشغله فإنه لا يسعه وهو فيه وإذا قلت له ناولني ما في هذا الحائط وكان لا يدركه قال لست أدركه وهذا علم منه بأن الطويل زائد على مقدار ما هو أقصر منه وتراه يمشي إلى الشيء الذي يريد ليصل إليه وهذا علم منه بأن ذا النهاية يحصر ويقطع بالعدو وأن لم يحسن العبارة بتحديد ما يدري من ذلك ومنها علمه بأنه لا يعلم الغيب أحد وذلك أنك إذا سألته عن شيء لا يعرفه أنكر ذلك وقال لا أدري ومنها فرقة بين الحق والباطل فإنه إذا أخبر بخير تجده في بعض الأوقات لا يصدقه حتى

5


إذا تظاهر عنده بمخبر آخر وآخر صدقه وسكن إلى ذلك
ومنها علمه بأنه لا يكون شيء إلا في زمان فإنك إذا ذكرت له أمرا ما قال متى كان وإذا قلت له لم تفعل كذا وكذا قال ما كنت أفعله وهذا علم منه بأنه لا يكون شيء مما في العالم إلا في زمان
ويعرف أن للأشياء طبائع وماهية تقف عندها ولا تجاوزها فتراه إذا رأى شيئا لا يعرفه قال أي شيء هذا فإذا شرح له سكت ومنها علمه بأنه لا يكون فعل إلا لفاعل فإنه إذا رأى شيئا قال من عمل هذا ولا يقنع البتة بأنه العمل دون عامل وإذا رأى بيد آخر شيئا قال من أعطاك هذا ومنها معرفته بأن في الخبر صدقا وكذبا فتراه يكذب بعض ما يخبر به ويصدق بعضه ويتوقف في بعضه هذا كله مشاهد من جميع الناس في مبدأ نشأتهم
قال أبو محمد فهذه أوائل العقل التي لا يختلف فيها ذو عقل وها هنا أيضا أشياء غير ما ذكرنا إذا فتشت وجدت وميزها كل ذي عقل من نفسه ومن غيره وليس يدري أحد كيف وقع العلم بهذه الأشياء كلها بوجه من الوجوه ولا يشك ذو تمييز صحيح في أن هذه الأشياء كلها صحيحة لا امتراء فيها وإنما يشك فيها بعد صحة علمه بها من دخلت عقله آفة وفسد تمييزه أو مال إلى بعض الآراء الفاسدة فكان ذلك أيضا آفة دخلت على تمييزه
كالآفة الداخلة على من به هيجان الصفراء فيجد العسل مرا
ومن في عينه ابتداء نزول الماء فيرى خيالات لا حقيقة لها وكسائر الآفات الداخلة على الحواس قال أبو محمد فهذه المقدمات التي ذكرناها هي الصحيحة التي لا شك فيها ولا سبيل إلى أن يطلب عليها دليلا إلا مجنون أو جاهل لا يعلم حقائق الأشياء ومن الطفل أهدى منه وهذا أمر يستوي في الإقرار به كبار جميع بني آدم وصغارهم في أقطار الأرض إلا من غالط حسه وكابر عقله فيحلق بالمجانين لأن الاستدلال على الشيء لا يكون إلا في زمان ولا بد ضرورة أن يعلم ذلك بأول العقل لأنه قد علم بضرورة العقل أنه لا يكون شيء مما في العالم إلا في وقت وليس بين أول أوقات تمييز النفس في هذا العالم وبين


إذا تظاهر عنده بمخبر آخر وآخر صدقه وسكن إلى ذلك ومنها علمه بأنه لا يكون شيء إلا في زمان فإنك إذا ذكرت له أمرا ما قال متى كان وإذا قلت له لم تفعل كذا وكذا قال ما كنت أفعله وهذا علم منه بأنه لا يكون شيء مما في العالم إلا في زمان ويعرف أن للأشياء طبائع وماهية تقف عندها ولا تجاوزها فتراه إذا رأى شيئا لا يعرفه قال أي شيء هذا فإذا شرح له سكت ومنها علمه بأنه لا يكون فعل إلا لفاعل فإنه إذا رأى شيئا قال من عمل هذا ولا يقنع البتة بأنه العمل دون عامل وإذا رأى بيد آخر شيئا قال من أعطاك هذا ومنها معرفته بأن في الخبر صدقا وكذبا فتراه يكذب بعض ما يخبر به ويصدق بعضه ويتوقف في بعضه هذا كله مشاهد من جميع الناس في مبدأ نشأتهم قال أبو محمد فهذه أوائل العقل التي لا يختلف فيها ذو عقل وها هنا أيضا أشياء غير ما ذكرنا إذا فتشت وجدت وميزها كل ذي عقل من نفسه ومن غيره وليس يدري أحد كيف وقع العلم بهذه الأشياء كلها بوجه من الوجوه ولا يشك ذو تمييز صحيح في أن هذه الأشياء كلها صحيحة لا امتراء فيها وإنما يشك فيها بعد صحة علمه بها من دخلت عقله آفة وفسد تمييزه أو مال إلى بعض الآراء الفاسدة فكان ذلك أيضا آفة دخلت على تمييزه كالآفة الداخلة على من به هيجان الصفراء فيجد العسل مرا ومن في عينه ابتداء نزول الماء فيرى خيالات لا حقيقة لها وكسائر الآفات الداخلة على الحواس قال أبو محمد فهذه المقدمات التي ذكرناها هي الصحيحة التي لا شك فيها ولا سبيل إلى أن يطلب عليها دليلا إلا مجنون أو جاهل لا يعلم حقائق الأشياء ومن الطفل أهدى منه وهذا أمر يستوي في الإقرار به كبار جميع بني آدم وصغارهم في أقطار الأرض إلا من غالط حسه وكابر عقله فيحلق بالمجانين لأن الاستدلال على الشيء لا يكون إلا في زمان ولا بد ضرورة أن يعلم ذلك بأول العقل لأنه قد علم بضرورة العقل أنه لا يكون شيء مما في العالم إلا في وقت وليس بين أول أوقات تمييز النفس في هذا العالم وبين

6


إدراكها لكل ما ذكرنا مهلة البتة لا دقيقة ولا جليلة ولا سبيل على ذلك فصح أنها ضرورات أوقعها الله في النفس ولا سبيل إلى الاستدلال البتة إلا من هذه المقدمات ولا يصح شيء إلا بالرد إليها فما شهدت له مقدمة من هذه المقدمات بالصحة فهو صحيح متيقن وما لم تشهد له بالصحة فهو باطل ساقط إلا أن الرجوع إليها قد يكون من قرب ومن بعد فما كان من قرب فهو أظهر إلى كل نفس وأمكن للفهم وكلما بعدت المقدمات المذكورة صعب العمل في الاستدلال حتى يقع في ذلك الغلط إلا للفهم القوي الفهم والتمييز وليس ذلك مما يقدح في أن ما رجع إلى مقدمة من المقدمات التي ذكرنا حق كما أن تلك المقدمة حق لا فرق بينهما في أنهما حق وهذا مثل الإعداد فكلما قلت الأعداد سهل جمعها ولم يقع فيها غلط حتى إذا كثرت الأعداد وكثر العمل في جمعها صعب ذلك حتى يقع فيها الغلط إلا مع الحاسب الكافي المجيد وكلما قرب من ذلك وبعد فهو كله حق ولا تفاضل في شيء من ذلك ولا تعارض مقدمة مما ذكرنا مقدمة أخرى منها ولا يعارض ما يرجع إلى مقدمة أخرى منها رجوعا صحيحا وهذا كله يعلم بالضرورة ومن علم النفس بأن علم الغيب لا يعارض صح ضرورة أنه لا يمكن أن يحكي أحد خبرا كاذبا طويلا فيأتي من لم يسمعه فيحكى ذلك الخبر بعينه كما هو لا يزيد فيه ولا ينقص إذ لو أمكن ذلك لكان الحاكي لمثل ذلك الخبر عالما بالغيب لأن هذا هو علم الغيب نفسه وهو الإخبار عما لا يعلم المخبر عنه بما هو عليه وذلك كذلك بلا شك فكل ما نقله من الأخبار اثنان فصاعدا مفترقان قد أيقنا أنهما لم يجتمعا ولا تشاعرا فلم يختلفا فيه فبالضرورة يعلم أنه حق متيقن مقطوع به على غيبه وبهذا علمنا صحة موت من مات وولادة من ولد وعزل من عزل وولاية من ولى ومرض من مرض وإفاقة من أفاق ونكبة من نكب والبلاد الغائبة عنا والوقائع والملوك والأنبياء عليهم السلام ودياناتهم والعلماء وأقوالهم والفلاسفة وحكمهم لا شك عند أحد يوفى عقله حقه في شيء مما نقل من ذلك كما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق


إدراكها لكل ما ذكرنا مهلة البتة لا دقيقة ولا جليلة ولا سبيل على ذلك فصح أنها ضرورات أوقعها الله في النفس ولا سبيل إلى الاستدلال البتة إلا من هذه المقدمات ولا يصح شيء إلا بالرد إليها فما شهدت له مقدمة من هذه المقدمات بالصحة فهو صحيح متيقن وما لم تشهد له بالصحة فهو باطل ساقط إلا أن الرجوع إليها قد يكون من قرب ومن بعد فما كان من قرب فهو أظهر إلى كل نفس وأمكن للفهم وكلما بعدت المقدمات المذكورة صعب العمل في الاستدلال حتى يقع في ذلك الغلط إلا للفهم القوي الفهم والتمييز وليس ذلك مما يقدح في أن ما رجع إلى مقدمة من المقدمات التي ذكرنا حق كما أن تلك المقدمة حق لا فرق بينهما في أنهما حق وهذا مثل الإعداد فكلما قلت الأعداد سهل جمعها ولم يقع فيها غلط حتى إذا كثرت الأعداد وكثر العمل في جمعها صعب ذلك حتى يقع فيها الغلط إلا مع الحاسب الكافي المجيد وكلما قرب من ذلك وبعد فهو كله حق ولا تفاضل في شيء من ذلك ولا تعارض مقدمة مما ذكرنا مقدمة أخرى منها ولا يعارض ما يرجع إلى مقدمة أخرى منها رجوعا صحيحا وهذا كله يعلم بالضرورة ومن علم النفس بأن علم الغيب لا يعارض صح ضرورة أنه لا يمكن أن يحكي أحد خبرا كاذبا طويلا فيأتي من لم يسمعه فيحكى ذلك الخبر بعينه كما هو لا يزيد فيه ولا ينقص إذ لو أمكن ذلك لكان الحاكي لمثل ذلك الخبر عالما بالغيب لأن هذا هو علم الغيب نفسه وهو الإخبار عما لا يعلم المخبر عنه بما هو عليه وذلك كذلك بلا شك فكل ما نقله من الأخبار اثنان فصاعدا مفترقان قد أيقنا أنهما لم يجتمعا ولا تشاعرا فلم يختلفا فيه فبالضرورة يعلم أنه حق متيقن مقطوع به على غيبه وبهذا علمنا صحة موت من مات وولادة من ولد وعزل من عزل وولاية من ولى ومرض من مرض وإفاقة من أفاق ونكبة من نكب والبلاد الغائبة عنا والوقائع والملوك والأنبياء عليهم السلام ودياناتهم والعلماء وأقوالهم والفلاسفة وحكمهم لا شك عند أحد يوفى عقله حقه في شيء مما نقل من ذلك كما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق

7



باب الكلام على أهل القسم الأول وهم مبطلوا الحقائق وهم السوفسطائية
قال أبو محمد ذكر من سلف من المتكلمين أنهم ثلاثة أصناف فصنف منهم نفى الحقائق جملة وصنف منهم شكوا فيها وصنف منهم قالوا هي حق عند من هي عنده حق وهي باطل عند من هي عنده باطل وعمدة ما ذكر من اعتراضهم فهو اختلاف الحواس في المحسوسات كإدراك المبصر من بعد عنه صغيرا ومن قرب منه كبيرا وكوجود من به حمى صفراء حلو المطاعم مرا وما يرى في الرؤيا مما لا شك فيه رائيه أنه حق من أنه في البلاد البعيدة
قال أبو محمد وكل هذا لا معنى له لأن الخطاب وتعاطي المعرفة إنما يكون مع أهل المعرفة وحس العقل شاهد بالفرق بين ما يخيل إلى النائم وبين ما يدركه المستيقظ إذ ليس في الرؤيا من استعمال الجري على الحدود المستقرة في الأشياء المعروفة وكونها أبدا على صفة واحدة ما في اليقظة وكذلك يشهد الحس أيضا بأن تبدل المحسوس عن صفته اللازمة له بحث الحس إنما هو لآفة في حس الحاس له لا في المحسوس جار كل ذلك على رتبة واحدة لا تتحول وهذه هي البداية والمشاهدات التي لا يجوز أن يطلب عليها برهان إذ لو طلب على كل برهان برهان لاقتضى ذلك وجود موجودات لا نهاية لها ووجود أشياء لا نهاية لها محال لا سبيل إليه على ما سنبينه إن شاء الله تعالى والذي يطلب على البرهان برهانا فهو ناطق بالمحال لأنه لا يفعل ذلك إلا وهو مثبت لبرهان ما فإذا وقفنا عند البرهان الذي ثبت لزمه الإذعان له فإن كان لا يثبت برهانا فلا وجه لطلبه ما لا يثبته لو وجده والقول بنفي الحقائق مكابرة للعقل والحس ويكفي من الرد عليهم أن يقال لهم قولكم أنه لا حقيقة للأشياء حق هو أم باطل فإن قالوا هو حق أثبتوا حقيقة ما وإن قالوا ليس هو حقا أقروا ببطلان قولهم وكفوا خصمهم أمرهم ويقال للشكاك منهم وبالله تعالى التوفيق أشككم موجود صحيح منكم


باب الكلام على أهل القسم الأول وهم مبطلوا الحقائق وهم السوفسطائية قال أبو محمد ذكر من سلف من المتكلمين أنهم ثلاثة أصناف فصنف منهم نفى الحقائق جملة وصنف منهم شكوا فيها وصنف منهم قالوا هي حق عند من هي عنده حق وهي باطل عند من هي عنده باطل وعمدة ما ذكر من اعتراضهم فهو اختلاف الحواس في المحسوسات كإدراك المبصر من بعد عنه صغيرا ومن قرب منه كبيرا وكوجود من به حمى صفراء حلو المطاعم مرا وما يرى في الرؤيا مما لا شك فيه رائيه أنه حق من أنه في البلاد البعيدة قال أبو محمد وكل هذا لا معنى له لأن الخطاب وتعاطي المعرفة إنما يكون مع أهل المعرفة وحس العقل شاهد بالفرق بين ما يخيل إلى النائم وبين ما يدركه المستيقظ إذ ليس في الرؤيا من استعمال الجري على الحدود المستقرة في الأشياء المعروفة وكونها أبدا على صفة واحدة ما في اليقظة وكذلك يشهد الحس أيضا بأن تبدل المحسوس عن صفته اللازمة له بحث الحس إنما هو لآفة في حس الحاس له لا في المحسوس جار كل ذلك على رتبة واحدة لا تتحول وهذه هي البداية والمشاهدات التي لا يجوز أن يطلب عليها برهان إذ لو طلب على كل برهان برهان لاقتضى ذلك وجود موجودات لا نهاية لها ووجود أشياء لا نهاية لها محال لا سبيل إليه على ما سنبينه إن شاء الله تعالى والذي يطلب على البرهان برهانا فهو ناطق بالمحال لأنه لا يفعل ذلك إلا وهو مثبت لبرهان ما فإذا وقفنا عند البرهان الذي ثبت لزمه الإذعان له فإن كان لا يثبت برهانا فلا وجه لطلبه ما لا يثبته لو وجده والقول بنفي الحقائق مكابرة للعقل والحس ويكفي من الرد عليهم أن يقال لهم قولكم أنه لا حقيقة للأشياء حق هو أم باطل فإن قالوا هو حق أثبتوا حقيقة ما وإن قالوا ليس هو حقا أقروا ببطلان قولهم وكفوا خصمهم أمرهم ويقال للشكاك منهم وبالله تعالى التوفيق أشككم موجود صحيح منكم

8



أم غير صحيح ولا موجود فإن قالوا هو موجود صحيح منا أثبتوا أيضا حقيقة ما وإن قالوا غير موجود نفوا الشك وأبطلوه وفي ابطال الشك إثبات الحقائق أو القطع على إبطالها وقد قدمنا بعون الله تعالى إبطال قول من أبطلها فلم يبقى إلا الإثبات
ويقال وبالله التوفيق لمن قال هي حق عند من هي عنده حق وهي باطل عند من هي عنده باطل إن الشيء لا يكون حقا باعتقاد من اعتقد أنه حق كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقد أنه باطل وإنما يكون الشيء حقا بكونه موجودا ثابتا سواء اعتقد أنه حق أو اعتقد أنه باطل ولو كان غير هذا لكان الشيء معدوما موجودا في حال واحدة في ذاته وهذا عين المحال وإذا أقروا بأن الأشياء حق عند من هي عنده حق فمن جملة تلك الأشياء التي تعتقد أنها حق عند من يعتقد أن الأشياء حق بطلان قول من قال أن الحقائق باطل وهو هم قد أقروا أن الأشياء حق عند من هي عنده حق وبطلان قولهم من جملة تلك الأشياء فقد أقروا بأن بطلان قولهم حق مع أن هذه الأقوال لا سبيل إلى أن يعتقدها ذو عقل البتة إذ حسه يشهد بخلافها وإنما يمكن أن يلجأ إليها بعض المنقطعين على سبيل الشغب وبالله تعالى التوفيق
باب الكلام على من قال بأن العالم لم يزل وأنه لا مدبر له
قال أبو محمد رضي الله عنه لا يخلو العالم من أحد وجهين أما أن يكون لم يزل أو أن يكون محدثا لم يكن ثم كان فذهبت طائفة إلى أنه لم يزل وهم الدهرية وذهب سائر الناس إلى أنه محدث فنبتدئ بحول الله تعالى وقوته بإيراد كل حجة شغب بها القائلون بأن العالم لم يزل وتوفية اعتراضهم بها ثم نبين بحوله تعالى نقضها وفسادها فإذا بطل القول بأن العالم لم يزل وجب القول بالحدوث وصح إذ لا سبيل إلى وجه ثالث لكنا لا نقنع بذلك حتى نأتي بالبراهين الظاهرة والنتائج الموجبة والقضايا الضرورية على إثبات حدوث العالم ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


أم غير صحيح ولا موجود فإن قالوا هو موجود صحيح منا أثبتوا أيضا حقيقة ما وإن قالوا غير موجود نفوا الشك وأبطلوه وفي ابطال الشك إثبات الحقائق أو القطع على إبطالها وقد قدمنا بعون الله تعالى إبطال قول من أبطلها فلم يبقى إلا الإثبات ويقال وبالله التوفيق لمن قال هي حق عند من هي عنده حق وهي باطل عند من هي عنده باطل إن الشيء لا يكون حقا باعتقاد من اعتقد أنه حق كما أنه لا يبطل باعتقاد من اعتقد أنه باطل وإنما يكون الشيء حقا بكونه موجودا ثابتا سواء اعتقد أنه حق أو اعتقد أنه باطل ولو كان غير هذا لكان الشيء معدوما موجودا في حال واحدة في ذاته وهذا عين المحال وإذا أقروا بأن الأشياء حق عند من هي عنده حق فمن جملة تلك الأشياء التي تعتقد أنها حق عند من يعتقد أن الأشياء حق بطلان قول من قال أن الحقائق باطل وهو هم قد أقروا أن الأشياء حق عند من هي عنده حق وبطلان قولهم من جملة تلك الأشياء فقد أقروا بأن بطلان قولهم حق مع أن هذه الأقوال لا سبيل إلى أن يعتقدها ذو عقل البتة إذ حسه يشهد بخلافها وإنما يمكن أن يلجأ إليها بعض المنقطعين على سبيل الشغب وبالله تعالى التوفيق باب الكلام على من قال بأن العالم لم يزل وأنه لا مدبر له قال أبو محمد رضي الله عنه لا يخلو العالم من أحد وجهين أما أن يكون لم يزل أو أن يكون محدثا لم يكن ثم كان فذهبت طائفة إلى أنه لم يزل وهم الدهرية وذهب سائر الناس إلى أنه محدث فنبتدئ بحول الله تعالى وقوته بإيراد كل حجة شغب بها القائلون بأن العالم لم يزل وتوفية اعتراضهم بها ثم نبين بحوله تعالى نقضها وفسادها فإذا بطل القول بأن العالم لم يزل وجب القول بالحدوث وصح إذ لا سبيل إلى وجه ثالث لكنا لا نقنع بذلك حتى نأتي بالبراهين الظاهرة والنتائج الموجبة والقضايا الضرورية على إثبات حدوث العالم ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

9



فما اعترضوا به أن قالوا لم نر شيئا حدث إلا من شيء أو في شيء فمن ادعى غير ذلك فقد ادعى ما لا يشاهد ولم يشاهد وقالوا أيضا لا يخلو محدث الأجسام الجواهر والأعراض وهي كل ما في العالم إن كان العالم محدثا من أن يكون أحدثه لأنه أو إحداثه لعلة
فإن كان لأنه فالعالم لم يزل لأن محدثه لم يزل وإذ هو علة خلقه فالعلة لا تفارق المعلول وما لم يفارق من لم يزل فهو أيضا لم يزل هو مثله بلا شك فالعالم لم يزل وإن كان أحدثه لعلة فتلك العلة لا تخلو من أحد وجهين أما أن تكون لم تزل وأما أن تكون محدثة فإن كانت لم تزل فمعلولها لم يزل فالعالم لم يزل وإن كانت تلك العلة محدثة لزم في حدوثها ما لزم في حدوث سائر الأشياء من أنه أحدثها لأنه أو لعلة فإن كان لعلة لزم ذلك أيضا في علة العلة وهكذا أبدأ وهذا يوجب وجود محدثات لا أوائل لها قالوا وهذا قولنا قالوا وإن كان أحدثها لأنه فهذا يوجب أن العلة لم تزل كما بينا آنفا وقالوا أيضا إن كان للأجسام محدث لم يخل من أحد ثلاثة أوجه إما أن يكون مثلها من جميع الوجوه لزم وأما أن يكون خلافها من دميع الوجود وأما أن يكون مثلها من بعض الوجوه وخلافها من بعض الوجوه قالوا فلن كان مثلها من جميع الوجوه لزم أن يكون محدثا مثلها وهكذا في محدثه أيضا أبدا وإن كان مثلها في بعض الوجوه لزمه أيضا من مماثلتها في ذلك البعض ما يلزمه من مماثلته لها في جميع الوجوه من الحدوث إذ الحدوث اللازم للبعض كلزومه للكل ولا فرق وإن كان خلافها من جميع الوجوه فمحال أن يفعلها لأن هذا هو حقيقة الضد والمناقض إذ لا سبيل إلى أن يفعل الشيء خلافه من جميع الوجوه كما لا تفعل النار التبريد وقالوا أيضا لا يخلو إن كان للعالم فاعل من أن يكون فعله لإحراز منفعة أو لدفع مضرة أو طباعا أو لا لشيء من


فما اعترضوا به أن قالوا لم نر شيئا حدث إلا من شيء أو في شيء فمن ادعى غير ذلك فقد ادعى ما لا يشاهد ولم يشاهد وقالوا أيضا لا يخلو محدث الأجسام الجواهر والأعراض وهي كل ما في العالم إن كان العالم محدثا من أن يكون أحدثه لأنه أو إحداثه لعلة فإن كان لأنه فالعالم لم يزل لأن محدثه لم يزل وإذ هو علة خلقه فالعلة لا تفارق المعلول وما لم يفارق من لم يزل فهو أيضا لم يزل هو مثله بلا شك فالعالم لم يزل وإن كان أحدثه لعلة فتلك العلة لا تخلو من أحد وجهين أما أن تكون لم تزل وأما أن تكون محدثة فإن كانت لم تزل فمعلولها لم يزل فالعالم لم يزل وإن كانت تلك العلة محدثة لزم في حدوثها ما لزم في حدوث سائر الأشياء من أنه أحدثها لأنه أو لعلة فإن كان لعلة لزم ذلك أيضا في علة العلة وهكذا أبدأ وهذا يوجب وجود محدثات لا أوائل لها قالوا وهذا قولنا قالوا وإن كان أحدثها لأنه فهذا يوجب أن العلة لم تزل كما بينا آنفا وقالوا أيضا إن كان للأجسام محدث لم يخل من أحد ثلاثة أوجه إما أن يكون مثلها من جميع الوجوه لزم وأما أن يكون خلافها من دميع الوجود وأما أن يكون مثلها من بعض الوجوه وخلافها من بعض الوجوه قالوا فلن كان مثلها من جميع الوجوه لزم أن يكون محدثا مثلها وهكذا في محدثه أيضا أبدا وإن كان مثلها في بعض الوجوه لزمه أيضا من مماثلتها في ذلك البعض ما يلزمه من مماثلته لها في جميع الوجوه من الحدوث إذ الحدوث اللازم للبعض كلزومه للكل ولا فرق وإن كان خلافها من جميع الوجوه فمحال أن يفعلها لأن هذا هو حقيقة الضد والمناقض إذ لا سبيل إلى أن يفعل الشيء خلافه من جميع الوجوه كما لا تفعل النار التبريد وقالوا أيضا لا يخلو إن كان للعالم فاعل من أن يكون فعله لإحراز منفعة أو لدفع مضرة أو طباعا أو لا لشيء من

10

لا يتم تسجيل الدخول!