إسم الكتاب : الشافي في الامامة ( عدد الصفحات : 329)


الشافي
في الإمامة


الشافي في الإمامة

1


الكتاب : الشافي في الإمامة
المؤلف : الشريف المرتضى قدس سره
الناشر : مؤسسة الصادق - طهران
الطبعة : الثانية
الطباعة والتجليد : مؤسسة اسماعيليان - قم
تاريخ النشر : 1410 ه‍ . ق
عدد الطبع : 3000 نسخة
القطع : وزيري
سعر أربعة مجلدات : 500 تومان


الكتاب : الشافي في الإمامة المؤلف : الشريف المرتضى قدس سره الناشر : مؤسسة الصادق - طهران الطبعة : الثانية الطباعة والتجليد : مؤسسة اسماعيليان - قم تاريخ النشر : 1410 ه‍ . ق عدد الطبع : 3000 نسخة القطع : وزيري سعر أربعة مجلدات : 500 تومان

2


الشافي
في الإمامة
للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي قدس سره
المتوفى 436 ه‍
حققه وعلق عليه
السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب
راجعه
السيد فاضل الميلاني
الجزء الأول
مؤسسة الصادق
للطباعة والنشر
طهران - إيران


الشافي في الإمامة للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي قدس سره المتوفى 436 ه‍ حققه وعلق عليه السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب راجعه السيد فاضل الميلاني الجزء الأول مؤسسة الصادق للطباعة والنشر طهران - إيران

3


كافة الحقوق محفوظة ومسجلة
1407 ه‍ - 1986 م


كافة الحقوق محفوظة ومسجلة 1407 ه‍ - 1986 م

4


مقدمة التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وآله الطاهرين ، وأصحابه
الطيبين .
الإمامة رئاسة عامة في أمور الدنيا والدين ، وقد أجمع المسلمون على
وجوبها إلا ما يحكى عن أبي بكر الأصم من قدماء المعتزلة من عدم وجوبها إذا
تناصفت الأمة ولم تتظالم ، وقال المتأخرون من أصحابه : إن هذا القول
غير مخالف لما عليه الأمة ، لأنه إذا كان لا يجوز في العادة أن تستقيم أمور
الناس من دون رئيس يحكم بينهم فقد قال بوجوب الإمامة على كل حال ( 1 )
ووافق الأصم بذلك النجدات من الخوارج ( 2 ) .
واختلفوا في دليل وجوبها هل هو العقل أو الشرع أو هما معا في كلام
طويل لا مجال لاستعراضه هنا .
ثم بعد أن انعقد الاجماع على وجوب الإمامة صاروا فريقين .
أحدهما أن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار .


مقدمة التحقيق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وآله الطاهرين ، وأصحابه الطيبين .
الإمامة رئاسة عامة في أمور الدنيا والدين ، وقد أجمع المسلمون على وجوبها إلا ما يحكى عن أبي بكر الأصم من قدماء المعتزلة من عدم وجوبها إذا تناصفت الأمة ولم تتظالم ، وقال المتأخرون من أصحابه : إن هذا القول غير مخالف لما عليه الأمة ، لأنه إذا كان لا يجوز في العادة أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم بينهم فقد قال بوجوب الإمامة على كل حال ( 1 ) ووافق الأصم بذلك النجدات من الخوارج ( 2 ) .
واختلفوا في دليل وجوبها هل هو العقل أو الشرع أو هما معا في كلام طويل لا مجال لاستعراضه هنا .
ثم بعد أن انعقد الاجماع على وجوب الإمامة صاروا فريقين .
أحدهما أن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 308 .
( 2 ) مروج الذهب 3 / 236 ، والفرق بين الفرق للبغدادي ص 66 والنجدات
هم أصحاب نجدة بن عامر الحنفي بايعه أصحابه وسموه أمير المؤمنين ثم نقموا عليه
أشياء فقتلوه سنة 69 ( أنظر الفرق بين الفرق ص 66 والملل والنحل للشهرستاني 1 /
155 ) .

( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 308 . ( 2 ) مروج الذهب 3 / 236 ، والفرق بين الفرق للبغدادي ص 66 والنجدات هم أصحاب نجدة بن عامر الحنفي بايعه أصحابه وسموه أمير المؤمنين ثم نقموا عليه أشياء فقتلوه سنة 69 ( أنظر الفرق بين الفرق ص 66 والملل والنحل للشهرستاني 1 / 155 ) .

5


والثاني بأنها ثبتت بالنص والتعيين ( 1 ) .
والفريق الأول هم جمهور أهل السنة ومعظم الخوارج والزيدية من
الشيعة ، وفي هذا الفريق من يذهب إلى أنها تثبت أيضا بالقهر والغلبة ،
فكل من غلب بالسيف وصار إماما وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد
يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا وأنه لا
ينعزل بالفسق والظلم ، وتعطيل الحدود ولا يخلع ولا يجوز الخروج
عليه ( 2 ) .
واختلف القائلون بالاختيار في كيفية انعقادها فقالت طائفة : لا
تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد ليكون الرضا عاما ، والتسليم لإمامة
المختار إجماعا ( 3 ) .
وقالت طائفة : أقل من تنعقد به الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها
أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة واستدلوا على ذلك بأمرين : أحدهما أن
بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة أجمعوا عليها ثم تابعهم الناس وهم عمر بن
الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ، وأسيد بن حضير ، وبشير بن سعد ،
وسالم مولى أبي حذيفة .
والثاني تنعقد بواحد لأن عمر عقدها لأبي بكر ، ولأن العباس قال
لعلي : أمدد يدك أبايعك حتى يقول الناس عم رسول الله بايع ابن عمه
فلا يختلف عليك اثنان ( 4 ) .


والثاني بأنها ثبتت بالنص والتعيين ( 1 ) .
والفريق الأول هم جمهور أهل السنة ومعظم الخوارج والزيدية من الشيعة ، وفي هذا الفريق من يذهب إلى أنها تثبت أيضا بالقهر والغلبة ، فكل من غلب بالسيف وصار إماما وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا وأنه لا ينعزل بالفسق والظلم ، وتعطيل الحدود ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه ( 2 ) .
واختلف القائلون بالاختيار في كيفية انعقادها فقالت طائفة : لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد ليكون الرضا عاما ، والتسليم لإمامة المختار إجماعا ( 3 ) .
وقالت طائفة : أقل من تنعقد به الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة واستدلوا على ذلك بأمرين : أحدهما أن بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة أجمعوا عليها ثم تابعهم الناس وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ، وأسيد بن حضير ، وبشير بن سعد ، وسالم مولى أبي حذيفة .
والثاني تنعقد بواحد لأن عمر عقدها لأبي بكر ، ولأن العباس قال لعلي : أمدد يدك أبايعك حتى يقول الناس عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان ( 4 ) .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) الملل والنحل 1 / 28 .
( 2 ) أنظر الأحكام السلطانية ص 7 و 8 .
( 3 ) نفس المصدر .
( 4 ) نفس المصدر .

( 1 ) الملل والنحل 1 / 28 . ( 2 ) أنظر الأحكام السلطانية ص 7 و 8 . ( 3 ) نفس المصدر . ( 4 ) نفس المصدر .

6


وقال آخرون : تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين كما يصح
عقد النكاح بولي وشاهدين ( 1 ) كما أن هناك خلافا بين هذين الفريقين في
شروط الإمامة من حيث القرشية والهاشمية والعدالة بل والحرية ، وتعدد
الأئمة في زمن واحد إلى غير ذلك من الشرائط التي اختلفوا فيها تجد كل
ذلك مبثوثا في كتب الكلام والعقائد والمذاهب والفرق .
أما الفريق الثاني وهم الذين قالوا لا طريق إليه إلا بالنص وهؤلاء
ثلاث فرق البكرية والعباسية والإمامية .
فقالت البكرية : إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر
إشارة وهم جماعة من الحنابلة وأصحاب الحديث وبعض الخوارج .
وقالت الراوندية إنه نص على عمه العباس تلويحا ، وقد نشأت هذه
الطائفة في صدر الدولة العباسية وناصرهم الجاحظ في رسالة سماها
" العباسية " ثم انقرضت هذه الطائفة في زمن قصير .
وقالت الإمامية نص على علي عليه السلام ( 2 ) تصريحا وتلويحا ، وأن
الإمامة عهد الله الذي لا خيرة للعباد فيه وأنها إمرة إلهية كالنبوة وإن كانت
دونها مقاما وبعدها منزلة ، ولا يجوز للنبي صلى الله عليه وآله أن
يترك أمته هملا يرى كل واحد رأيا ، ويسلك كل واحد سبيلا ، فلا بد من
تعيين الإمام ، والنص عليه حسما للخلاف ، وقطعا لدابر الفتنة ، إلى
ذلك من الأقوال والأدلة التي ذكروها في كتبهم الكلامية والاعتقادية .
والخلاف في الإمامة بين المسلمين واقع بالفعل من صدر الاسلام إلى
يوم الناس حتى قال الشهرستاني : " أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة


وقال آخرون : تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين ( 1 ) كما أن هناك خلافا بين هذين الفريقين في شروط الإمامة من حيث القرشية والهاشمية والعدالة بل والحرية ، وتعدد الأئمة في زمن واحد إلى غير ذلك من الشرائط التي اختلفوا فيها تجد كل ذلك مبثوثا في كتب الكلام والعقائد والمذاهب والفرق .
أما الفريق الثاني وهم الذين قالوا لا طريق إليه إلا بالنص وهؤلاء ثلاث فرق البكرية والعباسية والإمامية .
فقالت البكرية : إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر إشارة وهم جماعة من الحنابلة وأصحاب الحديث وبعض الخوارج .
وقالت الراوندية إنه نص على عمه العباس تلويحا ، وقد نشأت هذه الطائفة في صدر الدولة العباسية وناصرهم الجاحظ في رسالة سماها " العباسية " ثم انقرضت هذه الطائفة في زمن قصير .
وقالت الإمامية نص على علي عليه السلام ( 2 ) تصريحا وتلويحا ، وأن الإمامة عهد الله الذي لا خيرة للعباد فيه وأنها إمرة إلهية كالنبوة وإن كانت دونها مقاما وبعدها منزلة ، ولا يجوز للنبي صلى الله عليه وآله أن يترك أمته هملا يرى كل واحد رأيا ، ويسلك كل واحد سبيلا ، فلا بد من تعيين الإمام ، والنص عليه حسما للخلاف ، وقطعا لدابر الفتنة ، إلى ذلك من الأقوال والأدلة التي ذكروها في كتبهم الكلامية والاعتقادية .
والخلاف في الإمامة بين المسلمين واقع بالفعل من صدر الاسلام إلى يوم الناس حتى قال الشهرستاني : " أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) نفس المصدر وانظر تفسير القرطبي 1 / 264 - 274 .
( 2 ) أنظر تفسير القرطبي 1 / 252 - 268 وشرح نهج البلاغة ج 9 / 87 .

( 1 ) نفس المصدر وانظر تفسير القرطبي 1 / 264 - 274 . ( 2 ) أنظر تفسير القرطبي 1 / 252 - 268 وشرح نهج البلاغة ج 9 / 87 .

7


إذ ما سل سيف في الاسلام على قاعدة دينية في كل زمان مثل ما سل على
الإمامة في كل زمان " ( 1 ) فلا غرابة إذن إذا كثر حولها الكلام ، وتصاولت
فيها الأقلام ، وأفرد فيها عشرات بل مئات الكتب .
وقد كان القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني : ممن
جرى في هذا المضمار ، وخاض الغمرات في هذا الموضوع فأملى كتابه
" المغني في التوحيد والعدل " في عشرين جزء ، وجعل الجزء العشرين منه
خاصا في الإمامة .
وكان القاضي في أول أمره أشعري الأصول شافعي الفروع ، ثم
تأثر بمن حضر عندهم من علماء المعتزلة فتحول إلى الاعتزال ، ومن جملة
من أخذ عنهم إسحق بن عياش المعتزلي المتوفي سنة 336 وكان ابن عياش
هذا من معتزلة البصرة من تلاميذ أبي هاشم الجبائي المتوفى سنة 321 .
ثم انتقل القاضي إلى بغداد وحضر مجلس أبي عبد الله الحسين بن
علي البصري المتوفى سنة 446 مدة من الزمن فكان من أبرز تلامذته ، حتى لمع
نجمه ، وطار صيته فاستدعاه الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير
فخر الدولة البويهي إلى الري وكان الصاحب واحد زمانه علما وفضلا
وتدبيرا وجودة رأي ، وكرما ، عالما بأنواع العلوم عارفا بالكتب وموادها ،
ورسائله مشهورة مدونة ، وجمع من الكتب ما لم يجمعها غيره حتى أنه كان
يحتاج في نقلها إلى أربعمائة جمل ( 2 ) .
وكان الصاحب سمح الكف ، وفير العطاء حتى روي أن عطاياه
للعلماء والأدباء والأشراف - يعني ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم -


إذ ما سل سيف في الاسلام على قاعدة دينية في كل زمان مثل ما سل على الإمامة في كل زمان " ( 1 ) فلا غرابة إذن إذا كثر حولها الكلام ، وتصاولت فيها الأقلام ، وأفرد فيها عشرات بل مئات الكتب .
وقد كان القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني : ممن جرى في هذا المضمار ، وخاض الغمرات في هذا الموضوع فأملى كتابه " المغني في التوحيد والعدل " في عشرين جزء ، وجعل الجزء العشرين منه خاصا في الإمامة .
وكان القاضي في أول أمره أشعري الأصول شافعي الفروع ، ثم تأثر بمن حضر عندهم من علماء المعتزلة فتحول إلى الاعتزال ، ومن جملة من أخذ عنهم إسحق بن عياش المعتزلي المتوفي سنة 336 وكان ابن عياش هذا من معتزلة البصرة من تلاميذ أبي هاشم الجبائي المتوفى سنة 321 .
ثم انتقل القاضي إلى بغداد وحضر مجلس أبي عبد الله الحسين بن علي البصري المتوفى سنة 446 مدة من الزمن فكان من أبرز تلامذته ، حتى لمع نجمه ، وطار صيته فاستدعاه الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة البويهي إلى الري وكان الصاحب واحد زمانه علما وفضلا وتدبيرا وجودة رأي ، وكرما ، عالما بأنواع العلوم عارفا بالكتب وموادها ، ورسائله مشهورة مدونة ، وجمع من الكتب ما لم يجمعها غيره حتى أنه كان يحتاج في نقلها إلى أربعمائة جمل ( 2 ) .
وكان الصاحب سمح الكف ، وفير العطاء حتى روي أن عطاياه للعلماء والأدباء والأشراف - يعني ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم -

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) الملل والنحل 1 / 27 .
( 2 ) الكامل لابن الأثير 9 / 110 ، وانظر وفيات الأعيان 1 / 231 .

( 1 ) الملل والنحل 1 / 27 . ( 2 ) الكامل لابن الأثير 9 / 110 ، وانظر وفيات الأعيان 1 / 231 .

8


كانت تزيد على مائة ألف إذ كان كثير الصنائع والبر والاحسان حتى قيل :
إن مدائحه بلغت مائة ألف قصيدة " ( 1 ) وكانت نفقاته من مال أبيه
وجده ، أي ليست من بيت مال المسلمين كما يصنع الخلفاء والأمراء
والوزراء فلا عجب - والحال على ما ذكر - أن يكون القاضي من جملة من
نال الحظوة عنده ، والمنزلة لديه ، ولم يمنع الصاحب ما بينهما من الخلاف
في المذهب أن يوليه القضاء ، ويلقبه بقاضي القضاة ، حتى ضاهى -
بسبب ذلك - قارون في سعة المال ( 2 ) ، وأطلق له العنان بنشر أفكاره ،
وبث آرائه حتى ولو كان فيها ما يناهض عقيدة الصاحب ، ويخالف مذهبه
وخصوصا في مسألة الإمامة .
ولا يخفى أن حرية الرأي في مختلف الأزمان والأدوار كانت مقتصرة
على أصحاب المذهب الرسمي للدولة فلهم أن يقولوا ما شاؤوا ، ويحكموا
بما أرادوا ، أما غيرهم فليس لهم إلا الاتهام بالكفر ، والمروق من الدين ،
وكان الواحد منهم ذا حظ عظيم إذا قنعوا منه بما وسموه به وإلا فعاقبته
القتل أو السجن ، ومصير كتبه إلى النار .
وعلى سبيل المثال لا الحصر ما ذكره ابن الأثير في الكامل : أنه ورد
إلى الخليفة القادر بالله كتاب من السلطان محمود بن سبكتكين أنه حارب
الباطنية والمعتزلة والروافض فصلب منهم جماعة وحول من الكتب خمسين
حملا ما خلا كتب المعتزلة والفلاسفة والروافض فإنها أحرقت تحت جذوع
المصلوبين إذ كانت أصول البدع كما أحرق مكتبة الصاحب بن عباد التي
تقدم ذكرها والتي قال عنها أبو الحسن البيهقي " وجدت فهرست تلك
الكتب عشر مجلدات " لما ورد الري وقيل له : إن هذه الكتب كتب


كانت تزيد على مائة ألف إذ كان كثير الصنائع والبر والاحسان حتى قيل :
إن مدائحه بلغت مائة ألف قصيدة " ( 1 ) وكانت نفقاته من مال أبيه وجده ، أي ليست من بيت مال المسلمين كما يصنع الخلفاء والأمراء والوزراء فلا عجب - والحال على ما ذكر - أن يكون القاضي من جملة من نال الحظوة عنده ، والمنزلة لديه ، ولم يمنع الصاحب ما بينهما من الخلاف في المذهب أن يوليه القضاء ، ويلقبه بقاضي القضاة ، حتى ضاهى - بسبب ذلك - قارون في سعة المال ( 2 ) ، وأطلق له العنان بنشر أفكاره ، وبث آرائه حتى ولو كان فيها ما يناهض عقيدة الصاحب ، ويخالف مذهبه وخصوصا في مسألة الإمامة .
ولا يخفى أن حرية الرأي في مختلف الأزمان والأدوار كانت مقتصرة على أصحاب المذهب الرسمي للدولة فلهم أن يقولوا ما شاؤوا ، ويحكموا بما أرادوا ، أما غيرهم فليس لهم إلا الاتهام بالكفر ، والمروق من الدين ، وكان الواحد منهم ذا حظ عظيم إذا قنعوا منه بما وسموه به وإلا فعاقبته القتل أو السجن ، ومصير كتبه إلى النار .
وعلى سبيل المثال لا الحصر ما ذكره ابن الأثير في الكامل : أنه ورد إلى الخليفة القادر بالله كتاب من السلطان محمود بن سبكتكين أنه حارب الباطنية والمعتزلة والروافض فصلب منهم جماعة وحول من الكتب خمسين حملا ما خلا كتب المعتزلة والفلاسفة والروافض فإنها أحرقت تحت جذوع المصلوبين إذ كانت أصول البدع كما أحرق مكتبة الصاحب بن عباد التي تقدم ذكرها والتي قال عنها أبو الحسن البيهقي " وجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلدات " لما ورد الري وقيل له : إن هذه الكتب كتب

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) المنتظم لابن الجوزي 7 / 180 وانظر الغدير 4 / 49 .
( 2 ) لسان الميزان 3 / 386 .

( 1 ) المنتظم لابن الجوزي 7 / 180 وانظر الغدير 4 / 49 . ( 2 ) لسان الميزان 3 / 386 .

9


الروافض وأهل البدع ( 1 ) . وقد غالى الأيوبيون في القضاء على كل أثر
للشيعة ( 2 ) فبعد انقراض دولة الفاطميين ألقي بعضها في النار ، والبعض
الآخر في النيل ، وترك بعضها في الصحراء فسفت عليها الرياح حتى
صارت تلالا عرفت بتلال الكتب ، واتخذ العبيد من جلودها نعالا ( 3 ) ،
وفي عهد طغرلبك السلجوقي أحرقت كتب الشيخ الطوسي في رحبة جامع
النصر ( 4 ) كما أحرقت مكتبة بيت الحكمة التي أسسها سابور بن أردشير
وزير بهاء الدولة بن بويه وكانت من أغنى دور الكتب في عاصمة
العباسيين ( 5 ) والتي قال عنها ياقوت : " لم يكن في الدنيا أحسن منها
وكانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة . وأصولهم المحررة ( 6 ) وقد احترقت
عند ورود طغرلبك أول ملوك السلاجقة لأنها كانت خاصة بالشيعة ( 7 )
ولعل مما يبعث الأسى والأسف أن الحال في أيامنا هذه على ما كان الحال
في عهد السلاجقة وأمثالهم .
وإذا كان الفكر يومئذ مصدرا من مصادر الخطر فلا ينبغي أن يكون
في هذه الأيام كذلك لانحسار الأسباب التي كانت تؤول إلى ذلك .
ولقد اقتفى الصاحب بفسح المجال للقاضي وغيره آثار ملوكه من
البويهيين ، فإنهم أعطوا للناس حريتهم . وسمحوا لهم بإظهار معتقداتهم
من دون تفريق وتمييز رغم ما اتهموا به من الغلو في التشيع .


الروافض وأهل البدع ( 1 ) . وقد غالى الأيوبيون في القضاء على كل أثر للشيعة ( 2 ) فبعد انقراض دولة الفاطميين ألقي بعضها في النار ، والبعض الآخر في النيل ، وترك بعضها في الصحراء فسفت عليها الرياح حتى صارت تلالا عرفت بتلال الكتب ، واتخذ العبيد من جلودها نعالا ( 3 ) ، وفي عهد طغرلبك السلجوقي أحرقت كتب الشيخ الطوسي في رحبة جامع النصر ( 4 ) كما أحرقت مكتبة بيت الحكمة التي أسسها سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن بويه وكانت من أغنى دور الكتب في عاصمة العباسيين ( 5 ) والتي قال عنها ياقوت : " لم يكن في الدنيا أحسن منها وكانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة . وأصولهم المحررة ( 6 ) وقد احترقت عند ورود طغرلبك أول ملوك السلاجقة لأنها كانت خاصة بالشيعة ( 7 ) ولعل مما يبعث الأسى والأسف أن الحال في أيامنا هذه على ما كان الحال في عهد السلاجقة وأمثالهم .
وإذا كان الفكر يومئذ مصدرا من مصادر الخطر فلا ينبغي أن يكون في هذه الأيام كذلك لانحسار الأسباب التي كانت تؤول إلى ذلك .
ولقد اقتفى الصاحب بفسح المجال للقاضي وغيره آثار ملوكه من البويهيين ، فإنهم أعطوا للناس حريتهم . وسمحوا لهم بإظهار معتقداتهم من دون تفريق وتمييز رغم ما اتهموا به من الغلو في التشيع .

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) معجم الأدباء 6 / 259 .
( 2 ) الأزهر في ألف عام للخفاجي 1 / 58 .
( 3 ) تاريخ التمدن الاسلامي لجرجي زيدان 3 / 410 .
( 4 ) لسان الميزان لابن حجر 5 / 135 .
( 5 ) خزائن الكتب العربية للخفاجي ص 101 .
( 6 ) معجم البلدان 1 / 534 مادة بين السورين .
( 7 ) الذريعة للطهراني 7 / 193 .

( 1 ) معجم الأدباء 6 / 259 . ( 2 ) الأزهر في ألف عام للخفاجي 1 / 58 . ( 3 ) تاريخ التمدن الاسلامي لجرجي زيدان 3 / 410 . ( 4 ) لسان الميزان لابن حجر 5 / 135 . ( 5 ) خزائن الكتب العربية للخفاجي ص 101 . ( 6 ) معجم البلدان 1 / 534 مادة بين السورين . ( 7 ) الذريعة للطهراني 7 / 193 .

10

لا يتم تسجيل الدخول!