إسم الكتاب : الامامة والسياسة ( عدد الصفحات : 175)


الإمامة والسياسة
تأليف
الإمام الفقيه أبي محمد عبد الله بن مسلم
ابن قتيبة الدينوري
المولود سنة 213 والمتوفى سنة 276 ه‍ رحمه الله
وهو المعروف بتاريخ الخلفاء
تحقيق الدكتور
طه محمد الزيني
الأستاذ بالأزهر
الجزء الثاني
الناشر
مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع
14 شارع جواد حسني بالقاهرة
ت 56155
1387 ه‍ - 1967


الإمامة والسياسة تأليف الإمام الفقيه أبي محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري المولود سنة 213 والمتوفى سنة 276 ه‍ رحمه الله وهو المعروف بتاريخ الخلفاء تحقيق الدكتور طه محمد الزيني الأستاذ بالأزهر الجزء الثاني الناشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع 14 شارع جواد حسني بالقاهرة ت 56155 1387 ه‍ - 1967

1


حقوق الطبع محفوظة للناشر


حقوق الطبع محفوظة للناشر

2



بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر اختلاف الرواة في وقعة الحرة وخبر يزيد
قال : وذكروا أنه لما بويع يزيد بن معاوية خرج الحسين حتى قدم مكة ، فأقام هو وابن
الزبير . قال : وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميرا على المدينة وعلى الموسم ، وعزل
الوليد بن عقبة ، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي مستقبله : مه مه ! جاءنا والله بالدم
فتلقاه رجل بعمامته ، فقال مه ! عم والله الناس ، ثم قام يخطب ، فناوله آخر عصا لها شعبتان .
فقال : مه ! شعب والله الناس . ثم خرج إلى مكة ، فقدمها يوم التروية ، فصلى الحسين
ثم خرج .
فلما انصرف عمرو بلغه أن الحسين خرج ، فقال : اركبوا كل بعير بين السماء والأرض
فاطلبوه . قال : فكان الناس يعجبون من قوله هذا . قال : فطلبوه فلم يدركوه ، فأرسل عبد
الله بن جعفر ابنيه عونا ومحمدا ليردا الحسين . فأبى أن يرجع ، وخرج الحسين بابني عبد الله
ابن جعفر معه ، ورجع عمرو بن سعيد بن العاص إلى المدينة ، فأرسل إلى ابن الزبير ، فأبى
أن يأتيه ، وامتنع برجال معه من قريش وغيرهم . قال : فبعث عمرو بن سعيد جيشا من
المدينة يقاتلون ابن الزبير . قال : فضرب على أهل الديوان البعث إلى مكة ، وهم كارهون
للخروج . فقال لهم : إما أن تأتوا ببدل ، وأما أن تخرجوا . فقال : فجاء الحارث بن مالك بن
البرصاء برجل استأجره بخمس مئة درهم إلى عمرو بن سعيد . فقال : قد جئت برجل بدلي .
فقال الحارث للرجل الذي استأجره هل لك أن أزيدك خمس مئة أخرى ، وتنكح أمك ؟ فقال
له : أما تستحي ؟ فقال : إنما حرمت عليك أمك في مكان واحد ، وحرمت عليك الكعبة في
كذا وكذا مكان من القرآن . قال فجاء به إلى عمرو بن سعيد ، قال : قد جئتك برجل لو أمرته
أن ينكح أمه لنكحها . فقال له عمرو : لعنك الله من شيخ . قال : فبعثهم إلى مكة يقاتلون
ابن الزبير ، فهزم عمرو ابن الزبير ، وبعث يزيد بن معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري ،
يخطب الناس بالمدينة . فقال في خطبته : أهل الشام جند الله الأعظم ، وأهل الشام خير الخلق .
فقال الحارث بن مالك : ائذن لي أن أتكلم . فقال : اجلس لا أجلسك الله من شيخ . قال :
فتشهد الحارث وقال : لعمر الله لنحن خير من أهل الشام ، ما نقمت من أهل المدينة إلا أنهم قتلوا


بسم الله الرحمن الرحيم ذكر اختلاف الرواة في وقعة الحرة وخبر يزيد قال : وذكروا أنه لما بويع يزيد بن معاوية خرج الحسين حتى قدم مكة ، فأقام هو وابن الزبير . قال : وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميرا على المدينة وعلى الموسم ، وعزل الوليد بن عقبة ، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي مستقبله : مه مه ! جاءنا والله بالدم فتلقاه رجل بعمامته ، فقال مه ! عم والله الناس ، ثم قام يخطب ، فناوله آخر عصا لها شعبتان .
فقال : مه ! شعب والله الناس . ثم خرج إلى مكة ، فقدمها يوم التروية ، فصلى الحسين ثم خرج .
فلما انصرف عمرو بلغه أن الحسين خرج ، فقال : اركبوا كل بعير بين السماء والأرض فاطلبوه . قال : فكان الناس يعجبون من قوله هذا . قال : فطلبوه فلم يدركوه ، فأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عونا ومحمدا ليردا الحسين . فأبى أن يرجع ، وخرج الحسين بابني عبد الله ابن جعفر معه ، ورجع عمرو بن سعيد بن العاص إلى المدينة ، فأرسل إلى ابن الزبير ، فأبى أن يأتيه ، وامتنع برجال معه من قريش وغيرهم . قال : فبعث عمرو بن سعيد جيشا من المدينة يقاتلون ابن الزبير . قال : فضرب على أهل الديوان البعث إلى مكة ، وهم كارهون للخروج . فقال لهم : إما أن تأتوا ببدل ، وأما أن تخرجوا . فقال : فجاء الحارث بن مالك بن البرصاء برجل استأجره بخمس مئة درهم إلى عمرو بن سعيد . فقال : قد جئت برجل بدلي .
فقال الحارث للرجل الذي استأجره هل لك أن أزيدك خمس مئة أخرى ، وتنكح أمك ؟ فقال له : أما تستحي ؟ فقال : إنما حرمت عليك أمك في مكان واحد ، وحرمت عليك الكعبة في كذا وكذا مكان من القرآن . قال فجاء به إلى عمرو بن سعيد ، قال : قد جئتك برجل لو أمرته أن ينكح أمه لنكحها . فقال له عمرو : لعنك الله من شيخ . قال : فبعثهم إلى مكة يقاتلون ابن الزبير ، فهزم عمرو ابن الزبير ، وبعث يزيد بن معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري ، يخطب الناس بالمدينة . فقال في خطبته : أهل الشام جند الله الأعظم ، وأهل الشام خير الخلق .
فقال الحارث بن مالك : ائذن لي أن أتكلم . فقال : اجلس لا أجلسك الله من شيخ . قال :
فتشهد الحارث وقال : لعمر الله لنحن خير من أهل الشام ، ما نقمت من أهل المدينة إلا أنهم قتلوا

3



أباك وهو يسرق لقاح النبي صلى الله عليه وسلم ، أنسيت طعنة أبي قتادة است أبيك بالرمح ،
فخرج منه جمعوص مثل هذا ، وأشار إلى ساعده ، ثم جلس .
ولاية الوليد المدينة وخروج الحسين بن علي
قال : وذكروا أن يزيد بن معاوية ، عزل عمرو بن سعيد ، وأمر الوليد ابن عقبة ، وخرج
الحسين بن علي إلى مكة ، فمال الناس إليه ، وكثروا عنده واختلفوا إليه ، وكان عبد الله بن
الزبير فيمن يأتيه . قال : فأتاه كتاب أهل الكوفة فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، للحسين بن علي ،
من سليمان بن صرد ، والمسيب ، ورفاعة بن شداد ، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل
الكوفة . أما بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد ، الذي اعتدى على هذه الأمة ،
فانتزعها حقوقها ، واغتصبها أمورها ، وغلبها على فيئها ، وتأمر عليها على غير رضا منها ، ثم
قتل خيارها ، واستبقى شرارها ، فبعدا له كما بعدت ثمود ، إنه ليس علينا إمام ، فاقدم علينا ،
لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى ، فإن النعمان بن بشير في قصر الإمارة ، ولسنا نجتمع معه في
جمعة ، ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو قد بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة ، وألحقناه بالشام
والسلام . قال : فبعث الحسين بن علي مسلم بن عقيل إلى الكوفة يبايعهم له ، وكان على الكوفة
النعمان بن بشير . فقال النعمان لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من ابن
بحدل . قال : فبلغ ذلك يزيد ، فأراد أن يعزله . فقال لأهل الشام : أشيروا علي ، من أستعمل
على الكوفة ؟ فقالوا : أترضى برأي معاوية ؟ قال : نعم ، قالوا : فإن الصك بإمرة عبيد الله
بن زياد على العراقين قد كتبه في الديوان . قال : فاستعمله على الكوفة ، فقدم الكوفة قبل
أن يقدم الحسين ، وبايع له مسلم بن عقيل وأكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة ، فنهضوا
معه يريدون عبيد الله بن زياد ، فجعلوا كلما أشرفوا على زقاق ، انسل عنه منهم ناس ، حتى بقي
مسلم في شرذمة قليلة . قال : فجعل أناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت ، فلما رأى ذلك
دخل دار هانئ بن عروة المرادي ، وكان له فيهم رأى . فقال له هانئ بن عروة : إن لي من ابن
زياد مكانا ، سوف أتمارض له ، فإذا جاء يعودني ، فاضرب عنقه ، قال : فقيل لابن زياد : إن
هانئ بن عروة شاك يقئ الدم . قال : وشرب المغرة ، فجعل يقيئها . قال : فجاء ابن زياد
يعوده ، وقال لهم هانئ : إذا قلت لكم اسقوني ، فاخرج إليه فاضرب عنقه ، فقال اسقوني ،
فأبطئوا عليه ، فقال : ويحكم اسقوني ولو كان فيه ذهاب نفسي قال : فخرج عبيد الله بن زياد
ولم يصنع الآخر شيئا ، وكان من أشجع الناس ، ولكنه أخذته كبوة ، فقيل لابن زياد : والله
إن في البيت رجلا متسلحا . قال : فأرسل ابن زياد إلى هانئ فدعاه . فقال : إني شاك لا أستطيع
النهوض . فقال : ائتوني به وإن كان شاكيا ، قال : فأخرج له دابة ، فركب ومعه عصاه وكان


أباك وهو يسرق لقاح النبي صلى الله عليه وسلم ، أنسيت طعنة أبي قتادة است أبيك بالرمح ، فخرج منه جمعوص مثل هذا ، وأشار إلى ساعده ، ثم جلس .
ولاية الوليد المدينة وخروج الحسين بن علي قال : وذكروا أن يزيد بن معاوية ، عزل عمرو بن سعيد ، وأمر الوليد ابن عقبة ، وخرج الحسين بن علي إلى مكة ، فمال الناس إليه ، وكثروا عنده واختلفوا إليه ، وكان عبد الله بن الزبير فيمن يأتيه . قال : فأتاه كتاب أهل الكوفة فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، للحسين بن علي ، من سليمان بن صرد ، والمسيب ، ورفاعة بن شداد ، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة . أما بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد ، الذي اعتدى على هذه الأمة ، فانتزعها حقوقها ، واغتصبها أمورها ، وغلبها على فيئها ، وتأمر عليها على غير رضا منها ، ثم قتل خيارها ، واستبقى شرارها ، فبعدا له كما بعدت ثمود ، إنه ليس علينا إمام ، فاقدم علينا ، لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى ، فإن النعمان بن بشير في قصر الإمارة ، ولسنا نجتمع معه في جمعة ، ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو قد بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة ، وألحقناه بالشام والسلام . قال : فبعث الحسين بن علي مسلم بن عقيل إلى الكوفة يبايعهم له ، وكان على الكوفة النعمان بن بشير . فقال النعمان لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من ابن بحدل . قال : فبلغ ذلك يزيد ، فأراد أن يعزله . فقال لأهل الشام : أشيروا علي ، من أستعمل على الكوفة ؟ فقالوا : أترضى برأي معاوية ؟ قال : نعم ، قالوا : فإن الصك بإمرة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتبه في الديوان . قال : فاستعمله على الكوفة ، فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين ، وبايع له مسلم بن عقيل وأكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة ، فنهضوا معه يريدون عبيد الله بن زياد ، فجعلوا كلما أشرفوا على زقاق ، انسل عنه منهم ناس ، حتى بقي مسلم في شرذمة قليلة . قال : فجعل أناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت ، فلما رأى ذلك دخل دار هانئ بن عروة المرادي ، وكان له فيهم رأى . فقال له هانئ بن عروة : إن لي من ابن زياد مكانا ، سوف أتمارض له ، فإذا جاء يعودني ، فاضرب عنقه ، قال : فقيل لابن زياد : إن هانئ بن عروة شاك يقئ الدم . قال : وشرب المغرة ، فجعل يقيئها . قال : فجاء ابن زياد يعوده ، وقال لهم هانئ : إذا قلت لكم اسقوني ، فاخرج إليه فاضرب عنقه ، فقال اسقوني ، فأبطئوا عليه ، فقال : ويحكم اسقوني ولو كان فيه ذهاب نفسي قال : فخرج عبيد الله بن زياد ولم يصنع الآخر شيئا ، وكان من أشجع الناس ، ولكنه أخذته كبوة ، فقيل لابن زياد : والله إن في البيت رجلا متسلحا . قال : فأرسل ابن زياد إلى هانئ فدعاه . فقال : إني شاك لا أستطيع النهوض . فقال : ائتوني به وإن كان شاكيا ، قال : فأخرج له دابة ، فركب ومعه عصاه وكان

4



أعرج ، فجعل يسير قليلا ويقف ، ويقول : ما لي أذهب إلى ابن زياد ؟ فما زال ذلك دأبه حتى
دخل عليه . فقال له عبيد الله بن زياد : يا هانئ ، أما كانت يد زياد عندك بيضاء ؟ قال : بلى ،
قال : ويدي ؟ قال : بلى ، فقال يا هانئ : قد كانت لكم عندي يد بيضاء ، وقد أمنتك على
نفسك ومالك ، فتناول العصا التي كانت بيد هانئ ، فضرب بها وجهه حتى كسرها ، ثم قدمه
فضرب عنقه . قال : وأرسل جماعة إلى مسلم بن عقيل ، فخرج عليهم بسيفه ، فما زال يقاتلهم
حتى أخرج وأسر ، فلما أسر بعث الرجال ، فقال : اسقوني ماء . قال : ومعه رجل من بني
أبي معيط ، ورجل من بني سليم يقال له : شهر بن حوشب . فقال له شهر بن حوشب :
لا أسقيك إلا من البئر . فقال المعيطى : والله لا نسقيه إلا من الفرات ، قال : فأمر غلاما
له ، فأتاه بإبريق من ماء ، وقدح قوارير ومنديل . قال : فسقاه فتمضمض مسلم ، فخرج الدم ،
فما زال يمسح الدم ، ولا يسيغ شيئا منه حتى قال : أخروه عني . قال : فلما أصبح دعا به
عبيد الله بن زياد وهو قصير ، فقدمه لتضرب عنقه ، فقال : دعني حتى أوصي ، فقال : أوص .
فنظر مسلم في وجوه الناس فقال لعمرو بن سعيد : ما أرى هاهنا من قريش غيرك ، فادن مني
حتى أكلمك ، فدنا منه ، فقال له : هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش ؟ إن
الحسين ومن معه وهم تسعون بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم ، واكتب إليهم بما
أصابني . قال : فضرب عنقه وألقاه عمرو لعبيد الله وقال : أتدري ما قال ؟ فقال عبيد الله
اكتم على ابن عمك . فقال عمرو : هو أعظم من ذلك ، فقال ابن زياد : فأي شئ هو ؟ قال :
أخبرني أن الحسين ومن معه قد أقبل . وهم تسعون إنسانا بين رجل وامرأة . فقال : أما والله
إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك .
قتال عمرو بن سعيد الحسين وقتله
قال : وذكروا أن عبيد الله بن زياد ، بعث جيشا أمر عليهم عمرو بن سعيد ، وقد جاء
الحسين الخبر ، فهم أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فقالوا له : أترجع وقد قتل أخونا ، وقد
جاءك من الكتب ما نثق به ؟ فقال لبعض أصحابه : والله ما لي عن هؤلاء من صبر ، يعني بني
عقيل . قال : فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع ، فلقوهم وليس معهم ماء . فقالوا : يا بن
بنت رسول الله اسقنا . قال : فأخرج لكل فارس صحفة من ماء ، فسقاهم بقدر ما يمسك
برمقهم . ثم قالوا : سر يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما زالوا يرجونه ، وأخذوا به على
الجرف حتى نزلوا بكربلاء ، فقال الحسين : أي أرض هذه ؟ قالوا : كربلاء ، قال : هذا
كرب وبلاء . قال : فنزلوا وبينهم وبين الماء ربوة ، فأراد الحسين وأصحابه الماء فحالوا بينهم


أعرج ، فجعل يسير قليلا ويقف ، ويقول : ما لي أذهب إلى ابن زياد ؟ فما زال ذلك دأبه حتى دخل عليه . فقال له عبيد الله بن زياد : يا هانئ ، أما كانت يد زياد عندك بيضاء ؟ قال : بلى ، قال : ويدي ؟ قال : بلى ، فقال يا هانئ : قد كانت لكم عندي يد بيضاء ، وقد أمنتك على نفسك ومالك ، فتناول العصا التي كانت بيد هانئ ، فضرب بها وجهه حتى كسرها ، ثم قدمه فضرب عنقه . قال : وأرسل جماعة إلى مسلم بن عقيل ، فخرج عليهم بسيفه ، فما زال يقاتلهم حتى أخرج وأسر ، فلما أسر بعث الرجال ، فقال : اسقوني ماء . قال : ومعه رجل من بني أبي معيط ، ورجل من بني سليم يقال له : شهر بن حوشب . فقال له شهر بن حوشب :
لا أسقيك إلا من البئر . فقال المعيطى : والله لا نسقيه إلا من الفرات ، قال : فأمر غلاما له ، فأتاه بإبريق من ماء ، وقدح قوارير ومنديل . قال : فسقاه فتمضمض مسلم ، فخرج الدم ، فما زال يمسح الدم ، ولا يسيغ شيئا منه حتى قال : أخروه عني . قال : فلما أصبح دعا به عبيد الله بن زياد وهو قصير ، فقدمه لتضرب عنقه ، فقال : دعني حتى أوصي ، فقال : أوص .
فنظر مسلم في وجوه الناس فقال لعمرو بن سعيد : ما أرى هاهنا من قريش غيرك ، فادن مني حتى أكلمك ، فدنا منه ، فقال له : هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش ؟ إن الحسين ومن معه وهم تسعون بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم ، واكتب إليهم بما أصابني . قال : فضرب عنقه وألقاه عمرو لعبيد الله وقال : أتدري ما قال ؟ فقال عبيد الله اكتم على ابن عمك . فقال عمرو : هو أعظم من ذلك ، فقال ابن زياد : فأي شئ هو ؟ قال :
أخبرني أن الحسين ومن معه قد أقبل . وهم تسعون إنسانا بين رجل وامرأة . فقال : أما والله إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك .
قتال عمرو بن سعيد الحسين وقتله قال : وذكروا أن عبيد الله بن زياد ، بعث جيشا أمر عليهم عمرو بن سعيد ، وقد جاء الحسين الخبر ، فهم أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فقالوا له : أترجع وقد قتل أخونا ، وقد جاءك من الكتب ما نثق به ؟ فقال لبعض أصحابه : والله ما لي عن هؤلاء من صبر ، يعني بني عقيل . قال : فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع ، فلقوهم وليس معهم ماء . فقالوا : يا بن بنت رسول الله اسقنا . قال : فأخرج لكل فارس صحفة من ماء ، فسقاهم بقدر ما يمسك برمقهم . ثم قالوا : سر يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما زالوا يرجونه ، وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا بكربلاء ، فقال الحسين : أي أرض هذه ؟ قالوا : كربلاء ، قال : هذا كرب وبلاء . قال : فنزلوا وبينهم وبين الماء ربوة ، فأراد الحسين وأصحابه الماء فحالوا بينهم

5



وبينه . فقال له شهر بن حوشب لا تشربوا منه حتى تشربوا من الحميم ، فقال عباس بن علي :
يا أبا عبد الله ، نحن على الحق فنقاتل ؟ قال نعم . فركب فرسه ، وحمل بعض أصحابه على
الخيول ، ثم حمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وسقوا . ثم بعث عبيد الله بن زياد عمرو
بن سعيد يقاتلهم . قال الحسين : يا عمرو ، اختر مني ثلاث خصال : إما أن تتركني أرجع كما
جئت ، فإن أبيت هذه فأخرى ، سيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت ، أو تسيرني إلى يزيد
فأضع يدي في يده ، فيحكم في بما يريد . فأرسل عمرو إلى ابن زياد بذلك فهم أن يسيره إلى
يزيد . فقال له شهر بن حوشب : قد أمكنك الله من عدوك وتسيره إلى يزيد ، والله لئن سار
إلى يزيد لا رأى مكروها ، وليكونن من يزيد بالمكان الذي لا تناله أنت منه ، ولا غيرك
من أهل الأرض ، لا تسيره ولا تبلغه ريقه حتى ينزل على حكمك . قال : فأرسل إليه يقول :
لا ، إلا أن تنزل على حكمي . فقال الحسين : أنزل على حكم ابن زانية ؟ لا والله لا أفعل ، الموت
دون ذلك وأحلى . قال : وأبطأ عمرو بن سعيد عن قتاله . فأرسل عبيد الله بن زياد إلى شهر
ابن حوشب إن تقدم عمرو يقاتل ، وإلا فأقتله ، وكن أنت مكانه . قال : وكان مع عمرو
ابن سعيد من قريش ثلاثون رجلا من أهل الكوفة ، فقالوا : يعرض عليكم ابن بنت رسول
الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال لا تقبلون واحدة منها ؟ فتحولوا مع الحسين ، فقاتلوا .
قال . فرأى رجل من أهل الكوفة عبد الله بن الحسين بن علي على فرس ، وكان من أجمل الناس .
قال : لأقتلن هذا الفتى ، فقيل له ويحك ، ما تصنع بقتله ، دعه ، قال : فحمل عليه فضربه ، فقطع
يده ، ثم ضربه ضربة أخرى فقتله ، ثم قتلوا جميعا . فقتل يومئذ الحسين بن علي ، وعباس بن
علي ، وعثمان بن علي ، وأبو بكر بن علي ، وجعفر بن علي ، وأمهم أم البنين بنت حرام
الكلابية ، وإبراهيم بن علي ، وأمه أم ولد ، وعبد الله بن علي ، وخمسة من بني عقيل ، وابنان
لعبد الله بن جعفر : عون ، ومحمد ، وثلاثة من بني هاشم ، ونساء من نسائهم ، وفيهم فاطمة
بنت الحسين بن علي ، وفيهم محمد بن علي ، وابنا جعفر ، ومحمد بن الحسين بن علي .
قدوم من أسر من آل علي على يزيد
قال : وذكروا أن أبا معشر قال : حدثني محمد بن الحسين بن علي ، قال : دخلنا على
يزيد ، ونحن اثنا عشر غلاما مغللين في الحديد وعلينا قمص . فقال يزيد : أخلصتم أنفسكم
بعبيد أهل العراق ؟ وما علمت بخروج أبي عبد الله حين خرج ، ولا بقتله حين قتل . قال :
فقال علي بن الحسين : ( ما أصاب من مصبية في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل
أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله


وبينه . فقال له شهر بن حوشب لا تشربوا منه حتى تشربوا من الحميم ، فقال عباس بن علي :
يا أبا عبد الله ، نحن على الحق فنقاتل ؟ قال نعم . فركب فرسه ، وحمل بعض أصحابه على الخيول ، ثم حمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وسقوا . ثم بعث عبيد الله بن زياد عمرو بن سعيد يقاتلهم . قال الحسين : يا عمرو ، اختر مني ثلاث خصال : إما أن تتركني أرجع كما جئت ، فإن أبيت هذه فأخرى ، سيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت ، أو تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده ، فيحكم في بما يريد . فأرسل عمرو إلى ابن زياد بذلك فهم أن يسيره إلى يزيد . فقال له شهر بن حوشب : قد أمكنك الله من عدوك وتسيره إلى يزيد ، والله لئن سار إلى يزيد لا رأى مكروها ، وليكونن من يزيد بالمكان الذي لا تناله أنت منه ، ولا غيرك من أهل الأرض ، لا تسيره ولا تبلغه ريقه حتى ينزل على حكمك . قال : فأرسل إليه يقول :
لا ، إلا أن تنزل على حكمي . فقال الحسين : أنزل على حكم ابن زانية ؟ لا والله لا أفعل ، الموت دون ذلك وأحلى . قال : وأبطأ عمرو بن سعيد عن قتاله . فأرسل عبيد الله بن زياد إلى شهر ابن حوشب إن تقدم عمرو يقاتل ، وإلا فأقتله ، وكن أنت مكانه . قال : وكان مع عمرو ابن سعيد من قريش ثلاثون رجلا من أهل الكوفة ، فقالوا : يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال لا تقبلون واحدة منها ؟ فتحولوا مع الحسين ، فقاتلوا .
قال . فرأى رجل من أهل الكوفة عبد الله بن الحسين بن علي على فرس ، وكان من أجمل الناس .
قال : لأقتلن هذا الفتى ، فقيل له ويحك ، ما تصنع بقتله ، دعه ، قال : فحمل عليه فضربه ، فقطع يده ، ثم ضربه ضربة أخرى فقتله ، ثم قتلوا جميعا . فقتل يومئذ الحسين بن علي ، وعباس بن علي ، وعثمان بن علي ، وأبو بكر بن علي ، وجعفر بن علي ، وأمهم أم البنين بنت حرام الكلابية ، وإبراهيم بن علي ، وأمه أم ولد ، وعبد الله بن علي ، وخمسة من بني عقيل ، وابنان لعبد الله بن جعفر : عون ، ومحمد ، وثلاثة من بني هاشم ، ونساء من نسائهم ، وفيهم فاطمة بنت الحسين بن علي ، وفيهم محمد بن علي ، وابنا جعفر ، ومحمد بن الحسين بن علي .
قدوم من أسر من آل علي على يزيد قال : وذكروا أن أبا معشر قال : حدثني محمد بن الحسين بن علي ، قال : دخلنا على يزيد ، ونحن اثنا عشر غلاما مغللين في الحديد وعلينا قمص . فقال يزيد : أخلصتم أنفسكم بعبيد أهل العراق ؟ وما علمت بخروج أبي عبد الله حين خرج ، ولا بقتله حين قتل . قال :
فقال علي بن الحسين : ( ما أصاب من مصبية في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله

6



لا يحب كل مختال فخور ) . قال : فغضب يزيد ، وجعل يعبث بلحيته ، وقال : ( وما أصابكم
من مصيبة فبما كسبت أيديكم ، ويعفو عن كثير ) يا أهل الشام ما ترون في هؤلاء ؟ فقال رجل
من أهل الشام لا تتخذن من كلب سوء جروا . فقال النعمان بن بشير : يا أمير المؤمنين !
اصنع بهم ما كان يصنع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم بهذه الحال . فقالت فاطمة
بنت الحسين : يا يزيد بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فبكى يزيد حتى كادت نفسه
تفيض ، وبكى أهل الشام حتى علت أصواتهم . ثم قال : خلوا عنهم ، واذهبوا بهم إلى الحمام ،
واغسلوهم ، واضربوا عليهم القباب ، ففعلوا ، وأمال عليهم المطبخ وكساهم ، وأخرج لهم
الجوائز الكثيرة من الأموال والكسوة ثم قال : لو كان بينهم وبين عاض بظر أمه ( 1 ) نسب
ما قتلهم ، ارجعوا بهم إلى المدينة . قال : فبعث بهم من صار إلى المدينة .
إخراج بني أمية عن المدينة ، وذكر قتال أهل الحرة
قال : وذكروا في قصة إخراج بني أمية عن المدينة ، قالوا : بعث عثمان بن محمد أمير المدينة
إلى يزيد بقميصه مشقوقا ، وكتب إليه : وا غوثاه ! إن أهل المدينة أخرجوا قومنا
من المدينة .
قال أبو معشر : فخرج يزيد بعد العتمة ، ومعه شمعتان شمعة عن يمينه ، وشمعة عن يساره ،
وعليه معصفرتان ، وقد نقش جبهته كأنها ترس ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أما بعد ، يا أهل الشام ، فإنه كتب إلي عثمان بن محمد أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة ،
ووالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من هذا الخبر . قال : وكان معاوية أوصى يزيد
فقال له : إن رابك من قومك ريب ، أو تنقص عليك منهم أحد ، فعليك بأعور بني مرة ،
فاستشره ، يعني مسلم بن عقبة ، فلما كانت تلك الليلة قال يزيد : أين مسلم بن عقبة ؟ فقام
فقال : ها أنا ذا . قال عبئ ثلاثين ألفا من الخيل . قال وكان معقل بن سنان الأشجعي
نازلا على مسلم بن عقبة . فقال له مسلم بن عقبة : إن أمير المؤمنين أمرني أن أتوجه إلى
المدينة في ثلاثين ألفا . فقال له : استعفه . قال : لا . قال : فاركب فيلا أو فيلة ،
وتكون أبا يكسوم ( 2 ) ، فمرض مسلم قبل خروجه من الشام ، فأدنف فدخل عليه يزيد
ابن معاوية يعوده ، قال له : قد كنت وجهتك لهذا البعث ، وكان أمير المؤمنين معاوية


لا يحب كل مختال فخور ) . قال : فغضب يزيد ، وجعل يعبث بلحيته ، وقال : ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ، ويعفو عن كثير ) يا أهل الشام ما ترون في هؤلاء ؟ فقال رجل من أهل الشام لا تتخذن من كلب سوء جروا . فقال النعمان بن بشير : يا أمير المؤمنين !
اصنع بهم ما كان يصنع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم بهذه الحال . فقالت فاطمة بنت الحسين : يا يزيد بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فبكى يزيد حتى كادت نفسه تفيض ، وبكى أهل الشام حتى علت أصواتهم . ثم قال : خلوا عنهم ، واذهبوا بهم إلى الحمام ، واغسلوهم ، واضربوا عليهم القباب ، ففعلوا ، وأمال عليهم المطبخ وكساهم ، وأخرج لهم الجوائز الكثيرة من الأموال والكسوة ثم قال : لو كان بينهم وبين عاض بظر أمه ( 1 ) نسب ما قتلهم ، ارجعوا بهم إلى المدينة . قال : فبعث بهم من صار إلى المدينة .
إخراج بني أمية عن المدينة ، وذكر قتال أهل الحرة قال : وذكروا في قصة إخراج بني أمية عن المدينة ، قالوا : بعث عثمان بن محمد أمير المدينة إلى يزيد بقميصه مشقوقا ، وكتب إليه : وا غوثاه ! إن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة .
قال أبو معشر : فخرج يزيد بعد العتمة ، ومعه شمعتان شمعة عن يمينه ، وشمعة عن يساره ، وعليه معصفرتان ، وقد نقش جبهته كأنها ترس ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أما بعد ، يا أهل الشام ، فإنه كتب إلي عثمان بن محمد أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة ، ووالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من هذا الخبر . قال : وكان معاوية أوصى يزيد فقال له : إن رابك من قومك ريب ، أو تنقص عليك منهم أحد ، فعليك بأعور بني مرة ، فاستشره ، يعني مسلم بن عقبة ، فلما كانت تلك الليلة قال يزيد : أين مسلم بن عقبة ؟ فقام فقال : ها أنا ذا . قال عبئ ثلاثين ألفا من الخيل . قال وكان معقل بن سنان الأشجعي نازلا على مسلم بن عقبة . فقال له مسلم بن عقبة : إن أمير المؤمنين أمرني أن أتوجه إلى المدينة في ثلاثين ألفا . فقال له : استعفه . قال : لا . قال : فاركب فيلا أو فيلة ، وتكون أبا يكسوم ( 2 ) ، فمرض مسلم قبل خروجه من الشام ، فأدنف فدخل عليه يزيد ابن معاوية يعوده ، قال له : قد كنت وجهتك لهذا البعث ، وكان أمير المؤمنين معاوية

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) عاض بظر أمه : كناية عن أحط الناس ، لأن البظر هو ما بين اسكتي الفرج
( الزنبور ) والذي يعض بظر أمه يكون أحقر الناس .
( 2 ) أبو يكسوم : كنية أبرهة الحبشي صاحب الفيل الذي أتى به ليهدم الكعبة .

( 1 ) عاض بظر أمه : كناية عن أحط الناس ، لأن البظر هو ما بين اسكتي الفرج ( الزنبور ) والذي يعض بظر أمه يكون أحقر الناس . ( 2 ) أبو يكسوم : كنية أبرهة الحبشي صاحب الفيل الذي أتى به ليهدم الكعبة .

7


قد أوصاني بك ، وأراك مدنفا ليس فيك سفر . فقال : يا أمير المؤمنين أنشدك الله ،
أن لا تحرمني أجرا ساقه الله إلي ، إنما أنا امرؤ وليس بي بأس . قال . فلم يطق من
الوجع أن يركب بعيرا ولا دابة ، فوضع على سرير ، وحمله الرجال على أعناقهم ، حتى
جاءوا مكانا يقال له البتراء ، فأرادوا النزول به . فقال لهم : ما اسم هذا المكان ؟ فقيل
له البتراء . فقال : لا تنزلوا به ، ثم سار حتى حاجزة ، فنزل به ، فأرسل إلى أهل
المدينة : إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ، ويقول لكم : أنتم الأصل والعشيرة والأهل ،
فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا ، فإن لكم عندي في عهد الله وميثاقه عطاءين في كل سنة ، عطاء
في الصيف ، وعطاء في الشتاء ، ولكن عندي عهد الله وميثاقه ، أن يجعل سعر الحنطة
عندكم كسعر الحنطة عندنا ، والحنطة يومئذ سبعة آصع بدرهم ، وأما العطاء الذي ذهب به
عنكم عمرو بن سعيد ، فعلي أن أخرجه لكم ، وكان عمرو بن سعيد قد أخذ أعطياتهم ،
فاشترى بها عبيدا لنفسه : فقالوا لمسلم : نخلعه كما نخلع عمائمنا ، يعنون يزيد ، وكما نخلع
نعالنا . قال : فقاتلهم ، فهزم الناس أهل المدينة ( 1 ) .
قال أبو معشر : حدثنا محمد بن عمرو بن حزم ، قال : قتل بضعة وسبعون رجلا من قريش ،
وبضعة وسبعون رجلا من الأنصار ، وقتل من الناس نحو من أربعة آلاف ، وقتل ابنان
لعبد الله بن جعفر ، وقتل أربعة أو خمسة من ولد زيد بن ثابت لصلبه . فقال مسلم بن عقبة
لأهل الشام : كفوا أيديكم ، فخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص ، يريد القتال ، فقاتلهم بعد
الكف . فقال مسلم بن عقبة : أنهبها ثلاثا . قال : فقتل الناس ، وفضحت النساء ، ونهبت
الأموال . فلما فرغ مسلم بن عقبة من القتال ، انتقل من منزله ذلك إلى قصر بني عامر بدومة ،
فدعا أهل المدينة من بقي منهم للبيعة . قال : فجاء عمرو بن عثمان بن عفان بيزيد بن عبد الله
ابن زمعة ، وجدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عمرو قال لأم سلمة :
أرسلي معي ابن بنتك ، فجاء به إلى مسلم ، فلما تقدم يزيد قال له مسلم : تبايع لعبد الله يزيد
أمير المؤمنين على أنكم خول له ، مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين ، إن شاء وهب ، وإن شاء
أعتق ، وإن شاء استرق . فقال يزيد : لأنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك . قال : والله
لا تستقبلها أبدا . فقال عمرو بن عثمان : أنشدك الله ، فإني أخذته من أم سلمة ، بعهده
وميثاقه ، أن أرده إليها . قال : فركضه برجله ، فرماه من فوق السرير ، فقتل يزيد
بن عبد الله ، ثم أتى محمد بن أبي جهم مغلولا . فقال له مسلم : أنت القائل ، اقتلوا سبعة عشر
رجلا من بني أمية لا تروا شرا أبدا . قال : قد قلتها ولكن لا يسمع لقصير أمير ، فأرسل


قد أوصاني بك ، وأراك مدنفا ليس فيك سفر . فقال : يا أمير المؤمنين أنشدك الله ، أن لا تحرمني أجرا ساقه الله إلي ، إنما أنا امرؤ وليس بي بأس . قال . فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا ولا دابة ، فوضع على سرير ، وحمله الرجال على أعناقهم ، حتى جاءوا مكانا يقال له البتراء ، فأرادوا النزول به . فقال لهم : ما اسم هذا المكان ؟ فقيل له البتراء . فقال : لا تنزلوا به ، ثم سار حتى حاجزة ، فنزل به ، فأرسل إلى أهل المدينة : إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ، ويقول لكم : أنتم الأصل والعشيرة والأهل ، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا ، فإن لكم عندي في عهد الله وميثاقه عطاءين في كل سنة ، عطاء في الصيف ، وعطاء في الشتاء ، ولكن عندي عهد الله وميثاقه ، أن يجعل سعر الحنطة عندكم كسعر الحنطة عندنا ، والحنطة يومئذ سبعة آصع بدرهم ، وأما العطاء الذي ذهب به عنكم عمرو بن سعيد ، فعلي أن أخرجه لكم ، وكان عمرو بن سعيد قد أخذ أعطياتهم ، فاشترى بها عبيدا لنفسه : فقالوا لمسلم : نخلعه كما نخلع عمائمنا ، يعنون يزيد ، وكما نخلع نعالنا . قال : فقاتلهم ، فهزم الناس أهل المدينة ( 1 ) .
قال أبو معشر : حدثنا محمد بن عمرو بن حزم ، قال : قتل بضعة وسبعون رجلا من قريش ، وبضعة وسبعون رجلا من الأنصار ، وقتل من الناس نحو من أربعة آلاف ، وقتل ابنان لعبد الله بن جعفر ، وقتل أربعة أو خمسة من ولد زيد بن ثابت لصلبه . فقال مسلم بن عقبة لأهل الشام : كفوا أيديكم ، فخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص ، يريد القتال ، فقاتلهم بعد الكف . فقال مسلم بن عقبة : أنهبها ثلاثا . قال : فقتل الناس ، وفضحت النساء ، ونهبت الأموال . فلما فرغ مسلم بن عقبة من القتال ، انتقل من منزله ذلك إلى قصر بني عامر بدومة ، فدعا أهل المدينة من بقي منهم للبيعة . قال : فجاء عمرو بن عثمان بن عفان بيزيد بن عبد الله ابن زمعة ، وجدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عمرو قال لأم سلمة :
أرسلي معي ابن بنتك ، فجاء به إلى مسلم ، فلما تقدم يزيد قال له مسلم : تبايع لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خول له ، مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين ، إن شاء وهب ، وإن شاء أعتق ، وإن شاء استرق . فقال يزيد : لأنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك . قال : والله لا تستقبلها أبدا . فقال عمرو بن عثمان : أنشدك الله ، فإني أخذته من أم سلمة ، بعهده وميثاقه ، أن أرده إليها . قال : فركضه برجله ، فرماه من فوق السرير ، فقتل يزيد بن عبد الله ، ثم أتى محمد بن أبي جهم مغلولا . فقال له مسلم : أنت القائل ، اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية لا تروا شرا أبدا . قال : قد قلتها ولكن لا يسمع لقصير أمير ، فأرسل

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) هذه إعادة لما ذكر في الجزء الأول ، أعادها ابن قتيبة ليبنى عليها ما بعدها .

( 1 ) هذه إعادة لما ذكر في الجزء الأول ، أعادها ابن قتيبة ليبنى عليها ما بعدها .

8



يدي ، وقد برئت مني الذمة ، إنما نزلت بعد الله وميثاقه . قال : لا ، والله حتى أقدمك إلى
النار . قال : فضرب عنقه . ثم جاء معقل بن سنان الأشجعي ، وكان جالسا في بيته ، فأتاه
مئة رجل من قومه ، فقالوا له اذهب بنا إلى الأمير حتى نبايعه . فقال لهم : إني قد قلت له قولا ،
وأنا أتخوف ، فقالوا : لا ، والله لا يصل إليك أبدا ، فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلا ،
وحبسوا الآخرين ، وأغلقوا الباب ، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قال : إني أرى شيخا قد
تعب وعطش ، أسقوه من البلح الذي زودني به أمير المؤمنين ، قال : فخاضوا له بلحا بعسل
فشربه . قال له : أشربت ؟ قال : نعم ، قال : والله لا تبولها من مثانتك أبدا ، أنت القائل :
اركب فيلا أو فيلة وتكون أبا يكسوم . فقال معقل : أما والله لقد تخوفت ذلك منك ، وإنما
غلبتني عشيرتي . قال : فجعل يفري جبة كانت عليه ، وقال : أكره أن يلبسوها ، فضرب
عنقه ، ثم سار إلى مكة ، حتى إذا بلغ قفا المشلل أدنف ، فدعا الحصين بن نمير . فقال له :
يا بن برذعة الحمار ، والله ما خلق الله أحدا أبغض إلي منك ، ولولا أن أمير المؤمنين أمرني
أن أستخلفك ما استخلفتك ، أتسمع ؟ قال : نعم ، قال : لا تكونن إلا على الوقاف ، ثم
الثقاف ( 1 ) ، ثم الانصراف ، ولا تمكن قريشا من أذنك . ثم مات مسلم بن عقبة ، فدفن
بقفا المشلل ، وكانت أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة بأستار ، فخرجت إليه فنبشته من قبره ،
ثم أحرقت عليه بالنار ، وأخذت أكفانه فشقتها ، وعلقتها بالشجرة ، فكل من مر عليه
يرميه بالحجارة ، وسار الحصين حتى جاء مكة ، فدعاهم إلى الطاعة ، وعبد الله بن الزبير
يؤمئذ بمكة ، فلم يجبه ، فقاتله ، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير ، ورجلان من إخوته ،
ومصعب بن عبد الرحمن ، والمسور بن مخرمة .
حرب ابن الزبير رضي الله عنهما
قال : وذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من قتال أهل المدينة يوم الحرة ، مضى إلى
مكة المشرفة ، يريد ابن الزبير ، حتى إذا كان بقديد ، حضرته الوفاة ، فدعا الحصين بن نمير .
فقال له : إن أمير المؤمنين عصاني فيك ، فأبى إلا استخلافك بعدي ، فلا ترسلن بينك وبين
قريش رسولا تمكنه من أذنيك ، إنما هو الوقاف ، ثم الثقاف ، ثم الانصراف . وهلك مسلم
بن عقبة ، فدفن بالثنية . قال : وسمع بهم عبد الله بن الزبير ، فأحكم مراصد مكة ، فجعل عليها


يدي ، وقد برئت مني الذمة ، إنما نزلت بعد الله وميثاقه . قال : لا ، والله حتى أقدمك إلى النار . قال : فضرب عنقه . ثم جاء معقل بن سنان الأشجعي ، وكان جالسا في بيته ، فأتاه مئة رجل من قومه ، فقالوا له اذهب بنا إلى الأمير حتى نبايعه . فقال لهم : إني قد قلت له قولا ، وأنا أتخوف ، فقالوا : لا ، والله لا يصل إليك أبدا ، فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلا ، وحبسوا الآخرين ، وأغلقوا الباب ، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قال : إني أرى شيخا قد تعب وعطش ، أسقوه من البلح الذي زودني به أمير المؤمنين ، قال : فخاضوا له بلحا بعسل فشربه . قال له : أشربت ؟ قال : نعم ، قال : والله لا تبولها من مثانتك أبدا ، أنت القائل :
اركب فيلا أو فيلة وتكون أبا يكسوم . فقال معقل : أما والله لقد تخوفت ذلك منك ، وإنما غلبتني عشيرتي . قال : فجعل يفري جبة كانت عليه ، وقال : أكره أن يلبسوها ، فضرب عنقه ، ثم سار إلى مكة ، حتى إذا بلغ قفا المشلل أدنف ، فدعا الحصين بن نمير . فقال له :
يا بن برذعة الحمار ، والله ما خلق الله أحدا أبغض إلي منك ، ولولا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك ، أتسمع ؟ قال : نعم ، قال : لا تكونن إلا على الوقاف ، ثم الثقاف ( 1 ) ، ثم الانصراف ، ولا تمكن قريشا من أذنك . ثم مات مسلم بن عقبة ، فدفن بقفا المشلل ، وكانت أم ولد ليزيد بن عبد الله بن زمعة بأستار ، فخرجت إليه فنبشته من قبره ، ثم أحرقت عليه بالنار ، وأخذت أكفانه فشقتها ، وعلقتها بالشجرة ، فكل من مر عليه يرميه بالحجارة ، وسار الحصين حتى جاء مكة ، فدعاهم إلى الطاعة ، وعبد الله بن الزبير يؤمئذ بمكة ، فلم يجبه ، فقاتله ، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير ، ورجلان من إخوته ، ومصعب بن عبد الرحمن ، والمسور بن مخرمة .
حرب ابن الزبير رضي الله عنهما قال : وذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من قتال أهل المدينة يوم الحرة ، مضى إلى مكة المشرفة ، يريد ابن الزبير ، حتى إذا كان بقديد ، حضرته الوفاة ، فدعا الحصين بن نمير .
فقال له : إن أمير المؤمنين عصاني فيك ، فأبى إلا استخلافك بعدي ، فلا ترسلن بينك وبين قريش رسولا تمكنه من أذنيك ، إنما هو الوقاف ، ثم الثقاف ، ثم الانصراف . وهلك مسلم بن عقبة ، فدفن بالثنية . قال : وسمع بهم عبد الله بن الزبير ، فأحكم مراصد مكة ، فجعل عليها

--------------------------------------------------------------------------

( 1 ) الوقاف : بكسر الواو : الوقوف للحرب ، والثقاف : الخصام والمجالدة ، يريد
لا تكن إلا على الحرب ولا تكن على المهادنة أو تنصرف .

( 1 ) الوقاف : بكسر الواو : الوقوف للحرب ، والثقاف : الخصام والمجالدة ، يريد لا تكن إلا على الحرب ولا تكن على المهادنة أو تنصرف .

9



المقاتلة ، وجاءه جند أهل المدينة ، وأقبل ابن نمير حتى نزل على مكة ، وأرسل خيلا فأخذت
أسفلها ، ونصب عليها العرادات والمجانيق ، وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة ، في كل
يوم يرمونها بها . فقال الناس : انظروه لئلا يصيبه ما أصاب أصحاب الفيل . قال عبد الله
ابن عمرو بن العاص ، وكان بمكة معتمرا ، قدم من الطائف : لا تظن ذلك ، لو كان
كافرا بها لعوقب دونها ، فأما إذا كان مؤمنا بها فسيبتلى فيها ، فكان كما قال ،
وحاصروهم لعشر ليال بقين من المحرم ، سنة أربع وستين ، فحاصروهم بقية المحرم ،
وصفر ، وشهري ربيع ، يغدون على القتال ويروحون ، حتى جاءهم موت يزيد بن معاوية ،
فأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير ، أن ائذن لنا نطوف بالبيت ، وننصرف عنكم ،
فقد مات صاحبنا . فقال ابن الزبير : وهل تركتم من البيت إلا مدرة ؟ وكانت المجانيق
قد أصابت ناحية من البيت الشريف فهدمته ، مع الحريق الذي أصابه ، قال : فمنعهم أن
يطوفوا بالبيت . فارتحل الحصين ، حتى إذا كان بعسفان تفرقوا ، وتبعهم الناس
يأخذونهم ، حتى إن كانت الراعية في غنمها لتأتي بالرجل منهم مربوطا ، فيبعث بهم إلى
المدينة ، وأصاب منهم أهل المدينة حين مروا بهم ناسا كثيرا ، فحبسوا بالمدينة ، حتى
قدم مصعب بن الزبير عليهم من عند عبد الله بن الزبير ، فأخرجهم إلى الحرة ، فضرب
أعناقهم ، وكانوا أربع مئة وأكثر ، قال : وانصرف ذلك الجيش إلى الشام مفلولا ،
وبايع أهل المدينة لابن الزبير بالخلافة ، وكان ابن عباس بمكة يومئذ ، فخرج إلى الطائف ،
فهلك بها سنة سبعين ، وهو يومئذ ابن أربعة وسبعين سنة رضي الله عنه .
خلافة معاوية بن يزيد
قال : فلما مات يزيد بن معاوية ، استخلف ابنه معاوية بن يزيد ، وهو يومئذ ابن ثماني
عشرة سنة ، فلبث واليا شهرين وليالي محجوبا لا يرى ، ثم خرج بعد ذلك ، قال : فجمع
الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إني نظرت بعدكم فيما صار إلي من أمركم ،
وقلدته من ولايتكم ، فوجدت ذلك لا يسعني فيما بيني وبين ربي ، أن أتقدم على قوم فيهم من
هو خير مني ، وأحقهم بذلك ، وأقوى على ما قلدته ، فاختاروا مني إحدى خصلتين : إما أن
أخرج منها ، وأستخلف عليكم من أراه لكم رضا ومقنعا ، ولكم الله علي ألا آلوكم نصحا
في الدين والدنيا ، وإما أن تختاروا لأنفسكم وتخرجوني منها . قال : فأنف الناس من قوله ،
وأبوا من ذلك ، وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم ، فقالوا : ننظر في ذلك يا أمير
المؤمنين ونستخير الله فأمهلنا . قال لكم ذلك ، وعجلوا علي . قال فلم يلبثوا بعدها إلا أياما حتى


المقاتلة ، وجاءه جند أهل المدينة ، وأقبل ابن نمير حتى نزل على مكة ، وأرسل خيلا فأخذت أسفلها ، ونصب عليها العرادات والمجانيق ، وفرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة ، في كل يوم يرمونها بها . فقال الناس : انظروه لئلا يصيبه ما أصاب أصحاب الفيل . قال عبد الله ابن عمرو بن العاص ، وكان بمكة معتمرا ، قدم من الطائف : لا تظن ذلك ، لو كان كافرا بها لعوقب دونها ، فأما إذا كان مؤمنا بها فسيبتلى فيها ، فكان كما قال ، وحاصروهم لعشر ليال بقين من المحرم ، سنة أربع وستين ، فحاصروهم بقية المحرم ، وصفر ، وشهري ربيع ، يغدون على القتال ويروحون ، حتى جاءهم موت يزيد بن معاوية ، فأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير ، أن ائذن لنا نطوف بالبيت ، وننصرف عنكم ، فقد مات صاحبنا . فقال ابن الزبير : وهل تركتم من البيت إلا مدرة ؟ وكانت المجانيق قد أصابت ناحية من البيت الشريف فهدمته ، مع الحريق الذي أصابه ، قال : فمنعهم أن يطوفوا بالبيت . فارتحل الحصين ، حتى إذا كان بعسفان تفرقوا ، وتبعهم الناس يأخذونهم ، حتى إن كانت الراعية في غنمها لتأتي بالرجل منهم مربوطا ، فيبعث بهم إلى المدينة ، وأصاب منهم أهل المدينة حين مروا بهم ناسا كثيرا ، فحبسوا بالمدينة ، حتى قدم مصعب بن الزبير عليهم من عند عبد الله بن الزبير ، فأخرجهم إلى الحرة ، فضرب أعناقهم ، وكانوا أربع مئة وأكثر ، قال : وانصرف ذلك الجيش إلى الشام مفلولا ، وبايع أهل المدينة لابن الزبير بالخلافة ، وكان ابن عباس بمكة يومئذ ، فخرج إلى الطائف ، فهلك بها سنة سبعين ، وهو يومئذ ابن أربعة وسبعين سنة رضي الله عنه .
خلافة معاوية بن يزيد قال : فلما مات يزيد بن معاوية ، استخلف ابنه معاوية بن يزيد ، وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة ، فلبث واليا شهرين وليالي محجوبا لا يرى ، ثم خرج بعد ذلك ، قال : فجمع الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إني نظرت بعدكم فيما صار إلي من أمركم ، وقلدته من ولايتكم ، فوجدت ذلك لا يسعني فيما بيني وبين ربي ، أن أتقدم على قوم فيهم من هو خير مني ، وأحقهم بذلك ، وأقوى على ما قلدته ، فاختاروا مني إحدى خصلتين : إما أن أخرج منها ، وأستخلف عليكم من أراه لكم رضا ومقنعا ، ولكم الله علي ألا آلوكم نصحا في الدين والدنيا ، وإما أن تختاروا لأنفسكم وتخرجوني منها . قال : فأنف الناس من قوله ، وأبوا من ذلك ، وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم ، فقالوا : ننظر في ذلك يا أمير المؤمنين ونستخير الله فأمهلنا . قال لكم ذلك ، وعجلوا علي . قال فلم يلبثوا بعدها إلا أياما حتى

10

لا يتم تسجيل الدخول!