إسم الكتاب : مختصر أخبار شعراء الشيعة ( عدد الصفحات : 118)


مختصر
أخبار شعراء الشيعة وأخبار السيد الحميري


مختصر أخبار شعراء الشيعة وأخبار السيد الحميري

1


1 - مختصر
أخبار شعراء الشيعة . . .
2 - أخبار السيد الحميري . . .
حقوق الطبع والصف
محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
1388 - 1968
الطبعة الثانية
1413 ه‍ - 1993 م
شركة الكتبي
للطباعة والنشر والتوزيع
حارة حريك - شارع دكاش ص . ب 123 / 25
تلفون 836143 - فاكس 009611837458


1 - مختصر أخبار شعراء الشيعة . . .
2 - أخبار السيد الحميري . . .
حقوق الطبع والصف محفوظة للناشر الطبعة الأولى 1388 - 1968 الطبعة الثانية 1413 ه‍ - 1993 م شركة الكتبي للطباعة والنشر والتوزيع حارة حريك - شارع دكاش ص . ب 123 / 25 تلفون 836143 - فاكس 009611837458

2


أخبار شعراء الشيعة
أخبار السيد الحميري
لأبي عبد الله محمد بن عمران المرزباني الخراساني المتوفى 384
تقديم وتحقيق وتعليق
الدكتور الشيخ
محمد هادي الأميني
شركة الكتبي
للطباعة والنشر
بيروت - لبنان


أخبار شعراء الشيعة أخبار السيد الحميري لأبي عبد الله محمد بن عمران المرزباني الخراساني المتوفى 384 تقديم وتحقيق وتعليق الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني شركة الكتبي للطباعة والنشر بيروت - لبنان

3


بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اجعلني على هدى واجعلني من المهتدين . . .
اللهم اجعلني ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة واجعل علي منك صلاة
ورحمة . . .
اللهم اجعلني ممن يلقاك مؤمنا قد عمل الصالحات . . .
اللهم اجعلني من الذين يذكرونك قياما وقعودا وعلى جنوبهم . . .
اللهم أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن
أعمل صالحا ترضاه . . .


بسم الله الرحمن الرحيم اللهم اجعلني على هدى واجعلني من المهتدين . . .
اللهم اجعلني ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة واجعل علي منك صلاة ورحمة . . .
اللهم اجعلني ممن يلقاك مؤمنا قد عمل الصالحات . . .
اللهم اجعلني من الذين يذكرونك قياما وقعودا وعلى جنوبهم . . .
اللهم أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه . . .

4



المقدمة
( 1 )
ظفر التراث الفكري العربي الإسلامي في تاريخه الطويل المديد ،
برجال وقفوا أنفسهم وما لديهم من المكانيات وطاقات أدبية ومادية . . . على
خدمته وحفظه وصيانته من التلف والعبث والدمار ، وضحوا بجهودهم
وراحتهم في سبيله وتوفروا عليه يجمعون شتاته وتراثه وأخباره وأطرافه
ويتسابقون في حفظه ويشاركون في نهضته رغم الظروف والأحوال السياسية
القاسية التي كانت تجتازهم .
والواقع أن التراث الفكري هذا لا يزال الغموض والنسيان والاهمال
يكتنفه من نواح عدة ، بل لا يزال التراث الإسلامي قيد الزوايا والرفوف لم
تمتد نحوه يد البحث والتمحيص والدراسة والتحقيق ، ولذلك يتعسر على
الكثيرين البحث فيه وتمحيص نواحيه مع أن أبناءه حملوا من أمانة العلم
والأدب ما ليؤد ، ألقته المقادير على كواهلهم إلقاء ، فحملوا الأمانة وأدوا
الرسالة ، صابرين في الحمل محسنين في الأداء قنعوا من الدنيا بما تجود به
الصحراء وما تبعثه الأمطار والسيول من خصب قليل ونماء غير وفير . . . وهم
مع الحالة هذه يجولون في البلاد والأمصار ويرحلون إليها ويجمعون ما
يجمعون برغبة ذاتية في حفظ وصيانة التراث الإسلامي ، وبناء المدينة


المقدمة ( 1 ) ظفر التراث الفكري العربي الإسلامي في تاريخه الطويل المديد ، برجال وقفوا أنفسهم وما لديهم من المكانيات وطاقات أدبية ومادية . . . على خدمته وحفظه وصيانته من التلف والعبث والدمار ، وضحوا بجهودهم وراحتهم في سبيله وتوفروا عليه يجمعون شتاته وتراثه وأخباره وأطرافه ويتسابقون في حفظه ويشاركون في نهضته رغم الظروف والأحوال السياسية القاسية التي كانت تجتازهم .
والواقع أن التراث الفكري هذا لا يزال الغموض والنسيان والاهمال يكتنفه من نواح عدة ، بل لا يزال التراث الإسلامي قيد الزوايا والرفوف لم تمتد نحوه يد البحث والتمحيص والدراسة والتحقيق ، ولذلك يتعسر على الكثيرين البحث فيه وتمحيص نواحيه مع أن أبناءه حملوا من أمانة العلم والأدب ما ليؤد ، ألقته المقادير على كواهلهم إلقاء ، فحملوا الأمانة وأدوا الرسالة ، صابرين في الحمل محسنين في الأداء قنعوا من الدنيا بما تجود به الصحراء وما تبعثه الأمطار والسيول من خصب قليل ونماء غير وفير . . . وهم مع الحالة هذه يجولون في البلاد والأمصار ويرحلون إليها ويجمعون ما يجمعون برغبة ذاتية في حفظ وصيانة التراث الإسلامي ، وبناء المدينة

5


والحضارة الفكرية . وفي الوقت نفسه يحرصون على أن يسجلوا ويدونوا ما
جمعوه في أمانة ودقة وصحة .
لقد نهضت بغداد برسالة العلم والأدب ، ووثبت بهما وثبة كبرى
وأصبحت في الجملة شمسا للبلاد الإسلامية شرقيها وغربيها تستضئ بهديها
وتسير على قبس منها ، وأحبار العلم فيها يحرصون على هذا التراث يجمعون
شتاته ، ويفحصون لبناته ويضمون النظير إلى النظير ، ويستخرجون القاعدة
تلو القاعدة ، لا هم لهم ولا غاية متوخاة من وراء ذلك إلا خدمة هذا التراث
والحفاظ عليه .
وفي الحين هذا دهمها التتار عام ( 656 ) وأزالوا خلافتها ونكلوا بأبنائها
وعبثوا بمؤلفاتها ودمروا تراثها الفكري الذي عمل من أجله زهاء خمسة قرون
وضاعت بذلك ثمار كثيرة فكرية ووقفت بها رحى العلوم والآداب إلا لماما
لماما .
وأية نكبة في التاريخ أبادت معالم الإنسانية والحضارة الفكرية . مثل
وقيعة التتار ، وقطعت سلسلة العلوم والآداب الإسلامية ، وأحرقت الحرث
والنسل وحاربت رجال التأليف والتصنيف وطاردتهم بطرق مختلفة ، وشنت
على الخزائن ودور الكتب حملات وغارات لا إنسانية وجرت على أهلها ما
لم يكن في الحسبان من ألم ونصب ومشقة وعناء وفقر مدقع ، وجدب وقحط
ومسغبة .
إنها وأيم الحق أعظم كارثة حلت بمدينة على مر التاريخ كله . . . وأي
مدينة كانت بغداد ، التي ظلت قرنين من الزمان وهي أعظم عاصمة علمية
وأدبية في الحياة ، تبسط لواءها على أقطار الإسلام وتتدفق إليها الثروات
الفكرية والمادية ويحدثنا المؤرخ ابن الأثير عن الزحف المخيف هذا وقد مر
مشهده أمامه فيقول في عبارات تقطر دما :
" لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها
لذكرها ، فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب


والحضارة الفكرية . وفي الوقت نفسه يحرصون على أن يسجلوا ويدونوا ما جمعوه في أمانة ودقة وصحة .
لقد نهضت بغداد برسالة العلم والأدب ، ووثبت بهما وثبة كبرى وأصبحت في الجملة شمسا للبلاد الإسلامية شرقيها وغربيها تستضئ بهديها وتسير على قبس منها ، وأحبار العلم فيها يحرصون على هذا التراث يجمعون شتاته ، ويفحصون لبناته ويضمون النظير إلى النظير ، ويستخرجون القاعدة تلو القاعدة ، لا هم لهم ولا غاية متوخاة من وراء ذلك إلا خدمة هذا التراث والحفاظ عليه .
وفي الحين هذا دهمها التتار عام ( 656 ) وأزالوا خلافتها ونكلوا بأبنائها وعبثوا بمؤلفاتها ودمروا تراثها الفكري الذي عمل من أجله زهاء خمسة قرون وضاعت بذلك ثمار كثيرة فكرية ووقفت بها رحى العلوم والآداب إلا لماما لماما .
وأية نكبة في التاريخ أبادت معالم الإنسانية والحضارة الفكرية . مثل وقيعة التتار ، وقطعت سلسلة العلوم والآداب الإسلامية ، وأحرقت الحرث والنسل وحاربت رجال التأليف والتصنيف وطاردتهم بطرق مختلفة ، وشنت على الخزائن ودور الكتب حملات وغارات لا إنسانية وجرت على أهلها ما لم يكن في الحسبان من ألم ونصب ومشقة وعناء وفقر مدقع ، وجدب وقحط ومسغبة .
إنها وأيم الحق أعظم كارثة حلت بمدينة على مر التاريخ كله . . . وأي مدينة كانت بغداد ، التي ظلت قرنين من الزمان وهي أعظم عاصمة علمية وأدبية في الحياة ، تبسط لواءها على أقطار الإسلام وتتدفق إليها الثروات الفكرية والمادية ويحدثنا المؤرخ ابن الأثير عن الزحف المخيف هذا وقد مر مشهده أمامه فيقول في عبارات تقطر دما :
" لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها ، فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب

6


نعي الإسلام والمسلمين ، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك ، فيا ليت أمي لم
تلدني ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ، إلى أن حثني جماعة من
الأصدقاء على تسطيرها ، وأنا متوقف ثم رأيت إن ترك ذلك لا يجدي نفعا
فنقول : هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقت
الأيام والليالي عن مثلها وعمت الخلائق وخصت المسلمين فلو قال قائل : إن
العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا
فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها " .
أما موقف الزحف المخيف من التراث الفكري ، فكان أشد وأنكى فقد
أمر بتلك التلال الفكرية والذخائر النفيسة من كتب بغداد فبنى منها جسرا على
نهر دجلة اجتازه جنوده وما تبقى أحرق حرقا ، فدمرت معها ثقافة ستة قرون
كاملة جمعت في بغداد سواء في ذلك خزائن الكتب العامة والخاصة ،
فأحرقوا جانبا منها وطرحوا بعضها الآخر في نهر دجلة فسد مجراه ، وزعم
بعض المؤرخين أن المغول أو التتر فعلوا ذلك انتقاما مما فعله المسلمون في
أول الفتح العربي بكتب الفرس وعلومهم . . . وذهب آخرون أن هولاكو
ابتنى بتلك الكتب إسطبلات الخيول وطاولات المعالف عوضا عن الطين ،
فقد أباد مكتبات بغداد وأتلفها عن بكرة أبيها كمكتبة بيت الحكمة ، ومكتبة
المدرسة النظامية ، ومكتبة المدرس المستنصرية ، وخزانة الدار الخليفية
وغيرها من مكتبات الأمراء والوزراء والأعيان وأرباب المحابر .
وهنا يقف شاعرها تقي الدين إسماعيل بن أبي اليسر ويسيل دموعه
من مآقيها في قصيدة طويلة يشعر من فيها مشاهد الزحف المخيف وصوره
المريعة فيقول :
لسائل الدمع عن بغداد أخبار * فما وقوفك والأحباب قد ساروا


نعي الإسلام والمسلمين ، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك ، فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ، إلى أن حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها ، وأنا متوقف ثم رأيت إن ترك ذلك لا يجدي نفعا فنقول : هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقت الأيام والليالي عن مثلها وعمت الخلائق وخصت المسلمين فلو قال قائل : إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها " .
أما موقف الزحف المخيف من التراث الفكري ، فكان أشد وأنكى فقد أمر بتلك التلال الفكرية والذخائر النفيسة من كتب بغداد فبنى منها جسرا على نهر دجلة اجتازه جنوده وما تبقى أحرق حرقا ، فدمرت معها ثقافة ستة قرون كاملة جمعت في بغداد سواء في ذلك خزائن الكتب العامة والخاصة ، فأحرقوا جانبا منها وطرحوا بعضها الآخر في نهر دجلة فسد مجراه ، وزعم بعض المؤرخين أن المغول أو التتر فعلوا ذلك انتقاما مما فعله المسلمون في أول الفتح العربي بكتب الفرس وعلومهم . . . وذهب آخرون أن هولاكو ابتنى بتلك الكتب إسطبلات الخيول وطاولات المعالف عوضا عن الطين ، فقد أباد مكتبات بغداد وأتلفها عن بكرة أبيها كمكتبة بيت الحكمة ، ومكتبة المدرسة النظامية ، ومكتبة المدرس المستنصرية ، وخزانة الدار الخليفية وغيرها من مكتبات الأمراء والوزراء والأعيان وأرباب المحابر .
وهنا يقف شاعرها تقي الدين إسماعيل بن أبي اليسر ويسيل دموعه من مآقيها في قصيدة طويلة يشعر من فيها مشاهد الزحف المخيف وصوره المريعة فيقول :
لسائل الدمع عن بغداد أخبار * فما وقوفك والأحباب قد ساروا

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) الكامل في التاريخ 9 : 329 .
( 2 ) خزائن الكتب العربية 3 : 1014 .
( 3 ) فوات الوفيات 1 : 21 .

( 1 ) الكامل في التاريخ 9 : 329 . ( 2 ) خزائن الكتب العربية 3 : 1014 . ( 3 ) فوات الوفيات 1 : 21 .

7


يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا * فما بذاك الحمى والدار ديار
تاج الخلافة والربع الذي شرفت * به المعالم قد عفاه إقفار
ناديت والسبي مهتوك يجرهم * إلى السفاح من الأعداء دعار
وهكذا ذبحت عاصمة الدنيا ودمر تراثها الفكري ، وذهب ما سطره
الأقدمون وألفوه من كتب وأخبار وأقاصيص ، كانت تشيع منها آثار القوة
والعظمة والطموح والإنسانية والحضارة الفكرية ، وتملأ الحياة جمالا وجلالا
ونورا . . . ومما دمرتها هذه النكبة لا شك رسائل ومؤلفات أبي عبيدة
محمد بن عمران المرزباني الخراساني المتوفى سنة ( 384 ) .
( 2 ) كان أبو عبيدة أو عبد الله محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن
عبيد الله الكاتب المرزباني الخراساني الأصل البغدادي المولد ، ذو رغبة
ملحة كما يحدثنا التاريخ في جمع أخبار الشعراء وتدوين أخبارهم وآثارهم
وأقاصيصهم وما يتعلق بحياتهم من جوانبها المتعددة من نوادر وفكاهات من
دون أي تصرف أو تحوير . . . وهو أشهر من أن يشار إليه وأجل من أن تكتب
عنه عجالة ، وأحرى أن تؤلف فيه رسالة مسهبة فياضة تنم عن علمه وتحدث
عن فضله وتكشف الكثير من جوانب حياته الاجتماعية والأدبية .
لقد تاقت نفس المرزباني المتوثبة ورغبته الصادقة في العلم والأدب
والمعرفة فعكف على تحقيق هذه الناحية والعمل في حقلها بنفس مشوقة
وحس جميع ، وآفاق علمه الواسعة وفجاج فضله الرحيبة ، حتى اعتبره
التاريخ في الجبهة الأولى بين علماء القرن الرابع ومؤرخيه وفي الصف الأول
بين نابغيه وممن نبه العصر بنباهته وسما بسمو مكانته .
إنه في التاريخ الأدب العربي الطويل من الذين وقفوا أنفسهم على
خدمته وضحوا بحياتهم وراحتهم وجهودهم في سبيله ، يجمعون تراثه المبعثر
ونصوصه الموزعة وقضاياه وأحداثه الممزقة البالية ، ويجتهدون في الحفاظ


يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا * فما بذاك الحمى والدار ديار تاج الخلافة والربع الذي شرفت * به المعالم قد عفاه إقفار ناديت والسبي مهتوك يجرهم * إلى السفاح من الأعداء دعار وهكذا ذبحت عاصمة الدنيا ودمر تراثها الفكري ، وذهب ما سطره الأقدمون وألفوه من كتب وأخبار وأقاصيص ، كانت تشيع منها آثار القوة والعظمة والطموح والإنسانية والحضارة الفكرية ، وتملأ الحياة جمالا وجلالا ونورا . . . ومما دمرتها هذه النكبة لا شك رسائل ومؤلفات أبي عبيدة محمد بن عمران المرزباني الخراساني المتوفى سنة ( 384 ) .
( 2 ) كان أبو عبيدة أو عبد الله محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبيد الله الكاتب المرزباني الخراساني الأصل البغدادي المولد ، ذو رغبة ملحة كما يحدثنا التاريخ في جمع أخبار الشعراء وتدوين أخبارهم وآثارهم وأقاصيصهم وما يتعلق بحياتهم من جوانبها المتعددة من نوادر وفكاهات من دون أي تصرف أو تحوير . . . وهو أشهر من أن يشار إليه وأجل من أن تكتب عنه عجالة ، وأحرى أن تؤلف فيه رسالة مسهبة فياضة تنم عن علمه وتحدث عن فضله وتكشف الكثير من جوانب حياته الاجتماعية والأدبية .
لقد تاقت نفس المرزباني المتوثبة ورغبته الصادقة في العلم والأدب والمعرفة فعكف على تحقيق هذه الناحية والعمل في حقلها بنفس مشوقة وحس جميع ، وآفاق علمه الواسعة وفجاج فضله الرحيبة ، حتى اعتبره التاريخ في الجبهة الأولى بين علماء القرن الرابع ومؤرخيه وفي الصف الأول بين نابغيه وممن نبه العصر بنباهته وسما بسمو مكانته .
إنه في التاريخ الأدب العربي الطويل من الذين وقفوا أنفسهم على خدمته وضحوا بحياتهم وراحتهم وجهودهم في سبيله ، يجمعون تراثه المبعثر ونصوصه الموزعة وقضاياه وأحداثه الممزقة البالية ، ويجتهدون في الحفاظ

8


عليها بكل حول وطول ، ليشاركوا في كل ظرف وعصر في نهضة الأدب
العربي وتشييد دعائمه وأسسه .
ولا شك إن الأدب العربي بجهود المرزباني وإخوانه من أحبار
الأدب . . . وثب وثبته الكبرى وحفظ للدنيا هذه الثروة الفكرية والمتعة الأدبية
الرائعة ، مع العلم أن هؤلاء الفطاحل تحملوا العبء الثقيل والجهد المضني
ما تتطلبه هذه الرسالة من صبر وأناة وضيق وحرج وعسر ، وما يفتقر إليه
جمع وتهذيب والتقاط هذه الكنوز من البلاد النائية ، وفي رحلات وسفرات
شاقة طويلة ، ومن ثم حرصهم على أن يقدموا لنا ما جمعوه في دقة وأمانة
وصحة وثقة مع ما كانوا عليه يومذاك من دقة الحال وعسر الحياة ، وجهد
تفرضه لقمة العيش وبما تطالب به الحياة الناس من مطالب وطموح ورغبات
نفسية مختلفة .
ومع الحال هذه طاف المرزباني في آفاق مصر وربوع الشام ، وجال
في نواحي حلب وشد الرحال إلى بلاد الحجاز وزار أكثر البلاد الإسلامية ،
فأفاده التجوال علما غزيرا وأدبا جما وخبرة صائبة ومعرفة سديدة .
وبرع المرزباني . . . في ناحية واحدة وعكف على التأليف فيها
واستطاع بحافظته القوية وذكائه المفرط الطيب ، أن يتخصص في رسالته
الأدبية وينبه فيها شأنه بكفايته ومهابته . . . ويفرغ إلى جانب واحد من نواحي
الأدب فيجمع مادته ويدرسها ويحققها بعين البصيرة والتدقيق ، ويحفظها
حتى يصبح أحفظ أهل زمانه ويقدمها إلى الناس بشكل واقعي جميل ، بعيد
عن كل شك وشبهة ومنزه عن كل عيب أدبي ونقص تحقيقي ، أو ضعف
وريبة في رجال سنده وروايته ولهذا كان النجاح حليف ما كتبه وما صنفه وبرز
في ذلك كله بروزا تطامن أمامه بروزه في فنون الأدب .
ومن المؤسف جدا أن ليس لدينا من أخبار المرزباني إلا نتف يسيرة
وأظهر أخباره أنه كان رجلا غنيا كريما يفضل على أساتذته وتلاميذه ، وكانت
داره مأوى لأهل العلم والأدب يبيتون فيها على الرحب والسعة حيث


عليها بكل حول وطول ، ليشاركوا في كل ظرف وعصر في نهضة الأدب العربي وتشييد دعائمه وأسسه .
ولا شك إن الأدب العربي بجهود المرزباني وإخوانه من أحبار الأدب . . . وثب وثبته الكبرى وحفظ للدنيا هذه الثروة الفكرية والمتعة الأدبية الرائعة ، مع العلم أن هؤلاء الفطاحل تحملوا العبء الثقيل والجهد المضني ما تتطلبه هذه الرسالة من صبر وأناة وضيق وحرج وعسر ، وما يفتقر إليه جمع وتهذيب والتقاط هذه الكنوز من البلاد النائية ، وفي رحلات وسفرات شاقة طويلة ، ومن ثم حرصهم على أن يقدموا لنا ما جمعوه في دقة وأمانة وصحة وثقة مع ما كانوا عليه يومذاك من دقة الحال وعسر الحياة ، وجهد تفرضه لقمة العيش وبما تطالب به الحياة الناس من مطالب وطموح ورغبات نفسية مختلفة .
ومع الحال هذه طاف المرزباني في آفاق مصر وربوع الشام ، وجال في نواحي حلب وشد الرحال إلى بلاد الحجاز وزار أكثر البلاد الإسلامية ، فأفاده التجوال علما غزيرا وأدبا جما وخبرة صائبة ومعرفة سديدة .
وبرع المرزباني . . . في ناحية واحدة وعكف على التأليف فيها واستطاع بحافظته القوية وذكائه المفرط الطيب ، أن يتخصص في رسالته الأدبية وينبه فيها شأنه بكفايته ومهابته . . . ويفرغ إلى جانب واحد من نواحي الأدب فيجمع مادته ويدرسها ويحققها بعين البصيرة والتدقيق ، ويحفظها حتى يصبح أحفظ أهل زمانه ويقدمها إلى الناس بشكل واقعي جميل ، بعيد عن كل شك وشبهة ومنزه عن كل عيب أدبي ونقص تحقيقي ، أو ضعف وريبة في رجال سنده وروايته ولهذا كان النجاح حليف ما كتبه وما صنفه وبرز في ذلك كله بروزا تطامن أمامه بروزه في فنون الأدب .
ومن المؤسف جدا أن ليس لدينا من أخبار المرزباني إلا نتف يسيرة وأظهر أخباره أنه كان رجلا غنيا كريما يفضل على أساتذته وتلاميذه ، وكانت داره مأوى لأهل العلم والأدب يبيتون فيها على الرحب والسعة حيث

9


يشاءون ، وحسب رواية ابن الجوزي أن أشياخه كانوا يحضرون عنده في داره
فيسمعهم ويسمع منهم وكان عنده خمسون ما بين لحاف ودواج معدة لأهل
العلم الذين يبيتون عنده وكان عضد الدولة يجتاز على داره فيقف ببابه حتى
يخرج إليه فيسلم عليه .
هذا ولم يكن يؤخذ عليه من الهفوات إلا إدمان الشراب ، وكان من
عادته في ذلك أن يضع بين يديه زجاجة حبر وزجاجة خمر ، فلا يزال يشرب
ويكتب وهو مقيم الفكر والاحساس بين الواقع والخيال وقد شعر رحمه الله
بخطر ذلك على عقله وصحته وظهر أثر تململه حين سأله عضد الدولة مرة
عن حاله فقد أجاب : كيف حال من هو بين قارورتين يعني قارورة الحبر
وقارورة الخمر .
وكان في جملة حاله معروفا بصدق اللهجة وسعة المعرفة وكثرة
السماع ، وكان معاصروه يرونه من محاسن الدنيا ( 5 ) ومنهم من يقدمه على
الجاحظ ( 6 ) ولعل ذلك هو السبب في تحامل بعض المغرضين عليه كأبي حيان
التوحيدي ، الذي كان يقارنه بابن شاذان وابن الخلال ممن كان لهم جمع
ورواية وليس لهم فيما جمعوه نقط ولا إعجام ولا إسراج ولا إلجام ، ولو
يقيت كتب المرزباني كلها أو جلها لاستطعنا أن نزن ما كان له من فكر وعقل
وأسلوب ولكن أكثرها ضاع ولم يبق منها إلا النزر اليسير .
ومن المدهش أنه إلف كتابا في أخبار الشعراء سماه ( المعجم ) تحدث
فيه عن نحو خمسة آلاف شاعر وأثبت فيه أبياتا لكل من تحدث عنهم من
الشعراء ، فمن الذي يعرف اليوم هذا المقدار من أسماء الشعراء مع أننا
اجتزنا من تاريخ الأدب نحو خمسة عشر قرنا وكان المرزباني لم يجتز منه غير
خمسة قرون ( 7 ) ،


يشاءون ، وحسب رواية ابن الجوزي أن أشياخه كانوا يحضرون عنده في داره فيسمعهم ويسمع منهم وكان عنده خمسون ما بين لحاف ودواج معدة لأهل العلم الذين يبيتون عنده وكان عضد الدولة يجتاز على داره فيقف ببابه حتى يخرج إليه فيسلم عليه .
هذا ولم يكن يؤخذ عليه من الهفوات إلا إدمان الشراب ، وكان من عادته في ذلك أن يضع بين يديه زجاجة حبر وزجاجة خمر ، فلا يزال يشرب ويكتب وهو مقيم الفكر والاحساس بين الواقع والخيال وقد شعر رحمه الله بخطر ذلك على عقله وصحته وظهر أثر تململه حين سأله عضد الدولة مرة عن حاله فقد أجاب : كيف حال من هو بين قارورتين يعني قارورة الحبر وقارورة الخمر .
وكان في جملة حاله معروفا بصدق اللهجة وسعة المعرفة وكثرة السماع ، وكان معاصروه يرونه من محاسن الدنيا ( 5 ) ومنهم من يقدمه على الجاحظ ( 6 ) ولعل ذلك هو السبب في تحامل بعض المغرضين عليه كأبي حيان التوحيدي ، الذي كان يقارنه بابن شاذان وابن الخلال ممن كان لهم جمع ورواية وليس لهم فيما جمعوه نقط ولا إعجام ولا إسراج ولا إلجام ، ولو يقيت كتب المرزباني كلها أو جلها لاستطعنا أن نزن ما كان له من فكر وعقل وأسلوب ولكن أكثرها ضاع ولم يبق منها إلا النزر اليسير .
ومن المدهش أنه إلف كتابا في أخبار الشعراء سماه ( المعجم ) تحدث فيه عن نحو خمسة آلاف شاعر وأثبت فيه أبياتا لكل من تحدث عنهم من الشعراء ، فمن الذي يعرف اليوم هذا المقدار من أسماء الشعراء مع أننا اجتزنا من تاريخ الأدب نحو خمسة عشر قرنا وكان المرزباني لم يجتز منه غير خمسة قرون ( 7 ) ،

--------------------------------------------------------------------------

( 4 ) المنتظم 7 : 177 .
( 5 ) النجوم الزاهرة 4 : 168 .
( 6 ) لسان الميزان 5 : 326 .
( 7 ) النثر الفني 2 : 120 - 130 .

( 4 ) المنتظم 7 : 177 . ( 5 ) النجوم الزاهرة 4 : 168 . ( 6 ) لسان الميزان 5 : 326 . ( 7 ) النثر الفني 2 : 120 - 130 .

10

لا يتم تسجيل الدخول!