إسم الكتاب : الشافي في الامامة ( عدد الصفحات : 273)


الشافي في الإمامة


الشافي في الإمامة

1


الكتاب : الشافي في الإمامة
المؤلف : الشريف المرتضى قدس سره
الناشر : مؤسسة الصادق - طهران
الطبعة : الثانية
الطباعة والتجليد : مؤسسة إسماعيليان - قم
تاريخ النشر : 1410 ه‍ . ق
عدد الطبع : 3000 نسخة
القطع : وزيري
سعر أربعة مجلدات : 500 تومان


الكتاب : الشافي في الإمامة المؤلف : الشريف المرتضى قدس سره الناشر : مؤسسة الصادق - طهران الطبعة : الثانية الطباعة والتجليد : مؤسسة إسماعيليان - قم تاريخ النشر : 1410 ه‍ . ق عدد الطبع : 3000 نسخة القطع : وزيري سعر أربعة مجلدات : 500 تومان

2


الشافي
في الإمامة
للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي قدس سره
المتوفى 436 ه‍
حققه وعلق عليه
السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
راجعه
السيد فاضل الميلاني
الجزء الثالث
مؤسسة الصادق
للطباعة والنشر
طهران - إيران


الشافي في الإمامة للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي قدس سره المتوفى 436 ه‍ حققه وعلق عليه السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب راجعه السيد فاضل الميلاني الجزء الثالث مؤسسة الصادق للطباعة والنشر طهران - إيران

3


كافة الحقوق محفوظة ومسجلة
1407 ه‍ - 1987 م


كافة الحقوق محفوظة ومسجلة 1407 ه‍ - 1987 م

4


بسم الله الرحمن الرحيم
قال صاحب الكتاب : " دليل لهم آخر ، واستدلوا بقوله صلى الله عليه
وآله : " أنت مني بمنزلة هارون بن موسى إلا أنه لا نبي بعدي " ( 1 ) فاقتضى
هذا الظاهر أن له كل منازل هارون من موسى ، لأنه أطلق ولم يخص إلا
ما دل عليه العقل ، والاستثناء المذكور ( 2 ) ولولا أن الكلام يقتضي الشمول


بسم الله الرحمن الرحيم قال صاحب الكتاب : " دليل لهم آخر ، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله : " أنت مني بمنزلة هارون بن موسى إلا أنه لا نبي بعدي " ( 1 ) فاقتضى هذا الظاهر أن له كل منازل هارون من موسى ، لأنه أطلق ولم يخص إلا ما دل عليه العقل ، والاستثناء المذكور ( 2 ) ولولا أن الكلام يقتضي الشمول

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) حديث المنزلة أخرجه جماعة من الحفاظ وأرباب المسانيد كالبخاري في
صحيحه 4 / 208 ، كتاب بدء الخلق باب مناقب علي بن أبي طالب و ج 5 / 129 ، كتاب
المغازي ، باب غزوة تبوك ، ومسلم في صحيحه 2 / 360 ، كتاب فضائل الصحابة باب
من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عبد البر بترجمة علي عليه السلام من
الاستيعاب 3 / 45 وعقب عليه بقوله : " وهو من أثبت الآثار وأصحها رواه عن النبي سعد بن
أبي وقاص " قال : " وطرق سعد فيه كثيرة ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره " قال : " ورواه
ابن عباس ، وأبو سعيد الخدري ، وأم سلمة ، وأسماء بنت عميس ، وجابر بن عبد الله
وجماعة يطول ذكرهم " ورواه أحمد في المسند بطرق عديدة عن جماعة من الصحابة ( انظر
الجزء الأول ص 173 و 175 و 177 و 179 و 182 و 185 و 331 ، والجزء السادس 369
و 438 ، وفي صواعق ابن حجر ص 179 قال أخرج أحمد " إن رجلا سأل معاوية عن
مسألة ، فقال : سل عنها عليا فهو أعلم ، قال : جوابك فيها أحب إلي من جواب
علي ، قال بئس ما قلت لقد كرهت رجلا كان رسول الله يغره بالعلم غرا ، ولقد قال
له : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " وكان عمر إذا أشكل عليه
شئ أخذ منه قال : " وأخرجه آخرون ولكن زاد بعضهم : قم عني لا أقام الله
رجليك ، ومحا اسمه من الديوان " ونقله كل علماء السيرة عند تعرضهم لغزوة تبوك ،
والكلام في ذكر كل ما هنالك يطول .
( 2 ) غ " والاستدلال " وهو خطأ " .

( 1 ) حديث المنزلة أخرجه جماعة من الحفاظ وأرباب المسانيد كالبخاري في صحيحه 4 / 208 ، كتاب بدء الخلق باب مناقب علي بن أبي طالب و ج 5 / 129 ، كتاب المغازي ، باب غزوة تبوك ، ومسلم في صحيحه 2 / 360 ، كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عبد البر بترجمة علي عليه السلام من الاستيعاب 3 / 45 وعقب عليه بقوله : " وهو من أثبت الآثار وأصحها رواه عن النبي سعد بن أبي وقاص " قال : " وطرق سعد فيه كثيرة ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره " قال : " ورواه ابن عباس ، وأبو سعيد الخدري ، وأم سلمة ، وأسماء بنت عميس ، وجابر بن عبد الله وجماعة يطول ذكرهم " ورواه أحمد في المسند بطرق عديدة عن جماعة من الصحابة ( انظر الجزء الأول ص 173 و 175 و 177 و 179 و 182 و 185 و 331 ، والجزء السادس 369 و 438 ، وفي صواعق ابن حجر ص 179 قال أخرج أحمد " إن رجلا سأل معاوية عن مسألة ، فقال : سل عنها عليا فهو أعلم ، قال : جوابك فيها أحب إلي من جواب علي ، قال بئس ما قلت لقد كرهت رجلا كان رسول الله يغره بالعلم غرا ، ولقد قال له : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " وكان عمر إذا أشكل عليه شئ أخذ منه قال : " وأخرجه آخرون ولكن زاد بعضهم : قم عني لا أقام الله رجليك ، ومحا اسمه من الديوان " ونقله كل علماء السيرة عند تعرضهم لغزوة تبوك ، والكلام في ذكر كل ما هنالك يطول . ( 2 ) غ " والاستدلال " وهو خطأ " .

5


لما كان للاستثناء معنى وإنما نبه عليه السلام باستثناء النبوة على أن ما
عداه قد دخل تحته إلا ما علم بالعقل أنه لا يدخل فيه نحو الأخوة في
النسب أو الفضل الذي يقتضيه شركة النبوة إلى ما شاكله ، وقد ثبت أن
أحد منازله من موسى عليه السلام أن يكون خليفته ( 1 ) من بعده وفي حال
غيبته ، وفي حال موته ، فيجب أن يكون هذه حال أمير المؤمنين عليه
السلام ، من بعد النبي صلى الله عليه وآله قالوا : ولا يطعن فيما بيناه ( 2 ) أن
هارون عليه السلام مات قبل موسى عليه السلام لأن المتعالم أنه لو عاش
بعده لخلفه فالمنزلة ثابتة ، وإن لم يعش فيجب حصولها لأمير المؤمنين عليه
السلام إذا عاش بعد الرسول صلى الله عليه وآله كما لو قال الرئيس لصاحب
له : منزلتك عندي في الإكرام والعطاء منزلة فلان من فلان وفلان فأت فيه
الإكرام والعطاء بموت أو غيبة ( 3 ) ولم يفت في الثاني فالواجب أن ينزل
منزلته ، ولا يجوز أن يقال : لا يزاد على الأول في ذلك ، قال : وربما
قالوا : قد ثبت أن موسى عليه السلام قد استخلف هارون على الإطلاق
على ما دل عليه قوله تعالى : ( اخلفني في قومي ) ( 4 ) فيجب ثبوت هذه المنزلة
لعلي عليه السلام من الرسول صلى الله عليه وآله على الإطلاق حتى تصير
كأنه صلى الله عليه وآله قال : اخلفني في قومي ، والمعلوم أنه لو قال ذلك
لتناول حال الحياة وحال الممات فيجب لذلك أن يكون هو الخليفة [ من
بعده ] ( 5 ) وربما قالوا : قد ثبت أنه صلى الله عليه وآله قد استخلف
أمير المؤمنين عليه السلام عند غيبته في غزوة تبوك ، ولم يثبت عنه أنه


لما كان للاستثناء معنى وإنما نبه عليه السلام باستثناء النبوة على أن ما عداه قد دخل تحته إلا ما علم بالعقل أنه لا يدخل فيه نحو الأخوة في النسب أو الفضل الذي يقتضيه شركة النبوة إلى ما شاكله ، وقد ثبت أن أحد منازله من موسى عليه السلام أن يكون خليفته ( 1 ) من بعده وفي حال غيبته ، وفي حال موته ، فيجب أن يكون هذه حال أمير المؤمنين عليه السلام ، من بعد النبي صلى الله عليه وآله قالوا : ولا يطعن فيما بيناه ( 2 ) أن هارون عليه السلام مات قبل موسى عليه السلام لأن المتعالم أنه لو عاش بعده لخلفه فالمنزلة ثابتة ، وإن لم يعش فيجب حصولها لأمير المؤمنين عليه السلام إذا عاش بعد الرسول صلى الله عليه وآله كما لو قال الرئيس لصاحب له : منزلتك عندي في الإكرام والعطاء منزلة فلان من فلان وفلان فأت فيه الإكرام والعطاء بموت أو غيبة ( 3 ) ولم يفت في الثاني فالواجب أن ينزل منزلته ، ولا يجوز أن يقال : لا يزاد على الأول في ذلك ، قال : وربما قالوا : قد ثبت أن موسى عليه السلام قد استخلف هارون على الإطلاق على ما دل عليه قوله تعالى : ( اخلفني في قومي ) ( 4 ) فيجب ثبوت هذه المنزلة لعلي عليه السلام من الرسول صلى الله عليه وآله على الإطلاق حتى تصير كأنه صلى الله عليه وآله قال : اخلفني في قومي ، والمعلوم أنه لو قال ذلك لتناول حال الحياة وحال الممات فيجب لذلك أن يكون هو الخليفة [ من بعده ] ( 5 ) وربما قالوا : قد ثبت أنه صلى الله عليه وآله قد استخلف أمير المؤمنين عليه السلام عند غيبته في غزوة تبوك ، ولم يثبت عنه أنه

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) غ " خليفة "
( 2 ) غ " فيما قلناه " .
( 3 ) غ " أو غيبة " .
( 4 ) الأعراف 142 .
( 5 ) التكملة من " المغني " .

( 1 ) غ " خليفة " ( 2 ) غ " فيما قلناه " . ( 3 ) غ " أو غيبة " . ( 4 ) الأعراف 142 . ( 5 ) التكملة من " المغني " .

6


صلى الله عليه وآله صرفه فيجب أن يكون خليفته بعد وفاته كما يجب في
هارون أن يكون خليفته أبدا ما عاش ، وربما ذكروا ذلك بأن قالوا : إنه
صلى الله عليه وآله أثبت له منزلته ونفى الأشياء الأخرى فإذا كان ما نفاه
بعده صلى الله عليه وآله ثابتا فالذي أثبته كمثله وهذا يوجب أنه الخليفة
بعده لأنه صلى الله عليه وآله نبه بالاستثناء على هذه الحالة وإن كان مثلها
لم يحصل لهارون عليه السلام إلا في حال حياة موسى عليه
السلام ، . . . ) ( 1 ) .
يقال له : نحن نبين كيفية الاستدلال بالخبر الذي أوردته على
إيجاب النص ونورد من الأسئلة والمطالبات ما يليق بالموضع ثم نعود
إلى نقض كلامك على عادتنا فيما سلف من الكتاب فنقول : إن الخبر
دال على النص من وجهين ما فيهما إلا قوي معتمد أحدهما أن قوله
صلى الله عليه وآله " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي
بعدي " يقتضي حصول جميع منازل هارون من موسى عليه السلام
لأمير المؤمنين إلا ما خصه الاستثناء المتطرق ( 2 ) به في الخبر وما جرى مجرى
الاستثناء من العرف ، وقد علمنا أن منازل هارون من موسى هي الشركة
في النبوة ، وأخوة النسب والفضل والمحبة والاختصاص على جميع قومه
والخلافة له في حال غيبته على أمته ، وأنه لو بقي بعده لخلفه فيهم ولم يجز
أن يخرج القيام بأمورهم عنه إلى غيره ، وإذا خرج بالاستثناء منزلة النبوة ،
وخص العرف منزلة الأخوة في النسب لأن من المعلوم لكل أحد ممن عرفهما
عليهما السلام أنه لم يكن بينهما أخوة نسب وجب القطع على ثبوت ما
عدا هاتين المنزلتين ، وإذا ثبت ما عداهما وفي جملته أنه لو بقي لخلفه ودبر
أمر أمته وقام فيهم مقامه ، وعلمنا بقاء أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة


صلى الله عليه وآله صرفه فيجب أن يكون خليفته بعد وفاته كما يجب في هارون أن يكون خليفته أبدا ما عاش ، وربما ذكروا ذلك بأن قالوا : إنه صلى الله عليه وآله أثبت له منزلته ونفى الأشياء الأخرى فإذا كان ما نفاه بعده صلى الله عليه وآله ثابتا فالذي أثبته كمثله وهذا يوجب أنه الخليفة بعده لأنه صلى الله عليه وآله نبه بالاستثناء على هذه الحالة وإن كان مثلها لم يحصل لهارون عليه السلام إلا في حال حياة موسى عليه السلام ، . . . ) ( 1 ) .
يقال له : نحن نبين كيفية الاستدلال بالخبر الذي أوردته على إيجاب النص ونورد من الأسئلة والمطالبات ما يليق بالموضع ثم نعود إلى نقض كلامك على عادتنا فيما سلف من الكتاب فنقول : إن الخبر دال على النص من وجهين ما فيهما إلا قوي معتمد أحدهما أن قوله صلى الله عليه وآله " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " يقتضي حصول جميع منازل هارون من موسى عليه السلام لأمير المؤمنين إلا ما خصه الاستثناء المتطرق ( 2 ) به في الخبر وما جرى مجرى الاستثناء من العرف ، وقد علمنا أن منازل هارون من موسى هي الشركة في النبوة ، وأخوة النسب والفضل والمحبة والاختصاص على جميع قومه والخلافة له في حال غيبته على أمته ، وأنه لو بقي بعده لخلفه فيهم ولم يجز أن يخرج القيام بأمورهم عنه إلى غيره ، وإذا خرج بالاستثناء منزلة النبوة ، وخص العرف منزلة الأخوة في النسب لأن من المعلوم لكل أحد ممن عرفهما عليهما السلام أنه لم يكن بينهما أخوة نسب وجب القطع على ثبوت ما عدا هاتين المنزلتين ، وإذا ثبت ما عداهما وفي جملته أنه لو بقي لخلفه ودبر أمر أمته وقام فيهم مقامه ، وعلمنا بقاء أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) المغني 20 ق 1 / 159 .
( 2 ) المستطرق به خ ل أيضا " المنطوق به " خ ل .

( 1 ) المغني 20 ق 1 / 159 . ( 2 ) المستطرق به خ ل أيضا " المنطوق به " خ ل .

7


الرسول صلى الله عليه وآله وجبت له الإمامة بعده بلا شبهة .
فإن قالوا : دلوا أولا على صحة الخبر فهو الأصل ، ثم على أن من
جملة منازل هارون من موسى أنه لو بقي بعد وفاته لخلفه وقام بأمر أمته ،
ثم على أن الخبر يصح فيه طريقة العموم ، وأنه يقتضي ثبوت جميع المنازل
بعد ما أخرجه الاستثناء وما جرى مجراه .
قيل : أما الذي يدل على صحة الخبر فهو جميع ما دل على
صحة خبر الغدير مما استقصيناه فيما تقدم وأحكمناه ، ولأن علماء
الأمة مطبقون على قبوله وإن اختلفوا في تأويله والشيعة تتواتر به
وأكثر رواة الحديث يرويه ومن صنف الحديث منهم أورده من جملة
الصحيح ، وهو ظاهر بين الأمة شائع كظهور سائر ما نقطع على صحته
من الأخبار واحتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أهل الشورى
يصححه ، ومن يحكي أنه رده أو أظهر الشك فيه لا شك إذا صحت
الحكاية عنه في شذوذه وتقدم الإجماع لقوله ثم تأخره عنه ، وكل هذا قد
تقدم فلا حاجة بنا إلى بسطه .
وأما الدليل على أن هارون عليه السلام لو بقي بعد موسى لخلفه في
أمته فهو أنه قد ثبت خلافته له في حال حياته بلا خلاف وفي قوله تعالى :
( وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل
المفسدين ) ( 1 ) أكبر شاهد بذلك . وإذا ثبت الخلافة له في حال الحياة
وجب حصولها له بعد حال الوفاة لو بقي إليها لأن خروجها عنه في حال
من الأحوال مع بقائه حط له من رتبة كان عليها ، وصرف عن ولاية
فوضت إليه ، وذلك يقتضي من التنفير أكثر مما يعترف به خصومنا من
المعتزلة بأن الله تعالى يجنب أنبياءه عليهم السلام من القباحة في الخلق


الرسول صلى الله عليه وآله وجبت له الإمامة بعده بلا شبهة .
فإن قالوا : دلوا أولا على صحة الخبر فهو الأصل ، ثم على أن من جملة منازل هارون من موسى أنه لو بقي بعد وفاته لخلفه وقام بأمر أمته ، ثم على أن الخبر يصح فيه طريقة العموم ، وأنه يقتضي ثبوت جميع المنازل بعد ما أخرجه الاستثناء وما جرى مجراه .
قيل : أما الذي يدل على صحة الخبر فهو جميع ما دل على صحة خبر الغدير مما استقصيناه فيما تقدم وأحكمناه ، ولأن علماء الأمة مطبقون على قبوله وإن اختلفوا في تأويله والشيعة تتواتر به وأكثر رواة الحديث يرويه ومن صنف الحديث منهم أورده من جملة الصحيح ، وهو ظاهر بين الأمة شائع كظهور سائر ما نقطع على صحته من الأخبار واحتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أهل الشورى يصححه ، ومن يحكي أنه رده أو أظهر الشك فيه لا شك إذا صحت الحكاية عنه في شذوذه وتقدم الإجماع لقوله ثم تأخره عنه ، وكل هذا قد تقدم فلا حاجة بنا إلى بسطه .
وأما الدليل على أن هارون عليه السلام لو بقي بعد موسى لخلفه في أمته فهو أنه قد ثبت خلافته له في حال حياته بلا خلاف وفي قوله تعالى :
( وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) ( 1 ) أكبر شاهد بذلك . وإذا ثبت الخلافة له في حال الحياة وجب حصولها له بعد حال الوفاة لو بقي إليها لأن خروجها عنه في حال من الأحوال مع بقائه حط له من رتبة كان عليها ، وصرف عن ولاية فوضت إليه ، وذلك يقتضي من التنفير أكثر مما يعترف به خصومنا من المعتزلة بأن الله تعالى يجنب أنبياءه عليهم السلام من القباحة في الخلق

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) الأعراف 142 .

( 1 ) الأعراف 142 .

8


والدمامة المفرطة ، والصغائر المستخفة ، وأن لا يجيبهم الله تعالى إلى ما
يسألونه لأمتهم من حيث يظهر لهم .
فإن قال : ولم زعمتم أن فيما ذكرتموه تنفيرا قيل له : لأن خلافة
هارون لموسى عليهما السلام كانت منزلة في الدين جليلة ، ودرجة فيه
رفيعة ، واقتضت من التبجيل والتعظيم ما يجب لمثلها لم يجز أن يخرج عنها
لأن في خروجه عنها زوال ما كان له في النفوس بها من المنزلة ، وفي هذا
نهاية التنفير والتأثير في السكون إليه ومن دفع أن يكون الخروج عن
هذه المنزلة منفرا كمن دفع أن يكون سائر ما عددناه منفرا .
فإن قال : إذا ثبت فيما ذكرتموه أنه منفر وجب أن يجتنبه هارون عليه
السلام من حيث كان نبيا ومؤديا عن الله عز وجل ، لأنه لو لم يكن نبيا لما
وجب أن يجتنب المنفرات ، فكأن نبوته هي المقتضية لاستمرار خلافته إلى
بعد الوفاة ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد استثنى في الخبر النبوة
وجب أن يخرج معها ما هي مقتضية له وكالسبب فيه ، وإذا أخرجت هذه
المنزلة مع النبوة لم يكن في الخبر دلالة على النص الذي تدعونه .
قيل له : إن أردت بقولك إن الخلافة من مقتضى النبوة أنه من
حيث كان نبيا تجب له هذه المنزلة كما يجب له سائر شروط النبوة فليس
الأمر كذلك ، لأنه غير منكر أن يكون هارون قبل استخلاف موسى له
شريكا في نبوته ، وتبليغ شرعه وإن لم يكن خليفة له فيما سوى ذلك في
حياته ولا بعد وفاته ، وإن أردت أن هارون بعد استخلاف موسى له في
حياته يجب أن يستمر حاله ولا يخرج عن هذه المنزلة ، لأن خروجه عنها
يقتضي التنفير الذي يمتنع نبوة هارون منه ، وأشرت في ذلك أن النبوة
تقتضي الخلافة بعد الوفاة إلى هذا الوجه فهو صحيح ، غير أنه لا يجب ما
ظننته من استثناء الخلافة باستثناء النبوة ، لأن أكثر ما فيه أن يكون


والدمامة المفرطة ، والصغائر المستخفة ، وأن لا يجيبهم الله تعالى إلى ما يسألونه لأمتهم من حيث يظهر لهم .
فإن قال : ولم زعمتم أن فيما ذكرتموه تنفيرا قيل له : لأن خلافة هارون لموسى عليهما السلام كانت منزلة في الدين جليلة ، ودرجة فيه رفيعة ، واقتضت من التبجيل والتعظيم ما يجب لمثلها لم يجز أن يخرج عنها لأن في خروجه عنها زوال ما كان له في النفوس بها من المنزلة ، وفي هذا نهاية التنفير والتأثير في السكون إليه ومن دفع أن يكون الخروج عن هذه المنزلة منفرا كمن دفع أن يكون سائر ما عددناه منفرا .
فإن قال : إذا ثبت فيما ذكرتموه أنه منفر وجب أن يجتنبه هارون عليه السلام من حيث كان نبيا ومؤديا عن الله عز وجل ، لأنه لو لم يكن نبيا لما وجب أن يجتنب المنفرات ، فكأن نبوته هي المقتضية لاستمرار خلافته إلى بعد الوفاة ، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد استثنى في الخبر النبوة وجب أن يخرج معها ما هي مقتضية له وكالسبب فيه ، وإذا أخرجت هذه المنزلة مع النبوة لم يكن في الخبر دلالة على النص الذي تدعونه .
قيل له : إن أردت بقولك إن الخلافة من مقتضى النبوة أنه من حيث كان نبيا تجب له هذه المنزلة كما يجب له سائر شروط النبوة فليس الأمر كذلك ، لأنه غير منكر أن يكون هارون قبل استخلاف موسى له شريكا في نبوته ، وتبليغ شرعه وإن لم يكن خليفة له فيما سوى ذلك في حياته ولا بعد وفاته ، وإن أردت أن هارون بعد استخلاف موسى له في حياته يجب أن يستمر حاله ولا يخرج عن هذه المنزلة ، لأن خروجه عنها يقتضي التنفير الذي يمتنع نبوة هارون منه ، وأشرت في ذلك أن النبوة تقتضي الخلافة بعد الوفاة إلى هذا الوجه فهو صحيح ، غير أنه لا يجب ما ظننته من استثناء الخلافة باستثناء النبوة ، لأن أكثر ما فيه أن يكون

9


كالسبب في ثبوت الخلافة بعد الوفاة ، وغير واجب أن ينفي ما هو كالسبب
عن غيره عند نفي ذلك الغير ألا ترى أن أحدنا لو قال لوصيه : اعط
فلانا من مالي كذا وكذا - وذكر مبلغا عينه - فإنه يستحق هذا المبلغ علي
من ثمن سلعة ابتعتها منه ، وأنزل فلانا منزلة فلان الذي أوصيتك به
وأجره مجراه ، فإن ذلك يجب له من أرش جناية أو قيمة متلفة ، أو
ميراث أو غير هذه الوجوه ، بعد أن يذكر وجها يخالف الأول لوجب على
الوصي أن يسوي بينهما في العطية ، ولا يخالف بينهما فيها من حيث
اختلفت جهة استحقاقهما ، ولا يكون قول هذا القائل عند أحد من
العقلاء يقتضي سلب المعطى الثاني العطية من حيث سلبه جهة استحقاقها
في الأول ، فوجب بما ذكرناه أن تكون منزلة هارون من موسى عليهما
السلام في استحقاق خلافته له بعد وفاته ثابتة لأمير المؤمنين عليه السلام
لاقتضاء اللفظ لها ، وإن كانت تجب لهارون من حيث كان في انتفائها تنفير
يمنع نبوته منه وتجب لأمير المؤمنين عليه السلام من غير هذا الوجه .
وليس له أن يقول : إن ما ذكرتم حاله لم يختلفا في جهة العطية ، وما
هو كالسبب لها لأن القول من الموصي هو المقتضي لها ، والمذكوران يتساويان
فيه ، وذلك أن سبب استحقاق العطية في الحقيقة ليس هو القول ، بل هو ما
تقدم ثمن البيع وقيمة التلف أو ما جرى مجراهما ، وهو مختلف لا محالة ،
وإنما يجب بالقول على الموصى إليه العطية ، فأما الاستحقاق على الموصي
وسببه فيتقدمان بغير شك ، ويزيد ما ذكرناه وضوحا أن النبي صلى الله
عليه وآله لو صرح به حتى يقول : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " في
خلافته له في حياته واستحقاقها له لو بقي إلى بعد وفاته إلا أنك لست
بنبي كان كلامه صلى الله عليه وآله صحيحا غير متناقض ولا خارج عن
الحقيقة ، ولم يجب عند أحد أن يكون باستثناء النبوة نافيا لما أثبته من منزلة
الخلافة بعد الوفاة ، وقد يمكن مع ثبوت هذه الجملة أن يرتب الدليل في


كالسبب في ثبوت الخلافة بعد الوفاة ، وغير واجب أن ينفي ما هو كالسبب عن غيره عند نفي ذلك الغير ألا ترى أن أحدنا لو قال لوصيه : اعط فلانا من مالي كذا وكذا - وذكر مبلغا عينه - فإنه يستحق هذا المبلغ علي من ثمن سلعة ابتعتها منه ، وأنزل فلانا منزلة فلان الذي أوصيتك به وأجره مجراه ، فإن ذلك يجب له من أرش جناية أو قيمة متلفة ، أو ميراث أو غير هذه الوجوه ، بعد أن يذكر وجها يخالف الأول لوجب على الوصي أن يسوي بينهما في العطية ، ولا يخالف بينهما فيها من حيث اختلفت جهة استحقاقهما ، ولا يكون قول هذا القائل عند أحد من العقلاء يقتضي سلب المعطى الثاني العطية من حيث سلبه جهة استحقاقها في الأول ، فوجب بما ذكرناه أن تكون منزلة هارون من موسى عليهما السلام في استحقاق خلافته له بعد وفاته ثابتة لأمير المؤمنين عليه السلام لاقتضاء اللفظ لها ، وإن كانت تجب لهارون من حيث كان في انتفائها تنفير يمنع نبوته منه وتجب لأمير المؤمنين عليه السلام من غير هذا الوجه .
وليس له أن يقول : إن ما ذكرتم حاله لم يختلفا في جهة العطية ، وما هو كالسبب لها لأن القول من الموصي هو المقتضي لها ، والمذكوران يتساويان فيه ، وذلك أن سبب استحقاق العطية في الحقيقة ليس هو القول ، بل هو ما تقدم ثمن البيع وقيمة التلف أو ما جرى مجراهما ، وهو مختلف لا محالة ، وإنما يجب بالقول على الموصى إليه العطية ، فأما الاستحقاق على الموصي وسببه فيتقدمان بغير شك ، ويزيد ما ذكرناه وضوحا أن النبي صلى الله عليه وآله لو صرح به حتى يقول : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " في خلافته له في حياته واستحقاقها له لو بقي إلى بعد وفاته إلا أنك لست بنبي كان كلامه صلى الله عليه وآله صحيحا غير متناقض ولا خارج عن الحقيقة ، ولم يجب عند أحد أن يكون باستثناء النبوة نافيا لما أثبته من منزلة الخلافة بعد الوفاة ، وقد يمكن مع ثبوت هذه الجملة أن يرتب الدليل في

10

لا يتم تسجيل الدخول!