إسم الكتاب : السيرة النبوية ( عدد الصفحات : 289)


سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم
ألفها أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المتوفى في سنة 151 من الهجرة
وهذبها أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب ، الحميري المتوفى في سنة 218 من الهجرة
حقق أصلها ، وضبط غرائبها ، وعلق عليها
محمد محيي الدين عبد الحميد - عفا الله تعالى عنه - وجميع حق إعادة الطبع محفوظ له -
الجزء الأول يطلب من ناشره : مكتبة محمد علي صبيح وأولاده ، بميدان الأزهر بمصر


سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم ألفها أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المتوفى في سنة 151 من الهجرة وهذبها أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب ، الحميري المتوفى في سنة 218 من الهجرة حقق أصلها ، وضبط غرائبها ، وعلق عليها محمد محيي الدين عبد الحميد - عفا الله تعالى عنه - وجميع حق إعادة الطبع محفوظ له - الجزء الأول يطلب من ناشره : مكتبة محمد علي صبيح وأولاده ، بميدان الأزهر بمصر

مقدمة الكتاب 1


1383 ه‍ . 1963 م


1383 ه‍ . 1963 م

مقدمة الكتاب 2


إهداء الكتاب
إلى خير من طلعت عليه الشمس ، وسيد من أقلته الأرض
وأظلته السماء .
إلى السراج المنير الذي انبثق في غياهب الجاهلية والناس يتيهون
في بيداوات الجهل والتعصب والتقليد ، فأنار الطريق للسائرين ،
وكشف الله به موضحات الاعلام .
إلى البشير النذير الذي من الله ببعثته على الانسانية كلها ، فدعا
إلى الله بإذنه ، وضرب المثل الأعلى للانسان الكامل في قوله وصمته ،
وفى سره وجهره ، وفى فعله وتركه ، وفى أحواله كلها .
إلى صاحب المقام المحمود ، والحوض المورود ، ومن آتاه الله
الفضيلة والوسيلة والدرجة العالية الرفيعة .
إلى الذي وسعت نفسه ما بين الأرض وسمائها ، واكتملت فيه الانسانية
بمعانيها وأسمائها ، وأدبه الله فكان تمام الآداب وحليتها وإنسان عينها . .
إلى رسول الله وخيرته من خلقه .
إلى من خصه الله بختم الشرائع ، وزينه بالتقوى ، وجعل البر
شعاره ، والعدل حليته ، والصدق قوله ، والوفاء طبيعته ، والقصد
في الأمور كلها سيرته ، والرشد سنته .
أقدم هذا الكتاب ، لأنه بعض حديث الأجيال عنه ، والحديث
عنه نور العين وجلاء القلوب .


إهداء الكتاب إلى خير من طلعت عليه الشمس ، وسيد من أقلته الأرض وأظلته السماء .
إلى السراج المنير الذي انبثق في غياهب الجاهلية والناس يتيهون في بيداوات الجهل والتعصب والتقليد ، فأنار الطريق للسائرين ، وكشف الله به موضحات الاعلام .
إلى البشير النذير الذي من الله ببعثته على الانسانية كلها ، فدعا إلى الله بإذنه ، وضرب المثل الأعلى للانسان الكامل في قوله وصمته ، وفى سره وجهره ، وفى فعله وتركه ، وفى أحواله كلها .
إلى صاحب المقام المحمود ، والحوض المورود ، ومن آتاه الله الفضيلة والوسيلة والدرجة العالية الرفيعة .
إلى الذي وسعت نفسه ما بين الأرض وسمائها ، واكتملت فيه الانسانية بمعانيها وأسمائها ، وأدبه الله فكان تمام الآداب وحليتها وإنسان عينها . .
إلى رسول الله وخيرته من خلقه .
إلى من خصه الله بختم الشرائع ، وزينه بالتقوى ، وجعل البر شعاره ، والعدل حليته ، والصدق قوله ، والوفاء طبيعته ، والقصد في الأمور كلها سيرته ، والرشد سنته .
أقدم هذا الكتاب ، لأنه بعض حديث الأجيال عنه ، والحديث عنه نور العين وجلاء القلوب .

مقدمة الكتاب 3



مقدمة الكتاب 4


مقدمة


مقدمة

مقدمة الكتاب 5


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه .
وبعد ، فقد انقضى العصر الأول من عصور الاسلام المديدة والمسلمون
لا يكتبون شيئا ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص فقد كتب لنفسه
ما سمعه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولم يحدث ذلك منهم اتفاقا ، ولا صرفتهم عن الكتابة والتدوين شواغل
- وإن تكن شواغلهم آنذاك كثيرة ، ولكنه كان أمرا قد قصدوه عن
تفكير وروية ، فقد فكروا وتدبروا ، وأعملوا الرأي ، وقدحوا زناد الروية ،
فوجدوا ذلك واجبا لا معدى عنه ولا مناص لهم منه . ذلك بأنهم سمعوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تكتبوا عنى ، ومن كتب عنى غير
القرآن فليمحه ، وحدثوا عنى ولا حرج ، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ
مقعده من النار " وإذا كانوا لا يكتبون حديث رسول الله ولا شيئا مما يسمعون
منه غير القرآن فهم أشد انصرافا عن كتابة غير ذلك من فتاوى الصحابة
وخطبهم وأحوالهم وأخبارهم ووقائعهم في العدو ، وهم يجدون لذلك سببا يحملهم
على الانصراف عن كتابة غير القرآن ، ذلك أنهم كانوا يخافون أن يختلط بعض
ما يكتبونه بالقرآن فيدخل في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه ما ليس منه ، أو يلتبس بعض القرآن ببعض ما كتبوه من غيره
فيسقط من الكتاب الكريم بعض ما هو منه ، لذلك رأوا ألا يكتبوا إلا القرآن ،
ليكون المكتوب هو القرآن ، وليكون القرآن هو المكتوب .
ومع أنهم لم يكونوا يكتبون غير القرآن صرفوا همهم ، وبذلوا غاية وسعهم


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه .
وبعد ، فقد انقضى العصر الأول من عصور الاسلام المديدة والمسلمون لا يكتبون شيئا ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص فقد كتب لنفسه ما سمعه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولم يحدث ذلك منهم اتفاقا ، ولا صرفتهم عن الكتابة والتدوين شواغل - وإن تكن شواغلهم آنذاك كثيرة ، ولكنه كان أمرا قد قصدوه عن تفكير وروية ، فقد فكروا وتدبروا ، وأعملوا الرأي ، وقدحوا زناد الروية ، فوجدوا ذلك واجبا لا معدى عنه ولا مناص لهم منه . ذلك بأنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تكتبوا عنى ، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه ، وحدثوا عنى ولا حرج ، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " وإذا كانوا لا يكتبون حديث رسول الله ولا شيئا مما يسمعون منه غير القرآن فهم أشد انصرافا عن كتابة غير ذلك من فتاوى الصحابة وخطبهم وأحوالهم وأخبارهم ووقائعهم في العدو ، وهم يجدون لذلك سببا يحملهم على الانصراف عن كتابة غير القرآن ، ذلك أنهم كانوا يخافون أن يختلط بعض ما يكتبونه بالقرآن فيدخل في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ما ليس منه ، أو يلتبس بعض القرآن ببعض ما كتبوه من غيره فيسقط من الكتاب الكريم بعض ما هو منه ، لذلك رأوا ألا يكتبوا إلا القرآن ، ليكون المكتوب هو القرآن ، وليكون القرآن هو المكتوب .
ومع أنهم لم يكونوا يكتبون غير القرآن صرفوا همهم ، وبذلوا غاية وسعهم

مقدمة الكتاب 6


وعنايتهم لتتبع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله ، ولم يتركوا شيئا
مما يتصل بذلك إلا حفظته ذاكرتهم ، ووعته قلوبهم ، وروته ألسنتهم ،
ووهبهم الله صبرا على طلب ذلك عند أهله ، والبحث عنه ، مع حافظة واعية ،
ونفس صافية ، وبصيرة نافذة ، وقلب متدبر ، وذهن يصل إلى قرارة ما يلقى
إليه ، ويتفهم المراد مما يسمع ، ويعي حقيقة ما وقع له .
انقضى على هذه الحال عصر الصحابة كله وصدر من عصر بنى أمية ،
بل أكثر عصر بنى أمية ، فلما أفضت الخلافة في آخر القرن الأول إلى
أمير المؤمنين الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بن مروان فكر في الامر ، ورأى
كثيرا من العلماء الذين رووا حديث رسول الله وأخباره ووعوا علوم المسلمين
يموتون من غير أن يخلفوا شيئا من مروياتهم واجتهاداتهم التي أفنوا فيها أعمارهم
وأنفذوا في تحصيلها أكثر أوقاتهم ، وخشي - إن دام الحال على ذلك - أن تضيع
علوم المسلمين ، وتذهب أخبار رسولهم ، ثم قد يكون ذلك سببا في الكذب
والاختلاف والوضع إذا بعد العهد وطال الزمن ، ورأى - مع ذلك - أن الحجة
التي من أجلها امتنع الصحابة ومن بعدهم عن الكتابة والتدوين - وهي الخوف
من اختلاف ما ليس من القرآن به - قد زالت ، فقد أصبح القرآن الكريم
محفوظا في الصدور ، مرويا في المصاحف ، ثابتا ، مقروءا في الأمصار ،
بل رأى أن الامر قد صار إلى عكس ما كان عليه في عهد الصحابة ، فلو أنهم
سكتوا عن الكتابة كما سكتوا من قبل لذهب العلم وضاعت ثقة المسلمين
- إذا طال الزمن - بما يروى لهم منه .
وحينئذ كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم - وهو شيخ من
شيوخ المحدثين وكبارهم ، وهو شيخ معمر والليث والأوزاعي ومالك وابن إسحاق
وابن أبي ذئب - وكان ابن حزم نائب عمر بن عبد العزيز في الامرة والقضاء


وعنايتهم لتتبع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله ، ولم يتركوا شيئا مما يتصل بذلك إلا حفظته ذاكرتهم ، ووعته قلوبهم ، وروته ألسنتهم ، ووهبهم الله صبرا على طلب ذلك عند أهله ، والبحث عنه ، مع حافظة واعية ، ونفس صافية ، وبصيرة نافذة ، وقلب متدبر ، وذهن يصل إلى قرارة ما يلقى إليه ، ويتفهم المراد مما يسمع ، ويعي حقيقة ما وقع له .
انقضى على هذه الحال عصر الصحابة كله وصدر من عصر بنى أمية ، بل أكثر عصر بنى أمية ، فلما أفضت الخلافة في آخر القرن الأول إلى أمير المؤمنين الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بن مروان فكر في الامر ، ورأى كثيرا من العلماء الذين رووا حديث رسول الله وأخباره ووعوا علوم المسلمين يموتون من غير أن يخلفوا شيئا من مروياتهم واجتهاداتهم التي أفنوا فيها أعمارهم وأنفذوا في تحصيلها أكثر أوقاتهم ، وخشي - إن دام الحال على ذلك - أن تضيع علوم المسلمين ، وتذهب أخبار رسولهم ، ثم قد يكون ذلك سببا في الكذب والاختلاف والوضع إذا بعد العهد وطال الزمن ، ورأى - مع ذلك - أن الحجة التي من أجلها امتنع الصحابة ومن بعدهم عن الكتابة والتدوين - وهي الخوف من اختلاف ما ليس من القرآن به - قد زالت ، فقد أصبح القرآن الكريم محفوظا في الصدور ، مرويا في المصاحف ، ثابتا ، مقروءا في الأمصار ، بل رأى أن الامر قد صار إلى عكس ما كان عليه في عهد الصحابة ، فلو أنهم سكتوا عن الكتابة كما سكتوا من قبل لذهب العلم وضاعت ثقة المسلمين - إذا طال الزمن - بما يروى لهم منه .
وحينئذ كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم - وهو شيخ من شيوخ المحدثين وكبارهم ، وهو شيخ معمر والليث والأوزاعي ومالك وابن إسحاق وابن أبي ذئب - وكان ابن حزم نائب عمر بن عبد العزيز في الامرة والقضاء

مقدمة الكتاب 7


على المدينة ، كتب عمر إليه يقول " انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا تقبل إلا حديث
النبي صلى الله عليه وسلم ، ولتفشوا العلم ، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم ، فإن
العلم لا يهلك حتى يكون سرا " وأمر عمر غير ابن حزم بمثل ذلك ، أمر محمد
ابن مسلم بن شهاب الزهري - وهو أحد أئمة المسلمين ، وعالم المدينة والشام ،
وشيخ مالك وابن أبي ذئب ومعمر والأوزاعي والليث - فدون له في ذلك كتابا .
وبدأت من ذلك الوقت حركة التدوين والتصنيف ، بدأت - كما ترى -
بتدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لان عمر رسم لهم ذلك ، فكان
العالم يجمع ما يرويه من الحديث في كتاب ، غير متقيد بتمييز الموضوعات وضم
ما يندرج من مروياته تحت مسألة واحدة أو مسائل متشابهة في باب واحد ، وربما
صنف أحدهم كتابا من الحديث في باب واحد من أبواب التشريع ، وكانت
أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ ولادته إلى التحاقه بالرفيق الأعلى بعض
ما عنى المحدثون بروايته ، كما كانت بعض ما عنى العلماء بتدوينه على أنه جزء
من الحديث .
ثم جاء بعد ذلك وقت رتب فيه المحدثون كتبهم ، ونسقوا تصانيفهم ،
فكانوا يضمون الأحاديث التي يستدل بها على شئ واحد أو على مسائل يجمعها
شئ واحد تحت باب واحد ، فباب للوضوء ، وباب للصلاة ، وباب للزكاة ،
وباب للحج ، وباب للنكاح ، وهلم جرا ، وكان من بين هذه الأبواب في الكتب
الجامعة باب لاخبار النبي صلى الله عليه وسلم ، يذكرون فيه ما يروونه عن ولادته
ورضاعة وما بعدهما إلى بعثته ، ثم يفصلون أحواله بعد البعثة في مكة من دعوة
قريش إلى الدين وصبره على أذاهم له ولصحبه ، ويفصلون كذلك أخباره في غزواته
وجهاده وبعثه الرسل إلى الملوك والامراء وغير ذلك ، وخصوا ذلك الباب أحيانا
باسم " المغازي والسير " .


على المدينة ، كتب عمر إليه يقول " انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، ولتفشوا العلم ، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم ، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا " وأمر عمر غير ابن حزم بمثل ذلك ، أمر محمد ابن مسلم بن شهاب الزهري - وهو أحد أئمة المسلمين ، وعالم المدينة والشام ، وشيخ مالك وابن أبي ذئب ومعمر والأوزاعي والليث - فدون له في ذلك كتابا .
وبدأت من ذلك الوقت حركة التدوين والتصنيف ، بدأت - كما ترى - بتدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لان عمر رسم لهم ذلك ، فكان العالم يجمع ما يرويه من الحديث في كتاب ، غير متقيد بتمييز الموضوعات وضم ما يندرج من مروياته تحت مسألة واحدة أو مسائل متشابهة في باب واحد ، وربما صنف أحدهم كتابا من الحديث في باب واحد من أبواب التشريع ، وكانت أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ ولادته إلى التحاقه بالرفيق الأعلى بعض ما عنى المحدثون بروايته ، كما كانت بعض ما عنى العلماء بتدوينه على أنه جزء من الحديث .
ثم جاء بعد ذلك وقت رتب فيه المحدثون كتبهم ، ونسقوا تصانيفهم ، فكانوا يضمون الأحاديث التي يستدل بها على شئ واحد أو على مسائل يجمعها شئ واحد تحت باب واحد ، فباب للوضوء ، وباب للصلاة ، وباب للزكاة ، وباب للحج ، وباب للنكاح ، وهلم جرا ، وكان من بين هذه الأبواب في الكتب الجامعة باب لاخبار النبي صلى الله عليه وسلم ، يذكرون فيه ما يروونه عن ولادته ورضاعة وما بعدهما إلى بعثته ، ثم يفصلون أحواله بعد البعثة في مكة من دعوة قريش إلى الدين وصبره على أذاهم له ولصحبه ، ويفصلون كذلك أخباره في غزواته وجهاده وبعثه الرسل إلى الملوك والامراء وغير ذلك ، وخصوا ذلك الباب أحيانا باسم " المغازي والسير " .

مقدمة الكتاب 8


ثم جاء بعد ذلك دور من أدوار التصنيف كتبت فيه " المغازي والسير " في
مؤلفات خاصة ، وتوفر عليها جماعة من العلماء ، وكان هؤلاء يقدمون ؟ بين يدي
أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من القول في أخبار الجاهلية ، كأخبار جرهم
ودفن زمزم وحديث قصي بن كلاب وجمعه قريشا ، ونحو ذلك مما هو شرح لبعض
أخبار آباء النبي صلى الله عليه وسلم وأحوالهم وأحوال من عاصرهم .
وقد كان أول من كتب في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عروة بن الزبير
ابن العوام - وهو رجل من أشرف قريش نسبا ، فأبوه الزبير بن العوام ، وأمه
أسماء بنت أبي بكر الصديق ، ومن معاصريه أبان بن ذي النورين الخليفة الثالث
عثمان بن عفان ، وشرحبيل بن سعد أحد موالى الأنصار ، ووهب بن منبه ،
وهؤلاء الأربعة من علماء القرن الأول للهجرة ، وقد مات أولهم في أخريات هذا
القرن ، وبقى الثلاثة بعده حتى سلخوا من القرن الثاني قليلا ، وكان أطولهم
أمدا شرحبيل بن سعد فإنه بقى حتى حطم ربع القرن الثاني .
ثم جاء من بعد هؤلاء الأربعة طبقة أخرى ، كان أشهر من كتب من علمائها
في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة رجال ، وهم عاصم بن قتادة المدني الأنصاري
الظفري ، ومحمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المكي ،
وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو ابن أبي بكر بن حزم الذي
كتب إليه عمر بن عبد العزيز يأمره بتدوين حديث رسول الله ، على ما أنبأتك
من قبل .
ثم جاء من بعد هذه الطبقة طبقة أخرى كان أشهر رجالها الذين صنفوا في
هذا الفن موسى بن عقبة المدني ، مولى آل الزبير ، المتوفى في سنة إحدى وأربعين
ومائة ، ومعمر بن راشد ، مولى الأزد البصري ، المتوفى في سنة خمسين ومائة -
ويقال : في سنة ثلاث وخمسين ومائة - ومحمد بن إسحاق بن يسار مولى قيس
ابن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ، وهو مؤلف أصل هذه السيرة التي بين


ثم جاء بعد ذلك دور من أدوار التصنيف كتبت فيه " المغازي والسير " في مؤلفات خاصة ، وتوفر عليها جماعة من العلماء ، وكان هؤلاء يقدمون ؟ بين يدي أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من القول في أخبار الجاهلية ، كأخبار جرهم ودفن زمزم وحديث قصي بن كلاب وجمعه قريشا ، ونحو ذلك مما هو شرح لبعض أخبار آباء النبي صلى الله عليه وسلم وأحوالهم وأحوال من عاصرهم .
وقد كان أول من كتب في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عروة بن الزبير ابن العوام - وهو رجل من أشرف قريش نسبا ، فأبوه الزبير بن العوام ، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ، ومن معاصريه أبان بن ذي النورين الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، وشرحبيل بن سعد أحد موالى الأنصار ، ووهب بن منبه ، وهؤلاء الأربعة من علماء القرن الأول للهجرة ، وقد مات أولهم في أخريات هذا القرن ، وبقى الثلاثة بعده حتى سلخوا من القرن الثاني قليلا ، وكان أطولهم أمدا شرحبيل بن سعد فإنه بقى حتى حطم ربع القرن الثاني .
ثم جاء من بعد هؤلاء الأربعة طبقة أخرى ، كان أشهر من كتب من علمائها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة رجال ، وهم عاصم بن قتادة المدني الأنصاري الظفري ، ومحمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المكي ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو ابن أبي بكر بن حزم الذي كتب إليه عمر بن عبد العزيز يأمره بتدوين حديث رسول الله ، على ما أنبأتك من قبل .
ثم جاء من بعد هذه الطبقة طبقة أخرى كان أشهر رجالها الذين صنفوا في هذا الفن موسى بن عقبة المدني ، مولى آل الزبير ، المتوفى في سنة إحدى وأربعين ومائة ، ومعمر بن راشد ، مولى الأزد البصري ، المتوفى في سنة خمسين ومائة - ويقال : في سنة ثلاث وخمسين ومائة - ومحمد بن إسحاق بن يسار مولى قيس ابن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف ، وهو مؤلف أصل هذه السيرة التي بين

مقدمة الكتاب 9


أيدينا الآن ، وسنتحدث عنه حديثا خاصا في ترجمة تفردها له فيما يلي إن شاء الله
تعالى ، ومحمد بن عمر بن واقد الواقدي ، مولى بنى هاشم - ويقال : مولى بنى سهم
ابن أسلم - المتوفى في أواخر العقد الأول من القرن الثالث .
ثم جاء من بعد هؤلاء محمد بن سعد صاحب الطبقات الكبرى ، وهو راوية
الواقدي الذي ذكرناه في أعيان الطبقة السابقة ، وزياد بن عبد الله البكائي ، وهو
راوية ابن إسحاق صاحب أصل هذه السيرة .
وجاء من بعد ذلك أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب ، الحميري ، البصري ،
المصري ، المتوفى في أوائل أو أخريات العقد الثاني من القرن الثالث أو في أوائل
العقد الثالث منه ، وهو الذي انتهت إليه سيرة ابن إسحاق ، ووقف عنده علمها ،
وإليه اليوم تنسب ، حتى لم يعد أكثر الناس يعرفها إلا باسم " سيرة ابن هشام "
وستعلم مبلغ أثره فيها متى أفضى بنا القول إلى الحديث عن هذا الكتاب .
وقد ضاعت مصنفات الطبقتين الأولى والثانية ممن ذكرنا في هذه الكلمة ،
وعدا عليها الزمن فيما عدا عليه من علوم المسلمين ومصنفاتهم ، فلم يعد لنا من
هذه الكتب إلا اسمها الذي تجده في بعض مؤلفات المتقدمين من أمثال ابن النديم
وبعض نقول عنها نجدها منتثرة في ثنايا مصنفات من جاء بعدهم من العلماء
كالطبري وابن سعد والواقدي والبلاذري ، ولولا هؤلاء الاعلام لما علمنا عن
تصنيف هاتين الطبقتين شيئا ، ولا بلغنا من علمهم قليل ولا كثير .
فأما الطبقة الثالثة فهذا الكتاب الذي نعاني إخراجه اليوم أحد ثمرات رجل
من رجالها هو محمد بن إسحاق ، وإن لم يكن الكتاب الذي تراه هو المؤلف
الذي وضعه محمد بن إسحاق ، وقد بقى لنا من مؤلفات هذه الطبقة أيضا كتاب
" المغازي " الذي صنفه محمد بن عمر الواقدي ، وأما كتب موسى بن عقبة ومعمر
ابن راشد فقد لحقت بآثار الطبقتين السابقتين ، والامر لله الواحد القهار .
فكتاب السيرة الذي تقدمه اليوم للقراء أقدم أثر وصل إلينا من آثار


أيدينا الآن ، وسنتحدث عنه حديثا خاصا في ترجمة تفردها له فيما يلي إن شاء الله تعالى ، ومحمد بن عمر بن واقد الواقدي ، مولى بنى هاشم - ويقال : مولى بنى سهم ابن أسلم - المتوفى في أواخر العقد الأول من القرن الثالث .
ثم جاء من بعد هؤلاء محمد بن سعد صاحب الطبقات الكبرى ، وهو راوية الواقدي الذي ذكرناه في أعيان الطبقة السابقة ، وزياد بن عبد الله البكائي ، وهو راوية ابن إسحاق صاحب أصل هذه السيرة .
وجاء من بعد ذلك أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب ، الحميري ، البصري ، المصري ، المتوفى في أوائل أو أخريات العقد الثاني من القرن الثالث أو في أوائل العقد الثالث منه ، وهو الذي انتهت إليه سيرة ابن إسحاق ، ووقف عنده علمها ، وإليه اليوم تنسب ، حتى لم يعد أكثر الناس يعرفها إلا باسم " سيرة ابن هشام " وستعلم مبلغ أثره فيها متى أفضى بنا القول إلى الحديث عن هذا الكتاب .
وقد ضاعت مصنفات الطبقتين الأولى والثانية ممن ذكرنا في هذه الكلمة ، وعدا عليها الزمن فيما عدا عليه من علوم المسلمين ومصنفاتهم ، فلم يعد لنا من هذه الكتب إلا اسمها الذي تجده في بعض مؤلفات المتقدمين من أمثال ابن النديم وبعض نقول عنها نجدها منتثرة في ثنايا مصنفات من جاء بعدهم من العلماء كالطبري وابن سعد والواقدي والبلاذري ، ولولا هؤلاء الاعلام لما علمنا عن تصنيف هاتين الطبقتين شيئا ، ولا بلغنا من علمهم قليل ولا كثير .
فأما الطبقة الثالثة فهذا الكتاب الذي نعاني إخراجه اليوم أحد ثمرات رجل من رجالها هو محمد بن إسحاق ، وإن لم يكن الكتاب الذي تراه هو المؤلف الذي وضعه محمد بن إسحاق ، وقد بقى لنا من مؤلفات هذه الطبقة أيضا كتاب " المغازي " الذي صنفه محمد بن عمر الواقدي ، وأما كتب موسى بن عقبة ومعمر ابن راشد فقد لحقت بآثار الطبقتين السابقتين ، والامر لله الواحد القهار .
فكتاب السيرة الذي تقدمه اليوم للقراء أقدم أثر وصل إلينا من آثار

مقدمة الكتاب 10

لا يتم تسجيل الدخول!