إسم الكتاب : الإرشاد إلى سبيل الرشاد ( عدد الصفحات : 121)


الإرشاد
إلى سبيل الرشاد
بحث في حكم الاختلاف في الدين
تأليف
الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي
المتوفى ( 1029 ه‍ )
حققه وعلق عليه
محمد يحيى سالم عزان


الإرشاد إلى سبيل الرشاد بحث في حكم الاختلاف في الدين تأليف الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي المتوفى ( 1029 ه‍ ) حققه وعلق عليه محمد يحيى سالم عزان

1


الطبعة الأولى
1417 ه‍ - 1996 م


الطبعة الأولى 1417 ه‍ - 1996 م

2



بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد الأمين
وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وبعد . .
فإن كتب الإمام القاسم بن محمد تتميز بالدعوة إلى الوحدة
والاعتصام بحبل الله ، وذم التفرق في الدين ، ومعالجة أسباب الخلاف ،
ومناقشة مختلف الآراء بموضوعية مستمدة من الكتاب والسنة ، وواقع
الحياة بعيدا عن الفرضيات البعيدة والتحكمات الباردة ، فلذا تعتبر تلك
المؤلفات حية على مر العصور مطلوبة في مختلف الأزمنة ، لأنها تعالج
الجوانب الفكرية والحياتية الدائمة ، وتعتبر محاولة لتقديم رؤية محددة لحل
كثير من المشاكل التي يعاني منها المسلمون جيلا بعد جيل .
ومن تلك المشكلات مشكلة الاختلاف في الدين ، فإن المشكلة
قد احتلت مساحة كبيرة في الثقافة الإسلامية ، حتى اعتبرها البعض
حقيقة من حقائق الدين الإسلامي ، وأن الدين هو الذي أعطى إشارة


بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله رب العالمين وصلى الله عليه وسلم على سيدنا محمد الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وبعد . .
فإن كتب الإمام القاسم بن محمد تتميز بالدعوة إلى الوحدة والاعتصام بحبل الله ، وذم التفرق في الدين ، ومعالجة أسباب الخلاف ، ومناقشة مختلف الآراء بموضوعية مستمدة من الكتاب والسنة ، وواقع الحياة بعيدا عن الفرضيات البعيدة والتحكمات الباردة ، فلذا تعتبر تلك المؤلفات حية على مر العصور مطلوبة في مختلف الأزمنة ، لأنها تعالج الجوانب الفكرية والحياتية الدائمة ، وتعتبر محاولة لتقديم رؤية محددة لحل كثير من المشاكل التي يعاني منها المسلمون جيلا بعد جيل .
ومن تلك المشكلات مشكلة الاختلاف في الدين ، فإن المشكلة قد احتلت مساحة كبيرة في الثقافة الإسلامية ، حتى اعتبرها البعض حقيقة من حقائق الدين الإسلامي ، وأن الدين هو الذي أعطى إشارة

3


خضراء لذلك الاختلاف ، واعتبر البعض الآخر أن الاختلاف ضرورة من
ضرورات الحياة ، وإن لم يكن مشروعا من قبل الدين ، إلى غير ذلك من
الآراء ، وقد أيد كل من المختلفين رأيه بحجج وبراهين سنقف على
طرف منها في طيات هذا الكتاب .
وسنتعرض في هذه المقدمة للحديث عن ترجمة المؤلف ، وكلمة عن
موضوع الخلاف ، وأخرى عن أحوال هذا الكتاب ، أسأل الله أن يوفقنا
لما يحبه ويرضاه ، وصلى الله وسلم على سيدنا وآله الطيبين
الطاهرين .


خضراء لذلك الاختلاف ، واعتبر البعض الآخر أن الاختلاف ضرورة من ضرورات الحياة ، وإن لم يكن مشروعا من قبل الدين ، إلى غير ذلك من الآراء ، وقد أيد كل من المختلفين رأيه بحجج وبراهين سنقف على طرف منها في طيات هذا الكتاب .
وسنتعرض في هذه المقدمة للحديث عن ترجمة المؤلف ، وكلمة عن موضوع الخلاف ، وأخرى عن أحوال هذا الكتاب ، أسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ، وصلى الله وسلم على سيدنا وآله الطيبين الطاهرين .

4



الاختلاف في الدين أسبابه ونتائجه
عوامل المفارقات التي يعيشها الإنسان كثيرة ، منها ما هو تكويني
تسبب عن وجود الإنسان ذاته ، مثل : النسب ، والانتماء القبلي ،
والموطن ، والتركيب الخلقي ، كالذكورة والأنوثة ، ومنها ما هو مكتسب
كوجهة التفكير ، ونوع العمل ، والانتماء السياسي ، والنزعات النفسية ،
وغير ذلك ، وتلك المفارقات وما يتعلق بها عوامل رئيسية في نشوء
الخلافات بين الشعوب والأمم والأجيال وعلى حسب الحساسية
وجسامة الحدث يكون حجم الخلاف .
وقد جاء دين التوحيد ليلف تلك المفارقات في إطار واحد ، ويصهر
المجتمعات والجماعات المختلفة في منظومة واحدة جعل غايتها العقيدة ،
ومنهجها العبادة ومرجعها الشريعة ، وبذلك أخضعت سائر المفارقات
لهذا الإطار الجديد .
ولم يكن ذلك التوحيد على حساب حريات الأفراد أو وسيلة
لحصارهم ، فالحرية - لا سيما حرية التفكير - مطلب ضروري لتفجير
الطاقات وتنشيط الابداع والعطاء الفعال ، وقد تميز دين التوحيد بأنه
حفظ المعادلة بين الحرية والانضباط ، ولم يسحق أحد الطرفين لحساب
الآخر ، لأن الحرية - سواء في التفكير أو في العمل - إذا كانت تمارس في
نطاق مضبوط لا يسمح بالتعدي والطغيان ، فلن تؤدي إلى التفكك
والتفرق ، وذلك هو ما نادى به الدين ودعا إليه ( واعتصموا بحبل الله


الاختلاف في الدين أسبابه ونتائجه عوامل المفارقات التي يعيشها الإنسان كثيرة ، منها ما هو تكويني تسبب عن وجود الإنسان ذاته ، مثل : النسب ، والانتماء القبلي ، والموطن ، والتركيب الخلقي ، كالذكورة والأنوثة ، ومنها ما هو مكتسب كوجهة التفكير ، ونوع العمل ، والانتماء السياسي ، والنزعات النفسية ، وغير ذلك ، وتلك المفارقات وما يتعلق بها عوامل رئيسية في نشوء الخلافات بين الشعوب والأمم والأجيال وعلى حسب الحساسية وجسامة الحدث يكون حجم الخلاف .
وقد جاء دين التوحيد ليلف تلك المفارقات في إطار واحد ، ويصهر المجتمعات والجماعات المختلفة في منظومة واحدة جعل غايتها العقيدة ، ومنهجها العبادة ومرجعها الشريعة ، وبذلك أخضعت سائر المفارقات لهذا الإطار الجديد .
ولم يكن ذلك التوحيد على حساب حريات الأفراد أو وسيلة لحصارهم ، فالحرية - لا سيما حرية التفكير - مطلب ضروري لتفجير الطاقات وتنشيط الابداع والعطاء الفعال ، وقد تميز دين التوحيد بأنه حفظ المعادلة بين الحرية والانضباط ، ولم يسحق أحد الطرفين لحساب الآخر ، لأن الحرية - سواء في التفكير أو في العمل - إذا كانت تمارس في نطاق مضبوط لا يسمح بالتعدي والطغيان ، فلن تؤدي إلى التفكك والتفرق ، وذلك هو ما نادى به الدين ودعا إليه ( واعتصموا بحبل الله

5


جميعا ولا تفرقوا ) ، وبهذا يلوح أن المنهي عنه هو التفرق لا الاختلاف
، إلا إذا كان أي نوع من الاختلاف سيؤدي - إلى التفرق .
وإذا عدنا إلى فحص الإطار التوحيدي الذي وضعه الدين
، وجدنا أنه قد تعرض لشئ من الاختلال :
أما في مجال العقيدة فإنها - وإن حفظت في إطارها العام - فقد أصابها
شئ من التصدع والاختلاف ، رغم أن العلماء - قديما وحديثا - ظلوا
ينادون بأنه لا يجوز الاختلاف في مسائل العقيدة ، وأنها من الدوائر المغلقة
التي لا يدخلها الاجتهاد والترجيح .
وأما بالنسبة لمرجعية الشريعة فقد حسم الخلاف - نظريا - بالاتفاق
على مرجعية الكتاب والسنة ، ولكنه ما زال موجودا بالفعل بسبب
الاختلاف في منهج فهمهما وطرق ثبوت السنة .
وأما ما يتعلق بمنهج العبادة وممارسة الشعائر الدينية - القولي منها
والعملي ، الفردي منها والجماعي - فقد توسع فيها لأسباب
كثيرة .
ومنذ زمن بعيد ظل المفكرون يبحثون عن أسباب الفرقة والخلاف
الذي مزق شمل الأمة الإسلامية وذهب بوحدتها ، فتارة تتهم الحرية ،
وتارة الأنانية ، وتارة التمرد على منهج الدين القويم ، ويبدو لي أن من أهم
أسباب الاختلاف سواء في العقيدة وغيرها ما يلي :


جميعا ولا تفرقوا ) ، وبهذا يلوح أن المنهي عنه هو التفرق لا الاختلاف ، إلا إذا كان أي نوع من الاختلاف سيؤدي - إلى التفرق .
وإذا عدنا إلى فحص الإطار التوحيدي الذي وضعه الدين ، وجدنا أنه قد تعرض لشئ من الاختلال :
أما في مجال العقيدة فإنها - وإن حفظت في إطارها العام - فقد أصابها شئ من التصدع والاختلاف ، رغم أن العلماء - قديما وحديثا - ظلوا ينادون بأنه لا يجوز الاختلاف في مسائل العقيدة ، وأنها من الدوائر المغلقة التي لا يدخلها الاجتهاد والترجيح .
وأما بالنسبة لمرجعية الشريعة فقد حسم الخلاف - نظريا - بالاتفاق على مرجعية الكتاب والسنة ، ولكنه ما زال موجودا بالفعل بسبب الاختلاف في منهج فهمهما وطرق ثبوت السنة .
وأما ما يتعلق بمنهج العبادة وممارسة الشعائر الدينية - القولي منها والعملي ، الفردي منها والجماعي - فقد توسع فيها لأسباب كثيرة .
ومنذ زمن بعيد ظل المفكرون يبحثون عن أسباب الفرقة والخلاف الذي مزق شمل الأمة الإسلامية وذهب بوحدتها ، فتارة تتهم الحرية ، وتارة الأنانية ، وتارة التمرد على منهج الدين القويم ، ويبدو لي أن من أهم أسباب الاختلاف سواء في العقيدة وغيرها ما يلي :

6


1 - تفاوت الناس في فهم النصوص ، وطرق التفكير بتفاوتهم في
مقدار التحصيل العلمي وتنوع الواقع المعاش .
2 - التوسع في الكلام عن بعض التفاصيل التي هي محل نظر للجميع
ولا يجوز التقليد فيها ، ولم ينص القرآن على شئ منها .
3 - التساهل في التعامل مع الألفاظ والمصطلحات الشائعة لا سيما
مصطلحات الخصوم ، حيث تحمل - في غالب الأحوال - على غير مراد
واضعوها .
4 - الخلط بين العقائد المستمدة من روح القرآن الكريم ، وبينما
هو مجرد نتيجة للالتزامات والفلسفة الكلامية البحتة .
5 - التعصب الأعمى للمذاهب ، وتقديم مقالات الأصحاب على
الحقائق التي أتانا بها صحيح السنة ومحكم الكتاب .
6 - ليس كل الناس على وتيرة واحدة من التقوى والورع
والاستقامة ، فلذا تغلب على بعضهم الأهواء وتتحكم فيهم النزاعات
النفسية .
7 - وقوف السياسة وراء تكون بعض الأفكار والدفع بها إلى الإمام
لأهداف مشبوهة .
ولما كان الخلاف واقعا ملموسا في حياة المسلمين سلفا وخلفا وكان
النهي عن التفرق ثابت في الكتاب والسنة لا شك في ذلك ، اختلفت


1 - تفاوت الناس في فهم النصوص ، وطرق التفكير بتفاوتهم في مقدار التحصيل العلمي وتنوع الواقع المعاش .
2 - التوسع في الكلام عن بعض التفاصيل التي هي محل نظر للجميع ولا يجوز التقليد فيها ، ولم ينص القرآن على شئ منها .
3 - التساهل في التعامل مع الألفاظ والمصطلحات الشائعة لا سيما مصطلحات الخصوم ، حيث تحمل - في غالب الأحوال - على غير مراد واضعوها .
4 - الخلط بين العقائد المستمدة من روح القرآن الكريم ، وبينما هو مجرد نتيجة للالتزامات والفلسفة الكلامية البحتة .
5 - التعصب الأعمى للمذاهب ، وتقديم مقالات الأصحاب على الحقائق التي أتانا بها صحيح السنة ومحكم الكتاب .
6 - ليس كل الناس على وتيرة واحدة من التقوى والورع والاستقامة ، فلذا تغلب على بعضهم الأهواء وتتحكم فيهم النزاعات النفسية .
7 - وقوف السياسة وراء تكون بعض الأفكار والدفع بها إلى الإمام لأهداف مشبوهة .
ولما كان الخلاف واقعا ملموسا في حياة المسلمين سلفا وخلفا وكان النهي عن التفرق ثابت في الكتاب والسنة لا شك في ذلك ، اختلفت

7


الآراء في تجويز الخلاف في مسائل الفروع وعلاقته بالتفرق في الدين ،
ونحو ذلك ، ويمكننا أن نتصور تلك الآراء في اتجاهين :
أحدهما : يعتبر الخلاف في العمليات باب رحمة وتوسعة على الأمة ،
لا علاقة له بالتفرق والتنازع ، لأن الاختلاف أمر واقع ولا يؤدي
بالضرورة إلى التفرق ، بل إن تبادل الحمل على السلامة وطلب المعذرة
للمخالف يضيق الشقة ويساعد على التوحيد .
الثاني : يعتبر أن الخلاف في المسائل الدينية الأصولية أو الفروعية
ينعكس على وحدة الأمة وألفتها ، بحيث يؤدي إلى التفرقة والتنازع ،
وبذلك يمنع من تعدد الآراء فيها ، ويعتبر الحق مع واحد .
وقد أراد الإمام القاسم بن محمد من خلال كتابه هذا أن يقرر هذه
الرؤية ، أو يمنع - على الأقل - من القول بالتصويب وشرعية الاختلاف ،
وإن كان يعتقد نجاة المختلفين من الإثم إذا كان اجتهادهم عن نظر
وتدبر ، وهذا ما سنتمكن إن شاء الله من معرفة أبعاده من خلال هذا
الكتاب .
ولكي تكون الرؤية أكثر وضوحا فلا بد أن نترك أنصار الاتجاه الأول
يعبرون عن رأيهم بحرية ووضوح ، فلذا سوف أورد مبحثا قيما من
كتاب ( الإنتصار ) للإمام المجتهد النظار يحيى بن حمزة عن ذلك وبالله
التوفيق .


الآراء في تجويز الخلاف في مسائل الفروع وعلاقته بالتفرق في الدين ، ونحو ذلك ، ويمكننا أن نتصور تلك الآراء في اتجاهين :
أحدهما : يعتبر الخلاف في العمليات باب رحمة وتوسعة على الأمة ، لا علاقة له بالتفرق والتنازع ، لأن الاختلاف أمر واقع ولا يؤدي بالضرورة إلى التفرق ، بل إن تبادل الحمل على السلامة وطلب المعذرة للمخالف يضيق الشقة ويساعد على التوحيد .
الثاني : يعتبر أن الخلاف في المسائل الدينية الأصولية أو الفروعية ينعكس على وحدة الأمة وألفتها ، بحيث يؤدي إلى التفرقة والتنازع ، وبذلك يمنع من تعدد الآراء فيها ، ويعتبر الحق مع واحد .
وقد أراد الإمام القاسم بن محمد من خلال كتابه هذا أن يقرر هذه الرؤية ، أو يمنع - على الأقل - من القول بالتصويب وشرعية الاختلاف ، وإن كان يعتقد نجاة المختلفين من الإثم إذا كان اجتهادهم عن نظر وتدبر ، وهذا ما سنتمكن إن شاء الله من معرفة أبعاده من خلال هذا الكتاب .
ولكي تكون الرؤية أكثر وضوحا فلا بد أن نترك أنصار الاتجاه الأول يعبرون عن رأيهم بحرية ووضوح ، فلذا سوف أورد مبحثا قيما من كتاب ( الإنتصار ) للإمام المجتهد النظار يحيى بن حمزة عن ذلك وبالله التوفيق .

8


قال الإمام يحيى بن حمزة - عليه السلام - في مقدمة كتاب ( الإنتصار )
ما لفظه :
المقدمة الثالثة
في تصويب الآراء في المسائل الخلافية والأنظار الاجتهادية
واعلم أن هذه المقدمة لا بد للفقيه الخالي من علم الأصول ، من
إحرازها والإحاطة بها ، لأوجه ثلاثة :
أما أولا : فلأن نعلم فضل هذا الرسول صلى الله عليه وعلى آله على
غيره من الأنبياء ، بما خصه الله تعالى بما لم يخص به غيره من الرسل ،
وفضل هذه الشريعة على غيرها من سائر الشرائع المتقدمة ، باتساع
طرقها وامتداد أطرافها ، وفضل هذه الأمة على غيرها من الأمم السابقة
بأن جعلهم حاكمين في كل حادثة بأنظارهم الثاقبة ، وفاصلين في كل
قضية بمواد فكرهم الصائبة .
أما ثانيا : فلأن لا يستوحش الناظر لما يرى من كثرة الخلاف في كل
مسألة من المسائل الاجتهادية ، فإذا تحقق أنها كلها صائبة هان عليه الأمر
ولم يعظم عليه الخطب ، فيبقى في حيرة من أمره فإذا عرف أنها كلها
على الحق زال عنه الخوف ، وزاح عنه الطيش والفشل .
وأما ثالثا : فلأن لا يستعجل إلى تخطئة من يخالفه في المسالك ، فيحكم
له بخطأ أو بهلاك من غير بصيرة ، ومع إدراك هذه الخصلة - أعني معرفة
التصويب - لا يستعجل بهلاك من يخالفه ، وكيف يقع الهلاك والآراء


قال الإمام يحيى بن حمزة - عليه السلام - في مقدمة كتاب ( الإنتصار ) ما لفظه :
المقدمة الثالثة في تصويب الآراء في المسائل الخلافية والأنظار الاجتهادية واعلم أن هذه المقدمة لا بد للفقيه الخالي من علم الأصول ، من إحرازها والإحاطة بها ، لأوجه ثلاثة :
أما أولا : فلأن نعلم فضل هذا الرسول صلى الله عليه وعلى آله على غيره من الأنبياء ، بما خصه الله تعالى بما لم يخص به غيره من الرسل ، وفضل هذه الشريعة على غيرها من سائر الشرائع المتقدمة ، باتساع طرقها وامتداد أطرافها ، وفضل هذه الأمة على غيرها من الأمم السابقة بأن جعلهم حاكمين في كل حادثة بأنظارهم الثاقبة ، وفاصلين في كل قضية بمواد فكرهم الصائبة .
أما ثانيا : فلأن لا يستوحش الناظر لما يرى من كثرة الخلاف في كل مسألة من المسائل الاجتهادية ، فإذا تحقق أنها كلها صائبة هان عليه الأمر ولم يعظم عليه الخطب ، فيبقى في حيرة من أمره فإذا عرف أنها كلها على الحق زال عنه الخوف ، وزاح عنه الطيش والفشل .
وأما ثالثا : فلأن لا يستعجل إلى تخطئة من يخالفه في المسالك ، فيحكم له بخطأ أو بهلاك من غير بصيرة ، ومع إدراك هذه الخصلة - أعني معرفة التصويب - لا يستعجل بهلاك من يخالفه ، وكيف يقع الهلاك والآراء

9


كلها صائبة ، وكلها حق وصواب ، وهذا من فضل الله ورحمته وعظيم
منته على الخلق وجزيل نعمته ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن كل
مسألة ليس فيها دلالة قاطعة فالأمة فيها فريقان :
فالفريق الأول قائلون بأن الواقعية ليس فيها حق معين ، وأن الآراء
كلها حق وصواب ، فهؤلاء هم : ( المصوبة ) ، أئمة الزيدية ، والجماهير من
المعتزلة ، والمحققون من الأشعرية ، وعليه جمهور الفقهاء أبو حنفية والشافعي ومالك وأتباعهم .
ثم أهل التصويب ، ولهم مذهبان ، أحدهما : أن في المسألة أشبه ، وهذا
هو المحكي عن أصحاب أبي حنيفة : محمد بن الحسن ، وأبي الحسن
الكرخي ، ومحكي عن قاضي القضاة ، والشافعي ، والمروزي وغيرهم من
الفقهاء ومعنى الأشبه : أن الله لو نص لما نص إلا عليه .
وثانيهما : إبطال الأشبه وهذا هو المحكي عن أكابر الشيوخ من
المعتزلة الشيخين أبي علي وأبي هاشم وأبي الهذيل وقاضي القضاة ، وهو
قول بعض أئمة الزيدية ، ورأي أبي حامد الغزالي ، وهو رأي أكثر
المصوبة .
الفريق الثاني : إن في الواقعة حكما لله تعالى معينا وما عداه من
الأقوال فهو باطل [ وهؤلاء هم : المخطئة ] ، ثم اختلفوا بعد ذلك فمنهم
من قال : إنه لا دلالة عليه قطعا ولا ظنا ، وإنما هو كدفين يعثر عليه .


كلها صائبة ، وكلها حق وصواب ، وهذا من فضل الله ورحمته وعظيم منته على الخلق وجزيل نعمته ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أن كل مسألة ليس فيها دلالة قاطعة فالأمة فيها فريقان :
فالفريق الأول قائلون بأن الواقعية ليس فيها حق معين ، وأن الآراء كلها حق وصواب ، فهؤلاء هم : ( المصوبة ) ، أئمة الزيدية ، والجماهير من المعتزلة ، والمحققون من الأشعرية ، وعليه جمهور الفقهاء أبو حنفية والشافعي ومالك وأتباعهم .
ثم أهل التصويب ، ولهم مذهبان ، أحدهما : أن في المسألة أشبه ، وهذا هو المحكي عن أصحاب أبي حنيفة : محمد بن الحسن ، وأبي الحسن الكرخي ، ومحكي عن قاضي القضاة ، والشافعي ، والمروزي وغيرهم من الفقهاء ومعنى الأشبه : أن الله لو نص لما نص إلا عليه .
وثانيهما : إبطال الأشبه وهذا هو المحكي عن أكابر الشيوخ من المعتزلة الشيخين أبي علي وأبي هاشم وأبي الهذيل وقاضي القضاة ، وهو قول بعض أئمة الزيدية ، ورأي أبي حامد الغزالي ، وهو رأي أكثر المصوبة .
الفريق الثاني : إن في الواقعة حكما لله تعالى معينا وما عداه من الأقوال فهو باطل [ وهؤلاء هم : المخطئة ] ، ثم اختلفوا بعد ذلك فمنهم من قال : إنه لا دلالة عليه قطعا ولا ظنا ، وإنما هو كدفين يعثر عليه .

10

لا يتم تسجيل الدخول!